العودة   شبكة روايات التفاعلية > « الـمنتـديـات الـعـامــة » > ¨ مــــــنـــــتــــدى الأدب
تحديث الصفحة مقالات د. يوسف زيدان
رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  (#1) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي مقالات د. يوسف زيدان - 27-09-2009, 11:27 AM

بسم الله الرحمن الرحيم


  • هو د.يوسف محمد أحمد طه زيدان
  • من مواليد 30/6/1958
  • حاصل على ليسانس آداب قسم فلسفة جامعة الإسكندرية 1980
  • ماجستير فى الفلسفة الإسلامية ، جامعة الإسكندرية عام 1985(عنوان الرسالة: الفكر الصوفى عند عبد الكريم الجيلى، دراسة وتحقيق لقصيدة النادرات العينية للجيلى مع شرح النابلسى)
  • دكتوراة فى الفلسفة الإسلامية ، جامعة الإسكندرية عام 1989 (عنوان الرسالة: الطريقة القادرية فكراً ومنهجاً وسلوكاً، دراسة وتحقيق لديوان عبد القادر الجيلانى)
  • درجة الأستاذية فى الفلسفة وتاريخ العلوم (ديسمبر 1999) بإجماع لجنة الترقيات بالمجلس الأعلى للجامعات
  • يعمل حالياً مديراً لمركز المخطوطات / متحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية
  • صدر لد.يوسف العديد من المؤلفات في مجالات مختلفة وهنا قائمة بجميع إصداراته
  • صدر له مؤخراً رواية عزازيل ورواية ظل الأفعى عن دار الشروق
  • الموقع الشخصي لد.يوسف زيدان على الإنترنت : http://www.ziedan.com/index_o.asp
  • جروب د.يوسف زيدان على facebook : http://www.facebook.com/group.php?gid=62377467196
  • وحالياً يكتب د.يوسف مقالات إسبوعية في جريدة المصري اليوم كل أربعاء

التعديل الأخير تم بواسطة : mars3000 بتاريخ 28-09-2009 الساعة 02:28 PM. سبب آخر: تم تعديل الجملة الأخيرة بناءً على طلب أنس
رد مع اقتباس
  (#2) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 27-09-2009, 11:34 AM

بسم الله الرحمن الرحيم
أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف.. شَرَارُ البدءِ وشُرورُ ‏المنتهى
  • د. يوسف زيدان
نبتدئ اليوم بعون الله (الرب) الكلامَ على أسرار الخلاف وخلفياته، وأهوال الاختلاف وويلاته. سعياً لإمعان النظر فى القنابل (الفكرية) الموقوتة، والحمِيات (الوجدانية) المزمنة، التى يزخر بها واقعنا المعاصر ذو السطح الهادئ والباطن المضطرم. ولاشك فى أن كلامنا سيكون حتماً شائكاً، وقد يراه البعضُ شائقاً، والبعض لائقاً.. والبعضُ سوف يراه غير لائق، وغير مطلوب! استناداً إلى العبارة التى طالما تناقلتها الألسنة، وشاعت حتى استعلنت بيننا وكأنها اليقين. أعنى العبارة القائلة: الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية.


ولو كانت هذه العبارة أدق، لأُضيفت (قد) وعُدِّلت قليلاً بحيث تصير: الخلاف فى الرأى قد لا يفسد قضية للود. ومع ذلك، فإن الخلاف فى الرأى هو كالخلاف فى أى أمر آخر، من شأنه أن يطيح بكل قضايا الود والتواد والتودد والمودة (إلى آخر مشتقات هذه الكلمة الطيبة) فالخلاف والود، والاختلاف والتواد، والخُلف والمودة، كلها قضايا متقابلة فيما بينها بالتناقض. وقد قال أرسطو (المعلم الأول) قبل قرون طوال، إن القضايا المتناقضات متنافرات! فالنقيضان لا يجتمعان معاً، ولا يرتفعان معاً.. منطقياً.

تلك هى المقدمة (الأولى) من المقدمات الواجب علينا الوقوف عندها قبل الشروع فى تلك المقالات التى تبدأ هذا الأسبوع، وقد تمتد إلى سبعة أسابيع تالية. وهناك مقدمات أخرى، غيرها، يحسن الوقوف أولاً عندها، لضبط المسألة التى نحن بصددها، فمن ذلك ما يلى:

يعتقد كثيرون أن المشكلات تنحلُّ من تلقاء نفسها، وأن (الزمن) كفيلٌ بإنهاء الخلافات الصغيرة والاختلافات المحدودة التى تقع بين الناس. وهذا فيما أرى، وقد أكون مخطئاً، غيرُ صحيح. لأن تجارب الأمم والشعوب، والتاريخ الطويل للخبرات الإنسانية، والآثار الباقية عن القرون الخالية، كلها مؤكِّدات لحقيقة واضحة، هى أن الخلاف يبدأ صغيراً شاحباً، فإذا طال عليه الزمن كبر واستقوت ملامحه. انظرْ مثلاً إلى أشهر حروب العرب فى الجاهلية (حرب البسوس) التى امتدت لأكثر من عشرين عاماً، وأودت بحياة كثير من الأبطال المحاربين فى قبيلتيْ (تغلب، وبكر) اللتين اختلفتا أولاً على مقتل ناقة اسمها البسوس، أو كانت ناقة لامرأةٍ اسمها البسوس. وكان من الممكن أولاً إنهاء الأمر بفديةٍ أو تعويض، لكن الخلاف تطور حتى جرت بين القبيلتين الحرب، فانهمكوا فيها حتى أُنهكوا تماماً، وفشلوا، وذهبت ريحهم مع أنهم كانوا قبل هذه الحرب بقليل قد حققوا إنجازاً تاريخياً مبهراً بانتصارهم على (الفرس) فى موقعة (ذى قار) فكانت المرة الأولى التى تجتمع فيها القبائل العربية ضد قوة عظمى بمقاييس ذاك الزمان، وتحاربها صفاً، وتنتصر عليها.. قبل الإسلام.

وكذلك الأمر فى أكبر فواجع الزمن الإسلامى، وهو الاجتياح المغولى لديار المسلمين، الذى ابتدأ بشرارة صغيرة، ولم ينتبه الناس آنذاك إلى أن معظم النار من مستصغر الشرر. فقد اختلف جنكيز خان (المغولى) مع محمد خوارزمشاه (المسلم) حول نظام تسيير القوافل، فوقعت عند بلدة أوترار الحدودية حادثة محدودة مع قافلة أرسلها جنكيز خان من دون إخطار سابق، وكان تجار القافلة مسلمين ! فإذا بالحاكم المسلم التابع لمحمد خوارزمشاه يستولى على القافلة ويقتل أفرادها، ثم يتطور الأمر بسرعة بعدما أهان خوارزمشاه رُسل جنكيز خان إهانة بالغة، فثارت النفوس ودارت رحى الحرب الطاحنة التى امتدت عقوداً من الزمان وقتلت (ملايين) البشر.

إذن، فأهوالُ الاختلافات (المرعبة) تهب رياحها القوية، مع إهمال أسرار الخلافات (الهينة) التى تصير مع الوقت عويصة الحال، خصوصاً إذا توارثتها أجيالٌ من بعد أجيال. فهنا ترسخ فى النفوس آليات التناقض والرفض والنـزاع، فتصير تراثاً عند أولئك وهؤلاء. وكل تراث له، لا محالة، قداسةٌ فى النفوس! مما يجعل إعادة النظر فيه أمراً شائكاً، غير شائق عند الكثيرين، ولا مطلوب.

وهناك مقدمة أخرى، ضرورية، لابد من تبيانها. ملخصها أن الخلاف بين الناس أوله لذيذ! فهو، حسبما يبدو لأول وهلة، سبيلٌ للتمايز وطريق للخصوصية. والإنسان بطبعه يميل إلى ما يؤكد ذاته ويُجوهر صفاته. وإدمان الخلاف والعكوف عليه، يقود بالضرورة إلى الشعور بالتميُّز والاختلاف. وهو شعور (مرضى) بضم الميم، لأنه يُريح وجدانياً. لكنه شعور (مرضى) بفتح الميم والراء، لأنه مع مرور الوقت يقترن بإعلاءٍ وهمىٍّ للذات، وحطٍّ تلقائىٍّ من شأن المخالفين، خاصةً إن كان الخلاف موروثاً والاختلاف تراثياً ومقدساً.

وللخلافات والاختلافات تاريخٌ عجيب، ونهايات مفجعة مقارنة بالبدايات الهينة، مهما كان السبب الأول، والسر المخفى أو الأمر المعلن، الذى ابتدأ به الأمر أصلاً. انظرْ مثلاً إلى ما كان بمصر قبل الفتح (الغزو) العربى الإسلامى، حيث كان هناك حزبان قويان (حزب الخضر، حزب الزرق) وهما فى الأصل من جماعات مشجعى فرق الألعاب الأوليمبية، على طريقة (الأهلى والزمالك) المعاصرة. لكن أولئك وهؤلاء من أهل الحزبين ظلا يتكتلان اقتصادياً ويتخاصمان سياسياً، ثم انتهى أمرهما بأن اقتتلا عسكرياً.. وعندما دخل عمرو بن العاص إلى مصر، كان الحزبان يتقاتلان فيما بينهما ! وكان قتالهما سبباً لاستيلاء المسلمين على مصر، ضمن عدة أسباب أخرى، بالطبع.

إذن لا يشترط فى الخلافات والاختلافات (المزمنة) أن تكون بالضرورة ذات خلفية دينية. فالخضر والزرق (الحزبان) كانا يعودان فى أصل الخلاف بينهما إلى الزمن الوثنى الذى تعدَّدت فيه الديانات من دون منازعات بين أصل هذه الديانة أو تلك، ولم يرفع أحدهما ضد الآخر شعاراً دينياً حتى حين أدركهما الزمن المسيحى.. وفى الزمن الإسلامى، تظل الواقعة التى هى بالإجماع أكبر (الفواجع) وأفظع الأهوال، سقوط بغداد بيد المغول سنة 656 هجرية، هى نتيجةٌ مباشرةٌ لخلاف غير دينى، بالمرة. لأن المغول آنذاك لم يكونوا فى معظمهم على أى دين! صحيحٌ أن زوجة هولاكو (طقز خاتون) كانت مسيحية نسطورية تكره المسلمين وتشجع زوجها على الفتك بهم، لكنه أصلاً كان مدفوعاً بالخلاف الذى أشرنا إليه قبل قليل، والاختلاف الذى ورثه عن أعمامه وأبيه وجَدِّه الفاتح الأسطورى جنكيز خان. وقد استباح هولاكو بغداد، التى كانت آنذاك أعظم مدن العالم وأكثرها تحضراً، لمدة أربعين يوماً يفعل فيها جنوده ما يشاءون. فكانت النتيجة قتل ما يقرب من مليون مسلم فى الأيام الأربعين، بحسب أوسط التقديرات.

وفى زماننا المعاصر، روَّعت العالم مذابح (رواندا) التى لا يبلغ عدد قتلاها الإحصاء، ولا يبلغ الوصف حقيقة دمويتها. مع أن الخلاف بين الهوتو والتوتسى، هو خلاف عرقى (قَبَلى) لا شأن للدين فيه، بشكل مباشر.. وهذا الأمر لم يتوقف حدوثه على غياهب إفريقيا (السوداء) بل جرى مؤخراً نظيرٌ له فى قلب أوروبا (البيضاء) التى استيقظت يوماً من سباتها العقلانى، الحداثى وما بعد الحداثى، على المذابح المروِّعة التى قام بها الصرب ضد الكروات والبوسنويين، على أساسٍ عرقىٍّ وليس دينياً ! فالكروات مسيحيون، والبوسنويون مسلمون، والصرب وارثون لتراث الخلاف والاختلاف الذى امتد فيهم جيلاً بعد جيل على أسس (عرقية) مثلما امتد بين الهوتو والتوتسى على أسس (قَبَلية) وامتد بين الخضر والزرق على أسس (رياضية).

ومع ذلك، يبقى الخلاف الدينى والاختلاف العقائدى، هو الأدوم والأثقل والأفظع والأفتك بين الناس! لأنه بطبيعته ممتد الأثر فى الأجيال، ولأنه يتوسل فى احتدامه بحجةٍ خطيرة هى امتلاك (اليقين) وضلال (المخالفين) ولأنه يزعم لنفسه قداسة لا حدود لها، بادعائه النطق باسم الإله.. الله.. الرب.. يهوه.. إلوهيم.. إيل.. أهيه الذى أهيه (أحد أسماء الله التوراتية) ولأن الاختلاف والتناحر القائمين على الخلاف والتنوع المذهبى فى الدين، سجَّلا فى تاريخ الإنسانية أروع المعدلات (الروعة فى اللغة معناها الفزع) فى أطول الحروب زمناً: الحروب الصليبية، التى وإن كانت لها دواعٍ كثيرة، إلا أن شعارها يظل دينياً.. ومن أفظع حوادث البشرية، ما جرى فى غرب أوروبا من قيام الكاثوليك على البروتستانت، حتى ذبحوا منهم فى يوم واحد (يوم واحد) ثمانمائة ألف شخص.. ثمانمائة ألف إنسان قُتلوا فى يوم واحد لأنهم مسيحيون بروتستانت اختلفوا مذهبياً مع مسيحيين كاثوليك اعتقدوا أنهم وحدهم على صواب، وأن اليقين التام فى جانبهم وحدهم، وأن مخالفيهم ضالون.. فذبحوهم! وقد نسوا معظم كلام السيد المسيح ووصاياه، وتعلقوا فقط بما هو مكتوب فى الإنجيل من قول المسيح: «أتظنون أننى جئت لأضع فى الأرض سلاماً، ماجئتُ لأضع فى الأرض سلاماً بل سيفاً، جئتُ لأفرِّق بين الابنة وأمها، وبين الابن وأبيه» تعلَّقوا بذلك وفهموه على وجه واحد، ولم يتأولوا الوجوه الأخرى لمعنى العبارة.. فهاجتِ الأهوال، وأطلَّ العنفُ من تحت الأرض فالتهم أقدام الناس وارتوى بدمائهم ومضغ قلوبهم وأطاش عقولهم. لأن العنف الدينى أصيلٌ، نظامىٌّ، مقدس، لا يلبث إن لم تُطفأ شرارات ابتدائه، أن تثور شرور نهاياته، فتندفع فى أرض الله المرعباتُ.. العادياتُ ضَبْحاً، وتدقُّ فى الطرقات سنابكُ الخيل.. المورياتُ قَدْحاً، وتفزع الناسَ الجحافلُ.. المغيراتُ صُبْحاً، المثيراتُ به نَقْعاً.

وبعد، فمقالات الأسابيع التاليات سوف تكون وقفات عند بعض نقاط الخلاف (الدينى) لمعرفة أسرارها، تلافياً لانقلابها من حالة الشرارات إلى احتدام (الشرور) بين الناس فى هذا البلد بمن فيه، ومع مَنْ حوله. والأمر هنا يقتضى الإشارة إلى أن المقالات القادمة لم تُكتب للمبتدئين، ولا لأنصاف المتعلمين، ولا للمفتشين عن السقطات، ولا للساقطين فى مهاوى التعصب، ولا للمتاجرين بالدين وبؤس الناس، الراغبين فى إذكاء الخلاف ابتغاء منافع شخصية ونزعات دنيوية ونزغات شيطانية. وهؤلاء، على كل حال، لهم كتبةٌ كثيرون يكتبون لهم، وقنوات تليفزيونية تطفح بما إليه يشتاقون. فليصرفوا أنظارهم عن مقالاتى المكتوبة لغيرهم، ورؤاى التى لا تزعم لنفسها (اليقين) ولا تدَّعيه، وإنما توجِّه بعض الانتباه إلى شرارات البدء التى قد تُفضى إلى ويلات المنتهى. وسوف تكون مقالتى القادمة فى هذه (السلسلة) بعنوان: تحصيل الفلوس بالجزية أو بالمكوس. والتى بعدها ستكون بعنوان: القبطية صناعة عربية إسلامية.. فإلى لقاء.

المصري اليوم
16/9/2009

التعديل الأخير تم بواسطة : mars3000 بتاريخ 28-09-2009 الساعة 02:33 PM. سبب آخر: تم تعديل تاريخ المقال
رد مع اقتباس
  (#3) قديم
ايهاب احمد عمر ايهاب احمد عمر غير متواجد حالياً
القط الكبير يراقبكم
 
الصورة الرمزية ايهاب احمد عمر
 
المشاركات: 9,986
نقاط: 3,854
المصرف: 0
المجموع نقاط: 3,854
إهداء نقاط
رقم العضوية:21867
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: مصر
العمر: 32
افتراضي 27-09-2009, 11:46 PM

السلام عليكم
شباب .. رجاء قبل أضافة اي مقالات للاستاذ الكبير يوسف زيدان أن يتم التأكد انها لن تثير أي حساسيات دينية من اي نوع، خاصة من تلك التي جعلت إدارة المنتدي تغلق اي موضوع نقاشي يدور حول رواية عزازيل او ما يدور من افكار و مقالات في هذا الفلك
و الموضوع تحت المراقبة من أجل التأكد من هذا الامر
مع الشكر
رد مع اقتباس
  (#4) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 28-09-2009, 03:54 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

د. يوسف زيدان يكتب: أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف تحصيلُ الفلوسِ بالجزية أو بالمكوسِ


طفرت فجأة فى واقعنا (المصرى) المعاصر، مسألة «الجزية» التى أطلَّت أولاً على استحياء، فلم تؤخذ مأخذ الجدية، ثم توالى ظهورها وتكررت على ألسنة «أولئك وهؤلاء» حتى صارت من أكثر الكلمات ذيوعاً هذه الأيام. ومَنْ أراد أن يفاجئ نفسه بهذا الذيوع المفاجى، عليه أن يترك قراءة هذه المقالة ويبحث فى الإنترنت عن السياقات التى ترد فيها كلمة «جزية» حيث سيجد عشرات الآلاف منها، إما فى كلام مباشر أو فى إشارات غير مباشرة.
والذى يهمنا هنا من ذلك كله، هو (الفهم) الجديد للجزية عند أولئك وهؤلاء.. ومقصودى بأولئك، إخواننا من المسلمين المتحمِّسين الغاضبين، الذين يسميهم البعضُ الإسلاميين، والبعضُ الجماعات، والبعضُ المتشدِّدين! وهم يرون فيما يرون، أن على المسيحيين فى مصر دفع الجزية.
ومقصودى بهؤلاء، إخواننا من المسيحيين المتحمِّسين الغاضبين، الذين يسميهم البعضُ الأقباط، والبعضُ بأسماءٍ أخرى سوف نعود إليها فى مقالة قادمة (الأرثوذكس المصريين، المرقسيين، اليعاقبة، اللاخلقيدونيين.. إلخ) وهؤلاء فى العادة يتكلم بالنيابة عنهم فريقان: رجال الدين، وأهل المهجر! وقد نشرت الصحف مؤخراً، وصفحات الإنترنت؛ كلاماً عجيباً لواحد من كبار رجال الدين (القبطى) يقول فيه إن كنيسته تؤيد توريث الحكم (الجمهورى) فى مصر، لأن جمال مبارك شخص لطيف، وحسنى مبارك رجل طيب لا يطالب الأقباط بسداد الجزية! هكذا قال،
وهكذا قالوا.. فالله المستعان على ما يقولون ويتقولون، وعليه التكلان فيما سوف أورده فيما يلى، للتنبيه على الخلط الذى يقع فيه أولئك وهؤلاء، قبل أن يتحول هذا الأمر من (كلام غير دقيق) إلى (كلام سخيف) إلى (كلام مكلوم) إلى أفعالٍ قائمةٍ على الكلام الخلافى، منذرةٍ بالعنف الاختلافى.. المقدَّس.
الجزية.. الخراج.. المكوس.. الضرائب.. الرسوم! هذه كلها مفردات لا شأن لها فى الأصل بالدين، إسلاماً كان أو غير إسلام. لكنها مفاهيم اقتصادية فى الأساس، يُعبر عنها الآن بصيغة معاصرة هى (مصادر الدخل العام) لكنها ارتبطت مؤخراً فى الأذهان، زوراً، بالفتح الإسلامى لمصر.. أو (الغزو) حسبما يطيب لبعض «نابهى» الأقباط المعاصرين تسميته، كنوعٍ من الإدانة له! بينما الأمر من الجهة المقابلة (الإسلامية) لا يتضمن أى إدانة..
فالمسلمون طيلة تاريخهم يقولون عن الفتوحات من دون حرج «المغازى» ويؤرخون فى السيرة النبوية لحروب النبى تحت عنوان «غزوات النبى» ويمدحون البطل بأنه «الغازى» ويسمون بعض أطفالهم «غازى» من دون أى شعور بالإدانة المرادة مؤخراً، عند استعمال كلمة (غزو مصر) بدلاً من فتح مصر.
المهم، أن كلمتيْ : فتح / غزو، صارتا ترتبطان مؤخراً فى الأذهان بمفهوم مضطرب المعنى فى ذهن معاصرينا، هو مفهوم «أهل الذمة» حتى إن بعض (الإسلاميين) المعاصرين يشير إلى أقباط مصر بأنهم أهل ذمة! ومن ثم، فإن عليهم دفع الجزية! ومن ثم، فالرئيس الحالى لمصر رجل طيب لأنه لا يأخذ من الأقباط الجزية.. وهذا بالطبع خلط وتخليط من أولئك وهؤلاء، أخشى إن أهملنا النظر فيه أن ينقلب نزاعاً يؤججه الاحتقان الحالى بين الفريقين. ولذلك نقول:
الذمة فى اللغة العربية، وفى المفهوم الفقهى الإسلامى، تعنى (الأمان) وهى لا ترتبط بأى معنى سلبى، بل على العكس، كان العربى يمتدح القوم بأنهم بالنسبة إليه «لهم ذمة» وفى شعر المتنبى: إن المعارف فى أهل النهى ذمم. وفى كلامنا المعاصر إذا استحلفنا شخصاً بأمرٍ عزيز، قلنا: بذمّتك؟
إذن، الذمة ليست أمراً مذموماً، حتى يظن (الإسلاميون) أنهم يهينون الأقباط بإطلاق هذا الوصف عليهم، وهى لا تتضمن فى أصلها أى انتقاص، حتى يظن (المسيحيون) أنها تقليل من شأنهم، ولم يكن نبى الإسلام يقصد بها أية معانٍ سلبية حين أوصى بأهل مصر (القبط) خيراً، لأن لهم حسبما ورد فى الحديث الشريف: رَحماً وذمة.. غير أن المتأسلمين المعاصرين، والمتأقبطين، صاروا يحيلون كلامهم إلى نَواحٍ تخدم حالة النُّواح المزمن الذى صار الفريقان يلتذان به، من دون انتباه إلى أن بقية الناس قد يقعون فريسة لهذا النُّواح الذى سرعان ما ينقلب نحيباً ثم مهارشةً ثم مكافحةً ثم صراعاً، مع أن أساسه وهمى تماماً.
والعجيب فى هذا الأمر، أن الذمة (عقد) سنوى، لم يعد يعقد منذ قرون طوال. فقد صار المصريون جميعاً يعانون الحرب معاً، ولا يدافع بعضهم عن بعض مقابل ضريبة سنوية هى التى كانت تسمى الجزية. وبالتالى فلا معنى أصلاً لطرح هذا الأمر من الأساس. ناهيك عن الاختلاف حوله والاستشهاد به كى يحقق البعض من أولئك وهؤلاء أغراضاً فى نفوسهم، لا صلة لها أصلاً بهذا الدين أو ذاك، وإنما هى حذلقات (افتكاسات) وتهويمات (فذلكات) يخدعون بها الناس فى بلادنا.. الناس (الغلابة) ذهنياً، الذين يسميهم المتأسلمون (الجمهور) ويسميهم المتأقبطون (الشعب)
وكأن هناك تصنيفاً حقيقياً للمصريين بناءً على انتمائهم الدينى، وكأن «الجمهور» فى كلام المتأسلم لا يشمل المسيحيين، وكأن «الشعب» فى كلام المتأقبط لا يشمل المسلمين.. مع أننا جميعاً، شئنا أم أبينا، صرنا مع الأيام كياناً واحداً، فى ذمة واحدة هى ذمَّة التخلُّف وفقر الفكر وفكر الفقر وعُصاب التعصُّب وتعصُّب العصابيين، من المستفيدين بالخلاف من أولئك وهؤلاء.
ولمن أراد التدقيق فى معرفة حقيقة «الجزية» وكيف أنها لا ترتبط عقائدياً بالدين الإسلامى، ولا تاريخياً بأقباط مصر؛ نسوق الشواهد المستقاة من المتون (الكتب) التاريخية، والحواشى (الشروح) الفقهية، والوقائع (الحوادث) الفعلية التى تؤكد أن الناس صاروا اليوم فى وهم عظيم.. ولسوف نجمل ذلك فى النقاط التاليات:
أولاً: الجزية مفهوم عربى سابق على الإسلام، حيث كانت القبائل والعشائر «تجير» بعضها بعضاً، مقابل رسوم معلومة يدفعها الذى لا يرغب فى خوض الحروب، لمن يتولى الدفاع عنه عند اللزوم. فهى أشبه بما نعرفه اليوم تحت اسم الأحلاف العسكرية بين الدول، أو اتفاقيات الدفاع المشترك.. أو على نحو أكثر محدودية، تأجير شركات الأمن والخدمات التأمينية (الحراسة).
ولما جاء الإسلام استخدم المسلمون كثيراً من التقاليد العربية التى كان معمولاً بها من قبل، ومنها هذا التقليد المسمى «إجارة» أو «عقد ذمة» أو «عهد أمان».. إلخ، وبالتالى فلا معنى لمخادعة الناس اليوم، بطرح هذا الأمر وكأنه أصل من الأصول الدينية.
ثانياً: لم يكن الأقباط حين جاء عمرو بن العاص فاتحاً (غازياً) يحكمون مصر، كى يقال إنه أخذها منهم أو احتلَّها من أصحابها الأصليين! فالذى يملك مصر هو الإمبراطور هرقل، وقبله بسنواتٍ الفرسُ (البابليون) وقبلهم بسنوات نيقتاس.. وهؤلاء جميعاً ليسوا مصريين أصلاً، ولا أقباطاً أصلاً!
بل الأكثر من ذلك، أن مصر طيلة تاريخها لم يحكمها حاكم قبطى (قطُّ) لا فى أيام عمرو بن العاص، ولا قبله، ولا بعده. وبالتالى فإن خرافة (أصحاب البلد) التى بدأت تروج مؤخراً، هى محض خرافة وتوجيه للأكاذيب.. وإلا، فليقل لنا هؤلاء اسماً واحداً، لحاكم قبطى واحد تولى حكم هذا البلد.
ثالثاً: فى الزمن الذى كان فيه تقليدُ «الجزية» معمولاً به، كان هناك أيضاً «الخراج» وسيلة من وسائل تمويل الدخل العام الذى ينفق منه على المنافع العامة ومتطلبات الدفاع. فالجزية والخراج هما (الضرائب العامة) التى يدفعها المسلم تحت اسم الخراج، وغير المسلم باسم الجزية.
وكلاهما كان يسمى قبل مجىء الإسلام لمصر ودخول معظم المصريين فيه، باللفظ اليونانى MAKSO الذى حُرِّف وصار «المكس» ولذلك يسمى أحد أحياء الإسكندرية إلى اليوم، بالمكس، لأن الضرائب كانت تُدفع للروم هناك.. ولما جاء المسلمون لم يكن همهم تحصيل أعلى قدر من الضرائب العامة، جزيةً، أو خراجاً، أو مكوساً، وهو ما يظهر لنا من قول عمرو بن العاص لأحد أساقفة مصر المعاصرين له (ولا نعرف إن كان هذا الأسقف قبطياً أم بيزنطياً) حين سأله الأسقف عن القدر المالى المطلوب دفعه كل عام: لو جئت لى بملء هذه الكنيسة ذهباً ما أخذته منك، فأنتم خزانة لنا، إن يسَّر الله علينا يسَّرنا عليكم، وإن عسَّر عسَّرنا..
وقد اعترض عمرو بن العاص، نفسه، على الخليفة عثمان بن عفان حين ضغط نائبه فى مصر (عبد الله بن أبى سرح) على البلاد، فجمع منها مالاً كثيراً. وهذه الواقعة مشهورة فى التاريخ الإسلامى، ورواها عدد كبير من المؤرخين والإخباريين ورواة السيرة والتراجم.
رابعاً: لم يكن نظام «الجزية» معمولاً به فى كل البلاد التى فتحها المسلمون، بل إن النبى نفسه أسقطها عن أهل «نجران» مقابل بعض الأثواب التى كانوا ماهرين فى صناعتها، والتعهد بأن يستضيفوا الذين يمرون عليهم من المسلمين.. وقد أسقط عمر بن الخطاب (الخليفة) الجزية عن أهل قبيلة «تغلب» التى كانت من كبريات القبائل المسيحية فى العراق. كما أسقطها عن الشعوب غير المسلمة فى آسيا، وأسقطها عن بعض نواحى أنطاكية فى مقابل بعض التسهيلات (اللوجستية) التى تعهدوا بها.
خامساً: إن عقود الذمة والجزية التى تم إبرامها فى بدء الانتشار الإسلامى فى العالم، كانت تتضمن نصوصاً مثل ذلك الذى ورد فى عهد خالد بن الوليد مع المسيحيين من أهل «الحيرة» حيث جاء فيها: أى شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت عنه الجزية وعِيل (حصل على راتب) من بيت مال المسلمين.
وعندما وجد الخليفة عمر بن الخطاب يهودياً يسأل الناس (شحَّات) وعرف منه أنه لا يملك شيئاً، ولا يستطيع دفع الجزية؛ أعطاه من ماله الخاص ثم أخذه إلى خازن بيت المال (= وزير المالية) وأمره أن يُسقط عنه وعن أمثاله الجزية.. وبعده بزمان، كتب الخليفة عمر (ابن عبد العزيز) إلى نوابه فى الأقاليم والبلاد: إن كان عندكم من أهل الذمة، مَنْ كبر سنه وضعفت قوته وولَّت عنه المكاسب، فأجروا عليه رزقاً (رواتب) من بيت مال المسلمين.. وقال القرطبى: الجزية توضع على الرجال الأحرار البالغين،الذين لا يقاتلون، ولا تكون على النساء والذرية والعبيد والمجانين والمغلوبين على عقولهم، ولا على الشيخ الفانى (كبير السن).
سادساً: كان من وسائل الدخل العام وتحصيل الفلوس: الجزية، المكوس، الخراج، التعشير، الزكاة، فداء الأسرى (الاكتتاب العام) الوقف (المشروعات القومية القائمة على التبرعات).. فليكفّ مثيرو اللغط، من أولئك وهؤلاء، عن الطنطنة الفارغة بحكاية الجزية، رغبة فى تهييج بواطن أهل البلد، بعضهم على بعض.

المصري اليوم
23/9/2209
رد مع اقتباس
  (#5) قديم
حامل شعلة المخلدين حامل شعلة المخلدين غير متواجد حالياً
1926 - 2009 / 1925 - 2011
 
الصورة الرمزية حامل شعلة المخلدين
 
المشاركات: 7,167
نقاط: 91,340
المصرف: 0
المجموع نقاط: 91,340
إهداء نقاط
رقم العضوية:23776
تاريخ التسجيل: Sep 2006
الدولة: الإسكندرية
العمر: 32
افتراضي 29-09-2009, 05:49 PM


المقال الأخير أعده محاضرة تاريخية لا يجب اختصارها في مقال لأن في هذا ظلمًا لها..

د. يوسف زيدان يطرق نقاط بالغة الأهمية والخطورة، ويفند الحقائق بشكل مرتب ويغري بالمتابعة، خاصة الجزء الخاص بالجزية، وتوضيحه للصورة التي كانت غائبة عن ذهني رغم وضوحها..

أما عن أسلوبه فهو يستخدم أسلوبًا سهلا ممتنعًا ومفردات كلماته مختلفة جدًا.. ويعجبني الترادف في كلماته بشدة.. بمعنى أن المقال في حد ذاته تحفة أدبية وليس مقالا جافًا يعرض المعلومات وكفى..

سأحاول اقتناء الجريدة كل أربعاء والاحتفاظ بمقاله.. لأنني أعلم أن هناك - حتمًا - مقالات قادمة قد لا تجد مكانًا لها في المنتدى لحساسيتها كما أشار ونوّه العزيز إيهاب بالأعلى..

وشكرًا لأنس على مجهوده الجميل
رد مع اقتباس
  (#6) قديم
المُرشِد المُرشِد غير متواجد حالياً
اشــتراك ذهبي
 
الصورة الرمزية المُرشِد
 
المشاركات: 1,307
نقاط: 9,742
المصرف: 0
المجموع نقاط: 9,742
إهداء نقاط
رقم العضوية:17574
تاريخ التسجيل: Dec 2003
الدولة: السودان
العمر: 28
افتراضي 29-09-2009, 09:05 PM

صراحة لا اعرف هل مثل هذه المواضيع للنقاش ام للمشاهدة فقط..

لاني لدي العديد من الاستفسارات حول اخر مقال
رد مع اقتباس
  (#7) قديم
ايهاب احمد عمر ايهاب احمد عمر غير متواجد حالياً
القط الكبير يراقبكم
 
الصورة الرمزية ايهاب احمد عمر
 
المشاركات: 9,986
نقاط: 3,854
المصرف: 0
المجموع نقاط: 3,854
إهداء نقاط
رقم العضوية:21867
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: مصر
العمر: 32
افتراضي 29-09-2009, 11:05 PM

اقتباس:
أما عن أسلوبه فهو يستخدم أسلوبًا سهلا ممتنعًا ومفردات كلماته مختلفة جدًا.. ويعجبني الترادف في كلماته بشدة.. بمعنى أن المقال في حد ذاته تحفة أدبية وليس مقالا جافًا يعرض المعلومات وكفى
هو & د.أحمد خالد توفيق صراحة لهم اسلوب مميز في كتابة المقال، و رغم انني اعتبر المقال فن ادبي رفيع الا انني اري ان كتابات د.أحمد و د.يوسف المقالية تحفة أدبية لا يمكن وصفها
انا متيم اساساً بيوسف زيدان منذ ان رأيه في ندوة بدرخان بوك ستور -سوف احضر نصها هنا في الموضوع مرة اخري- فالرجل و هو يتحدث عملاق متمكن من ادواته، قارع الجميع بالحجة و أدي عرضاً مبهراً لمعلومات خافية علي الجميع في ثنايا الكتب و ارفف المكتبات.
استغرب و بشدة من ظن ان الرجل يسعى الي الاثارة، او فرح بما اثارته رواية عزازيل من جدل، بل انه في الندوة كلما اتى الحديث عن هذا الجدل ابدى ضيقاً شديداً من الحديث في هذا الصدد، بل وكان يشير الي مازحاً بعدم كتابة ما سوف يقوله (هو فهم اني صحفي عشان الكاميرا ).
في الندوة انقطع النور في القاعة، فخرج الرجل الي الحديقة المصاحبة للمكتبة، و خرجنا خلفه وجلسنا كلنا في الظلام و هو يتحدث و يتحدث و يتحدث و كلنا مبهوريين بما يقوله، من المرات الناردة لي حقيقة التي استمتع فيها بحضور ندوة.
رد مع اقتباس
  (#8) قديم
محمد عبد القهار محمد عبد القهار غير متواجد حالياً
و أنت في القلب...مالك
/// فارس زين سابقا ///
 
الصورة الرمزية محمد عبد القهار
 
المشاركات: 1,193
نقاط: 2,275
المصرف: 0
المجموع نقاط: 2,275
إهداء نقاط
رقم العضوية:23440
تاريخ التسجيل: Aug 2006
العمر: 25
افتراضي 30-09-2009, 05:34 PM

السلام عليكم و رحمة الله:

مقال الجزية و المكوس مقال رائع جدا و مما يعضد قول الكاتب في هذا الصدد واقعة رد أبي عبيدة الجراح الجزية لأهل حمص حين اضطرته ظروف المعارك للانسحاب عنها

بانتظار مزيد من هذه المقالات الممتعة

تحياتي
رد مع اقتباس
  (#9) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 01-10-2009, 03:27 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

د. يوسف زيدان يكتب: أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف (٣/٧)


أقباط مصر.. أقباط المهجر.. الكنيسة القبطية.. المرحلة القبطية.. الزمن القبطى السابق على الفتح العربى لمصر.. مؤتمر القبطيات.. منظمة أقباط الولايات المتحدة..
موقع الأقباط المتحدون.. صوم القبط.. أعياد الأقباط.. قبط! هذه التعبيرات، وغيرها الكثير، هى تسميات مشهورة ومفاهيم عامة وعناوين اشتهرت مؤخراً على الألسنة وتداولتها الأقلام. حتى إنه لم يعد من الممكن الشك، مجرد الشك، فى مسألة (القبطية) ومشتقاتها الكثيرة، باعتبار أن لها معنىً محدداً ودلالة واضحة تشير إلى جماعة معينة، وصنفٍ مخصوص من المصريين يتميز بالدين (المسيحى) عن أصحاب الدين الإسلامى، فكأن أولئك وهؤلاء منفصلون..
غير أننا سنرى فيما يلى، أن (القبطية) هى مفهوم معاصر يرتبط -بالضرورة- بالثقافة العربية الإسلامية، ولا يمكن له أن يوجد خارج هذه الثقافة. والأمر يقتضى منا الرجوع فى الزمن إلى الوراء قليلاً، ثم نتقدم منه إلى زمننا الحالى، خطوةً خطوة، فنفهم (السر) الكامن وراء هذا الخلاف الموهوم بين المصريين، عبر تصنيفهم (السخيف) إلى مسلم وقبطى، بناءً على اختلاف ديانة كل منهما، وكأن الديانات صارت أوطاناً لها هويات.
انتشرت المسيحيةُ فى القرنين الثانى والثالث الميلاديين، انتشاراً رتيباً هادئاً، كان لابد من حدوثه!
فالإمبراطورية الرومانية كانت قد سارت آنذاك فى سُبل الاضمحلال التدريجى، بعدما كانت قد بسطت جناحيها على الشرق والغرب، وأدخلت (مصر) إلى حدود الإمبراطورية التى عاشت زمناً مجيداً، ثم بدأ اندثارها مع انتشار مظاهر البذخ والخلاعة، وانغماس سكان روما والمدن الكبرى (التى تؤدى إليها كل الطرق، وتؤدى هى إلى روما باعتبارها عاصمة العالم آنذاك) فى اللهو والمجون والمتع الحسية، على نحوٍ فاق كل الحدود وتجاوز حدود المعقول إلى آفاق اللامعقول.
وحسبما يقول ابن خلدون فى مقدمته الشهيرة (مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر) فإن الترف يؤدى بالضرورة إلى انحلال السلطة السياسية! وهو ما حدث فعلاً مع الإمبراطورية الرومانية التى أخذت أوصالها تتفكك وقلبها يهترئ، حتى سقطت أسوارها سنة ٤١٠ ميلادية أمام جحافل القوط (الألمان) ولم تعد من يومها إلى سابق عهدها المجيد، قطُّ، مما أفسح مجال المنافسة على زعامة العالم، أمام مدن أخرى مثل أنطاكية والإسكندرية..
ودخلت حلبة المنافسة مدينة المقر الإمبراطورى: بيزنطة (القسطنطينية، إسطنبول) التى بناها الإمبراطور قسطنطين الكبير الذى تبنى المسيحية وتسامح معها باعتبارها إحدى الديانات الكثيرة المعترف بها آنذاك، فضمن بذلك ولاء المسيحيين الذين كان عددهم قد ازداد تدريجياً فصاروا فى زمانه (بداية القرن الرابع الميلادى) يمثلون عشرة بالمائة من مجموع السكان.
ومن منتصف القرن الرابع الميلادى، وحتى امتلاك المسلمين لأنحاء الإمبراطورية الرومانية فى طورها الثانى: البيزنطى (دولة الروم، لا الرومان) وهو ما حدث فى النصف الأول من القرن السابع الميلادى، مضت سنوات طوال تنافست فيها المدن الكبرى على زعامة العالم عوضاً عن روما.. ومع الانتشار الواسع للديانة المسيحية، كان لابد أن يكون التنافس دينياً، فاتخذت الإسكندرية مذهباً، وأنطاكية مذهباً آخر، وروما مذهباً ثالثاً وبيزنطة مذهباً رابعاً..
وهكذا، وكانت هناك تقلبات فى هذه المذاهب التى تشكلت وتحددت مواقفها العقائدية فى المؤتمرات الكنسية الدولية التى سميت اصطلاحاً بالمجامع المسكونية.. خاصةً مجامع: نيقية ٣٢٥ ميلادية (حيث استعلنت الإسكندرية على الجميع) وإفسوس سنة ٤٣١ ميلادية (حيث انتصرت الإسكندرية بصعوبة على بيزنطة) وخلقيدونية سنة ٤٥١ (حيث أُهينت الإسكندرية وخرجت من الساحة العالمية إلى غير رجعة).
وفى مجمع خلقيدونية هجم الأساقفةُ الممثلون لكبريات الكنائس العالمية (المسكونية) على أسقف (بابا) الإسكندرية المسكين «ديوسقوروس» ونتفوا شعر لحيته وضربوه، وياللعار، بالنعال!
فكان من الطبيعى أن يغضب أتباعه فى مصر والشام، وهو ما حدث فعلاً.
خاصةً بعدما تبنى القسيس (القَسّ) السورى «يعقوب البرادعى» وجهة نظر الإسكندرانيين فى العقيدة المسيحية، وهى العقيدة التى أدت إلى اختلاف الكنائس الكبرى الأرثوذكسية (أى الإيمان القويم) بسبب الجدل حول طبيعة السيد المسيح: هل (الابن) و(الآب) من طبيعة واحدة، أم عن طبيعة واحدة!
وما بين «من» و«عن» حدث خلاف عظيم كان السر فيه هو السعى إلى زعامة العالم المسيحى، وهو ما أدى إلى اختلاف مروِّع تسبب فى جريان أنهار الدم بين أولئك وهؤلاء، لأن الإسكندرانيين لم يرضوا بالأساقفة الذين كانت بيزنطة (العاصمة الإمبراطورية) ترسلهم، فكانوا يختارون من بينهم هم أساقفة آخرين (بابوات) ويقتلون المرسَلين من بيزنطة وروما..
وقد حدثت بين الفريقين، فى الإسكندرية، وقائع مروِّعة، وجرى فى شوارع المدينة دم كثير، لأن الإسكندرانيين الذين لم يوافقوا على مجمع خلقيدونية (اللاخلقيدونيين) كانوا يهجمون على الأساقفة الخلقيدونيين فيفتكون بهم فتكا شديداً، فيفتك بهم الآخرون..
ولا أريد هنا أن أُفزع القراء بذكر هذه الوقائع المروِّعة، ويكفى أن نذكر أن الأسقف «البابا» الذى اختاره الإسكندرانيون، وهو الأمبا تيموثيوس الملقب بالقط (أو ابن عرس) قتل الأسقف «البابا» بروتيروس المرسَل من بيزنطة، فى قلب كنيسة الإسكندرية، بل وفى مكان المعمودية المقدس..
بينما قتل الأسقفُ الشنيع كيرس الملقب بالمقوقس (لأن أصله من القوقاس) عشرين ألفاً فى ميدان محطة الرمل بالإسكندرية، فى يوم واحد، لأنهم لم يوافقوا على المقترَح العقائدى الذى طرحه عليهم لحل مشكلة طبيعة المسيح!
ولم تكن كنيسة الإسكندرية آنذاك تسمى (القبطية) ولا كان أتباعها يعرفون بالأقباط.
كان يقال لهم «اليعاقبة» نسبة إلى يعقوب البرادعى، وكان يقال لهم «مونوفيست» نسبة إلى الكلمة اليونانية التى تعنى الطبيعة الواحدة، وكان يقال لهم «الإسكندرانيون» نسبة إلى العاصمة المصرية التى تهيمن على أديرة وادى النطرون الذى كان اسمه آنذاك وادى هبيب.
ولم يعترف هؤلاء بهذه التسميات، واختاروا لأنفسهم فيما بعد اسم (المرقسيون) نسبة إلى مرقس الرسول الذى بشَّر (كرَّز) فى الإسكندرية وقُتل فيها (استشهد) على أيدى الرومان سنة ١٩٦٨ ميلادية، وهى تسمية لم توافق عليها بقية الكنائس الكبرى فى العالم، لأن الكنائس لو حملت أسماء الرسل (الحواريين) لكان هناك الكنيسة اليوحناوية والكنيسة البطرسية والكنيسة المتاوية.. إلخ، وهذا غير معمول به.
كانت هناك، إذن، مشكلة فى تسمية هؤلاء (اللاخلقيدونيين، اليعاقبة، المونوفيست، المرقسيين، الإسكندرانيين) ولم يكن من المعتاد أن يشار إليهم بالمصريين أو الكنيسة المصرية، لأن مصر آنذاك كان بها كنائس أخرى، مثلما هو الحال اليوم، وكانت أهمها وأكثرها أتباعاً كنيسة الخلقيدونيين (الملكانيين، أتباع الملك، الروم الأرثوذكس).
وكان العرب يشيرون إلى سكان مصر باستعمال وصفين، الوصف الأول هو (المصريون) وهم أهل القبائل العربية التى كانت تعيش فى مصر من قبل الفتح بقرون طوال (كان ستون بالمائة من أهل عاصمة الصعيد «قوص» يتكلمون العربية منذ القرن الخامس الميلادى) أو هؤلاء الذين جاءوا لاحقاً مع عمرو بن العاص واستقروا بمصر.
هؤلاء جميعاً يسميهم العرب «المصريين» ولذلك نجد فى كتب التاريخ الإسلامى، أن الخليفة عثمان بن عفان «قتَله المصريون» والمراد بهم هنا، العرب المسلمون الذين كانوا يعيشون بمصر..
والصنف الآخر من أهل مصر، بحسب التسمية العربية التى كانت مستعملة آنذاك، هى (القبط) وهم أهل مصر من المسيحيين، بصرف النظر عن مذهبهم العقائدى.
وقد استعمل العرب كلمة «قبط» استناداً إلى الكلمة اليونانية «إ جبتوس» بأن نزعوا كعادتهم اللاحقة الأخيرة (الواو والسين) فاستبقوا «إجبت» ونطقوها القبط، تمييزاً للمسيحى فى مصر عن مسيحيى الشام والعراق الذين كانوا يسمونهم: النصارى..
وهى بالمناسبة تسمية غير دقيقة، ولكنها مأخوذة من التعبير القرآنى الذى يشير إلى أن الحواريين (تلاميذ المسيح) هم الأنصار، حسبما ورد فى الآية القرآنية )..
كَمَا قَالَ عيسى ابن مريم للحواريينَ منْ أنصارى إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصار اللهِ..).
كان العرب إذن، من قبل الإسلام ومن بعده، يسمون المسيحيين فى مصر (القبط) بصرف النظر عن مذهبهم العقائدى، ولذلك نجد الرسالة المشهورة من النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى مصر، مرسَلة إلى «المقوقس عظيم القبط» مع أن المقوقس كان الأسقف الملكانى (الخلقيدونى) بينما كان للآخرين الذين نعرفهم اليوم باسم الأقباط، أسقف آخر هو بنيامين.. وكان بنيامين هارباً من وجه المقوقس البشع، الذى يجب أن يسمى عصره، بحق: عصر الاستشهاد!
لأن الذين قتلهم المقوقس ببشاعة مروِّعة، يزيدون بعشرات المرات عن جميع الذين قتلهم الرومان فى مصر خلال زمن الاضطهاد الذى امتد قرابة قرنين من الزمان، بسبب إيمانهم بالمسيحية وهروبهم من الزراعة إلى الصحراء، وهو ما سوف يعرف اصطلاحاً بحركة الرهبنة.
وأظن، وقد أكون مخطئاً، أن الكنيسة (القبطية) المعاصرة، يجب عليها أن تتخلى عن التقويم الخاص الذى تعمل به حالياً، أعنى التقويم المسمى «تقويم عصر الشهداء» أو «التقويم القبطى» وهو الذى يبدأ من سنة ٢٨٤ ميلادية، باعتبارها السنة التى تولى فيها دقلديانوس الحكم..
ومن الممكن أن يجعلوا، إن أرادوا، سنة مجىء المقوقس إلى مصر هى بداية هذا التقويم الخاص بهم– إن كان هناك ضرورة أصلاً لأن يكون هناك تقويم خاص، فى مقابل التقويم الهجرى الذى يحبه الإسلاميون ولا يعرفه اليوم معظم المسلمين، حتى إنك إذا سألت أحدهم عن السنة الهجرية الحالية، فلن يعرف!
وأننى أقترح ذلك! لأنه، فى حقيقة الأمر ووفقاً للتاريخ الفعلى، فإن دقلديانوس لم يقتل من (الشهداء) إلا أقل القليل بالقياس إلى المقوقس الذى استشهد على يديه عشرات الآلاف مدفوعين بحب الاستشهاد.. وسوف أعود للكلام على الجهاد وحب الاستشهاد فى مقالة قادمة من هذه السلسلة.
إذن، فالتسمية ذاتها (القبطية) هى تسمية عربية إسلامية، ولم تكن تفرق بين أتباع الكنائس المصرية. ولما استقرت مصر بيد عمرو بن العاص، وبعد فتحه (الثانى) لمدينة الإسكندرية التى غاظته كثيراً بسبب تمردها عليه، حتى إنه أقسم أمام أبوابها، بأن يهدم أسوارها..
قال: والله لئن ملكتها لأجعلنها مثل بيت الزانية (أى بلا أبواب، وغير حصينة) وقد قام بذلك فعلاً، فخرَّب سورها ونزع عنها البوابات، وعرض على أهلها الرحيل بما يملكون، إن أرادوا.
فكان الأغنياء (الملكانيون) يرحلون عنها بممتلكاتهم بحراً إلى بيزنطة وبقية أنحاء أوروبا، بينما يمكث فيها الفقراء (اللاخلقيدونيون، اليعاقبة، المونوفيست، المرقسيون) فرحين برحيل أعدائهم فى المذهب الدينى، مهما أخذوا معهم من أموال وممتلكات.
ومن هنا، فيما أظن، جاء التعبير المصرى الشهير الذى لا يزال يتردد على الألسنة إلى اليوم، كلما رحل عنا شخص أو جماعة غير مأسوف على رحيلهم: المركب اللى تودى!
وهكذا قام المسلمون، بغير قصد، بتفريغ مصر من معظم أتباع المذهب الخلقيدونى، فأسهموا بذلك فى استقرار أعدائهم الذين نسميهم اليوم (الأقباط) استناداً إلى التسمية العربية لهم..
وبالطبع، لم يرحل جميع المسيحيين (الملكانيين) بل ظلت لهم كنائس وبيع وممتلكات يدفعون عنها الجزية فى مقابل الأمن، حسبما ذكرنا فى مقالنا السابق، وكانت هناك كنائس أخرى تعيش بمصر– مثلما هو الحال اليوم- ولكن هذا الوضع الجديد (العربى / الإسلامى) سمح لإخواننا الذين نسميهم اليوم، ويسمون أنفسهم (الأقباط) بالاستقرار والزيادة العددية. خاصةً أن عمرو بن العاص أطلق لرئيسهم الدينى (بنيامين) أماناً عاماً، حيثما كان، يدعوه فيه للخروج من مخبئه والمجىء بسلام لرعاية أتباعه..
وقد استجاب بنيامين (الأسقف، الأمبا، البابا) وجاء إلى عمرو بن العاص الذى التزم بما وعده به، وترك له الحرية التى كان محروماً منها، وسمح له بتجديد الكنائس وتنظيم أمور رعاياه، رغبة من الفاتح (الغازى) العربى المسلم، العظيم: عمرو بن العاص، فى استقرار الأحوال بمصر.
لأنه كان قد أحبَّ هذه البلاد، ونظر إليها باعتبارها (خزانة الإسلام) ولذلك غضب لاحقاً عندما أرهقها «عبد الله بن أبى سرح» بالمكوس وضغط على أهلها لتحصيل الجزية..
ولما سنحت له الفرصة، عاد عمرو بن العاص لحكم مصر، وظل يحكمها حتى وفاته. فلما استقرت بيده، استقر أهلها من (المصريين) ومن (القبط) على اختلاف كنائسهم.
من هنا، أدعو إخوانى «الأقباط» لتصحيح فكرتهم النمطية عن مسألة فتح مصر، وأدعو (المتأسلمين) إلى الكفِّ عن النظر إلى المسيحيين المصريين على أنهم: غرباء فى وطنهم!
وأدعو (المتأقبطين) إلى الكفِّ عن تلك الخرافة التى تقول إن مصر وطن الأقباط (بالمعنى السياسى المعاصر) وإن العرب المسلمين سلبوا البلاد من أيديهم (فهى لم تكن يوماً بأيديهم) كما ذكرت فى مقالتى السابقة، فهى لم يحكمها طيلة تاريخها حاكم واحد (قبطى) بالمعنى المعاصر لهذه الكلمة، وهو المعنى الذى قام واستقام واستقر، باعتباره صناعة عربية إسلامية.. لا غير!
وبالتالى، فإنه من قادحات الشرر المنذرات بالشرور، الادعاء بأن الإسلام قام باحتلال مصر.. بلادنا.. الطيبة.. الحزينة.. الدافئة.. الحنون.. المرهقة.. الشاحبة.. الحبيبة.. المحيرة!



المصري اليوم
الأربعاء
30/9/2009

التعديل الأخير تم بواسطة : *أنس* بتاريخ 01-10-2009 الساعة 03:29 AM.
رد مع اقتباس
  (#10) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 10-10-2009, 01:51 AM

تم حذف المقال لخوضه فى أمور دينية يمنع الخوض فيها طبقا لقوانين المنتدى

يرجى الانتباه مستقبلا عند إضافة أى مقالات جديدة للدكتور يوسف زيدان

ريم

التعديل الأخير تم بواسطة : ريم البرارى المستحيلة بتاريخ 11-10-2009 الساعة 10:46 PM.
رد مع اقتباس
  (#11) قديم
ريم البرارى المستحيلة ريم البرارى المستحيلة غير متواجد حالياً
قطة مثقفة بتشتم بسبع لغات
 
الصورة الرمزية ريم البرارى المستحيلة
 
المشاركات: 1,518
نقاط: 2,680
المصرف: 0
المجموع نقاط: 2,680
إهداء نقاط
رقم العضوية:23331
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: القاهرة
العمر: 32
افتراضي 11-10-2009, 11:10 PM

مينا ساهر سامى

تم نقل ردك لأرشيف الدعم الفني لخروجه عن الهدف من الموضوع آلا و هو إضافة مقالات د . يوسف زيدان

**********

تنويه هام

هذا الموضوع مخصص فقط لإضافة مقالات د . يوسف زيدان و غير مسموح أبدا بمناقشة المقالات أو التعليق عليها

و عند اعتراض أى عضو على أى جزء مما بالمقالات برجاء إستخدام أيقونة التبليغ عن المشاركات أو فتح موضوع بمنتدى سبورت لتوصيل رأيه للمشرفين على الموقع


و شكرا لتفهمكم و تعاونكم

ريم
رد مع اقتباس
  (#12) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 28-10-2009, 11:14 PM

بسم الله الرحمن الرحيم


د. يوسف زيدان يكتب : أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف (٧/٧) .. التوتُّر والتأجُّج فى وَطَنِ التشنُّج

تعقيباً على المقالات الستة السابقة، تدفَّق سيلٌ من المقالات والتعليقات المنشورة بالجرائد المصرية والمواقع الإلكترونية. وقد جاء الأغلبُ قادحاً، صادحاً، فادحاً فى دلالته على أننا نحن المصريين، قد تغيَّرنا كثيراً فى العقود الماضية، فلم نعد هذه الجماعة التى ظلت لمئات السنين أنموذجاً للطاعة والوداعة، وللخضوع والخنوع، وللرخاوة والهوان! وإنما صرنا حسبما وصفَنا صلاح عبدالصبور فى (الناس فى بلادى) : جارحون كالصقور.. وحسبما وصفَنا سيد حجاب فى قصيدته العامية التى غنَّاها لنا «على الحجار» فقال فيها إن المصرى فى المظاهرات «يسخن ويشيط» وفى الانتخابات «ينسى التصويت».
وقد نعود فى سلسلة قادمة من هذه السُّباعيات المتوالية، للكلام فى «التحولات المصرية والتحوُّرات المصيرية» التى تقلَّبت فيها صورتنا عبر التاريخ. لكننا الآن بصدد مناقشة تلك «الانفعالات» وردود الأفعال الكثيرة، على ما طرحته فى مقالاتى من رؤى ووجهات نظر، وهى لحسن الحظ، انفعالاتٌ جاءت من المسلمين والمسيحيين (معاً) وكان فيها الكثير مما يجب الوقوف عنده بمزيدٍ من الإيضاح.
فمن ذلك، ما ذكره بعض «الإخوان المصريين» من أن حديث (الجهاد الأكبر) الذى ذكرته فى المقالة السادسة، هو حديثٌ نبوىٌّ غير صحيح، ولم يرد عند البخارى أو مسلم.. والحق فى ذلك معهم، لكن الإمامين «البخارى ومسلم» لم يجمعا كُلَّ الصِّحَاحِ من الأحاديث. علاوة على أن القاعدة الحديثية الشهيرة تقول إن من الحديث الشريف، ما هو صحيح فى معناه (الدراية) مع ضعف سنده (الرواية)..
وقد أوردت الحديث لتبيان الفارق بين «جهادين» يتعين على المسلم بعامة القيام بهما، والأكبر منهما جهاده لنفسه للارتقاء بها. فلا خلاف إذن فى هذا الأمر! ومن ناحية أخرى، فلا خلاف هذه المرة (عموماً) مع رجال الكنيسة، لأن الذىن تولوا الرد على مقالاتى الأخيرة، كلهم من المثقفين المصريين الذين ليسوا فى مناصب كنسية، وليسوا متأسلمين؛ ولذلك جاءت مناقشاتهم أجدى. لولا بعض التعليقات المتشنِّجة، وغير اللائقة التى كتبها «متأقبطون» فى مواقع الإنترنت. لكنه على أىِّ حالٍ أمرٌ هينٌ، ولم يغضبنى لأننى كنت أتوقعه، ولأننى أحبهم حقاً، ولأننى مدركٌ أنهم يتوهمون عدائى للمسيحية (وهو أمر يعلم الله أنه غير صحيح) ولأنهم ينطقون بلسان «التأقبط» الذى ترعرع فى مدارس الأحد، وشجر فى النفوس مع عَنَتِ المتأسلمين (لا المسلمين) مع المسيحيين فى السنوات الأخيرة، التى ازدهر فيها «التشنج» فى بلادنا، وظهر فى مناسباتٍ عدةٍ، لا مجال الآن لذكرها.
وبخصوص الأخوة الأفاضل، الذين تولوا الرد على المقالات بمقالات، خاصةً فى صحف ومواقع: الأقباط متحدون، الأقباط الأحرار، المصرى اليوم، اليوم السابع.. وغيرها، وبالأخص، تلك المقالات التى كتبها الأساتذة: لطيف شاكر (خمسة مقالات) وكمال غبريال، ورمزى زقلمة، وياسر يوسف غبريال.. وشخصٌ لطيفٌ، خفيف الظل، اسمه محمد البديوى! ولابد هنا من الإشارة إلى أن سيل الردود والمقالات الغاضبة لم يخلُ من «خفة الدم» التى صار المصريون مشهورين بها.
فمن ذلك ما نراه فى مقالة الأستاذ حنا حنا المحامى فى (موقع الأقباط متحدون) حين يقول: «البادى أن د. زيدان استهوته جائزة «البوكر» التى ربحها برواية عزازيل، ففكر أن يربح بمقالات (المصرى اليوم) جائزة الكونكان».. حلوة! أو يقول (بالعامية) د. ياسر يوسف غبريال: «زيدان يدَّعى البطولة وهو عارف اللى جوه الفولة وأفكاره مش معقولة.. يُطلق بُمبة فكرية، هى أن القبطية صناعة عربية إسلامية».
وقد كتب المسمَّى (أبو اسكندر) يردُّ علىَّ، فجعل كلامه بعنوان : الدور العدمان لشيخ الدراويش يوسف زيدان! وكتب المسمَّى (غالى): ما تزعلش، كلنا مجهزين شنطنا لشيراتون المرج، بس ياريت يوسعوه حتى يسع ملايين الأقباط.. وعندما حمل المسمَّى (محمد البديوى) على مقالاتى حملةً شنعاء، متشنِّجة، كتب أحدهم معلِّقاً عليه بقوله : يا واد محمد يابديوى، أقصد يا جورج، بطَّل حركات!
■ ■ ■
حسناً.. وبعيداً عن الطرائف اللطيفة السابقة، وبعد هذه الحوارات المصرية (جداً) أقول (جَادّاً) إن أهم ما انتقده الإخوة فى مقالاتى، أننى لم أذكر المصادر التى أعتمد عليها، خاصةً فى نقاطٍ حرجةٍ حاسمةٍ، مثل قولى بأن البطرك (البابا) القبطى (المونوفيزى) تيموثيوس، قتل البطرك الملكانى (الخلقيدونى) بروتيريوس، قتلةً بشعة فى مكان المعمودية بكنيسة الإسكندرية القديمة.. وكثيرٌ من الذين علَّقوا على ذلك، اتهمونى صراحةً بالكذب. ولهم فى ذلك العذرُ، لأنهم لا يعلمون.
وعلى كل حال، فسوف أورد فيما يلى ترجمةً لما ورد فى (معجم أكسفورد للكنيسة المسيحية) بصفحة رقم ١٣٦٠ فى الطبعة الصادرة عن جامعة أكسفورد البريطانية سنة ١٩٥٧، للباحث الشهير ف.كروس.. وما ورد فى صفحة ٢٥٢ من المجلد الرابع من (الموسوعة الكاثوليكية الجديدة) تحت عنوان «المسيحية القبطية» للباحث المصرى إسكندروس حبيب إسكندر «مطران أسيوط، المتوفى سنة ١٩٦٤» وفى كليهما نقرأ ما ترجمته:
«بعد مجمع خلقيدونية (سنة ٤٥١ ميلادية) رفض الأساقفة الذين اجتمعوا حول البطرك ديسقورُس، الاعتراف بالبطرك الخلقيدونى الملكانى بروتيريوس، وقاموا من بعد وفاة ديسقورُس بانتخاب بطرك آخر من بينهم، هو (تيموثيوس) القط – أو ابن عرس – وهو لقب أطلقه عليه أعداؤه، لضآلة حجمه وقصر قامته. وفى اليوم الذى كان البطرك بروتيريوس يحتفل فيه بشعائر الأسبوع المقدس (أسبوع آلام المسيح) فى الكاتدرائية، بالإسكندرية، هجم تيموثيوس ومعه أتباعه من العوام المتمردين على الكاتدرائية.
حتى إن بروتيريوس احتمى بمكان المعمودية المقدس، إلا أن ذلك لم يجده نفعاً! إذ قام تيموثيوس ومن معه، بذبحه (وفى رواية أخرى: بشنقه) على مرأى ومسمع من الناس. ثم جلس تيموثيوس على كرسى بروتيريوس، وأعلن نفسه بطريركاً لمصر، إلا أنه تمَّ حَرْمه (طرده من حظيرة الإيمان) كنسياً، ثم نفيه إلى الأناضول بمرسوم من الإمبراطور ليو الأول، واستُبدل بروتيريوس ببطرك ملكانى آخر، هو تيموثيوس الأبيض (سلوفاسياكوس) وكان ذلك سنة ٤٦٠ ميلادية».. انتهى النص، مترجماً عن الإنجليزية.
وبالمناسبة، فلو كان المجال هنا يسمح، لذكرتُ الآن واقعة مقتل «الجعد بن درهم» على يد الأمير خالد بن عبدالله القسرى (وقد رويتها بالتفصيل فى كتابى: اللاهوت العربى) كى يعرف الذين ينتقدوننى أنهم لا يعرفون، وأن التأسلم والتأقبط واحدٌ، وأن العنف واحدٌ، وسوء المآل واحدٌ، والهمُّ واحدٌ.. فيا ربنا الواحد، ارحمنا من غلبة نفوسنا.
■ ■ ■
وفى مقالة الأستاذ رمزى زقلمة، يقول إنه فكَّر فى أن يحرق مكتبته كلها، حين قرأ مقالى (القبطية صناعة عربية إسلامية) ثم رجع بحمد الله عن قراره، وراح بأدبٍ شديدٍ ينتقد كلامى فى مقالة بديعة.. ولسوف أورد انتقاداته، ثم أرد عليها موضحاً بعض الأمور، بما أضعه بين القوسين! يقول: كيف قتل المقوقس عشرين ألفاً فى ميدان محطة الرمل والميدان لم يكن موجوداً آنذاك (أقول: الميدان كان موجوداً، وقد استخدمتُ الاسم المعاصر ليعرفه الناس.
والاسم القديم للميدان هو «بوكاليا» التى تعنى حرفياً: مرعى البقر! والواقعة مذكورة فى المصادر المشهورة، ومنها كتاب تاريخ الآباء البطاركة، لأُسقف الأشمونين ساويرس بن المقفع).. اللغة القبطية قديمة، وتستخدم حتى اليوم فى الكنائس (أقول: لا يوجد لغة اسمها القبطية، وإنما هى اللغة المصرية العامية، وقد تمت كتابتها بالحروف اليونانية، واستخدمها الإكليروس المونوفيزى فى مصر، نكايةً فى البطاركة الملكانيين).. ماذا تسمى مجىء عمرو بن العاص إلى مصر، فتحاً أم غزواً؟ (أقول: الفتح والغزو واحدٌ فى اللغة العربية وعند أهل الإسلام، ولذلك نقول «غزوات النبى»، فإذا استقر الدين بأرضٍ بعد غزوها، صار الغزو يسمى فتحاً)..
كان يجب أن تذكر كليماندس، كأحد آباء الكنيسة القبطية المبكرين (أقول: لم يكن كليمان السكندرى «كليماندس» قبطياً، لا بالمعنى العقائدى ولا القومى، وإنما كان مفكراً سكندرياً مسيحياً استفاد من الفلسفة اليونانية، وكتب باللغة اليونانية، فى مدينة الإسكندرية التى كانت آنذاك يونانية الثقافة).. النبى أرسل كتابه إلى المقوقس (أقول: عندى شكوكٌ كثيرة على هذه القصة، وسوف أشير لها فى روايتى القادمة : النبطى)..
وأخيراً، يتعجَّب الأستاذ رمزى زقلمة من إشارتى إلى أن «النصرانية» هى تسميةٌ غير دقيقة للمسيحيين. وقد تلقيت رسائل كثيرة من إخوة مسلمين، تعجَّبوا أيضاً من هذه الإشارة. ولتوضيح الأمر لهؤلاء جميعاً، أقول :
النصرانية كلمةٌ قرآنيةٌ، وقد استخدمها المسلمون الأوائل فى معرض التفرقة بين (الكنائس) المسيحية فى زمانهم، فقالوا لمسيحيى مصر «الأقباط» ولمسيحيى الشام والعراق «النصارى» ولمسيحيى بيزنطة وأوروبا «الروم».. ولكن حقيقة الأمر فى هذه التسمية ودلالتها، هو ما نراه بوضوح فى الطبعة الثانية من (معجم الحضارات السامية) صفحة ٨٤٧، حيث نقرأ ما يلى:
أُطلق هذا الاسم على المسيحيين الأول نسبة إلى يسوع الناصرى (أى الذى من الناصرة)، ثم أصبح له خلال القرون الميلادية الخمسة الأول استعمالان مختلفان، وكان اليهود يُطلقون اسم الناصرى على يسوع المسيح عينه، واسم النصارى على الذين يؤمنون به.
أما المسيحيّون فكانوا يُطلقون هذا الاسم على جماعة من اليهود/ المسيحيين، هم أقل ابتعاداً عن الأرثوذكسية اليهودية من الإبيونيين، إلا أن آباء الكنيسة الأول اعتبروهم من الهراطقة. وكان النصارى يتقيَّدون بتعليمات العهدين القديم والجديد معاً، ويتمسّكون بالختان والمعمودية، ويُقدّسون يومىْ السبت والأحد، ويقيمون الفصح اليهودى والفصح المسيحى، ويكرّمون موسى والمسيح.
وكان المعتدلون منهم يؤمنون بولادة المسيح من البتول مريم وبكلمة الله. أما فيما يتعلق بصلب يسوع فإنهم يقولون إن الروح القدس حَلَّ عليه فأصبح المسيح، وفارقه على الصليب فلم يعد مسيحاً، ومات بصفته الإنسانية. ويقول آخرون إن «سمعان» شُبّه بالمسيح وصُلب بدلاً عنه، بينما ارتفع هو حياً إلى الذى أرسله. وكان النصارى يُنكرون ألوهية المسيح وعقيدة الثالوث الأقدس، ويحرِّمون الخمر ولحم الخنـزير والتبّنى والصور.. إلخ.
■ ■ ■
وأخيراً، فهناك عشرات الرسائل الاعتراضية المتشنِّجة، راحت تُنكر علىَّ بصخبٍ شديد، أننى مشغول بالتراث المسيحى مع أننى مسلم. وأننى تركت مؤخراً، مجال تخصصى (الفلسفة الإسلامية)، وصرت مشغولاً بما لم يكن يهمُّنى من قبل، وليس يعنينى من قبل ولا من بعد! ولهؤلاء أقول لتوضيح الأمر، إن فهم التراث الإسلامى لا يستقيم دون إمعان النظر فى التراث المسيحى. وإن التراثين متصلان على نحو فعلى، لكن بعض أصحاب (المصالح) حرصوا دوماً على الفصل «الذهنى» بينهما لغايات فى نفوسهم..
وفى حقيقة الحال، فإن انشغالى بهذه القضايا قديم، لكن طَرْحها على الناس على هذا النحو الموسَّع، الموثق، كان يقتضى قضاء سنوات فى البحث والدراسة قبل التعرُّض لمثل هذه الأمور الدقيقة. ويمكن لمن أراد التأكد من أن انشغالى بهذه القضية «قديم» أن ينظر إلى مقالى المنشور بصفحة الثقافة من جريدة «الأهرام» اليومية – أوسع الصحف المصرية انتشاراً- يوم ١٢/٦/١٩٩٢. وهو المقال الذى كتبته أيام كنت شاباً مهموماً بمصر، فى بداية الثلاثينيات من عمرى، وقد صرتُ اليوم كهلاً، آل عمره إلى خط الزوال! وها هو نص المقال:
غروب ُ الذات
مع انعدام ثقتى فيما يثار حول حجم «الفتنة الطائفية» فى مصر، وشكوكى القوية حول حقيقة الحوادث الداعية إلى الحديث عن هذه الفتنة.. فإننى أرى أن ثمة مواقف فعلية يمكن أن تقود إلى «الطائفية» بصرف النظر عما إذا كانت هذه «الطائفية» فتنة أو غير فتنة.
والمواقف الطائفية الفعلية هذه نراها بكل وضوح فى اللحى الكثيفة ،التى راحت تنمو على وجوه بعض الشباب المصرى المسلم. وفى مقابلها نرى القلق البادى على وجوه المسيحيين، مع كل واقعة يحدثها الملتحون. ومع تمحور كل طرف منهما على ذاته، تصير لدينا (الطائفية)، فإذا حدث صدام بينهما صارت لدينا الفتنة.
والآن، لنترك الظواهر الخاصة بالفتنة الطائفية هذه، لنبحث فى أسبابها العميقة من هذا المنظر، الذى وضعناه عنواناً لهذا المقال «غروب الذات» وما الذات هنا إلا الذات المصرية : لا يوجد مجتمع واحد فى العالم إلا وهو يشتمل على تعددية رأسية وأفقية. فالتعددية الرأسية هى تلك الطبقات المتراكمة تاريخياً، طبقات الوعى ومستويات التحضر والدين. وكلما كان المجتمع أكثر عمقاً فى الماضى، كان تعدده الرأسى أكثر كثافة وتراكماً، وكان وعيه المعاصر، بالتالى، أكثر تنوعاً فى مصادره. أما التعددية الأفقية، فالمقصود بها تنوع الجماعات المؤلفة لهذا المجتمع، والتفاوت النسبى فى الثقافة النوعية لتلك الجماعات، ما بين ثقافات الأقليات وسكان المدن وأهل الريف وغير ذلك.
وفى بلد كمصر (المحروسة) تمتد خطوط التعدد الرأسى والأفقى على نحو مثير، فرأسياً هى ممتدة فى التاريخ لألوف السنين، ومتراكمة فى وعيها المعاصر طبقات فرعونية ويونانية ورومانية (وقبطية) وعربية إسلامية وأوروبية.
والتعددية الأفقية فى مصر تتمثل فى توزيع أفرادها ما بين مسلمين ومسيحيين وهى التعددية الدينية، وما بين أهل المدن وصعايدة الوادى وفلاحى الدلتا وبدو الصحراء، وهى تعددية جغرافية فى الغالب. وما بين عوام ومثقفين، وجهلة ومتعلمين، وأغنياء وفقراء.. هذه التعددية الرأسية والأفقية تمتزج فى النهاية لتشكيل مفهوم «الذات المصرية» وهو مفهوم يرتبط بطبيعة اندماج ما هو رأسى وأفقى، فكلما ازداد الاندماج وانصهرت العناصر وتداخلت، تجلت هذه «الذات» وهيمنت على سلوك الأفراد وتصوراتهم العليا للوجود، وبالتالى تقوى الوحدة القائمة على هذا التعدد.
وانصهار العناصر الرأسية والأفقية (أو تمايزها) ينتج من طبيعة الموقف الذى تتخذه الأمة فى كل مرحلة.. فإن كان الموقف حاداً وصارماً، اجتمعت العناصر واحتشدت له، وإن كان موقفاً سطحياً ومتميعاً، انفرط عقد هذه العناصر، وتجوهرت حول محاورها الأصلية.. وهنا تكون ظاهرة اضمحلال الذات وغروبها.
ولقد ظهرت ملامح «الذات» وانصهار عناصرها فى المواقف المشهودة كموقف «مقاومة الاستعمار» وموقف حرب أكتوبر.. وغير ذلك. فلما تغيرت الحال، وبدأت عمليات التشتت فى الرؤى والتشتت فى الأرض، أعنى حين صار العدو صديقاً والإخوان أعداء، وحين صار الهم الأول هو الحصول على التأشيرة النفطية، انفرط عقد الذات، وصار الأمر إلى غروبها.
وفى لحظة الغروب هذه ينتاب الأفراد الهلع والخوف من ظلمة الليل الآتى، فيهرعون إلى كهوفهم الخاصة فى محاولة للاحتماء.. فيحتمى كل فرد بما هو أقرب إليه من العناصر الأفقية أو الرأسية، ويصير المسلم مسلماً قبل كونه مصرياً، وكذلك المسيحى.. وينعزل البدوى عن الريفى، وكلاهما ينعزل عن المدنى.. وتتسع الهوة بين الجاهل العامى والمتعلم المثقف.. تظهر نعرات الاستقلال والتميز داخل المجتمع، ومعها تظهر محاولات تأكيد «الذات النوعية» على أنقاض «الذات الكلية».
ولما كان مفهوم «الآخر» يتحدد بمفهوم «الأنا»، فإن تمحور كل جماعة حول (عنصرها الغالب) يبرز مفهوماً خاصاً بالأنا، وبالتالى يطرح الجماعات غير الشبيهة على أنها هى الآخر.. ثم يبدأ الخطر مع غياب مفهوم (العدو الأول للأمة) ليفسح المجال أمام (عداوة الأخوة)، فنرى العداء الشديد المتبادل بين أجزاء النسيج الاجتماعى، ليس فقط على مستوى الدين، وإنما على المستويات كافة، وهذا ما نلمحه اليوم وهو يتشكل ببطء ليبرز فى النهاية تقابلات عديدة داخل المجتمع المصرى، تقابلات تنذر بمواجهات محتملة.
وأخيراً، فنظراً لوجود بعض التماسك فى «الذات المصرية»، فإن الظواهر السابقة لا تزال تطل على استحياء.. أما الخطر الحقيقى، فهو يتمثل فى اشتداد حدة هذه الظواهر مع اكتمال عملية «غروب الذات»، وهو اكتمال لا نتمنى أن نشهده، ولا أن يشهده أولادنا. ولذا، فعلينا جميعاً أن نستبصر واقعنا، ونرتفع فوق اللحظة لنستشرف معاً شروق الذات المصرية الواحدة.
.. انتهى المقال المنشور قبل سبعة عشر عاماً!
■ ■ ■
وبالطبع، فهناك نقاطٌ فرعيةٌ كثيرةٌ ذكرها المعقِّبون المتعقِّبون، الهادئون منهم والمتشنِّجون، وهى نقاط غير مهمة ويضيق المقام هنا عن استعراضها جميعاً والرد عليها. خاصةً أنها جاءت معبرةً عن «إعلان المواقف» بأكثر مما تعبِّر عن المناقشة المجدية للرؤى ووجهات النظر، التى طرحتها مقالات هذه (السباعية) التى تنتهى اليوم..
وابتداءً من الأسبوع المقبل، سأبدأ سبعةً من المقالات الجديدة، ولم أقرِّر بعد ماذا سيكون موضوعها. لأننى الآن مترددٌ بين ثلاث قضايا، تستحق كل قضية منها أن تكون موضوعاً للسباعية المقبلة.. هل تكون حول «المسألة اليهودية»، التى تشتبك مع ثقافتنا اشتباكاً عميقاً، بل أعمق مما نظن؟.. أم تكون حول «الرؤية الصوفية للعالم» التى أرى أنها أحد الحلول المهمة للخروج من مأزق النـزعة الدينية الأحادية السائدة الآن ببلادنا؟.. أم تكون عن «علم الكلام» الذى هو أصول العقائد الإسلامية.
ولعل القراء، عبر تعليقاتهم على موقع (المصرى اليوم) يشيرون علىَّ برأيهم فى القضية الأكثر أهمية، حتى نبدأ فى طرحها هنا ابتداءً من الأسبوع المقبل.
والله الموفق.


المصري اليوم
28/10/2009
رد مع اقتباس
  (#13) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 05-11-2009, 07:48 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
في أولى مقالات السباعية الجديدة ( حول الرؤية الصوفية للعالم )، د.يوسف زيدان يكتب :

الرؤية الصوفية للعالم (١-٧) القولُ الأولُ: فى عموميةِ النـزعةِ التصوفية
حُبُّكِ يا عميقة العينين
تطرفٌ
تصوفٌ
عبادةْ..
حبُّك مثلُ الموتِ والولادةْ
صعبٌ أن يعانى مرتين!
بهذه السطور الشعرية، تحدَّث نزار قبانى إلى محبوبته، واصفاً حبَّه لها بالتصوف -وما علينا الآن من وصفه بالتطرف- فبأىِّ معنى، يمكن للحبِّ أن يكون تصوُّفاً؟ وما التصوفُ أصلاً، حتى يصحَّ وصف المحبة به ؟ وهل يُشترط فى المحبِّ أن يتصوف؟
لن نخوض فيما يلى، فى التعريفات (المعجمية) و(الاصطلاحية) لكلمة التصوف، حتى لا نغرق فى هذه اللجة الدلالية الهادرة التى تمتلئ بها كتب اللغة، وكتب القوم (الصوفية) التى من مثل: الرسالة للقشيرى، التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذى، اصطلاحات الصوفية للقاشانى..
ولن نستعيد هنا ما ذكرته المراجع والمصادر من بدايات التصوف الإسلامى، وبواكيره، سواء فى السيرة النبوية -كالخلوة بغار حراء- أو فى حياة الصحابة من أمثال أبى ذر الغفارى، أو فى طبيعة الجماعة التى عُرفت باسم «أهل الصُّفَّة» وهم الصحابة الذين انقطعوا للعبادة فى المسجد النبوى بالمدينة، ولم يُنكر عليهم النبى أحوالهم.
أو فى حياة التابعين وتابعى التابعين (أى الأجيال اللاحقة بجيل الصحابة) وكيف أدى بهم الترفُ الدمشقى، والبذخ البغدادى من بعد؛ إلى إظهار نوعٍ من الزهد والاستغناء والخشية من غلبة الدنيا، مما كان له أكبر الأثر فى انبثاق اتجاهات الروحانية الرحبة. وهى الاتجاهات، والتوجُّهات، التى تدفَّقتْ منها ينابيع التصوف المبكر، وانبجستْ عيونُ المعرفة القلبية، من بين أصابع المشايخ المبكرين والشيخات المبكرات، أمثال: عبد الواحد بن زيد، ذى النون المصرى، رابعة العدوية.
إذن، لن ننظر إلى طبيعة التصوف من هذه الزوايا السابقة، التى تحصر المسألة فى التراث العربى الإسلامى تحديداً.
وذلك لأننى أعتقد –وقد أكون مخطئاً- بأن التصوف نزعةٌ إنسانيةٌ عامة، كان «التصوف الإسلامى» هو أحد أشكالها وتجلياتها الكثيرة، التى لا تكاد تخلو منها ثقافةٌ إنسانية، دينيةً كانت أو غير دينية.. نعم «أو غير دينية» لأن هناك أنماطاً صوفية وحرارةً روحانية، تظهر أحياناً فى أكثر الاتجاهات ماديةً وابتعاداً عن الدين، حتى لو كانت (الفلسفة الماركسية) التى اشتهرت بنـزعتها المغرقة فى المادية واللادينية!
وإلا، فإننى أرى فى (إيمان) كارل ماركس بالأفق البروليتارى، وفى عقيدته بحتمية مجىء الزمان الذى تستولى فيه الطبقة العاملة (البروليتاريا) على وسائل الإنتاج، وبالتالى على مقدَّرات المجتمعات – وهو الأمر الذى لم يحدث قطُّ، ولن يحدث أبداً فيما أظن- أراه فى حقيقة الحال نوعاً من «الإيمان» والوله الصوفى بفكرةٍ خيالية، لا تؤدى إليها بالضرورة التحليلات الماركسية المسماة بالمادية الجدلية والمادية التاريخية.
أو بعبارة أخرى، فإن «اعتقاد» كارل ماركس بضرورة شروق «شمس العمال» هو فى واقع الأمر اعتقادٌ غير فلسفى، أو هو بالأحرى: تصوفى.
وهناك نقطتان أساسيتان تجب الإشارة إليهما، مادمنا فى مبتدأ الكلام عن ذلك النـزوع الإنسانى العام، المسمَّى عندنا: تصوف. النقطة الأولى منهما، أن (التصوف) يختلف عن تلك الاحتفالات الشعبية المسماة «الموالد» وإن كان كلاهما قد ارتبط بالآخر فى أذهان معاصرينا، فصرنا نقول عن هذه المظاهر الشعبية (الفلكلورية) إنها احتفالات صوفية! وذلك بطريق الخلط والتخليط بين التراث الصوفى المتمثل، مثلاً، فى التجارب الروحية العميقة التى تردَّد صداها فى حياة الحلاج (الحسين بن منصور، المقتول ببغداد سنة ٣٠٩ هجرية) أو فى كتابات ابن عربى (الشيخ الأكبر، محيى الدين، المتوفى بدمشق سنة ٦٣٨ هجرية) أو فى مؤلفات عبد الكريم الجيلى المغرقة فى الرمزية..
وبين التراث الاحتفالى الشعبى الموروث من الأزمنة القديمة، الذى اتَّخذ فى الزمن الإسلامى سبباً له من «مواليد» مشايخ الصوفية الكبار، ثم أتبع سبباً فصارت «الموالد» مرآة للحياة الاجتماعية المشوبة بأقل القليل من رحيق التصوف الحقيقى. وقد سُميت –وياللعجب- بالموالد، مع أننا فى حقيقة الأمر لا نعرف بدقة، تاريخ «ميلاد» أى شيخ صوفى، من أولئك الذين يحتفل الناس اليوم بمولدهم .
والنقطةُ الأخرى الواجب ذكرها هنا، هى أن لفظ (التصوف) ذاته، هو من الألفاظ المربكة، مترهلة الدلالة. حتى إن بعض المؤرِّخين اعتبر الكلمة كأنها غير عربية أصلاً، وإنما يونانية مشتقة من كلمة «صوفيا» التى تعنى الحكمة، ومنها أيضاً جاءت كلمة «الفلسفة» بمعنى حب الحكمة: فيلوسوفيا. وبعض المؤرِّخين أرجع دلالة الكلمة إلى «لبس الصوف» الذى تميَّز به أوائلُ الصوفية، كعلامة على التقشف، لأن الصوف آنذاك – بسبب وفرة الغنم- لم يكن غالى الثمن مثلما هو الآن .
والبعض من المؤرخين، المفكرين، قال إن التصوف اسمٌ غير مشتقٍ من شىء، إلا من الصفاء الذى يقترن بالمسيرة الروحية لهؤلاء الذين عرفوا أن «الدين» له أسرارٌ عميقةُ المعانى، تتجاوز العبادات الظاهرة والتكاليف الشرعية المعروفة التى تمثل ظاهر (الشريعة) بينما يمثل التصوف باطن (الحقيقة).
وبالطبع، فالمجال هنا لا يسمح بمناقشة هذه الآراء، وغيرها كثير؛ التى حاولت تفسير دلالة كلمة (تصوف) فانهمكت فى السعى لإدراك أو فهم «حقيقة التصوف» من خلال الألفاظ ومفردات اللغة. ولسوف نتوقف فى مقالة قادمة، عند علاقة الصوفية باللغة، وكيف تفجَّرت على أيديهم مفرداتٌ ودلالاتٌ «ثورية» من خلال الرمزية الصوفية، ومفردات (القوم) المغرقة أحياناً فى الإشارية، حتى تصل أحياناً إلى حدِّ الاستغلاق التام.. فلا يبقى أمامنا فى مجال (تعريف التصوف) إلا القول، إجمالاً، إن التصوف هو «تذوُّق الشريعة» وهو «توغُّل» فى رؤية العالم، بحيث لا يقف الصوفى عند ظاهر الأمور، وإنما يسعى لاستشعار حقيقتها الباطنة!
والتصوفُ أيضاً «عكوفٌ» على الذات، بمعنى مراقبة النفس والإبحار فيما يتجلى بقلب الصوفى من رؤى ومشاهدات، على اعتبار أن النفس، أو بالأحرى: الروح، هى المرآةُ التى يتجلَّى على صفحتها الكونُ كله. وبحسب جلاء هذه المرآة، يكون نصوعُ الصورة فى قلب الصوفى، أو الإعتام التام فى قلوب العوامّ.. وللتوضيح، لا يقصد الصوفيةُ بالعوامِّ جمهورَ الجهلاء، فالعامّىُّ عندهم قـد يكون عالماً كبيراً فى تخصُّصه، لكنه غافل عن ثراء باطنه وتجليات الكون على مرآة روحه، لأن المرآة معتمةٌ!
إذن، التصوفُ هو التذوُّق والتوغُّل والعكوف العميق على الذات العارفة باعتبارها مرآةً للكون. وبهذا المعنى الأوسع والأعمق للتصوف، يكون العشاق صوفية، والثوار صوفية، والفنانون صوفية. أعنى بذلك الحقيقيين من أولئك وهؤلاء! فالعاشق إذا تولَّه بمحبوبه صار لا يبصره بالعين، وإنما يراه متجلياً على مرآة ذاته العاشقة.
ولذلك، قد ينتحر العاشق أسفاً على فوات محبوبٍ يراه الآخرون شخصاً لا يستحق الموت من أجله، بل لا يستحق الالتفات إليه أصلاً، لأنه شخص (عادى) إذا نظرنا إليه بغير عين العاشق.. غير أن العاشق يرى محبوبه استثنائياً، وغير عادىٍّ بالمرة، والحياة بدونه لا يمكن أن تعاش. وهذه الحالة العشقية العميقة، هى نوعٌ من التصوف.
وكذلك الحال مع العارفين من الثوار، الذين يتوغَّلون فى الفكرة التى ثاروا من أجلها، حتى تملك عليهم قلوبهم والأفئدة، وتغدو الحياة هينةً فى سبيل «الوطن» أو «الجماعة» أو «النظرية» أو «الفضيلة» التى ثاروا، بل ربما ماتوا وأماتوا غيرهم، من أجلها..
وكذلك الحال أيضاً، مع كل فنانٍ حقيقىٍّ يهيمُ فى مفاوز فنه، ويتوغَّل فى أعماق تفنُّنه، حتى يستهين بما عداه، ويستغنى بما يشغله عن سواه. فنراه وقد غلبت عليه الأحوالُ الشداد، التى نعرفها فى سيرة الصوفية: أهل الله.
وقد يُوصف الرسَّامون النابغون بالبوهيمية، ويُوسم السينمائيون الكبار باللَّسعان (أى بالتوهج الزائد، الخارج بصاحبه عن المألوف) ويُتَّهم كبار المفكرين والفلاسفة بالغرابة والانزوائية.. وما البوهيمية واللسعان والاغتراب والانزوائية، إلا نتاجٌ لتلك الحالة الصوفية التى تنتاب هؤلاء، باعتبار «التصوف» هو التذوق الخاص والتوغل العميق والعكوف على مرآة الذات. ولذلك، يمكن مقارنة (تقلُّبات) هؤلاء المذكورين، بما يُعرف عند دارسى التصوف بالأحوال والمقامات.
وتختلف تسميات «التصوف» باختلاف اللغات والثقافات. فما يسمى عندنا تصوف، قد يسمى فى غير ثقافتنا بغير ذلك من الأسماء. فهو، مثلاً، عند الهنود يسمى (النرفانا) وهى حالُ الفناء التام، التى يحاول الناسكُ الهندىُّ الوصول إليها، كثمرةٍ روحانية للمسيرة التقشُّفية التى يختارها هذا الناسك، ويغوص فيها، أملاً فى الوصول إلى تلك الحالة الروحية، التى يسميها الصوفية المسلمون: الفناء فى الحضرة الإلهية. ولذلك، لا يخلو أىُّ (دين) من نزوع روحى، لا يلبث أن يصير نمطاً صوفياً يلبى حاجة «الأفراد» من المؤمنين، إلى التعمق والتذوق والعكوف العميق.. وإلى التأويل!
إن شرط الدين عموماً، فيما أرى –وقد أكون مخطئاً- هو قابلية التأويل! فإذا كان شرط (العلم) عند الفيلسوف المعاصر «كارل بوبر» هو قابلية التكذيب. بمعنى أن القضية العلمية تكون علميةً إذا كانت تقبل اختبار صدقها، وبالتالى إمكان تكذيبها، فتظل المسألة العلمية أو القانون العلمى أو «الحقيقة العلمية» قائمةً، ما دامت صامدة أمام عمليات التحقق المستمرة.. وفى الجهة المقابلة، فإن (التأويل) أمرٌ لازمٌ لكل نصٍّ دينىٍّ، بل هو الذى يجعله أصلاً، نصاً دينياً! فإذا كان النص لا يقبل التأويل، فهو نظريةٌ ما أو قاعدةٌ أخلاقيةٌ ما أو فلسفةٌ ما، لكنه ليس ديناً.. فتدبَّر وتأمَّلْ!
والدياناتُ الثلاثُ الموسومة بالسماوية، هى فيما أرى –وقد أكون مخطئاً- دينٌ واحدٌ له تجلياتٌ كبرى تسمَّى (اليهودية، المسيحية، الإسلام) ومن هذه التجليات، تفرعت بسبب مداومة التأويل، تجلياتٌ أخرى عديدة لا حصر لها، تسمَّى: المذاهب، العقائد، الكنائس، الاتجاهات الأصولية.. إلخ. والقرآنُ الكريم أو الأناجيلُ الأربعة (وغير الأربعة) أو التوراة ومُلحقاتها من كتب الأنبياء الكبار والصغار (العهد القديم) لو كانت جميعها لا تقبل التأويل، لما صارت باقيةً إلى اليوم، ولما اعتبرت يوماً فى النفوس، كنصوص مقدسة.
وإنما صارت إذا غابت عنها حرارة التأويل، نصوصاً تاريخية أو نصائح أخلاقية أو حركات إصلاحية أو غير ذلك من أشكال الجهود الإنسانية، لا الإلهية. ومع هذا (التأويل) الضرورى لمفردات الدين ونصوصه المقدسة، يتشكَّل التصوف ويشقُّ مجراه. ولذلك قال الصوفية المسلمون، الحلاج تحديداً: «اقرأ القرآن كأنه نزل فى شأنك أنت».. وهو ما يفتح باب التأويل على مصراعيه .
وعلى الرغم من أن اليهودية بطبعها العام ونصِّها المقدس، ديانةٌ عنيفةٌ ذات طابعٍ رعوىٍّ لم يتورع عن تصوُّر الربِّ، أو الله (سبحانه وتعالى) منحازاً لجماعة معينة، بل محارباً لها وغالباً من أجلها ومغلوباً منها).. يعقوب فى التوراه، تصارع مع الله فغلبه فأسماه الله إسرائيل، أى الذى غالب الله فغلب !)
ومع ذلك، لم تنعدم النـزعات التصوفية عند اليهود، نظراً لمداومة البعض منهم، لذلك التأويل الذوقى (الروحى) لنصوص التوراة والتلمود. ولذلك، ففى تاريخ اليهود اشتهرت جماعات روحية ذات نزوعٍ صوفىٍّ أصيلٍ، منها الجماعة التى تعرف باسم (القبَّالاه).
وهى اتجاهٌ تطهُّرىٌّ، يقوم على أساس أن التخلُّص من المطالب الحسية، وتأمل أسرار الحروف والأرقام؛ يعطى معرفةً روحية تتجاوز ظاهر العلوم.
وقد لعب هذا الاتجاه الروحى دوراً كبيراً فى استيعاب اليهود لحملات الاضطهاد المسيحية التى بلغت ذروتها فى أوروبا خلال العصور الوسطى (المظلمة) فكانت الآفاق الروحية للقبالا، كأنها «مأوى» تهرب إليه أرواح المضطهدين - وبالطبع فلا توجد اليوم دواعٍ لانتشار هذا المذهب عند اليهود المعاصرين- وقد ظهرت فى القرن الثالث عشر الميلادى مدونةٌ كبرى للقبالا، تسمى كتاب (زُهَر) أو (الزوهار) وهى موسوعة روحانية بعضها مكتوب بالآرامية وبعضها الآخر بالعبرية، وهى تسير بالتجربة الصوفية فى اتجاهين: تأملى فلسفى، وعملى سلوكى.
ومن اللافت للنظر، أنه مثلما نقم السلفيون المسلمون (أهل الظاهر) على صوفية المسلمين (أهل الباطن) فكذلك، نقم الرِّبيُّون اليهود (علماء الشريعة) على كتاب الزوهار وطريقة القبالا.. وهذا حديثٌ ذو شجون، قد نعود إليه فى مناسبة أخرى.
وفى التاريخ المسيحى المبكر، كان الناس فى مصر والشام– وفى مصر أكثر- يهربون من زراعة الحقول، لأن الرومان كانوا يسلبونهم نتاج الأرض بعد الحصاد، ويأخذون القمح إلى روما بحيث لا يبقى لمن فاتهم (الميرى) إلا التمرغ فى ترابه.. للتوضيح: الميرة (والميرى) كلمة قديمة تعنى: القمح!
ولذلك كان المزارعون البائسون يفرون من العمل هرباً من اللاجدوى، فلما انتشرت الديانة اتخذ هذا الهروب صبغة دينية، وراح الهاربون يحلمون بمجتمع تشاركى لا ظلم فيه، ومن هنا جاءت حياة «الشركة» و«الديرية» التى تطوَّرت من بعد، فظهر الاتجاه الروحى المسيحى المسمى: الرهبنة.
ولما استقرت الديانة المسيحية، كان الرهبان جيلاً من بعد جيل، قد توغَّلوا فى النصوص واستخرجوا منها معانى روحية تناسب النـزوع الإنسانى العام، لهذا الولع العلوى والهيمان السماوى الذى اتخذ فى المسيحية اسم (الرهبنة) وماهو فى حقيقة حاله، إلا ذلك النـزوع الإنسانى الأصيل، الذى يحدو بالفرد إلى دروب السماء، عبر عمليات تذوق خاص، ومن خلال توغلٍ عميقٍ فى النص، وعكوف على مرآة الذات.
ولذلك، أعطت الرهبنة عبر تاريخها الطويل، نماذج إنسانية بديعة، ونمطاً فريداً فى المسيرة الروحية للإنسان.. وقد انتبه صوفية المسلمين إلى ذلك التشابه بين الرهبنة والتصوف، ولذلك أفاض الشاعر الصوفى المسلم (أبو الحسن الششترى) فى مدح الأديرة والرهبان بقصائد مليحة.
وأفاض شيخ الصوفية الأكبر (محيى الدين بن عربى) فى الكلام على أولياء الصوفية – المسلمين- الذين كانوا حسبما قال: مشربهم عيسوى! بل انتبه لذلك الدارسون المحدثون، فقارنوا فى بحوثهم بين الراهب الشهير فرنشسكو الأسيزى، والشيخ البديع أبى مدين الغوث. وبين ابن عربى والرهبان عموماً، وبين الحلاج والمسيح!
وفى دراسة المستشرق المعروف، لويس ماسينيون نرى انبهاره بعبارة الحلاج: على دين الصليب يكون موتى (وهو مالم يفهمه ماسينيون بشكل صحيح) حتى إن ماسينيون تحمس –وقد كان مشوباً بنـزعة صوفية- فقال إن الحلاج هو الذى حقَّق فى الإسلام معجزة جبل الجلجثة.. آه، ليس هنا موضع هذا الكلام.
نعود إلى ماكنا بصدده من تبيان أن النـزوع الإنسانى الأصيل للتصوف، يتَّخذُ بحسب اختلاف الديانات والثقافات أشكالاً مختلفة، مثلما رأينا عند الهنود (النرفانا) واليهود (القبَّالا) والمسيحيين (الرهبنة).
وفى الإسلام المبكر، ظهرت مثيلات لهذه الاتجاهات، كانت تعرف فى البداية بجماعات الزهد وهجر الملذات والمرابطة فى الثغور (الجهاد البدنى والروحى) والرحلة فى طلب العلم ومراقبة أصول النفس.. إلخ.
فلما استدام الأمرُ فى الثقافة العربية الإسلامية، تحدَّدت ملامح الاتجاه الروحى الذى نعرفه الآن باسم (التصوف) عبر أجيال من السالكين دروبَ الروح والمحدقين إلى مرآة النفس، والمتأولين بواطن الآيات القرآنية.
وهؤلاء هم صوفية المسلمين. وقد عاش التصوف فى قلوب المسلمين قروناً طوالاً، قدَّم خلالها كبار الصوفية رؤى عميقة للكون وللإنسان وللدين وللإله وللجمال.. ومع هذه «الرؤى» سوف تكون لنا فى مقالاتنا القادمة، وقفات تستشرف المعانى الإنسانية العميقة التى أشار إليها الصوفية. فمن ذلك رؤيتهم لحقيقة الديانات، وقولهم إن كل إنسان هو عابد لله بالضرورة، حتى وإن غفل عن ذلك.. وهذا موضوع مقالتنا القادمة.
ومن ذلك قولهم إن الوجود جمالٌ محضٌ، لا قبح فيه. وهو موضوع المقالة التى بعدها.. وهكذا سوف يسير بنا الحال، حتى تنتهى هذه السباعية

المصري اليوم
4/11/2009
. . . . . . . . . . . . . . . . . .

سؤال للإشراف :
أعتقد أن باب المناقشات مفتوح بعد انتهاء سباعية ( أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف )
رد مع اقتباس
  (#14) قديم
ايهاب احمد عمر ايهاب احمد عمر غير متواجد حالياً
القط الكبير يراقبكم
 
الصورة الرمزية ايهاب احمد عمر
 
المشاركات: 9,986
نقاط: 3,854
المصرف: 0
المجموع نقاط: 3,854
إهداء نقاط
رقم العضوية:21867
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: مصر
العمر: 32
افتراضي 05-11-2009, 09:12 PM

اقتباس:
سؤال للإشراف :
أعتقد أن باب المناقشات مفتوح بعد انتهاء سباعية ( أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف )
هو باب المناقشة مفتوح منذ اضافة المقال الاول في الموضوع ، و من يريد المناقشة او التعليق على اي مقال يمكنه ذلك بالفعل
رد مع اقتباس
  (#15) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 05-11-2009, 10:57 PM

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ريم البرارى المستحيلة مشاهدة المشاركة
مينا ساهر سامى

تم نقل ردك لأرشيف الدعم الفني لخروجه عن الهدف من الموضوع آلا و هو إضافة مقالات د . يوسف زيدان

**********

تنويه هام

هذا الموضوع مخصص فقط لإضافة مقالات د . يوسف زيدان و غير مسموح أبدا بمناقشة المقالات أو التعليق عليها

و عند اعتراض أى عضو على أى جزء مما بالمقالات برجاء إستخدام أيقونة التبليغ عن المشاركات أو فتح موضوع بمنتدى سبورت لتوصيل رأيه للمشرفين على الموقع


و شكرا لتفهمكم و تعاونكم

ريم
أنا كان قصدي على الرد ده
رد مع اقتباس
  (#16) قديم
ايهاب احمد عمر ايهاب احمد عمر غير متواجد حالياً
القط الكبير يراقبكم
 
الصورة الرمزية ايهاب احمد عمر
 
المشاركات: 9,986
نقاط: 3,854
المصرف: 0
المجموع نقاط: 3,854
إهداء نقاط
رقم العضوية:21867
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: مصر
العمر: 32
افتراضي 05-11-2009, 11:01 PM

أوكيه جارى الاستفسار
رد مع اقتباس
  (#17) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 26-11-2009, 11:26 PM

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ايهاب احمد عمر مشاهدة المشاركة
أوكيه جارى الاستفسار
ونتيجة الاستفسار ؟!
رد مع اقتباس
  (#18) قديم
مواطن مصري مواطن مصري غير متواجد حالياً
عمَ تبحث يا فتى في زورق الأوديسة المكسور؟
 
الصورة الرمزية مواطن مصري
 
المشاركات: 2,854
نقاط: 7,355
المصرف: 0
المجموع نقاط: 7,355
إهداء نقاط
رقم العضوية:17680
تاريخ التسجيل: Jan 2004
الدولة: مصر
العمر: 25
افتراضي 30-11-2009, 03:47 PM

أولا نعتذر لك بشدة عن هذا التأخر الغير مقصود يا أنس ..
نقاش المقالات في حد ذاتها كمبدأ لا مشكلة فيه .. لكن الممنوع هو النقاش الديني وهو ما سينجرف إليه النقاش على المقالات الآخيرة عن الصوفية .. لذلك معها يظل الوضع على ما هو عليه .. عرض المقالات فقط
رد مع اقتباس
  (#19) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 17-12-2009, 11:33 PM

بسم الله الرحمن الرحيم


«المصري اليوم» تنشر عرضاً لكتاب د. يوسف زيدان الجديد قبل طرحه بالمكتبات «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى»


اقتباس:
كثير من الفكر كثير من الجدل (١)

اقتباس:


ها هو يخطو خطوته الثانية فى عالم التنقيب فى تاريخ الديانات، مصرا على توضيح ما خفى منها بوثائق هو العالم بها، دون خوف من تكرار الجدل أو عودة الهجوم عليه. وإذا كان فى المرة الأولى نجح فى شحذ عقول البعض للعودة للتاريخ وقراءته بصورة مختلفة، وسن ألسن البعض الآخر للرد عليه فى حملة زادت من مبيعات روايته «عزازيل» التى صارت من أكثر الأعمال الأدبية العربية انتشاراً لتطبع خلال عام ونصف فقط ١٦ طبعة، منحته بعدها جائزة البوكر فى نسختها العربية للعام ٢٠٠٩،
فإن د. يوسف زيدان بكتابه «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» الذى يستعد لطرحه فى الثالث والعشرين من شهر ديسمبر الجارى عبر دار نشر الشروق، يعرف يقيناً حجم ما ينتظره، ليس فقط من مسيحيى مصر الذين يحبون إطلاق لفظ «الأقباط» عليهم رغم تأكيده خطأ معناه الذى يعنى المصريين مهما كانت ديانتهم، حسب اللغة الهيروغليفية القديمة، ولكن من المسلمين واليهود أيضاً الذين يخوض د. زيدان بالبحث فى تاريخ ديانتيهم ليصبح ذلك اللاهوت حالة، يحاول بها مؤلفه تحريك عقول القراء ومنحها قدراً كبيرا من المعلومات التاريخية والتراثية، لا لتغيير معتقداتهم ولا درجة تقديسهم لما يؤمنون به، بل لكى يعيدوا التفكير فى مسلمات لم يمنحوا أنفسهم فرصة التفكير بها، وليعلموا أن الله واحد وأن الديانات الرسالية الثلاث ذات أصل واحد.
أهم ما يلفت النظر فى كتاب اللاهوت العربى هو منطقية العرض التى صاحبت صياغة الأفكار، فصاحبه لا يتحدث عن قناعة لديه إلا وأتبعها بما يدلل عليها، بشكل يمنح القارئ القدرة على التدبر فى سطور الكتاب حتى لو اختلف مع كاتبه فيه.
يتحدث عن رفضه توصيف الديانات الثلاث بـ«السماوية» ويسوق مبرره.. يرفض ما يقال عن إسلامية علم مقارنة الأديان، ذاكراً الأسباب، يؤمن بعد صحة المقارنة بين الديانات الثلاث بل دراسة ما يجمع بينها، مؤكداً أنها ما هى إلا ثلاثة تجليات لجوهر دينى واحد. وفى سياق كل هذا يطرح العديد من الرؤى الجديرة بالتأمل، من بينها على سبيل المثال عدم جدوى دراسة التراث الإسلامى أو المسيحى أو اليهودى بمعزل عما سبقها من تراث فى أزمنة سابقة كانت بمثابة مقدمة لها.
ونأتى للمضمون فنجد أن كتاب اللاهوت العربى يتضمن مقدمة قال د. زيدان إنها اشتملت على تمهيدات ضرورية، وستة فصول، وخاتمة فيها خلاصة ما تمت مناقشته فى الكتاب.
«مقدمة لابد منها»
من الممكن فى كثير من الأحيان لنا كقراء، تجاوز مقدمات الكتب على أساس أنها لا تحتوى فى الغالب إلا على بعض الأفكار الخاصة بالكاتب، أو بمن صدر لكتابه ورؤيته وما يجيش فى نفسه عن الكتاب. إلا أن مقدمة كتاب د. يوسف زيدان لا تمنحك ذلك الخيار، لتضمنها الكثير من الحقائق الخاصة بالديانات الثلاث،
وكيف أن مصطلح «اللاهوت العربى» الذى يطرحه المؤلف للمرة الأولى يتضمن نقاطاً مفصلية مهمة ومهملة، تجمع بين تراث الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام. شارحاً وجهة نظره من خلال طرح عدد من الأقوال، تبدأ بفكرة نرددها جميعا أصحاب الديانات الثلاث دون أن يكون لها أساس تستند عليه، ألا وهى «سماوية الدين»، فيقول إننا نطلق على تلك الأديان الثلاث وصف «سماوى» على الرغم من عدم لجوء علماء كل دين لاستخدام ذلك الوصف لا فى البدايات ولا فى الأواخر، لأن كل دين هو بالضرورة سماوى لغة واصطلاحا. وهو ما يفسره د. زيدان بالقول: «أصل كلمة سماء فى اللغة، هو العلو، ولا يقع معناه على شىء ملموس محدد وإنما على أى سقف مهما كان حتى لو كان سقف حجرة.
والتعبير الأدق أنها ديانات (رسالية) أتت للناس برسالة من السماء عبر رسول من الله أو نبى يدعو له، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد للكثير من التعبيرات الأخرى، ومن بينها صفة (الوثنية) التى ألحقتها المسيحية بالديانات الأخرى التى تحتفى بالأصنام أو الأوثان، رغم أنه لا يشترط أن تكون كل الديانات التى تحتفى بالتماثيل وثنية، كالبوذية مثلاً التى تحتفى بأصنام بوذا ولكنها لا تقدسه للتعبد، ولا ترى فيه صورة حجرية للإله. والدليل عدم غضب البوذيين من إصرار حركة طالبان على تدمير تمثالى بوذا فى (باميان) منذ عدة سنوات».
وينتقل بك د. يوسف زيدان للتعريف الثانى فى مقدمته، والذى يؤكد فيه على الجذور الواحدة للديانات الثلاث، مدللاً على ذلك بأن إبراهيم، أو إبرام، هو أبوالأنبياء فى الإسلام فهو والد النبى إسماعيل جد النبى محمد، وهو جد المسيح ابن داود فى المسيحية، كما أنه أبوالأنبياء اليهود جميعاً. وأن الاختلافات التشريعية بين الديانات الثلاث ما هى إلا نتاج خلاف الزمن بينما الجوهر واحد، رغم اعتراف الدين اللاحق بما سبقه وتنكر الدين السابق بما لحقه. فمهما كان موقف المسيحيين الغاضب من اليهود الذين قدموا المسيح إلى بيلاطيس البنطى لقتله، حسب رواية الأناجيل، ومهما كان موقف الإسلام المدين لليهود لتحريفهم كلام الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، فإن كلتا الديانتين اعترفت باليهودية، بينما لم تعترف اليهودية بهما.
ونأتى للتعريف الثالث فى مقدمة «اللاهوت العربى»، الذى قد يغضب بعض المسلمين، حيث يفند هذا التعريف علم مقارنة الأديان، المختص بمقارنة المفاهيم فى الأديان، كقضية الألوهية على سبيل المثال، مؤكداً عدم صحة الزعم الإسلامى بامتلاك هذا العلم، نافياً ما يقال عن تقديم علماء المسلمين الأوائل لهذا العلم بالمعنى المتعارف عليه. ما عدا ما قدمه أبوالريحان البيرونى والإيرانشهرى مغمور، باعتبار أنهما قدما تأريخاً جيداً للعقائد أو مقاربة للأديان.
بينما ما جاء فى تراث ابن حزم والشهرستانى والمسبحى وغيرهم، لا يعد إلا وصفاً عاماً لعقائد الفرق والجماعات الإسلامية وغير الإسلامية، كما أن هؤلاء المؤرخين كانوا مسلمين ينتمون لمذاهب دينية معروفة، وليس من السهل أن يتسم صاحب الدين بحيادية تامة تجعله ينصف أدياناً أخرى مخالفة لما هو عليه - كما يقول د. يوسف زيدان - ليس هذا فحسب، بل إن علم مقارنة الأديان فى الإسلام اعتمد على إبراز محاسن الإسلام وتفوقه على ما عداه من الديانتين الأخريين، وهو ما يتعجب منه د. زيدان بالقول: «ماذا لو كان الذى قارن بين الأديان غير مسلم؟ وهل يرى غير المسلم الإسلام إلا كما يرى المسلم الديانات الأخرى؟
وما الفارق بين علم مقارنة الأديان المزعوم، وعلم اللاهوت الدفاعى فى المسيحية؟ ولهذا كله لا أهتم بمضمون ذلك التخصص المسمى بعلم مقارنة الأديان، بل إننى على قناعة تامة بعدم صحة المقارنة بين الأديان الرسالية الإبراهيمية، والأصح المقاربة بينها، فالمتصل التراثى من اليهودية للإسلام يشهد على توالى الاتصال بين الديانات الثلاث، وإن كان لابد من مقارنة فليكن بين تلك الديانات وغيرها مما سبق عليها لأن هناك خلافا فى الجوهر، كالمقارنة على سبيل المثال بين الإسلام وإحدى ديانات الهند، أو بين اليهودية والديانة المصرية القديمة».
ثم تأخذنا المقدمة لجزئية الفرضيات الأساسية ومن بينها أن التراث الإسلامى لا يمكن فهمه من غير التعمق فى الأصول العميقة له والأسبق زمناً عليه، فهى مقدمات له وهو امتداد لها، وهو ما ينطبق على المسيحية واليهودية.
ثم يطرح د. زيدان فرضية أخرى مفادها أنه ليس بالضرورة تأثير الأسبق زمناً فى الأحدث منه بل يمكن العكس. فيؤثر اللاحق فى السابق حين يتعاصران، مثلما أثرت الأفلاطونية المحدثة فى التراث اليهودى الأسبق منها ظهوراً من خلال شرح فيلون السكندرى للتوراة وتأويله لنصوص العهد القديم، وهى التأويلات التى صارت مع الزمن تراثاً يهودياً.
ويطرح د. زيدان مثلاً آخر أشد وضوحاً بقوله: «لقد استكملت المنظومة الدينية اليهودية لذاتها اعتماداً على الديانتين التاليتين عليها (المسيحية والإسلام) بإدخال فكرة البعث أو القيامة وما يتعلق بها من أخرويات، وهو ما قد خلت منه النصوص اليهودية المبكرة (التوراة وأسفار الأنبياء الكبار) وتم إدخالها فى النصوص اليهودية المتأخرة (كالمشناة والجمارا اللذين يؤلفان معاً التلمود) ومن هنا صارت عقيدة البعث جزءاً رئيسياً من الديانة اليهودية».
ويخرج د. زيدان من تلك الحقيقة بفكرة التفاعل بين الديانات الثلاث الذى لم يقتصر على التعاقب الزمنى كما يقول، بل تعداه للتعمق فى أصل كل دين منها، وإلى عمليات جدلية تؤكد حقيقة الجوهر الواحد لتلك الديانات الثلاث.
ثم يتناول الفرضية الأخيرة فى جزء الفرضيات والمتعلقة باختلاف اللغات التى تعبر عن المفاهيم الدينية بشكل يوحى للبعض باختلاف المعنى، وهو ما ينفيه د. زيدان مؤكداً أن المعنى المراد واحد، مثلما الحال فى يسوع الذى هو عيسى، ويوحنا المعمدان الذى هو يحيى بن زكريا والعذراء القديسة التى هى الصديقة مريم ابنة عمران. وهنا يتحدث عن تدخل الدوائر بين الديانات الثلاث، لتكون التراثيات المتزامنة متفاوتة المساحة بحسب ما أعطاه هذا التراث أو ذاك لأهل زمانه. لتتماس تلك الدوائر أو تتداخل وفقاً للظروف.
وهو ما يوضحه الكتاب بعرض رسم لثلاث دوائر متداخلة، تتماس اثنتان منها فتعبران عن المسيحية والإسلام، وتتداخل بينهما الثالثة وتعبر عن العروبة التى عاشت - كما يقول المؤلف - مرحلتين، أولهما مطمورة يعنى بها الزمن السابق على الإسلام والمعروف خطأً بالعصر الجاهلى، وثانيهما مشهورة تعبر عن حياة العرب مع مجىء الإسلام.
يقول د. يوسف زيدان: «المنطقة المتداخلة فى الدائرتين المعبرتين عن المسيحية والإسلام، يعبر الجزء الأصغر منها عن المنطقة التراثية الحافلة التى ينتمى لها اللاهوت العربى، بينما يعبر الجزء الأكبر فيها عن امتزاج العروبة بالإسلام، ويبقى جزء من الإسلام تأثر بمؤثرات أخرى غير العروبة، من بينها المشاركة الفارسية التى ساهمت فى صياغة مفردات الحضارة الإسلامية التى تحولت لظاهرة اتسعت لغير العرب على اختلاف ديانتهم التى احتفظوا بها كالفرس والقبط والترك».
وتأخذك المقدمة بعد ذلك للحديث عن ضبط المفردات التى يؤكد وجوب التعمق فى دلالاتها لضبطها وتحديدها لتلافى الغموض أو سوء الفهم. كتلك الصيغ التى تكتب بها أسماء المشاهير والأعلام، منهم الأسقف نسطور (المرعشلى) الذى ولد بقرية مرعش قرب حلب، والأسقف تيودور، الذى يشار له أحيانا باسم ثيودوروس الموبسويستى، وأحياناً أخرى باسم «تيودور المصيصى».
إلى جانب تسميات المراتب والألقاب الكنسية. وهناك أيضاً الخلط بين الروم والرومان، فالروم هى التسمية العربية لأهل الإمبراطورية البيزنطية المسيحية التى ورثت مجد روما، وكانت عاصمتها بيزنطة المعروفة باسم القسطنطينية وهى عند المسلمين الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، بينما الرومان هم أصحاب الإمبراطورية الشهيرة فى روما.
ثم يعرج كاتب اللاهوت العربى لمسمى كتابه بالقول إن المسيحية لم تعرف اللاهوت قط إلا من خلال بعض المحاولات التى أرادت الانتقال بالفكر الدينى المسيحى من الاشتغال بحقيقة المسيح للانشغال بالذات الإلهية. وهى المحاولات التى رفضتها الكنيسة الأرثوذكسية فسمتها «هرطقات» أى مذاهب دينية منحرفة عن الإيمان القويم. ويشير الكتاب إلى أن تلك «الهرطقات» ظهرت فى منطقة الهلال الخصيب شرق البحر المتوسط والتى سادت فيها الثقافة العربية فى العصر المسيحى من قبل ظهور الإسلام بقرون، وأدت لصياغة الأرثوذكسية ذاتها وصيغ قانون الإيمان المتعددة.
وقد سعت هذه «الهرطقات» لإنشاء لاهوت مسيحى لكنها لم تنجح إلا بعد ظهور الإسلام الذى دعم «الهرطقة النسطورية» و«الهرطقة الأريوسية». ومما يؤكد تواصل المسيحية بالإسلام كما يقول د. يوسف زيدان أن تلك «الهرطقات» ظهرت فى محيط جغرافى محدد بين جماعة بعينها من الناس وهما المحيط والجماعة نفساهما اللذان ظهر فيهما بعد ظهور الإسلام علم الكلام أو علم العقيدة الإسلامية أو علم أصول الدين الإسلامى.. الفارق الوحيد أن المحاولات الأولى ظهرت فى إطار المسيحية قبل ظهور الإسلام، بلغات كانت سائدة فى ذلك الوقت كالسُريانية اليونانية، بينما المحاولات الثانية ظهرت فى إطار الإسلام وكتبت باللغة العربية.
ونسأل الدكتور يوسف زيدان، لم يصر على مد يده نحو عش الدبابير ولم وضع هذا الكتاب الشائك؟ فيجيب: «هناك مناطق فى التاريخ البشرى الفكرى لاتزال مغيبة وغامضة، بل من الممكن القول إنها ملغومة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، واعتاد الناس أخذ ما ورد لنا من تلك المناطق على علاته بما فيه من مفاهيم ومعان يتم التعامل بها كمسلمات، ولذا أردت مساعدة القارئ الواعى الباحث عن المعرفة، الراغب فى التعرف على حقيقة الدين، وتقديم رؤية تساعد فى التعرف على البحث اللاهوتى والدراسات الكلامية، رغم معرفتى بكراهية البعض مسبقاً لما فعلت».
«جذور الإشكال.. صفات الله فى التوراة»
هكذا جاء عنوان الفصل الأول فى اللاهوت العربى، حيث يتناول هذا الجزء العديد من الإشكاليات التى وردت فى التوراة كحقائق، اعترفت بها المسيحية اعترافا كاملا، بينما نظر لها الإسلام بعين التشكك باعتبارها محرفة عن نصها الأصلى.
ومنها إشكالية «صورة الله». فالتعدد فى تلك الصورة لا يقف عند حد أسماء الله، ومنها «آدوناى، الرب، يهوه، ياهو، إيل، إلوهيم»، ولكنها تمتد إلى طبيعة الله وصفاته، ليظهر الله داعيا للخير والفضائل تارة، وأخرى مقدماً على أفعال الشر والعنف والانتقام، كما فى العبور أو الفصح، حينما نشر الله الرعب فى مصر إرضاءً لشعبه المختار.
ويستدل د. زيدان على هذا بآية من التوراة جاءت فى صورة خطاب إلهى لليهود فى مصر يأمرهم فيها بأن يذبحوا خرافاً ويضعوا دمها علامة على أبواب بيوتهم، ثم يقول: «فإنى أجتاز فى أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر فى أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاماً بكل آلهة المصريين، أنا الرب ويكون الدم علامة على البيوت التى أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا تكون عليكم ضربة الهلاك حين أضرب مصر».
هنا يتوقف د. زيدان للتعليق بالقول: «وكأن الرب التوراتى المفترض فيه التعالى عن كل نقص، بحاجة لعلامة بصرية كى يميز بين بيوت أحبائه من اليهود حتى لا يضرهم سهواً بتلك النيران الإلهية الصديقة التى سوف تهلك أهل مصر؟».
ويتواصل عرض الدكتور زيدان لصفات الله التوراتية التى أظهرت الله فى بعض المواقع غاضباًً غيوراً من أبناء الله المفتونين بالنساء، أو حزيناً نادماً على خلق الإنسان فى الأرض، ثم حزينا نادماً على خسفه الأرض بالإنسان بالطوفان، أو قلقاً لأكل آدم من شجرة المعرفة فبات عارفاً مثل الإله، والله التوراتى يغار ويحقد على البشر ولذا فعندما يراهم يبنون حضارة بابل وبرجها الضخم ويتكلمون لغة واحدة، يغتاظ وينزل عليهم ويقرر بلبلة لسانهم ليتفرقوا فى الأرض ويتحدثوا لغات مختلفة لا يفهمونها، فيكفوا عن بناء المدينة التى تسمى بابل لأن الرب بلبل لسان كل الأرض كما جاء فى سفر التكوين الإصحاح الحادى عشر. ليس هذا فحسب بل تظهر التوراة الإله ضعيفاً يغلب عند مصارعة النبى يعقوب له كى يباركه ويمنحه النبوة بعدما اتخذ فى الصراع صورة بشرية كما فى سفر التكوين.
لا تقف تحليلات «اللاهوت العربى» عند صفات الله وقدرته فى التوراة، ولكنها تمتد لما هو أعمق منها حين تتناول حقيقة مهمة، مفادها أن ما يطرحه القصص التوراتى لا يقتصر خطورته على ما يطرحه من صفات بشرية يصعب إلحاقها بالذات الإلهية، ولكنها تمتد إلى قلب منظومة القيم الإنسانية التى نادت بها الحضارات البشرية والديانات الرسالية، حيث صار القتل مقبولاً والزنا بالمحارم كما فى قصة النبى لوط مع ابنتيه جائزا.
ليس هذا فحسب بل إن القصص التوراتى طرح إشكالية ثالثة حين جعل الله تعالى ملتصقاً بالأرض لا فى السماء يعيش فى خيمة قرب الإنسان، ليس على المطلق ولكن الإنسان اليهودى المولود من أم يهودية فقط، لأن الله فى التوراة لا يعبأ بغير اليهود الذين ينظرون لغيرهم من البشر على أنهم «أمميون» ناقصو الأهلية الإنسانية. وهو ما يقول عنه د. زيدان: «بتلك النظرة صار الرب مملوكاً لليهود دون غيرهم من بنى البشر، يتعامل معهم من دون بنى آدم، منهمكاً بحضوره بينهم فى الخيمة الأرضية التى عاشوا بها وهو ما عالجته المسيحية حينما توافقت مع اليهودية فى البداية وقالت إن الله يعيش مع الإنسان فى الأرض، ثم رفعته ثانية إلى السماء حيث الموضع الذى يليق به».
يذكر كتاب «اللاهوت» أن المسيح فى العقيدة الأرثوذكسية، هو الرب الكامل والإله المتجسد، وهو هو. وهو المصطلح الذى ظهر أثناء المناقشات الحامية بين الكنائس الكبرى قبل ظهور الإسلام، عند مناقشة طبيعة السيد المسيح «يسوع، عيسى، كريستوس، خريستو» ثم ظهر مصطلح «الهو هو» عربياً بعد الإسلام،
وتوسع المعتزلة فيه حتى صار نظرية كلامية تعالج مشكلة الصفات الإلهية عند المسلمين كما يقول د. زيدان الذى يرى أن الشروح والتأويلات التى قُدمت عبر تاريخ اليهودية من أجل إبقاء القداسة على تلك النصوص التوراتية كانت أبطأ فى الانتقال من اللغة التى كتبت بها التوراة، وهو ما أثر فى الانتباه لخطورة تلك النصوص. ليبقى الإشكال الذى طرحه القصص التوراتى قائماً غير مقبول لدى غير المؤمنين به حتى مجىء المسيحية.



اقتباس:
«٢» .. يوسف زيدان: المسيحية بدأت امتدادا لليهودية ثم قدمت نفسها للعالم كحركة إصلاح


مع مواصلة الخوض فى أوراق فصول كتاب «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» لكاتبه الدكتور يوسف زيدان رئيس مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، يتعمق لديك الإحساس بإشكالية ما يبثه من معلومات على صفحات مؤلفه، لا لكونها المرة الأولى التى تصطدم فيها بنوعية الحقائق التى يتضمنها الكتاب، ولكن أيضاً لما تطرحه من أفكار جدلية تجبرك على التفكير فيها بحرص شديد فتفتح أمامك آفاقا جديدة من الممكن أن يكون تعاملك معها فى السابق كمسلمات، إلا أن قدراً من التسامح وآخر من الحياد وثالث من الرغبة فى الفهم يمكنك من التفكير فيما يطرحه من أفكار بعقلانية دون أى التزام منك بتغيير ما تؤمن به سواء كنت مسلماً أو مسيحياً أو حتى يهودياً، وإن لم تقتنع بما جاء فى الكتاب فحاول أن تبحث عن إجابات لما يثيره من تساؤلات، تزداد مع بدء الفصل الثانى للكتاب.
والسؤال: هل تعتبر المسيحية امتداداً لليهودية، أم أنها ديانة مختلفة عنها فى الشكل والجوهر؟ هذا ما يجيب عنه دكتور زيدان منذ بداية الفصل الثانى، حين يذكر أن المسيحية طرحت نفسها فى البدايات كامتداد للديانة اليهودية، ثم تطورت بمرور الوقت لتقدم نفسها للعالم على أساس أنها حركة إصلاح وتصحيح عام لليهودية.
ويسرد الكتاب كيف انتظر اليهود ذلك «الماشيح» أو المسيح الذى سيتحقق مع قدومه وعد الرب لنبيه إبراهيم بامتلاك شعبه المختار وأبنائه المفضلين للأرض، من نيل مصر إلى نهر الفرات، ومن شدة تلهف اليهود على ظهور هذا المسيح الذى كانوا يحلمون بأن يخلصهم من موجات القهر والعنف التى تعرضوا لها، كثر أدعياء النبوة بينهم، وهو ما دعا النبى «ميخا»، أحد الأنبياء الصغار الاثنى عشر الذين أختتم بأسفارهم العهد القديم، إلى القول فى سفره الحزين: «لا تأتمنوا صاحباً، ولا تثقوا بصديق، احفظ أبواب فمك عن المضجعة فى حضنك، لأن الابن مستهين بالأب، والبنت قائمة على أمها، والكنه على حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته».
وهكذا يجىء يسوع المسيح بعد طول انتظار من اليهود ولكنهم لم يقدسوه كما كان متوقعاً، بل تعاملوا معه بذات الأسلوب الذى عرفوه مع من سبقه من أنبياء، حتى إن الروايات المسيحية المتأخرة تحكى أن أحبار اليهود اختبروا فى المعبد الكبير بأورشليم صحة دعوة المسيح، عبر التأكد من صحة نسب أمه مريم اليهودى، ووالده يوسف النجار الذى تزوج أمه بعد ميلاده، وأدركوا أنهم أمام معجزة إلهية، وبعدها حاولوا صرفه عن دعوته فلم ينصرف، فهددوه فلم يهتد ولم يسمع لهم، فسلموه للرومان ليصلبوه.
«لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة».. هكذا قال المسيح عيسى بن مريم لتلاميذه عند بدء دعوته، وهى عبارة يستدل بها دكتور زيدان على أن المسيحية كانت امتداداً للديانة اليهودية، بينما قام تلاميذه المعروفون فى المسيحية بالرسل، وفى الإسلام «بالحواريين» بنشر رسالته للأمم كلها مبشرين بخلاص الإنسان، بينما صعد المسيح مرة أخرى للسماء ليزداد الجدل حوله وحول طبيعته.. هل هو البشر النبى ابن الإنسان الذى جاء بالبشارة، أم هو الله بذاته نزل إلى الأرض حيناً ثم عاد ثانية للسماء؟
قبل الخوض فى تلك المسألة الشائكة وعرض وجهتى النظر التاريخيتين فيها، يشير دكتور زيدان إلى خلاف آخر نشأ بين المؤرخين الكنائسيين حول توقيت ظهور الأناجيل، وترتيب ظهورها زمنياً، مؤكداً أن أقدم مجموع للعهدين القديم والجديد يعود زمن كتابته إلى منتصف القرن الرابع الميلادى، وهو محفوظ الآن فى الفاتيكان ويعرف باسم لاتينى هو «كودكس فاتيكانو»، إلا أن الحقيقة الواضحة لمؤلف (اللاهوت) هى أن كثرة الأناجيل قبل اعتماد الأربعة الشهيرة منها «متى، مرقص، لوقا، ويوحنا»، وما تضمنته من تعبيرات مجازية، كانت ذات تأثير مباشر وقوى فى نشوب الجدل حول ماهية وطبيعة السيد المسيح، وبمعنى آخر بشريته «الناسوت، وربوبيته (اللاهوت)»، إلا أنه وبعد الاعتراف بالمسيحية كواحدة من ديانات الإمبراطورية الرومانية فى مرسوم ميلانو عام ٣١٣ ميلادية، تم إرساء نظم وتحديد اعتبارات تكفل الحفاظ على تلك الديانة، وكان ذلك فى مجمع «نيقية» المسكونى فى القرن الرابع الميلادى، واجتمع فيه ٣١٨ أسقفا من أنحاء المعمورة، قرروا فيه ما عرف باسم «قانون الإيمان» الذى تعدل أكثر من مرة لمواجهة ما عرف باسم «الهرطقات»،
وكانت صيغته الأولى تنص على: «يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من ألآب قبل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود من غير مخلوق، مساو للأب فى الجوهر، الذى به كان كل شىء، الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل فلاحنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى، وتألم ودفن وقام فى اليوم الثالث».
وتبع ذلك الإعلان لقانون الإيمان بعدة سنوات، تشكيل لجنة دينية فى العام ٣٣١ ميلادية، مهمتها التفتيش عن وإعدام الأناجيل الكثيرة غير الأربعة المشهورة السابق ذكرها، وقد تم حفظها والاعتناء بها وتداولها على نطاق واسع مع الرسائل المسماة أعمال الرسل، وهو ما عرف بالعهد الجديد، تمييزاً له عن العهد القديم، ليكونا فى مجموعهما «الكتاب المقدس».
ويقول دكتور يوسف زيدان: «المتأمل فى قانون الإيمان وإنجيل متى، يدرك أن الإيمان المسيحى ينطلق من المسيح الذى ترتبط الديانة كلها به، ومنه اشتقت اسمها فى كل اللغات، حتى إننا نجد أن إنجيل متى يبدأ بذكر ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم، ونسبه ومعجزة مولده وطفولته وهروب يوسف النجار به إلى مصر هو وأمه، من بطش هيردوس ملك اليهودية الباحث عن الصبى ليهلكه، رغم أن المخطوطات تؤكد موت تلك الشخصية قبل ميلاد المسيح بأربع سنوات. ثم يواصل الحديث عن معجزات المسيح وأقواله وأحكامه التى وضعها للناس ومكر اليهود به دون أية إشارة للإلهيات التى هى أصل كل دين، وكأن المسألة برمتها هى (المسيح) لا (الله) أو كأنه (هو هو).
لقد صار المسيح هو الديانة نفسها، ومن الإقرار بإلوهيته، يُستهل قانون الإيمان الأول، وشيئاً فشيئاً أصبح المسيح معادلاً موضوعياً لله، ثم صار فى اجتهادات الآباء الأوائل الأرثوذكس الله الذى غاب وناب عنه المسيح، هنا أمسى كل ما هو إلهى متعلقاً بالمسيح، لتختفى إشكالية صفات الله التى طرحتها اليهودية، وليصبح الإيمان القويم هو الإيمان بالمسيح الذى هو الله، وبات التشكيك فى إلوهيته لا يعنى سوى شىء واحد هو الكفر، أو الهرطقة بالتعبير المسيحى».
ما زلنا نسير فى تلك المناطق الملغومة، فى تاريخ الديانات البشرية كما يقول دكتور زيدان، وإن كنتَ استشعرتَ كقارئ بالمفاجأة لما سبق طرحه، فانتظر فالبقية المقبلة تحوى الكثير من الأفكار التفسيرية لقصة الجدل الذى نشب بين الكنائس حول طبيعة المسيح عليه السلام. حيث يبدأ طرح تلك الأفكار فى الفصل الثالث الذى يحمل عنوان «النبوة والبنوة» وهو الفصل الذى يبدأ بشرح الفروق بين الكنائس الغربية، ويقصد بها غرب فلسطين التى انتشرت من خلالها المسيحية، أى مصر و اليونان، والكنائس التى كانت تقع شرق فلسطين فى الجزيرة العربية والهلال الخصيب، ليبرهن على صحة المقولة الخاصة بتأثر الديانات بما سبقها من تراث، بالإضافة إلى البيئة التى بزغت فيها.
ويبدأ دكتور زيدان بالمنطقة الغربية مثل مصر واليونان والبحر المتوسط، حيث الفلاسفة والعلوم والديانات المتعددة التى سرعان ما اختفت مع انتشار المسيحية، ليطلق عليها وصف «وثنية»، ويسود منطق الكنيسة القبطية الخاص بإلوهية المسيح، والسبب كما يطرحه دكتور زيدان، هو أن مصر واليونان بلاد عايشت الكثير من الديانات التى كانت لا ترى إشكالية فى الجمع بين الربوبية والبشرية، بين اللاهوت والناسوت، ولا ترى أزمة فى تأليه الإنسان وتأنيس الإله، فالملك الفرعون فى مصر القديمة هو ابن الشمس أو ابن الإله، القابل للتأليه هو الآخر،
كما حدث مع الإسكندر الأكبر عندما زار معبد آمون بواحة سيوة فأعلنه الكهنة هناك إلهاً، إلى جانب أسطورة إيزيس التى أنجبت حورس الإله من أوزوريس من دون معاشرة بينهما، كما نجد فى حكايات الإلياذة والأوديسة الكثير من القصص عن تلاحم البشر بالآلهة، ومعاشرة آلهة جبال الأوليمب، خاصة كبيرهم زيوس، للنساء ليلدن أنصاف آلهة، وهكذا نجد أنه من الطبيعى أن تتأثر رؤية الكنائس فى تلك المناطق حول طبيعة السيد المسيح بما لديها من تراث عاشوا يؤمنون به لسنوات طويلة قبل انتشار المسيحية.
أما فى منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية فالأمر مختلف، كما يقول دكتور زيدان، فالديانات فى تلك المنطقة كانت تعلى من قدر الآلهة، وتتصورهم مفارقين للعالم البشرى، رغم أنهم صوروها فى هيئة أصنام تعبر عن صورة الآلهة.. كانت المسافة بين الإنسان والله شاسعة فى فكر ديانات شبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب، وهو ما يتضح على سبيل المثال فى صورة الآلهة التى صورتها ملحمة «الأنو ماإيليش» السومرية،
وكما حدث فى الملحمة البابلية «جلجاميش» وأكدت أن الإنسان بشر، مقدر عليه الفناء، بينما لا بقاء للأبد سوى للآلهة فقط، ليس هذا وحسب بل إن ثقافة تلك المجتمعات كانت تحتفى دوماً بالحكماء من البشر، وبالكهنة الملهمين من الآلهة وبالأنبياء، وهى شخصيات نظر لها أهل تلك المنطقة على أنهم أدلاء يعرفونهم بالآلهة، ولكنهم لم يتعاملوا معهم بصفات إلهية،
ويشير دكتور زيدان فى تلك الجزئية إلى أن النزوح العربى لتلك المناطق بدأ منذ أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، مؤكداً أن العقلية العربية مهما بلغ الاختلاف حولها، إلا أن الواقع والتاريخ يؤكدان أنها عقلية براجماتية تعنى بالعقل ولا تنزع للتفلسف النظرى العميق، ولا تفهم مسألة التداخل بين البشر والآلهة كما فى مصر واليونان، ليس هذا وحسب، كما يعلق دكتور زيدان فيقول: «لم تُعنَ الثقافة العربية بتلك الفروق الواسعة الفاصلة بين البشر والآلهة وحسب، ولكنها فرقت وبشكل حاسم بين ثلاثة معان محددة هى (النبوة، والربوبية، والإلوهية)، موضحة أنه لا يجوز الجمع بينهم أو التداخل،
فالنبوة على إطلاقها تكون للبشر، والربوبية مشتركة بحسب إطلاقها معرفة فى حق الخالق أو مضافة كصفة للمخلوق، بينما الألوهية لله وحده، وإلى جانب اللغة فإن الثقافة العربية اهتمت وبشدة بقصة الأنساب، وأعلنت قانون أن الولد للفراش، لذلك فالعقلية العربية تقبلت أن تلد العذراء المسيح دون زواج، على أساس أنها معجزة، والمعجزات جزء من النبوة، لكنها لم تستسغ أن يترتب على ذلك أن يكون المسيح هو ابن الله، اللهم إلا على سبيل المجاز، كما يقال إن اليهود هم أبناء الله، أما التطرف فى جعل الإنسان إلهاً فلم يكن مقبولاً لدى تلك العقلية وبخاصة أن هذا الإنسان تعذب وصلب وقتل مصلوباً، هذا شىء ترفضه تلك العقلية التى اعتادت أن تردد الله غالب».
ينتقل بك الكتاب بعد ذلك إلى تفاصيل مفهوم كل جانب عن طبيعة السيد المسيح، ويؤكد الكاتب أنه على الرغم من أن الإيمان الأرثوذكسى اعتبر كل من يقول بغير ألوهية المسيح كافراً، إلا أنه لم يرد بالأناجيل كما هو مكتوب أن المسيح استنكر من اعتبره إنساناً نبياً، وهو ما أشار له الأب متى المسكين، أحد أجلاء آباء الكنيسة القبطية المعاصرة، فى شرحه لإنجيل مرقس حيث قال ما نصه: «المسيح سأل تلاميذه من يقول الناس إنى أنا؟ فلما قالوا: واحد من الأنبياء. لم ينكر على الناس قولهم، ولكن التفت لتلاميذه وهم المؤمنون به وسألهم: وأنتم من تقولون؟ فقال بطرس: إنك هو المسيح ابن الله الحى، تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب ورب السماء لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال»، ورغم ذلك فإن جوهرية ألوهية المسيح لدى الأقباط ظهرت واضحة فى رسالة البابا القبطى الرابع والعشرين «كيرلس عامود الدين» الذى كان كبيرا لأساقفة مدينة الإسكندرية وعموم مصر والحبشة وليبيا منذ عام ٤١٢- ٤٤٤ ميلادية،
وهى الرسالة المعروفة باسم «أناثيميا» وهى كلمة يونانية تعنى اللعنات وكتبها لدحض عقيدة نسطور عندما شكك فى كون مريم العذراء هى أم الإله، وقال فيها: «إن الكلمة اتحد بالجسد أقنومياً، فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح، نحن لا نجزئ ولا نفصل الإنسان عن الله ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر، بل نعترف بمسيح واحد فقط الكلمة من الله الآب مع جسده الخاص.. المسيح واحد هو ابن ورب فهو إله الكل ورب الجميع، لا هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه.. لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب.. ومن لا يعترف أن عمانوئيل (يسوع المسيح هو الله بالحقيقة فليكن محروماً)».
ويعلق دكتور زيدان على كل ما سبق بالقول: «لكل ما سبق نقول إن ما يسمى فى التراث المسيحى باللاهوت إنما هو لاهوت لا يتعلق بالله ذاته بل بالمسيح الذى صار الله حين صارت الكلمة جسداً بحسب الفهم الأرثوذكسى لطبيعة يسوع، وهو الفهم الذى سيطر على تاريخ الكنيسة القبطية فظلت تؤكد عقيدتها فى لاهوت المسيح ليومنا هذا. حتى الهرطقات لم تكن تتناول فى مضمونها الذات أو الصفات الإلهية ولا طبيعة الله ولا كنهه، لأن تلك الأمور لم تكن هى موضع الإيمان أو الكفر اللذين ارتبطا فى الأساس بالمسيح أو الأقنوم الثانى فى ثالوث الآب والابن والروح القدس».
وهكذا يبدأ دكتور زيدان فصله الرابع فى كتابه اللاهوت العربى الذى يؤكد فيه أن الأرثوذكسية كانت ترى فى الهرطقات خطراً شديداً على المسيحية أكثر من اليهودية والوثنية اللتين نجحت فى القضاء عليهما تدريجيا ومحاصرتهما من خلال كتابات الآباء فى الكنيسة، ومن خلال بعض المناوشات والمعارك المحدودة معهم فى روما والإسكندرية وأنطاكية وبيزنطة، بينما كان الهراطقة يشعرون فى قرارة أنفسهم بأنهم مؤمنون أتقياء، وأنهم لم يخرجوا بأفكارهم عن حظيرة الإيمان وانهم يقولون الحق الذى استخلصوه من النصوص الإنجيلية

.

بعد ذلك يستعرض دكتور زيدان فى كتابه أشهر المهرطقين، وفى مقدمتهم «إبيون» الذى وصفه بأنه رجل غامض عاش فى الأردن ونسبت له «الإبيونية» التى هى جماعة يهودية الأصل كانت تؤمن بأن يسوع المسيح هو «الماشيح» وهو المخلص أو المهدى اليهودى المنتظر، وبالتالى فهو نبى كغيره من الأنبياء،
ثم ذكر «بولس السميساطى» الأسقف الأنطاكى وعاش فى القرن الثالث الميلادى تحت حماية زنوبيا ملكة تدمر العربية، وكانت أفكاره تتمحور حول نقطة وحيدة مفادها أن يسوع المسيح بشر مخلوق ولا ألوهية له، ثم يأتى القسيس الأنطاكى الخدمة، والشامى الثقافة «لوقيانوس»، فى قائمة المهرطقين وقد استشهد فى عام ٣١٢ ميلادية وتدور هرطقته حول حقيقة أن الله واحد لا مساوى له، وأن كل ما هو خارج عنه تعالى فهو مخلوق، ولذا فالكلمة مخلوق والحكمة مخلوق، ولأن يسوع ابن الله ابن الإنسان جاع وعطش واضطرب لذا فهو إنسان حقيقى عرّفنا بالله.
وبعد هؤلاء يجىء ذكر «آريوس» الذى تعده الأرثوذكسية الطامة الكبرى فى الهرطقات كما يقول دكتور زيدان، حيث ينظر الأرثوذكس الأقباط له باعتباره عدو المسيحية الأول، ليس هذا وحسب بل كل من يؤمن بما قاله أيضاً ومن هؤلاء الأسقف «جورجيوس الكبادوكى» الذى أرسلته العاصمة الرومانية ليكون أسقفاً للمصريين، فثاروا عليه فى الإسكندرية واعترضوا طريقه فى شوارعها وقتلوه ومثلوا بجثته لمجرد أنه كان يميل للأفكار الآريوسية التى حرق وأعدم كل ما دل عليها من أوراق فلم يبق منها أثر، وكانت عقيدته تدور حول أن الله خلق المسيح الابن من العدم، لم يكن قبله الابن موجوداً ولا كان الله قد صار بعد «آب» لأنه صار كذلك حين خلق الابن، وبالتالى فالابن لا يساوى الله فى الجوهر، ويسوع هو المسيح وليس الحكمة ولا الكلمة «اللوجوس» لأنهما صفتان إلهيتان لا تتوقفان عند مخلوق، وإلا صار الله عرضة للتغيير مثل الخلائق.
ثم يتوقف دكتور زيدان عن سرد قائمة المهرطقين ليعلق على بعض ما نادوا به من أفكار، يقول عنها: «مع أن آريوس وسابقيه ولاحقيه الذين أنكروا ألوهية المسيح بهدف الحفاظ على وحدة وتعالى الذات الإلهية، وتأكيد حرية الإرادة الإنسانية بعيداً عن الوساطة الكهنوتية، كانت لديهم أسانيد كثيرة مستقاة مباشرة من الكتاب المقدس الذى وصف فيه المسيح بابن الإنسان،
إلا أن كنيسة الإسكندرية التى تبعتها فى زمن آريوس معظم الكنائس الأخرى، شنت على آريوس حربا شعواء دفاعاً عن عقيدتها، بدأت بانعقاد مجمع مسكونى فى نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية تم فيها حرم آريوس وعزله ونفيه إلى دير فى إسبانيا. ورغم ذلك لم تهدأ الأمور فى الشام فأرسل الإمبراطور قسطنطين الكبير إلى آريوس يدعوه للقسطنطينية للتوفيق بينه وبين أسقف الإسكندرية (إسكندر) ليموت آريوس فجأة عند أطراف القسطنطينية عام ٣٣٦ ميلادية، مما دعا البعض للقول إنه مات مسموماً».
ويواصل دكتور زيدان قائمة المهرطقين الذين حاربتهم الكنيسة الأرثوذكسية ومنهم المفكر الكنسى «مقدونيوس»، وأسقف اللاذقية «أبوليناريوس»، و«نسطور» الذى اعتلى كرسى الأسقفية فى القسطنطينية سنة ٤٢٨ ميلادية، ووزع منشوراً على الناس يحظر عليهم تسمية مريم العذراء بلفظ «ثيو تو كوس»، أى والدة الإله، وذلك لأن الإنسان الذى هو مريم لا يمكن أن يلد الإله.
ويخصص دكتور زيدان جزءاً من أوراق كتابه لسرد قصة الصراع بين الأسقف السكندرى «كيرلس» و«نسطور» الذى يرى دكتور زيدان أنه لم يقتصر وحسب على طبيعة المسيح البشرية أو الألوهية، لكنه كان صراعاً سعت فيه كنيسة الإسكندرية لتأكيد سلطتها على كنائس العالم، كان صراعاً بين الإسكندرية والقسطنطينية على المكانة والترتيب الهرمى للكنائس الأربع الكبرى آنذاك.
ويقول دكتور زيدان: «هكذا ظل العالم المسيحى حتى ظهور الإسلام، حيث كان هناك شعور يقينى أنه لابد من إيجاد حل لاختلال واختلاف العقائد المسيحية ما بين الصيغ المتعددة لقانون الإيمان، ورسائل الحرومات، وبنود اللعنات التى يصبها الكل فوق رأس الكل. وفى هذه اللحظة المسيحية الحرجة نزل القرآن».


اقتباس:
زيدان: الإرهاصات الأولى لعلم الكلام لم تكن خروجاًً عن روح الإسلام بقدر ما كانت دخولا فى التراث العربى اللاهوتى


يصل بنا كتاب اللاهوت العربى إلى محطته الثالثة ليبدأ فى قراءة الإسلام ونزول القرآن، كتابا عربياً بلغة مبينة، فى شبه الجزيرة العربية. ليؤكد د. يوسف زيدان مؤلف الكتاب أن القرآن ومنذ اللحظة الأولى لنزوله كان مشتبكاً مع واقع المجتمع الذى نزل عليه. يتحدث بلغتهم، ويستخدم بلاغتهم، ويحدثهم عن أحداث وقعت لهم ولغيرهم من الأمم.
فيحكى محاولة أبرهة ملك الحبشة هدم الكعبة وكيف انتقمت السماء منه «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل»، ويقص عليهم تفاصيل حياتهم ومعيشتهم «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف» ويروى لهم ما حدث بين القوتين العظميين فى العالم وقتها مبشرا بانتصار المهزوم: «غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين»، ويحذرهم مغبة ارتكاب عادات محرمة من السماء: «وإذا الموءدة سئلت بأى ذنب قتلت».
ليس هذا فحسب بل إن القرآن الذى بدا منذ اللحظة الأولى لنزوله مشتبكاً مع ما فى البيئة العربية من وقائع، وما فى العقلية البدوية من سمات، يتواصل فى نزول آياته ويخصص جزءاً مهماً منها للقصص القرآنى وحياة الرسل والأنبياء، فى سور «مريم» و«هود» و«يوسف» و«إبراهيم» و«لقمان» و«يونس»،
كما قدم عبر آياته القرآنية فى سور أخرى قصص معظم أنبياء التوراة بشكل يمكننا من القول بأنه أعاد بناء الشخصيات النبوية فى القرآن بما يناسب مكانتهم وبما لا تستنتج منه صفات إلهية كتلك التى يمكن استنباطها من القصص التوراتية، وبلغة قرآنية راقية تأخذ القارئ أو المستمع لها إلى حضرة علوية لا يشوبها لفظ ردىء ولا معنى غير لائق بالله وأنبيائه. «فآدم» هو الإنسان الذى أخطأ بعصيان أوامر الله، ثم تاب عن معصيته بمساعدة الله، وهو ما يعلق د. زيدان عليه بالقول: مع هذا الطرح القرآنى لآدم لم يعد هناك مبرر لأن سخط الله على عباده من البشر الذين لم يشهدوا الخلق الأول، فآدم أخطأ وتاب وليس من العدل أن ترث ذريته خطيئته أو أن تحاسب عليها، فالآية صريحة: «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
كما أن النبى إبراهيم فى القرآن ليس كما حكت عنه التوراة، فالقرآن يذكره مشدداً على قيمته فى تاريخ البشرية الدينى، فيقول عنه فى سورة النحل: «إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين»، ويقول عنه فى سورة آل عمران: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين» فالقرآن ينفى أن يكون أبو الأنبياء من اليهود أو من النصارى مؤكداً: «إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا».
حتى عندما روى القرآن غواية امرأة العزيز للنبى يوسف بن يعقوب، جاءت الصيغة وقورة بعيدة عن فجاجة الوصف: «وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله». وهو أمر طبيعى يفرق بين البلاغة الإلهية وبين اللسان البشرى. وهكذا يقدم القرآن الإسلام باعتباره الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسبب أنه هو اليقين الموحى من رب العالمين، وليس اجتهاداً جاء نتيجة فكر المتفكرين».
وكما حلت المسيحية إشكالية صفات الله فى اليهودية، جاء القرآن ليتجلى الله فيه وبقوة بدءا من: «بسم الله الرحمن الرحيم» مروراً بالآيات المخبرة عن حضرته العليا التى لا مثيل لها: «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد»، و «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح فى زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب درى، يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم».
وهو ما يعلق عليه دكتور زيدان بالقول: «سطع الله بقوة فى القرآن حتى لا يكاد اسمه يغيب عن سطر واحد ولا يكاد حضوره يفارق أى معنى من المعانى القرآنية، وبذلك عاد اللاهوت إلى صدارة المعتقد الدينى وتوارى الناسوت حتى ما كان منه نبوياً. تراجع الناسوت من روح الإسلام لصالح السطوع اللاهوتى لرب العالمين الذى تكرر ورود اسمه فى القرآن ٢٦٩٩ مرة، هذا غير المرات التى ورد فيها ذكره عبر صفاته الإلهية، كالقدير والعليم والسميع والجبار والقادر والباسط والخافض والرافع وغيرها من الصفات، كان الله هو المهيمن على الخطاب القرآنى».
وتجىء لحظة الفصل الإلهى فى الخلافات المسيحية-المسيحية حول حقيقة طبيعة السيد المسيح عليه السلام، لا من باب التعالى أو التقليل من شأن المسيحية ولكن من باب التأكيد على حقيقة سردها المؤلف منذ سطور الكتاب الأولى ألا وهى أن الأديان الرسالية الثلاثة ذات جوهر واحد، فالقرآن أعاد بناء الكثير من المفاهيم المتعلقة بتلك القضية، ثم أعاد طرحها مرة أخرى بأسلوب جدلى لا جدالى، على حد وصف دكتور يوسف زيدان، فكان المنطق المتصاعد للأحداث ينتهى بالعقل لتقبل النتائج المرتبطة بالمقدمات، متناسق فى ذلك مع ذاته حيث قدم نفسه للناس كوحى إلهى لا نقص فيه، إما أن تأخذه كله وتؤمن به، أو تتركه كله. وفى هذا يقول دكتور يوسف زيدان: «لا يجوز مع القرآن أن نؤمن بشىء فيه دون شىء آخر،
ولذا استنكرت الآية الخامسة والثمانون من سورة البقرة تبعيض القرآن، بقوله تعالى: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون» ولذا فعندما بدأ الحديث القرآنى عن المسيح لم يذكر إلا مقترناً باسم أمه ما عدا فى ثلاث مواضع من بينها: «وقالت النصارى المسيح ابن الله» أما العذراء مريم فقد ورد ذكرها ٣٤ مرة فى القرآن وخصص الله لها سورة بديعة تحمل اسمها، وسورة أخرى تحمل اسم أسرتها «آل عمران».
بينما لم تخصص سورة تحمل اسم المسيح. ومريم القرآنية ليست أم الإله، وليست أم النور الحقيقى، ولكنها قديسة صديقة وهبتها أمها لله قبل حتى أن تضعها، وهذه القديسة أحصنت فرجها فأرسل الله لها الروح القدس أو الروح الأمين الملاك «جبريل» على هيئة بشرية، كتلك التى كان يهبط بها على النبى محمد، ليوصل لها النفخة الإلهية الخالقة، فحملت بالمسيح. هكذا وببساطة أبعد القرآن تماماً أية شبهة للاتصال المباشر بين الله والإنسان».
ويعرض الدكتور يوسف زيدان عبر اللاهوت العربى بعض الآيات القرآنية التى تصف العلاقة بين الله الخالق المنزه عن كل نقص، وبين نبيه ورسوله المسيح عيسى بن مريم وكيف صار خلقاً ليكون هبة الله لمريم العذراء مثلما كان يمنحها الرزق الذى كان يثير حيرة النبى زكريا زوج خالتها: «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله»، ويرشدها لكيفية الحصول على ما يسند ضعفها هى ووليدها «وهزى إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً.» وبعد سرد كل الوقائع الخاصة بمعجزة ميلاد المسيح يأتى القول الفصل فيه وفى كينونته «ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد، سبحانه» وفى موضع آخر من سورة المائدة يحمل صيغة العتاب الإلهى للرسول يقول تعالى: «وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم».
لم تكن طبيعة المسيح وحقيقة كينونته فقط ما حسمها القرآن الإسلامى، ولكن تعلق الحسم بجزء آخر هو «الأمانة» التى أخرجها عن معناها الاصطلاحى المسيحى، وجعلها أمراً إنسانيا عاماً يرتبط بالإدراك السليم، فكانت مرادفاً للعقل فقال الله فى قرآنه «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً».
وبتلك الجزئية يمهد الدكتور زيدان الحديث للحديث عن الكلام الإلهى «القرآن» فيقول: «هو مطلق أكد الله فيه على ثلاث حقائق أولاها أنه باللغة العربية مشيراً لذلك فى أكثر من موضع منها «قرآناً عربياً غير ذى عوج» و«إنا أنزلناه قرآناً عربياً» و«وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً»، وقد حاجج الله عباده بلطف فى أمر اللغة التى نزل بها القرآن فقال فى الآية ٤٤ من سورة فصلت:«ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته، أعجمى وعربى، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء وللذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمىً أولئك ينادون من مكان بعيد.» والآيات الأخيرة تشير إلى الحقيقتين الأخيرتين وهما سمع المؤمنين الذين يتلى عليهم القرآن فيهدى قلوبهم، والأخرى أولئك الذين ينادون من مكان بعيد أى أنهم غير مؤمنين».
بعد ذلك يحلل دكتور زيدان كيف توافق الإسلام مع العقلية البراجماتية العربية التى لا تعنى بالواقع فمدهم القرآن فى آياته المدنية بنظام لحياتهم وزاد الأمر فتحول الدين على يدهم إلى راية يحاربون تحتها من أجل تأسيس الدولة، وتوسعة حدودها ومن هنا جاء الأمر القرآنى «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.» و«واقتلوهم حيث ثقفتموهم».
وقاتل المسلمون المشركين حتى خلت منهم جزيرة العرب وصارت عن بكرة أبيها أرضاً إسلامية. ومع الفتوحات الإسلامية للمناطق التى كانت تعيش فيها المذاهب المسيحية الأرثوذكسية والآريوسية والنسطورية انتقل القرآن إلى غير الناطقين به، الذين ينادون من مكان بعيد، لينشأ فى نفس المنطقة التى ظهر فيها اللاهوت العربى المسيحى، علم الكلام الإسلامى.
هنا يبدأ الفصل السادس للاهوت العربى، معنوناً باسم «كلام الإسلام» يوضح فيه دكتور يوسف زيدان ماهية هذا العلم وطبيعته وكيف أن العلماء منحوه أكثر من توصيف زادت من تعقيد دراسته، حيث يسمى فى التراث العربى الإسلامى الفقه الأكبر، وأصول الدين، وعلم العقيدة، وعلم التوحيد.
ورغم كونه واحداً فى مضمونه إلا أن دارسى الفلسفة فى كليات الآداب يطلقون عليه «علم الكلام» بينما يطلق عليه الأزهريون «أصول الدين». وقد ظهرت بدايات هذا العلم فى القرن الأول الهجرى عقب انتشار الإسلام واستقراره فى البلاد التى تم فتحها، وكانت كل أسمائه مشتقة من أن القرآن كلام الله وأن المشتغلين بهذا العلم هم المهتمون بمفهوم النص القرآنى أى المتكلمون فى العقيدة المدافعون عن التوحيد وأصول الدين ضد الانحرافات العقائدية. وقد عرفه الفيلسوف الفارابى بأنه صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التى صرح بها واضع الملة وتزييف كل ما خالفها.
وكثرت تعريفات علم الكلام لدى علماء المسلمين واشتهر عدد منها مثل تعريف ابن خلدون الذى قال: هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المنحرفين فى الاعتقادات. إلا أن دكتور يوسف زيدان يميل لتعريف الإمام محمد عبده الذى يقول فيه: «هو علم يبحث عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات وما يجوز أن يوصف به وما يجب أن يُنفى عنه». ويبرر دكتور زيدان ذلك التحيز بالقول: «تعريف الإمام محمد عبده عبقرى لأنه عاد بهذا العلم إلى منابعه الأولى وعرفه بأولى المفاهيم التى انطلقت منه والمرتبطة بالصفات الإلهية».
ثم ينقل بك الحديث إلى أشهر فرق المتكلمين وهما المعتزلة والأشاعرة، اللذان ذاع صيتهما لوضوح مذهبهما وكثرة المشتغلين بالاعتزال والأشعرية. إلا أن البداية الدرامية لهذين المذهبين، قد تكون سبباً فى شهرتهما كما يقول دكتور زيدان.
حيث بدأت المعتزلة حينما دخل رجل على مجلس الإمام الحسن البصرى يسأله فى صحة ما يدعيه الخوارج من تكفير مرتكب الكبيرة، ليندفع العالم واصل بن عطاء أحد تلاميذ البصرى للرد على سؤال الرجل مؤكداً أن مرتكب الكبيرة لا هو كافر ولا هو مؤمن بل فى منزلة بين المنزلتين، ثم قام ابن عطاء وجلس فى أحد أركان المسجد والتف حوله بعض القوم يستزيدون الفهم منه، فقال البصرى «اعتزلنا واصل وأصحابه» فسموا لذلك «المعتزلة ولينتشر مذهب المعتزلة العقلانى حتى مجىء أبى الحسن الأشعرى مؤسس الأشاعرة.
وتقول قصته إنه كان تلميذا «للجبائى» أحد كبار علماء المعتزلة. وفى أحد الأيام جاء رجل يسأل الجبائى عن حكم إخوة ثلاثة فى الآخرة مات أحدهم مؤمناً ومات الثانى كافرا ومات الثالث طفلاً صغيراً، فقال الجبائى بدخول المؤمن الجنة ودخول الكافر النار بينما الطفل الصغير إلى عدم، لا يدخل الجنة ولا يدخل النار.
فسأل الأشعرى شيخه وماذا لو قال الطفل لله ماذا لو تركتنى حيا فى الأرض، كنت قد اكتسبت ثوابا أدخل به الجنة، فقال الجبائى سيقول له الله إنه لو كان قد تركه لكان اقترف ذنوبا استحق معها دخول النار، وقد رحمه بموته صغيراً. فرد الأشعرى أنه ساعتها سيقول الأخ الذى دخل النار لربه، ولماذا يا رب لم تمتنى صغيراً وترحمنى من اقتراف الذنوب التى دخلت بسببها النار مثلما فعلت مع أخى.
فلم يجد الجبائى إجابة واحتقن وجهه ووصف الأشعرى بأنه مجنون، هنا خرج الأشعرى من المجلس وصاح على باب المسجد معلناً توبته عن المعتزلة ونيته الرد على مذهبهم وفضح معايبهم. وصاغ الأشعرى مذهبه الكلامى ليكون وسطاً بين الإفراط فى التأويل العقلى لدى المعتزلة، وبين قبول النص الدينى بحرفيته مثلما فعل أصحاب الاتجاهات المضادة لمذهب الاعتزال.
ويقف الدكتور زيدان هنا وقفة مع قرائه يؤكد فيها أنه قبل المعتزلة والأشاعرة كان هناك بدايات لعلم الكلام فى نفس المنطقة التى ظهر فيها اللاهوت العربى المسيحى. وأن هؤلاء البادئين كانوا بمثابة آباء الكلام بل أنه يحدد أربعة منهم استكملوا الطريق الذى بدأه أسلافهم المسيحيون فظهر معهم وبهم علم الكلام الذى يراه زيدان امتداداً طبيعيا لما يطلق عليه اللاهوت العربى.
وهم «معبد الجهنى» الذى عاش بالبصرة وتوفى سنة ٨٠ هجرية، وكان من الرواة الثقاة للحديث النبوى، وشارك فى الأحداث السياسية والثورات التى هاجت فى عصره. وقد دارت «هرطقته» أو بدعته حول نقطة واحدة هى نفى القول بالقدر، ورغم ذلك سمى مذهبه بالقدرية على عكس دلالته. وقد كان معبد يخالف المذهب الجبرى الذى عمل الأمويون على تعميمه بين الناس ليبدو حكمهم من الله وأن الإنسان ليس بيده شيء.
ولذا قال الجهنى: «لا قدر والأمر أُنف». أى أن السلطان مفروض بسطوة الحكام ولا شأن لذلك بالقضاء والقدر الإلهيين، فالمفروض على الناس فرضه آخرون. الطريف هو ما يقوله المؤرخون ويؤكد مرة أخرى حديث دكتور زيدان عن الجذور الواحدة لكل الأديان، وهى أن أستاذ جهنى كان نصرانيا يدعى «سوسر» وكان أول من تكلم فى القدر. ثم يأتى الحديث عن غيلان الدمشقى الذى عاش فى القرن الأول بدمشق واشتهر بصلاحه وورعه وتقواه فعهد له الخليفة عمر بن عبدالعزيز بتصفية أموال الظالمين من أقاربه.
وكانت بدعة الدمشقى فى وقته أنه أعلن أن الإنسان مختار وأنه سيحاسب على اختياره وهو الأمر الذى توسع فيه المعتزلة فيما بعد وتحول لنظرية الحرية الإنسانية التى ناقضت تماماً مبدأ الجبرية، وقد خالف عمر بن عبد العزيز آراء صديقه، وزاد الأمر فقتله الخليفة هشام بن عبد الملك. وتمادى بعض مؤرخى علم الكلام فى رفض فكر الدمشقى فرووا حديثاً نبويا يذكر غيلان الدمشقى بالاسم ويقرنه بالشيطان الرجيم. ويجيء الجعد بن درهم فى الترتيب الثالث فى قائمة علماء الكلام الأربعة، عاش بالشام وعمل مؤدباً لأبناء الخلفاء. وكان فكره أن الله منزه عن صفات الحدوث، كما كان ينكر بعض الصفات الإلهية ومنها الكلام، فرفض القول القرآنى أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وأنه كلم موسى لأن ذلك لا يجوز على الله.
أما الجهم بن صفوان فهو آخر وأخطر الآباء الأربعة كما يقول دكتور زيدان، الذى توفى فى عام ١٢٨ هجرية ويعتبر مؤسس حركة الاعتزال وكان يؤمن بخلق القرآن لا نزوله على مراحل، وينزه الله من الصفات ويقول إن الله فى كل الأمكنة. وقد أخرجه علماء الإسلام مع من اتبع مذهبه من الإسلام.
ويعلق الدكتور زيدان على مصير هؤلاء العلماء الأربعة بالقول: «هل كان قول هؤلاء الآباء الأربعة الذى صرحوا به فى القرن الأول الهجرى سببا لما رأيناه من السلف والحكام الأمويين نحوهم؟ أم أن الناس وقتها استشعروا منهم خطراً ونقلة غريبة من الموروث المسيحى السابق، فكان القمع؟ الحقيقة أن هؤلاء العلماء ارتبطوا بالتراث المسيحى العربى السابق عليهم فى تلك المنطقة عن طريق الأساتذة الذين تلقوا عنهم البدع والهرطقات.
فأفزعت علماء المسلمين وبخاصة من أهل السنة، كما أفزعت رجال الكنيسة الأرثوذكسية من قبل. حتى إن آباء الكلام لقوا مصائر مفزعة تذكرنا بعصر الشهداء ومعاناة آباء الكنيسة الأوائل.
والحقيقة أن الإرهاصات الأولى لعلم الكلام لم تكن بمثابة خروج عن روح الإسلام، بقدر ما كانت دخولا فى التراث العربى اللاهوتى الذى لم يكن يتحدث العربية من قبل، ثم نطق بها مع الآباء الأربعة». وهكذا يختتم دكتور يوسف زيدان مبحثه فى اللاهوت العربى بفصل علم الكلام إلا أنه وكما بدأ بمقدمة تجبرك على قراءتها، اختتم الحديث بخاتمة المقال الذى زاد عليه من الحقائق... حقائق نعرفها غداً فى الحلقة الرابعة والأخيرة.
اقتباس:

د. «يوسف زيدان» فى حوار عن كتابه «اللاهوت العربى»: لم أسع للانتقاص من أى دين.. لكننى فقط أرمّم الذاكرة


لا يتركك كتاب دكتور يوسف زيدان «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» إلا وفى داخلك أكثر من علامة استفهام، ولم يكن أمامنا حين حانت لحظة نهاية القراءة سوى العودة للمؤلف وعرض تساؤلاتنا عليه، علنا نجيب عن بعض مما دار فى نفوس القراء الذين تابعوه.
فى البدء يؤكد أنه لا يسعى للانتقاص من أى دين، لكن كل دوره ينحصر فى ترميم الذاكرة، ومحاولة ترسيخ منهج جديد فى التفكير، ينشغل بالتدبر الدقيق فى الأشياء دون قبولها كمسلمات مؤكدا أنه دعا لتدين رشيد، على عكس ما يعتقد كثيرون أنه ضد الدين والتدين.. أن العلمانية خرافة وألفكر العلمانى غير رشيد وغير فلسفى، لأن الدين لا يمكن وجوده فى الواقع بعيداً عن السياسة، ولا يمكن تطوير سياسة واقعية فعلية بعيداً عن الدين.
وقد يعترض أحد بضرب مثل بالغرب المتقدم الذى نجح فى فصل الدين عن السياسة، وهوما أرد عليه بالقول إن الغرب لم يفصل الدين عن السياسة بل فصل المذهبية الدينية عن السياسة وإلى نص الحوار..
■ البعض يرى أن النبش فى تاريخ الديانات لا طائل منه. فما هدفك من وراء تأليفك لهذا الكتاب؟
- أبحث عن المناطق المنسية فى وعينا لأننى أعتقد أنه لا يمكن فهم ثقافتنا المعاصرة دون النظر فى أصولها العميقة التى شكلت الواقع الذى نعيشه. ولذلك رأيت أننى ومنذ مدة طويلة مرمم ذاكرة، أسعى لإعادة بناء وعى حقيقى بالذات يتجاوز التناول السطحى للظواهر، ويسعى بدأب لاستكشاف مناطق مجهولة ومستبعدة من شخصياتنا الجمعية.
■ قلت فى كتابك أن الديانات الثلاث ذات أصل واحد. هل تؤكد هنا النظرية التى يرددها البعض من أن كلمة «إسلام» لا تعنى فقط الدين ولكن تعنى كل الديانات؟
- لا، ولكن ما أردت قوله إن جوهر الدين فيما يعرف بالمسيحية واليهودية والإسلام، هوجوهر واحد. وإن اختلفت مظاهر التدين بحسب اختلاف الرؤى الإنسانية والتوجهات المتعددة. بالإضافة إلى هذا فهناك معنيان للإسلام وكلاهما قرآنى، فهناك الإسلام بمعنى العبادة الحقة وهوالذى ورد فى العبارة القرآنية: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين». أما الإسلام بمعناه الثانى فهوالذى بنى على خمس، وهوالذى امتلأ بالتراث ألفقهى حسب المذاهب ألفقهية المتعددة التى كانت فى الزمن الماضى كثيرة فيما مضى وصارت الآن أربعة المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة.
■ البعض يرى فى هذا الكتاب حالة من انتقاص الدين الآخر سواء كان يهودياً أومسيحياً.. ما تعليقك؟
- لا يمكن أن أنتقص من أى دين لأننى أحترم العقائد كلها، لا كجزء من ثقافتى الخاصة وحسب، ولكن كجزء من إيمانى الإسلامى الحق. وادعوا هؤلاء الذين بدأوا فى سن ألسنتهم للهجوم على هذا الكتاب، أن يفكروا بهدوء مرتين، فقد كتبت هذا الكتاب بعد تفكير عميق وتدبرت الأمر عشرات المرات، ولم ولن أزعم أنه جاء باليقين التام النهائى الذى لا شك فيه، وأقول لمن يملك رؤية أخرى مصحوبة بأدلة كتلك التى سقتها فى عرضى، أن يرد على بذات أسلوب المنطق. فهذا جزء من رؤية عامة أتمنى أن تسود فى المجتمع. فكل ما ذكرته دللت عليه، يجوز أننى مخطئ لذا مرحباً بمن يهدى لى عيوبى ويدلل عليها.
■ لماذا يشعر القارئ للكتاب بأنك تعارض العنف المسيحى ضد الوثنيين والمهرطقين، وتبرر الحروب الإسلامية لتأسيس دولة؟
- القراءة المتمهلة للكتاب، ولغيره مما كتبت، تؤدى لعكس هذا ألفهم، أذكر أنه عندما تم الاعتداء على نجيب محفوظ أننى كتبت مقالاً بعنوان «القبح المتجسد» استدعيت فيه واقعة ذبح «الجعد بن درهم» التى قام بها الأمير خالد بن عبدالله القصرى، مذكراً الناس بضرورة إدانة العنف الذى يكتسح الدين وهى الإدانة ذاتها المذكورة فى كتابى «اللاهوت العربى» انطلاقا من ذات الرؤية، فأنا أدين العنف المسمى بالمقدس أيا كان شكله أوزمانه منبهاً إلى أنه نظام تفكير يؤدى إلى تدمير ما تعطيه الجماعة الإنسانية من مظاهر فكرية وفنية ودينية وروحية، فالعنف أيا كان مسماه نار تأكل الأخضر واليابس سواء كان ذلك باسم «يهوى» أوباسم «المسيح» أوباسم «الله الرحمن الرحيم».
■ كيف تفسر قولك فى كتابك «أترون وجه الشبه بين أهل السنة والأرثوذكس»؟
- قيم التدين واحدة، وبعبارة أدق هناك بنيات محددة تنظم عمليات التدين، مع ملاحظة ألفرق بين الدين والتدين، وهذه البنيات يغلب عليها الطابع الروحى وهوما نراه فى اليهودية فى «القبالة» وفى المسيحية من خلال «الرهبنة» وفى الإسلام عبر «التصوف»، وهذه البنيات الثلاث واحدة فى واقع الأمر تنتظم من خلالها روحانية تجربة التدين.
فى المقابل هناك الصورة المتشنجة للتدين. نراها فى اليهودية متمثلة فى حزب «شاس» وفى التاريخ المسيحى فى جماعة «محبى الأنام» وفى الإسلام فى «الخوارج»، وفى الواقع المعاصر فيما يسمى «بالجماعات الإسلامية» التى تنطلق من قاعدة التأسلم، وهذه أيضاً بنية واحدة وإن اختلفت محتوياتها بحسب اختلاف الدين. وأعتقد أن أى دين لا يقبل وجهتى النظر يموت، لأن شرط الدين أن يكون قابلاً لاستنباط تأويلات من شأنها أن تذهب بعيداً فى هذا الجانب أوأن تتوغل فى الجانب المقابل له، والدين الذى لا يقبل التأويل يصبح شيئا آخر مثل ألفلسفة أوالمذهب الخلقى أوالرؤية الإنسانية العامة.
ولكن الدين الذى يتطلب الإيمان لابد له من نص ينفتح فيه الباب على مصراعيه أمام عمليات التأويل وهنا يبدأ التدين الذى يختلف عن الدين من حيث كونه رؤية إنسانية للنص الدينى المقدس الذى يتوجه من خلاله إلى اعتقاد أن الله واسع عليم ولا يمكن للوعى الإنسانى مهما بلغ به التدين أن يحيط به تعإلى. وكل هذا يقودنا إلى تأكيد تدين رشيد لا يقوم على اعتقال اليقين فى جانب واحد تحت زعم «الأرثوذكسية» أو«السلفية»، انطلاقا من الآية الإنجيلية «إن شمس الله تشرق على الأبرار والأشرار».
■ ألا ترى تناقضاً بين دعوتك للحرية الإنسانية، وقولك بعدم إمكانية ألفصل بين الدين والسياسة؟
- أؤكد أن العلمانية خرافة وألفكر العلمانى غير رشيد وغير فلسفى، لأن الدين لا يمكن وجوده فى الواقع بعيداً عن السياسة، ولا يمكن تطوير سياسة واقعية فعلية بعيداً عن الدين. وقد يعترض أحد بضرب مثل بالغرب المتقدم الذى نجح فى فصل الدين عن السياسة، وهوما أرد عليه بالقول إن الغرب لم يفصل الدين عن السياسة بل فصل المذهبية الدينية عن السياسة.
والدليل أنه بالنظر لورقة الدولار الأمريكى سنجد عبارة «نثق فى الله» «In God We Trust» وهناك الكثير من الشواهد الدالة على ارتباط الدين بالسياسة فى المنظومة الغربية المعاصرة فنحن لم نسمع عن رئيس غربى عادى المسيحية أوأعلن انفصاله عنها.
العلمانيون ينخدعون بالتناقض الذى تعطيه الحضارة الأوروبية المعاصرة فيتوهمون أن الحرية الإنسانية هناك باتت مقدسة بفصل الدين عن السياسة، تماما كما يتوهمون أن ابن رشد قد فصل بينهما فى كتابه الشهير «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» فظنوا أن الكلمة الأولى من العنوان هى الموضوع دون أن ينتبهوا إلى أن الكلمة الأخيرة هى جوهر الأمر. وأن ابن رشد قدم الكتاب كفتوى شرعية بصفته قاضى المالكية فى الأندلس.
■ يتساءل البعض عن حق الخوض فى ديانات الآخر وتحليلها، ويقولون هل تقبل بمن يعلق على الإسلام أويحلله من ديانات أخرى؟
- بالطبع أقبل وأرحب، ففى وعينا الإسلامى تعلمنا قاعدة أرساها أمير المؤمنين، الخليفة عمر بن الخطاب، بقوله: «رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا».
ومن يقول بهذا القول يتناسى أمراً معروفاً هو أن المستشرقين والكارهين والمحبين للإسلام من غير المسلمين كتبوا أطناناً من الكتب مع الإسلام أوضده ولم يؤثر ذلك إلا على مستوى فهم الديانة، بل الأكثر من ذلك أننا حين نذكر أهم الأعمال فى مجال إسلامى خالص هو«علوم القرآن»، فإننا نذكر الإمام «الزركشى» ومن بعده بقرون الإمام «السيوطى» وبعده بقرون المستشرق الألمانى «تيودور نولدكه».
رد مع اقتباس
  (#20) قديم
*أنس* *أنس* غير متواجد حالياً
مشترك نشيط
 
الصورة الرمزية *أنس*
 
المشاركات: 715
نقاط: 1,915
المصرف: 0
المجموع نقاط: 1,915
إهداء نقاط
رقم العضوية:24817
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: القاهرة
العمر: 23
افتراضي 25-02-2010, 09:02 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

د.يوسف زيدان يكتب: تلمود اليهود (١/٧)..الأرثوذكسيةُ اليهوديةُ وتقديسُ التلمود

صرنا مؤخراً نسمع كثيراً فى وسائل الإعلام، ونقرأ فى الصحف، اسم الحزب الإسرائيلى المتشدِّد (شاس) وهو حزب دينى/ سياسى، يشتهر أفراده باللباس اليهودى التقليدى، وبإثارة المشكلات مع العرب من جهة، ومع اليهود من جهة أخرى.. وأهل «شاس» دوماً ثائرون، لأنهم يرون أن أرض إسرائيل، التى كانت تسمى فلسطين (ومازالت تسمى فلسطين) يدنِّسها وجود غير اليهود.
وهم ثائرون، لأنهم يرون أن دولة إسرائيل، تتهاون أحياناً فى تطبيق «الشريعة» فتسمح بالعمل أيام السبت، وتتراخى فى أمور مصيرية كالختان وتطهير أرض الرَّبِّ كى تكون فقط لأبناء الرَّبِّ الذين هم أحفاد إبراهيم ويعقوب (إسرائيل) دون غيرهم.. مع أن وعد الرب الذى يزعمون، يقول فى التوراة لإبراهيم ما نصه: «لنسلِك يا إبراهيم أُعطى هذه الأرض، من النهر إلى النهر».
والمفروض بحسب (التوراة) التى بأيديهم وأيدى الناس أن العرب من نسل إبراهيم أيضاً، لكنهم أبناء الجارية.. الأباعد.. المبعدون.. المهجَّرون إلى الهجير كأمِّهم هَاجَر! على كل حال هذا ما يراه أهل شاس.
فما معنى هذه الكلمة: شاس؟
■ ■ ■
فى اللغة العبرية، تختصر كلمة «شاس» قولهم (شيشَّاه سداريم) أى التقسيمات الستة، أى «التلمود» الذى يقع فى ستة مباحث (مجلدات) لكل مبحثٍ منها مباحثُ فرعية ترتبط به، لكنها تأتى فى المجلد ذاته.
ولذلك، فعادةً ما يكتب التلمود بخط اليد، ويُطبع، فى ستة أجزاء! وهى الأجزاء التى سنتحدث عنها فى المقالات الست القادمة، المتممة لهذه السباعية التلمودية.. ولكننا سوف نشير أولاً، فى مقالتنا هذه، إلى الأهمية الخاصة للتلمود.
وهى الأهمية التى جعلت الدارسين، يسمون اليهودية المعاصرة التى تدير اليوم دولة إسرائيل «اليهودية التلمودية» ويسمونها أيضاً «اليهودية الحاخامية» على اعتبار أن الحاخامات، الذين هم فقهاء الدين اليهودى، هم الذين كتبوا التلمود.. مع أن «التوراة» هى الكتاب الأول والأكثر قداسة.
فما هى قصة التوراة والتلمود؟
■ ■ ■
بحسب المصادر اليهودية المبكرة والمتأخرة، وحسبما اتفق عليه غالبية المؤرِّخين والباحثين، فإن التوراة كتبها (عزرا الكاتب) إبان القرن الخامس قبل الميلاد، وحكى فيها عن بدء الخليقة ووقائع حياة آباء الأنبياء من أمثال إبراهيم ويعقوب الذى غلب الله (إيل) فصار اسمه إسرائيل! وتفاصيل الخروج من مصر وتخريبها يوم (الفصح) أيام موسى التوراتى الذى كان يعيش بمصر حسبما قال عزرا الكاتب، قبله بقرابة الخمسمائة عام.
إذن، كُتبت التوراة قبل ميلاد السيد المسيح (عيسى ابن مريم) بقرابة الألف عام. وحسبما يقول اليهود، كانت كتابتها فى أورشليم (القدس) بعد انتهاء السبى البابلى الذى قام به «نبوخذنصّر» حين سبى شعوب الهلال الخصيب (فلسطين، سوريا، لبنان، العراق) كى يعملوا بالسُّخرة فى بابل.. المدينة التى كان بها البرج، الذى اغتاظ منه الربُّ فنـزل من السماء، حسبما تقول التوراة، ودمَّرها! وبلبل ألسنة الناس من يومها، فصاروا يتحدثون لغات مختلفة (وذلك هو التفسير التوراتى لاختلاف لغات البشر).
ولأن عزرا الكاتب كتب التوراة بعد قرون من الوقائع التى حكاها فيها، كان لابد من واسطة إلهية تجعل ما كتبه مقبولاً.. وهكذا صار الروح القدس (هرُّوح هقُّودِش) هو الذى أملى التوراة على عزرا!
أما التلمود فقد كتبه «يهوذا هنَّاسى» فى بدايات القرن الثالث الميلادى. وكان أحبار اليهود (الحاخامات) قد بدأوا تدوين التلمود قبل ذلك بعشرات السنين، وتحديداً بعد سقوط أورشليم وتخريب الهيكل على يد الإمبراطور الرومانى إيليانوس هادريانوس، الذى محا أورشليم من الوجود وبنى بدلاً منها مدينة أخرى سميت باسمه (إيليا) وظل العرب ينطقونها (إيلياء) حتى جاء الإسلام، فأسموها القدس وبيت المقدس. المهم، فى إيلياء كتب أحبار اليهود مسودات التلمود، ثم جاء يهوذا هنَّاسى ونقَّح ما كتبوه، واستكمله، فظهرت تلك المباحث الستة التى تعرف باسم التلمود.
وهى الشريعة اليهودية (الشفاهية) فى مقابل الشريعة اليهودية (المكتوبة) لأنه وفقاً للاعتقادات اليهودية، فإن موسى التوراتى جاء بالشريعة على وجهين: مكتوبة (التوراة) وشفاهية (التلمود).
فماذا عن ملحقات التوراة والتلمود؟
■ ■ ■
التوراة هى أسفار موسى الخمسة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية) وقد لحقت بها أسفار أخرى للأنبياء الكبار من أمثال إشعيا وإرميا، والأنبياء الصغار من أمثال عاموس وحبقوق! ومن مجموع هذه الأسفار كلها، يتألف (العهد القديم) الذى يقدسه اليهود والمسيحيون معاً. لكنهما ينفصلان من بعد ذلك فى تقديس المسيحيين للأناجيل، وتقديس اليهود للتلمود.
والتلمود قسمان، القسم الأول هو المشناة (المثناة) التى تضم المباحث الستة. والقسم الآخر هو (الجمارا) التى تضم الاجتهادات الفقهية والمناقشات التى دارت حول القسم الأول.. والمشناة كُتبت أصلاً بالعبرية الكلاسيكية، بينما كُتبت الجمارا بالآرامية وهى اللغة التى كانت سائدة آنذاك، وبها كان يتكلم السيد المسيح.
وكان اكتمال كتابة التلمود (المشناة، والجمارا) فى القرن الخامس الميلادى، وظل بعدها فترة محجوباً بأيدى الجماعات اليهودية، حتى انتبه إليه مسيحيو أوروبا، وغاظهم ما فيه من تهجم على السيدة العذراء (مريم) وابنها المسيح (هَمَّشيح) فكانوا يحرقون التلمود كلما بلغ بهم السيل الزُّبى، أو الغيظ المنتهى.. واستمر الحال، على هذا المنوال، بين شدٍّ وجذب، حتى تعرَّف الناس على التلمود وترجموه إلى اللغات الأوروبية المختلفة، من دون أن يقدِّسوه بالطبع، لأنهم مسيحيون يقدسون العهد القديم أو التناخ (التوراة وأسفار الأنبياء والأسفار الكتابية) والعهد الجديد (الأناجيل وأعمال الرسل).. فانفرد عنهم اليهود بتقديس التلمود، وتزايدت أهميته عندهم، لأنه يكمل شريعتهم الموسوية، ويميِّزهم عن المسيحيين الذين هم من وجهة النظر اليهودية مجرد (ضالين).
ومع تزايد أهمية التلمود، أى المشناة وشروحها المسماة (الجمارا) صارت التلمودية صفة أساسية لليهود، ولذلك سميت اليهودية المعاصرة باليهودية التلمودية وباليهودية الحاخامية.. وصار التلمود أهمَّ عند اليهود من التوراة، لأنه ينظم تفاصيل الحياة اليومية، ويؤكد الشريعة التى صاغها أجيالُ الفقهاء (الحاخامات) خلال ما يقرب من ألف سنة. ولما قامت دولة إسرائيل مؤخراً، أعنى فى منتصف القرن العشرين، صار التلمود أكثر أهمية لأنه بمنـزلة الأساس الذى تستمد منه الدولة اليهودية ملامحها الدينية .
متى عرف العرب التلمود؟
■ ■ ■
مع أننا نحن العرب المعاصرين، خاصة فى مصر، كنا نردِّد دوماً أيام الصراع (العسكرى) مع إسرائيل، شعار: اعرفْ عدوَّك! إلا أننا كنا فيما يبدو نقنع بترديد هذا الشعار.. وكأن هناك غرضاً خفياً لدى الحكام العرب، لإبقاء اليهودية سراً من الأسرار، حتى يتقبل المحكومون الهزائمَ المتوالية التى لحقت بنا على يد من كانوا يسمونهم فى الإعلام العربى (الموجَّه) حفنةً من اليهود تعيش فى دولة إسرائيل.. الدولة التى طالما كنا نهتف ضدها بقول القائل: سنُلقى بإسرائيل والذين وراء إسرائيل، فى البحر!.. ومن بعد ذلك نلقى الهزائم على أيديهم وأيدى الذين وراءهم، والله من وراء الجميع محيط، حتى شاء سبحانه وتعالى أن ينصرنا نصراً مقبولاً فى حرب أكتوبر، تمَّ من بعده توقيع صكوك كامب ديفيد، وارتفعت فى الهواء رايات السلام.. شالوم.
وظل التلمود غير معروف فى بلادنا، اللهم إلا لبعض المتخصِّصين. ولم يترجم هذا الكتاب المحورى إلى اللغة العربية، إلا منذ عامين فقط! حين قام الدكتور (المصرى) مصطفى عبد المعبود سيد منصور، بإصدار ترجمة عربية للأجزاء الستة للمشناة المعروفة اختصاراً بلفظ: شاس.
والعجيب هنا، أن العرب عرفوا التلمود (المشناة) منذ زمن بعيد، بل فى عصر النبوة. فقد ورد فى كتب التاريخ الإسلامى المبكرة، أن الخليفة عمر بن الخطاب، ثانى الخلفاء الراشدين الذين تولوا الأمر بعد وفاة النبى؛ وجد جماعة من الصحابة يكتبون الأحاديث النبوية فى رقاع (قطع من الجلد) فثار عليهم وصاح فيهم: «أمثناةٌ كمثناة أهل الكتاب».. وأمرهم الخليفة بمحو ما كتبوه، وإتلاف هذه النصوص؛ خشيةً منه على المسلمين أن تشوِّش هذه (الأحاديث الشفوية) أفكارهم، وتصرفهم عن الوحى المكتوب (القرآن الكريم).
وفى قول الخليفة عمر بن الخطاب «المثناة» ترجمة عربية دقيقة للكلمة العبرية «المشناة» التى تعنى فى أصلها: الكتابة الثانية (بعد التوراة) والنص الثانى.. وهو ما جرى فى تراثنا الدينى بعد ذلك، حيث اعتبرت الأحاديث النبوية هى المصدر (الثانى) للتشريع، بعد القرآن الذى هو المصدر الأول! فكان حالنا مصدقاً للحديث الشريف الذى ابتدأت به كتابى الأخير (اللاهوت العربى) وفيه يقول النبى صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع... قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن.
وفيما ترويه كتب التاريخ الإسلامى، أيضاً، أن الخليفة الأندلسى المعروف بلقب (الحكم الثانى) طلب ترجمة التلمود إلى العربية، فتُرجم.. لكن هذا النص المترجم اختفى من تراثنا، ولم توجد منه نسخ فى بقية بلدان المسلمين، كما هو الحال مع الكتب التى ترجمها العرب المسلمون فى بواكير الحضارة التى أقاموها شرقاً وغرباً.
وفى مطلع القرن العشرين، كانت هناك محاولة (مصرية/ يهودية) لترجمة التلمود، وصدر منها جزءٌ واحدٌ، ثم انطوى الأمر وانطمر، واندثر المنشور فى ظروف غريبة لا يتسع المقام هنا للكلام عنها.. ما علينا من ذلك الآن، فلنختتم هذه المقالة الافتتاحية، ونلتقى بعدها ستَّ مرات، مع المجلدات الستة للمثناة (المشناة) التى هى أساس تلمود اليهود.
فإلى لقاء.

المصري اليوم
24/2/2010
رد مع اقتباس
رد




الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

لكل مشاهـده : 0 نقاط
لكل موضوع : 0 نقاط
لكل رد جديد : 0 نقاط
الانتقال السريع



جميع الحقوق محفوظة ® لشبكة روايات التفاعلية ©2000 - 2008 - Powered by vBulletin® Version 3.6.8, Copyright ©2000 - 2014 - vBulletin Skin developed by: vBStyles.com