شبكة روايات التفاعلية

مركز ألعاب روايات


بحث مخصص

  (#141) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي رقية بنت الرسول - 21-06-2010, 10:07 AM

كانت المدينة تقترب، والفرحة تعمر الصدور. أخيرا ابتسمت الدنيا، وتحقق أول نصر. حينما خرج الرسول إلى بدر لم يكن خارجا لحرب، وإنما لتتبع قافلة من قوافل قريش ليسترد المنهوب من مال المسلمين. وفجأة، أطبق العدو بالفرسان والرماة، معركة غير متكافئة فى العدة والعتاد. كان الرسول يعرف أن مصير الدعوة سيتحدد خلال ساعات، لم يكن يبالى بالموت بل بدعوة التوحيد، بأن تُهدم الأوثان، ويُعبد الله فى الأرض، ويُعلن الجمال نصره النهائى.
راح يتأمل جيشه القليل وأصحابه الضعفاء المتعبين. كانوا كما عهدهم: بسطاء فقراء، عابدين زاهدين. وفى المقابل صناديد قريش مستكبرين فى الأرض، مكتنزين، تبدو على وجوههم النعمة. يصحبون الخمر والمعازف والقيان استعداداً للنصر القادم المؤكد.
اعتصرته الشفقة وهو ينظم صفوفهم، ويدعو لهم، ويوصيهم بالاستبسال، ويذكرهم بمملكة السماء. ثم انصرف إلى عريشه ليخلو إلى ربه باكيا متضرعا، مُلحّا فى الدعاء، وصديقه الصدّيق يتوسل إليه أن يرأف بنفسه، فإن ربه منجزه ما وعده. وكان النصر، حدثت المعجزة، وتغلبت القلة القليلة على المتخمين الطغاة، انتصر الجوع على الشبع، والأسمال على الأردية، والمشاة على الفرسان. يتأمل الرسول مصارع المستكبرين، الذين توهموا أنهم يملكون الأرض، ويقدرون على خنق الدعوة، فإذا بهم جثثا فى القليب.
يعود والرضا يملأ أركان قلبه الكبير، تراوده ذكريات كثيرة: صورته وهو يدعوهم إلى الله فيهزأون به، أعوام الحصار على قبيلته حتى تضوروا جوعاً، صورته وهو يعرض نفسه على أهل الطائف فيشتمونه ويرشقونه بالحجارة، صورته وهو يخرج من مكة مُطاردا ليختبئ فى الغار، صورته وهو يقطع الصحراء الشاسعة باحثا عن الحماية، كم كان صراعا مريرا!، والأسوأ أنه لا مبرر له. ويدخل المدينة المنورة، وفى لحظة النصر والرضا، إذا به يسمع الخبر: ماتت ابنته رقية.
أى شجن أحسّ به والقوم يساوون التراب فوق قبر ابنته! وأختها فاطمة تبكى على القبر وتنتحب، والرسول يمسح دموعها ويواسيها وهو أحوج الناس إلى المواساة. أى مشاعر متضاربة بين الفرحة والحزن، والنصر والثكل، والقائد والأب! لا يريد أن يفسد فرح أتباعه، وقلبه ينزف دما. والذكريات تتوالى على قلبه الحزين. موت أبيه وهو فى بطن أمه.
ثم لوعة فقد الأم التى لازمته حتى ختام العمر، ثم وفاة جده الذى رباه، ثم أطفاله الذكور الواحد بعد الآخر، والمشركون يشمتون به، ويدعونه بالأبتر. ثم عام الحزن حين ماتت خديجة، الزوجة والصديقة والحبيبة، ومن بعده عمه، مصدر الحماية،
ثم ها هى ابنته رقية تموت فى لحظة النصر، يغرق الدمع عينيه الحساستين، والصحابة خاشعون بين يديه، لا يعلمون أن النبوة فيض من حزن، وأنه أب أرحم من كل أب. فى الأعوام القادمة، سوف يتكرر الفقد ويتكرر الصبر. ويبقى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عزاء لكل من ذاق مرارة الفقد وموت الأحبة.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...9&IssueID=1807
رد مع اقتباس
  (#142) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي مارى أنطوانيت تندب حظها - 21-06-2010, 10:11 AM



■ وجدتها فجأة أمامى وهى تبكى، ناعمة، ساحرة، مطبوعة بالجلال الملكى. بشىء من الإلهام عرفتها، مارى أنطوانيت، الملكة التى حملت عبء تناقضات التاريخ.
■ اقتربت منها فى رهبة، وأعطيتها منديلى لتمسح دموعها، تناولته فى رشاقة وشكرتنى فى عذوبة. فقلت لها فى تهيب: «مولاتى.. لماذا تبكين؟».
■ ردت فى حزن عميق: «أبكى على حالى، أندب حظى، أرثى لنفسى، لقد تبين لى الآن أننى ظٌلمت ظلما بيّنا»، قلت مهدئا من روعها: «ياه، مازلت تذكرين يا مولاتى أحداث الثورة الفرنسية وقد مر عليها زمن طويل». قالت فى أسى «أنت لا تفهم، كنت تصالحت مع أقدارى، ونسيت ما حاق بى من أذى، ثم الذى حدث عندكم فى مصر جعلنى أشعر بالظلم الشديد».
■ قلت وقد دار رأسى: «معذرة يا مولاتى، أنا لا أفهم. ما علاقة مصر بالثورة الفرنسية؟». قالت فى أسى! «سوف أشرح لك كل شىء بالتفصيل».
■ أرجعت الجميلة رأسها إلى الوراء وكأنها تتذكر: «كنت فى الرابعة عشرة من عمرى حين تزوجت ولى عهد فرنسا، صغيرة، جميلة، مرحة، وفى الوقت نفسه مليئة بالخفة والنزق وعدم التقدير.
اتهمنى التاريخ كثيراً باللامبالاة والتهور، قالوا إننى كنت مسرفة وتدخلت فى شؤون السياسة، لكن التاريخ كثيرا ما يكون غير عادل، ويطلق الأحكام بأثر رجعى، وينسى أننى كنت ابنة عصرى، ولم يخطر على بالى أبداً سوى أن الله خلقنى ملكة، وأن من حقى أن أحيا كالملوك!
■ حينما قامت الثورة لم أعترف بها لحظة، واعتبرتها تُكرّس للفوضى وتخالف إرادة الرب. لذلك كنت مصممة أن أموت كملكة، حتى لو أعدمونى بطريقة بشعة جداً، أدانونى بعد محاكمة صورية، اقتادونى فى عربة مكشوفة دارت فى شوارع باريس، رمونى بالأوساخ، قصوا شعرى، ثم أطاحوا برأسى بـ(الجيلوتين).
■ حينما تخلصت من ردائى الأرضى، وشاهدت الأمور على حقيقتها أدركت أننى كنت مخطئة وأنانية، وأنه خلف الفوضى الحالية يكمن ميلاد عصر جديد. لم أفطن وقتها إلى قيم العدالة والحرية والمساواة القادمة، كنتُ والثوّار كلانا يظلم الآخر ويُضخّم عيوبه ويتغاضى عن مزاياه. فبدأت أتصالح مع أقدارى: لا أجلد نفسى بتأنيب الذات، وفى الوقت نفسه شعرت بالرثاء لحالهم حينما هامت روحى فى مساكنهم وشاهدت مدى البؤس الذى يعيشون فيه.
هكذا مر قرنان من الزمان وأنا فى صفاء نفسى لم أعرفه فى حياتى الأرضية، حتى شاهدت عندكم فى مصر ألوانا من الفساد يجعل كل ما قالوه عنى «لعب عيال»، فضحونى لأننى أنفقت على تشييد قصرى مليونا وربع وعندكم يهدرون المليارات. مفارقات جعلتنى أشعر بالرثاء لذاتى وبالظلم الشديد: لماذا قطعوا عنقى برغم أننى لم أفعل عُشر ما يحدث عندكم من فساد وتبذير!».
■ ■ ■
ثم فجأة وجدتها تقول لى فى لهجة غير ملكية بالمرة: «أنا راسى طارت أونطه يا جدعان».

http://www.almasry-alyoum.com/articl...3&IssueID=1808
رد مع اقتباس
  (#143) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي مارى أنطوانيت تندب حظها - 21-06-2010, 10:12 AM

■ وجدتها فجأة أمامى وهى تبكى، ناعمة، ساحرة، مطبوعة بالجلال الملكى. بشىء من الإلهام عرفتها، مارى أنطوانيت، الملكة التى حملت عبء تناقضات التاريخ.
■ اقتربت منها فى رهبة، وأعطيتها منديلى لتمسح دموعها، تناولته فى رشاقة وشكرتنى فى عذوبة. فقلت لها فى تهيب: «مولاتى.. لماذا تبكين؟».
■ ردت فى حزن عميق: «أبكى على حالى، أندب حظى، أرثى لنفسى، لقد تبين لى الآن أننى ظٌلمت ظلما بيّنا»، قلت مهدئا من روعها: «ياه، مازلت تذكرين يا مولاتى أحداث الثورة الفرنسية وقد مر عليها زمن طويل». قالت فى أسى «أنت لا تفهم، كنت تصالحت مع أقدارى، ونسيت ما حاق بى من أذى، ثم الذى حدث عندكم فى مصر جعلنى أشعر بالظلم الشديد».
■ قلت وقد دار رأسى: «معذرة يا مولاتى، أنا لا أفهم. ما علاقة مصر بالثورة الفرنسية؟». قالت فى أسى! «سوف أشرح لك كل شىء بالتفصيل».
■ أرجعت الجميلة رأسها إلى الوراء وكأنها تتذكر: «كنت فى الرابعة عشرة من عمرى حين تزوجت ولى عهد فرنسا، صغيرة، جميلة، مرحة، وفى الوقت نفسه مليئة بالخفة والنزق وعدم التقدير.
اتهمنى التاريخ كثيراً باللامبالاة والتهور، قالوا إننى كنت مسرفة وتدخلت فى شؤون السياسة، لكن التاريخ كثيرا ما يكون غير عادل، ويطلق الأحكام بأثر رجعى، وينسى أننى كنت ابنة عصرى، ولم يخطر على بالى أبداً سوى أن الله خلقنى ملكة، وأن من حقى أن أحيا كالملوك!
■ حينما قامت الثورة لم أعترف بها لحظة، واعتبرتها تُكرّس للفوضى وتخالف إرادة الرب. لذلك كنت مصممة أن أموت كملكة، حتى لو أعدمونى بطريقة بشعة جداً، أدانونى بعد محاكمة صورية، اقتادونى فى عربة مكشوفة دارت فى شوارع باريس، رمونى بالأوساخ، قصوا شعرى، ثم أطاحوا برأسى بـ(الجيلوتين).
■ حينما تخلصت من ردائى الأرضى، وشاهدت الأمور على حقيقتها أدركت أننى كنت مخطئة وأنانية، وأنه خلف الفوضى الحالية يكمن ميلاد عصر جديد. لم أفطن وقتها إلى قيم العدالة والحرية والمساواة القادمة، كنتُ والثوّار كلانا يظلم الآخر ويُضخّم عيوبه ويتغاضى عن مزاياه. فبدأت أتصالح مع أقدارى: لا أجلد نفسى بتأنيب الذات، وفى الوقت نفسه شعرت بالرثاء لحالهم حينما هامت روحى فى مساكنهم وشاهدت مدى البؤس الذى يعيشون فيه.
هكذا مر قرنان من الزمان وأنا فى صفاء نفسى لم أعرفه فى حياتى الأرضية، حتى شاهدت عندكم فى مصر ألوانا من الفساد يجعل كل ما قالوه عنى «لعب عيال»، فضحونى لأننى أنفقت على تشييد قصرى مليونا وربع وعندكم يهدرون المليارات. مفارقات جعلتنى أشعر بالرثاء لذاتى وبالظلم الشديد: لماذا قطعوا عنقى برغم أننى لم أفعل عُشر ما يحدث عندكم من فساد وتبذير!».
■ ■ ■
ثم فجأة وجدتها تقول لى فى لهجة غير ملكية بالمرة: «أنا راسى طارت أونطه يا جدعان».

http://www.almasry-alyoum.com/articl...3&IssueID=1808
رد مع اقتباس
  (#144) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي يعني إيه ديموقراطية؟ - 25-06-2010, 11:02 PM

جاءنى الشبح بعد غياب طويل متهلل الوجه، منتظرا منى أن آخده بالحضن. لكنى قابلته ببرود جعله يجلس منهارا على الكرسى - (قال فى إحباط): إيه المقابلة الزفت دى؟- (قلت فى صراحة) اسمع يا شبح، إنت بتخلينى أكتب فى مقالاتى كلام خطير وشكلك حتودينى فى داهية - (ضحك الشبح وقال فى شقاوة) إنت من الأحرار يا أيمن - (قلت ساخطا) بلا أحرار بلا ثوار. أنا مش عاوز مشاكل ومن فضلك سيبنى فى حالى - (قال الشبح ساخرا) أنا فاهمك كويس، إنت زى معظم المصريين مستنيين حد يجيب لكم الديمقراطية لحد عندكم - (قلت فى أمل) يا سلام لو أمريكا تضغط على النظام وتخليه يبطل ديكتاتورية!
(قال الشبح فى وضوح) الدول، خصوصا الإمبراطوريات الكبرى، مش مؤسسات خيرية، عشان تعطى الشعوب الكسلانة حقوقا لم يدفعوا ثمنها - (قلت فى حيرة) بس أمريكا أحيانا بتضغط! - (قال الشبح فى ثقة) ده شغل سياسة، أمريكا بتلعب على ورقة الديمقراطية عشان تاخد من النظام مكاسب تانية، والحكومة فاهمة ده كويس- (قلت متذاكيا) طب إسمع يا شبح، ماتخليكم جدعان، وتجيبوا لنا الديمقراطية بطريقتكم الشبحية - (قال الشبح فى دهشة) إزاى؟- (قلت فى رجاء) أنتم متواجدون فى اللجان الانتخابية من غير ما حد يشوفكم، وتقدروا تخلوا الانتخابات نزيهة رغم أنف الحكومة.
(قال الشبح فى هدوء) تكونش فاكر إن الديمقراطية هى مجرد انتخابات نزيهة؟- (قلت فى حيرة) طبعا، أمال إيه؟- (قال الشبح وكأنه يُلّقى درسا) الديمقراطية أكبر بكتير من حاكم يفرض انتخابات نزيهة، لأن ممكن الحاكم اللى بعده ينكص ويتراجع. المجتمع لا يمكن يكون «ديمقراطى» إلا لو كان تداول السلطة بيمثل ثقافة مجتمع وقيمة أخلاقية لا يُسمح بالمساس بها. لو سألت مواطناً إنجليزياً عن احتمال تزوير الانتخابات عنده حيفتكرك يا بتستظرف يا مجنون، لإن التزوير مش وارد فى ثقافتهم، فهمت!- (قلت محبطا) بالشكل ده لسه بدرى علينا أوى!
(ثم متوسلا) إسمع يا شبح، فيه موضوع محيرنى جدا، أنا أعرف إن أوروبا كانت استبدادية زينا، صح؟- (قال الشبح فى هدوء) وأكتر - (قلت والحيرة تقتلنى) هل معقول إن حكامهم تنازلوا عن سلطاتهم المطلقة بالبساطة دى وقبلوا بتداول السلطة؟- (قال الشبح وهو يضحك) ومين قال لك إنهم قبلوا!، ولادة الديمقراطية حصلت عندهم بتضحيات كبيرة. أربعة قرون من الصراعات الدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كانت نارا مولعة لكنهم خرجوا منها زى الذهب بعد امتحانه.
(قلت له فى رجاء) أرجوك إحكيلى اللى حصل فى أوروبا بالتفصيل - (قال الشبح وهو يضع رجلا على رجل) طيب اطلب لى ساندويتشين كفتة وحاجة ساقعة عشان أحكيلك بمزاج. (غدا تعرفون كيف أصبحت أوروبا ديمقراطية).

http://www.almasry-alyoum.com/articl...6&IssueID=1809
رد مع اقتباس
  (#145) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي كيف أصبحت أوروبا ديمقراطية؟ - 25-06-2010, 11:06 PM

(سألنى الشبح فجأة) تعرف دلتا النيل إتكونت إزاى؟ - (قلت فى فخر) طبعاً. أمال إيه؟ ده أنا مثقف وأعجبك، من تراكم الطمى المقبل من جبال الحبشة - (فعاود الشبح التساؤل) والحكاية دى حصلت بين يوم وليلة؟ - (قلت فى ثقة) لأ طبعاً. دى عملية تراكمية استغرقت وقتاً طويلاً.
(قال الشبح فى جدية) آهى ديمقراطية أوروبا حصلت بنفس الطريقة، عملية تراكمية عبر قرون طويلة نتيجة تطورات سياسية وفلسفية واقتصادية واجتماعية - (سألته فى فضول) إزاى؟ - (قال الشبح مفسراً) فى الأول كان نظام حكم مطلق وإقطاعيات مسؤول عنها حاكم، واقتصاد معتمد على الزراعة، وكنيسة لها سلطات رهيبة. حاجات كتير حصلت مع بعض، الاحتكاك مع الشرق المسلم الأكثر تقدماً. ابتدأ عصر النهضة ومن بعده عصر التنوير. الناس بدأت تسأل وتفكر وتعترض على سلطات الكنيسة، والمجتمع اتنقل من الزراعة للصناعة.
طبعاً أصحاب السلطة السياسية والدينية ماسكتوش، بدأ القمع والحرق والتكفير. لكن البذرة كبرت وماحدش يقدر يقلعها لغاية ما حصلت ثورة فى إنجلترا عام ١٦٤٩ والأهم من الثورة الفلاسفة والمفكرون. (هوبز) و(لوك) كتبوا كتب خلوا الناس يتساءلوا عن الحقوق والحريات العامة والمواطنة وحدود الكنيسة ومفهوم الإيمان - (قلت مستعجباً) بقى المفكرين لهم دور كبير بالشكل ده؟ - (قال الشبح) فى تاريخ البشرية دائماً تسبق الفكرة الفعل، مستحيل تحصل حضارة دون التمهيد لها من قبل المفكرين - (قلت وأنا أتذكر الجماعة بتوعنا) يبقى العوض على الله فينا (ثم بصوت عال) المهم وبعدين؟
(قال الشبح) المسائل ظلت ما بين شد وجذب لغاية ما قامت الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩، وجهوا الضربة القاضية للحكم الفردى ومهدوا الطريق للديمقراطية. فى القرن العشرين حصلت انتكاسات للديمقراطية بسبب الحروب العالمية، لكنها انتشرت بعد كده فى صورة موجات شملت مناطق بأكملها، دلوقت ستين فى المئة من حكومات العالم ديمقراطية - (قلت وأنا أتنهد) عقبالنا يا رب (ثم فى رجاء) ممكن تقولى إيه المقصود بالديمقراطية بس وحياتك بلاش كلام كبير.
(قال الشبح فى بساطة) الديمقراطية يعنى نظام مؤسسات، يعنى تداول سلمى للسلطة يحصل بشكل تكرارى على أساس الانتخابات. يعنى حقوق الإنسان مولودة معاه مش هبة من دولة ولا حاكم، يعنى حق المواطنة وسيادة القانون، يعنى أحزاب بتمارس النشاط السياسى،
يعنى حماية حقوق الأقليّات والأفراد، يعنى، (قلت مقاطعاً) طب تفتكر الصورة الوردية دى قابلة للتحقيق؟ (قال الشبح فى ثقة) تحصل ونص، بس لازم تدفعوا التمن اللى دفعته الأمم التانية - (قلت فى قلق) تمن زى إيه؟ - (قال الشبح فى خبث) إنت مستعد تستحمل الأذى والسجن والبهدلة؟ - (قلت بشكل قاطع) لأ طبعاً، أنا باشجع بس - (قال الشبح فى احتقار) إذا كنتم كلكم مشجعين، أمال فين اللعيبة؟!

http://www.almasry-alyoum.com/articl...3&IssueID=1810
رد مع اقتباس
  (#146) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي ممتاز محل - 25-06-2010, 11:10 PM

تحل هذه الأيام ذكرى أجمل وأرق قصة وفاء زوجى يندر تكرارها فى هذا الزمان. بطلة هذه القصة الناعمة هى « ممتاز محل» - التى حانت ذكرى وفاتها- مع زوجها «شاه جهان».
شىء ما فى هذه القصة جعلها تتحدى الزمان. يتغنى بها طاغور، تتناقلها الأجيال، يزورها ملايين العشاق. وحتى اليوم يحرص العرسان الجُدد فى الهند على عقد قرانهم فى ضريحها الشهير «تاج محل»، الذى أقامه لها زوجها الإمبراطور شاه جهان وفاء لذكراها، بعد أن مزقته أحزان الفراق.
كانت البشرية بحاجة إلى هذا النموذج النادر ولذلك خلدته. «ممتاز محل»، أجمل امرأة فى الهند، والتى تجمع بين الرقة واللطف، والجمال والدلال. كل هذا لا شىء بجوار روحها العذبة وقلبها الكبير. لم يكن «شاه جهان» يعرف - حين رآها لأول مرة - أنه على موعد مع الحب، والمقاتل العنيد الذى أخضع الهند بأسرها توشك أن تهزمه عينان صافيتان، وشفتان مضمومتان كزهرة اللوتس تمنحانه الحب وعذب القبلات .
فى ذلك الزمن البكر كانت الهند قارة لا تعرف إلا الحب والقتال، وكان الأمير شاه جهان قد سئم الانتصارات، وكلما أمره والده السلطان بإخضاع المناطق المتمردة عاد بأهازيج النصر، وحتى مؤامرات القصور لم تهز قلبه الشجاع.
مثل الأفلام المصرية القديمة كانت هناك زوجة أب شريرة تحارب زواج الحبيبين وتُوغر قلب والده الإمبراطور عليه. امرأة تحمل فى قلبها كل غل العالم، وكلما سمعت عن نصر جديد له تراجعت فرصة ابنها فى وراثة العرش. ظلت تحارب الحب الوليد بكل وسيلة، خصوصا أن ابنها كان مولعا– من طرف واحد – بهذه الفتاة. لكن الحب انتصر فى النهاية، حينما أعلن الإمبراطور الأب موافقته على الزواج لم تكن الهند بأسرها، بجبالها وسهولها، بمعابدها وأسرارها، تعادل فرحتهما بهذا الزواج.
منذ ذلك الحين صنعا أسطورة الزوجين العاشقين. لم يفترقا فى سفر أو إقامة، أو سلام أو قتال. كانت مُلهمته ورفيقة دربه، وبرغم الأهوال والاضطرابات، ودسائس زوجة الأب الشريرة التى أوغرت عليه قلب أبيه، ولفّقت تهمة الخيانة لها، ظلت ممتاز محل بجوار زوجها وبين أحضانه، قصة حب دامت العمر كله، أميرة فى مقام امرأة، وإمبراطورة بدرجة زوجة، وحبيبة ورفيقة درب. لم يفتر حبهما مع السنوات، بل ظل يكرر صورتها فى أطفال كثيرين يحملون عذوبة أمهم وشجاعة أبيهم.
وحينما جاءت النهاية المحتومة لكل أبناء الفناء، وماتت أجمل امرأة فى الهند، لحظتها أحس زوجها بأن قلبه يموت وهو حى، وقطرة من دموعه تكفى لتحويل نهر «الجانج» إلى ملح أجاج. سلواه الوحيدة كانت فى بناء «تاج محل»، وفاء لذكراها، لم يكن ضريحا لامرأة بل معبدا للحب، ولم يكن مطعما بالمرمر والأحجار الكريمة بل بشغاف روح ونياط قلب، وقمر سكن الحجارة البيضاء إلى الأبد، وقصة حب تتحدى الموت وتتحدى الزمان.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...2&IssueID=1811
رد مع اقتباس
  (#147) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي شقة مصر الجديدة - 25-06-2010, 11:13 PM

مازلت أذكر هذه الليلة جيدا، كنت أتجول فى محطة الرمل، حيث التاريخ المهيمن والبنايات العريقة، وهواء البحر يُطيّرنى، ورائحة العشب واليود تصلنى من بعيد مختلطة بروائح الحوانيت العتيقة المتناثرة فى كل مكان.
كانت ليلة من ليالى يناير الممطرة، وقد بدأت محطة الرمل تخلو من روادها، وفجأة وجدت نفسى أمام إعلان خجول عن فيلم «شقة مصر الجديدة»، وكأنهم يعرفون أن هذا الفيلم لن يقصده إلا من يعرف قيمته. هؤلاء الذين يتتبعون خطى مخرج عبقرى اسمه محمد خان.
دخلت السينما على الفور، أُطفئت الأنوار وسطعت شمس داخلى، وأشرق قمر وتلألأت نجوم. بعينين متسعتين مبهورتين رحت أرمق الشاشة الفضية المسحورة. يتقن محمد خان لغة العيون ويعرف أسرارها، وأتقن أنا بدورى الدهشة والاندماج.
للفيلم رسالة محددة: حياتنا العادية والذى يدور فيها.. كثير من الغبار، كثير من الضجيج، صفقات بائسة نخسرها باستمرار، وعالم نحلم بتركه، وعالم نحلم بالانتقال إليه، سخافات عمل، دسائس زملاء، سيارة ترغب فى اقتنائها، إجازة تخطط للاستمتاع بها، مباهاة بقريب أو مسؤول كبير. هكذا تمر حياتنا بلا قيمة حقيقية، ونحن نعرف فى قرارة أنفسنا أن كل هذه الأشياء لا تُشبع جوعنا العاطفى. مُحتم أن تأتى اللحظة التى يخلو فيها الإنسان إلى نفسه، ويتساءل عن حقيقته، ويصارح نفسه بأنه بحاجة إلى الحب الحقيقى، وأنه وحيد.. وحيد.. وحيد.
والحب هنا اسمه «تهانى»، مدرّسة الموسيقى الحسناء فى مدرسة البنات. من بين الأغنيات تختار تلك الأغنية الرقيقة الحالمة، الرومانسية الخيالية «أنا قلبى دليلى». وفيما يشبه السحر، تأمر معلمة الموسيقى البنات الحالمات بإغماض أعينهن، وبصوت هامس كالأحلام، يفوح بعبير الصبوة، ويخاطب الأعماق البعيدة، تُخبرهنّ بأصل الحكاية: «كان الإنسان فى بادئ الأمر شيئا واحدا يحتوى السالب والموجب، الرجل والمرأة، وحينما انفصلا ظل كل جزء منهما يبحث عن نصفه الآخر مستميتا فى الوصول إلى وحدة الذات».
كانت الأنغام الناعمة تنساب، وصوتها الشبيه بصوت ليلى مراد الملائكى ينتشر فى أرجاء قاعة الموسيقى، ومن بين وجوه الصبايا الناعمة عينان متوهجتان لصبية فى الرابعة عشرة اسمها «نجوى».
صداقة عميقة - رغم فارق السن- انعقدت بين الحالمتين: معلمة الموسيقى «تهانى» والطالبة الصغيرة «نجوى». وفى غمرة إيمانهما بالحب نسيت كلتاهما أشياء مهمة، نسيتا أنهما فى مدرسة بنات فى صعيد مصر المحافظ إلى حد الجمود، نسيتا أن ما يتعلق بالأنثى لا يعرفون فيه المزاح، نسيتا أنها مدرسة راهبات متحفظة حيث التقاليد الصارمة فى تربية البنات، مديرة المدرسة رأت أنها تفتح ثغرة فى وعى البنات فى مجتمع محافظ لم يرسل بناته للمدرسة من أجل تعليمهن أغانى الحب!.
طردوا «تهانى» من المدرسة، من مدينة المنيا، من الصعيد كله، عادت إلى القاهرة وسط دموع طالباتها التى جفت بسرعة فيما عدا دموع صديقتها الصغيرة نجوى. جدول من دموع الحب ظل متدفقا للأبد يجمع بين الحالمتين رغم بُعد المسافات.
وتمضى السنون، ولا تنقطع الصلة بين تهانى ونجوى، بطريقة رومانسية فريدة تناسب شخصيتهما. يهديان الأغانى لبعضهما البعض عبر البرنامج الإذاعى الشهير «ما يطلبه المستمعون».
والخلاصة أن تهانى ظلت رمزا للحب فى قلوب تلميذاتها، بما حفرت فيهن- والقلب غض أخضر- من علامة لا تزول. لكن البنات بطبيعتهن عمليات. الحب شىء معنوى رائع ربما يأتى وربما لا يأتى. أما الأمومة وأمان الزوج وألفة البيت فأشياء فى متناول اليد لا تتركها إلا (بلهاء) مثل نجوى التى رفضت كل عروض الزواج حتى بلغت الثامنة والعشرين. والسبب أنها تنتظر الحب الحقيقى الذى آمنت به منذ أن أغمضت عينيها على حلم تهانى.
وتمر الأيام وتصبح نجوى معلمة فى نفس المدرسة التى كانت تدرس بها، وتلتحق برحلة المدرسة المسافرة للقاهرة. هى فى الحقيقة تذهب للقاهرة لأول مرة فى حياتها، والسبب أنها تخطط للذهاب لتهانى ليس شوقا إليها فحسب، وإنما للاطمئنان عليها بعد أن انقطعت أخبارها طيلة عام كامل، لم تعد ترد على رسائلها، لم تعد تهدى الأغنيات إليها.
هناك أيضا أسئلة كثيرة تود أن تسألها لتهانى، تريد أن تستوثق منها هل الحب موجود فعلا ويستحق عناء الانتظار؟ هل كانت على حق حين ترددت فى قبول الطبيب «اللقطة» الذى لا تشعر نحوه بالقبول، أم تنتظر فارسها المجهول إلى الأبد، نصفها الآخر الذى يكمل معها الذرة لتعود واحدة كما خلقها الله؟
الصبية الخجولة المرتبكة، الرومانسية الحالمة، المترددة والواثقة فى الحب فى الوقت نفسه تطأ القاهرة لأول مرة. تذهب إلى منزل صديقتها فى مصر الجديدة لتعرف الخبر: اختفت تهانى فى ظروف غامضة منذ عام (متزامنا مع انقطاع خطاباتها). مالك المنزل - الذى كان يحبها فى صمت- لم يطاوعه قلبه على إخلاء شقتها، ولذلك اكتفى بتكديس أثاثها فى نصف المنزل وتأجير النصف الآخر لشاب أعزب يدعى يحيى.
كان البون شاسعا بين نجوى ويحيى حينما دقت بابه فى ارتباك عذراء صعيدية. «يحيى» يعيش حياته بالطول والعرض ولا يؤمن بالحب ولا يعترف بوجود شىء غير الجاذبية بين الرجل والأنثى. مثل صديقته التى يجمعهما الفراش وإيمان قاطع بأن الحب وهم صنعه خيال الإنسان. مجتمع القاهرة لا وقت لديه للحب وسط هذا الضجيج، وحتى صاحب المنزل الذى أحب تهانى عمرا كاملا كفر به وتزوج زواجا تقليديا.
وسط هذا الجو تأتى المؤمنة بالحب بملابسها المحتشمة وملامحها المرهفة وعينيها الحالمتين لتفرض إيمانها بالحب على هذا الواقع الكئيب. المقاتلة العنيدة تواصل البحث عن تهانى والبحث عن الحب الحقيقى فى الوقت نفسه. يستغرقها البحث حتى يفوتها قطار الصعيد وتجد نفسها وحيدة فى القاهرة.
وكأن القدر يُصر على أن تقوم الخجولة عديمة الحيلة برسالة مفادها «الحب هو ما يصنع للحياة معنى». نجوى الرهيفة المنهكة تطرق أبواب القلوب فى خجل وكأنها تملك اللمسة السحرية - المستمدة من تهانى - التى تغير حياة كل (الكافرين) بالحب إلى حياة كلها إيمان.
صاعقة الحب تصيبهم جميعا: صاحب المنزل العجوز يستعيد ذكرياته القديمة ويصبح فى حالة حب، يحيى يترك عشيقته ويقع فى غرام نجوى، وحتى صديقتها فى المنيا ترى فى الطبيب ما لم تشاهده نجوى وتتزوجه. فى النهاية تعرف أخبار تهانى التى تقضى شهر العسل، الحالمة بالحب عثرت على الحب الحقيقى وأجابت بشكل عملى على السؤال الحائر: «نعم، الحب موجود فعلا ويستحق عناء الانتظار».
باختصار، يؤكد الفيلم أن الحب الحقيقى هو الشىء الوحيد فى العالم الذى يحقق وحدة الذات، ولذلك عليك أن تبحث عنه باستماتة، وإذا وجدته فإياك.. إياك أن تُفرط فيه.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...9&IssueID=1812
رد مع اقتباس
  (#148) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي مصاص دماء مسكين - 26-06-2010, 05:43 PM

(ظهر أمامى فجأة قائلاً دون مقدمات) حرام عليكم يا ظلمة، يا عالم يا مفتريين- (قلت مأخوذا بالمفاجأة) هو إيه ده؟ بيطلعوا منين دول؟ (ثم فى غيظ) إنت مين يا جدع؟ مش تقدم نفسك الأول!- (قال وهو يقلب شفته السفلى) أنا مصاص دماء مسكين!.
(قلت مستغربا) جديدة دى! مصاص دماء مسكين!- (قال فى مسكنة) لما تفهم المشكلة حتعرف إنى أغلب من الغلب- (قلت وأنا أضرب كفاً على كف) أما والله دى حكاية! حتى مصاصو الدماء فى مصر مش مرتاحين (ثم بصوت عال) اسمع يا أخينا، أنا صحيح كلمت القطط، وقابلت أشباحاً، وزارنى ناس من المستقبل، لكن بصراحة دى أول مرة أقابل مصاص دماء- (قال وهو يشد على يدى) أنا برضه سمعت عنك سمع خير. بيقولوا دمك خفيف. تسمح لى أدوقه من فضلك؟- (قلت وأنا أغلق زرار الياقة) لأ طبعا ما أسمحش يا خفيف.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...6&IssueID=1813
(ثم فى فضول) إنت مصاص دماء بجد؟- (قال فى ملل) يييه كل واحد يسأل السؤال ده!- (قلت متملقا) يا أخى خليك صبور، إحنا ما بنشوفش كل يوم مصاص دماء- (قال مغتاظا) يا سلام! أمال حكومتكم بتعمل إيه؟ - (قلت مصدقا) آه صحيح، دول مالهمش شغلانة غير يمصوا دمنا- (فأردف متهكما) والناموس بيمص دم ولا بيتعشى زبادى؟- (قلت ضاحكا وقد أعجبتنى الفكرة) طبعا بيتعشى زبادى.
(قال الشبح فى نفاد صبر) ممكن نتكلم فى المفيد؟- (قلت على الفور) اتفضل يا مصاص، اعرض مشكلتك- (قال وهو «يجعّر») جعان. عايش على لحم بطنى بقالى أسبوع.
(قلت مندهشا) ليه؟ الناس عندها فقر دم؟- (قال مصححاً) الناس ما بقاش عندها دم أصلا- (قلت مستفهما) تقصد نقص حديد؟- (قال فى ازدراء) أقصد نقص مروءة.
(قلت وقد ارتبكت تماما) إنت لخبطتنى. مش فاهم حاجة- (قال فى غيظ) مش إنتم بتقولوا على اللى مش جدع إنه معندوش دم- (قلت فى دهشة) آه- (قال فى حدة) أهو كلكم مش جدعان- (قلت محاولا تهدئته) ليه بس يا مصاص؟ زعلان مننا ليه؟- (قال وهو يلوح بالجريدة فى وجهى) عشان سايبين البلد تتنهب وساكتين. قريت حكم المحكمة الإدارية بإلغاء عقد مدينتى، صفقة واحدة ضيعت ١٤٧ مليار جنيه، شوف كام صفقة زيها!؟
لما كل واحد يطنش ويقول ياللا نفسى، تبقوا جدعان ولا مش جدعان؟ عندكم دم ولا معندكوش؟- (قلت فى خزى) بصراحة مش جدعان ومعندناش دم- ( قال وهو يندب حظه) عرفت بقى إنى فى مشكلة. لما ما يبقاش فيه دم فى البلد تقدر تقول لى المصاص اللى زى حالاتى حياكل منين؟!
رد مع اقتباس
  (#149) قديم
a7med_Raslan a7med_Raslan غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 120
نقاط: 560
المصرف: 0
المجموع نقاط: 560
إهداء نقاط
رقم العضوية:25192
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: طنطا ..
العمر: 20
افتراضي شهداء الثانوية العامة - 01-07-2010, 09:43 PM

شاهدته يمر من جوارى، روحاً شفافة هائمة تسيل فى الأثير. رحت أرقبه مذهولاً وهو يعلو فى السماء كغيمة مسافرة. ثم توقف فى منتصف المسافة بين السماء والأرض، وكأنه يترقرق فى مكانه، ينظر إلى الأرض فيحتقن وجهه ويعلوه الكدر. ثم يرنو إلى السماء فيرق ويصفو، مثل بريق الماس المتألق، مشعا بكل ألوان قوس قزح.

وقفت مأخوذا أراقبه. أُلوّح له حتى يأتى نحوى، فيما ثلاثة أطياف شفافة أخرى يستعجلونه كى يلحق بهم. بدا متردداً بينى وبينهم ثم هبط فى هدوء فبدأت أتحدث معه.

(قلت فى تهيب) من أنت؟ وكيف تطير؟- (قال فى هدوء) أنا روح مغادرة - (سألته) هل أنت حزين لمفارقة الأرض؟ - (قال فى رقة) أنا سعيد باللحاق بالسماء - (قلت) ما اسمك؟ - (قال) أى الأسماء تقصد؟ - (قلت فى دهشة) هل لك أكثر من اسم؟- (قال) اسمى فى الصحف شهيد الثانوية العامة، واسمى فى السماء شهيد الظلم - (قلت وقد بدأت أفهم) أنت المراقب الذى مات بسبب الحر فى مراقبة امتحانات الثانوية العامة؟- (قال) وهؤلاء الذين يلوّحون لى هم رفاقى الثلاثة الذين ماتوا قبلى فى المراقبة يستعجلوننى كى ألحق بالسماء- (قلت) حادث مؤسف- (قال فى غضب) بل جريمة كاملة.

(قلت فى استغراب) ماذا تعنى؟-(قال فى ضيق) يسوقوننا كالعبيد لننام فى فناء المدرسة على فرش قذرة بينما فى كل دول العالم يهيئون لهم الأماكن اللائقة - (قلت فى حزن) يتذرعون بضعف الإمكانيات- (قال مستطردا) مقابل مادى تافه لا يفى بالسفر ولا الطعام- (عدت أقول) يقولون إن قلة مواردنا هى السبب- (قال) المرضى لا يقبلون اعتذارهم، ونراقب فى جو لا يطاق، غرف بلا تهوية تشبه حمامات الساونا، بلا مراوح ولا تكييف- (قلت) لا نملك الموارد اللازمة لشراء أجهزة التكييف- (قال ساخرا) الفلاح يحرص على جاموسته أكثر مما يحرصون علينا، فهل هذا أيضا ضعف إمكانيات؟

يا أخى مصر ليست بلدا فقير الموارد، وإلا ما وجدوا ما ينهبونه كل هذه السنين. وهب أن ذلك حقيقى فلماذا لا تخرج حجة ضعف الموارد إلا حين يتعلق الأمر بنا؟ أما حين يتعلق الأمر بهم فتسمح الميزانية وتتدفق المليارات.

نحن مستعدون أن نحيا فقراء بشرط أن يقاسمونا ضيق المعيشة. أما أن يعيشوا فى الرغد ونموت نحن من النكد فهذا لا يرضى الله.

(قلت محاولا التخفيف عنه) على كل حال لن يضيع حقك، قرأت أنهم قدموا بلاغا ضد وزيرى التعليم والصحة ورئيس الوزراء- (قال فى وضوح) حقى سآخذه أمام محكمة الآخرة، لكنى لن أكتفى بمخاصمة هؤلاء، وإنما سأختصم قبلهم من وضعهم فى هذا المكان.


http://bit.ly/cGIHxv
رد مع اقتباس
  (#150) قديم
a7med_Raslan a7med_Raslan غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 120
نقاط: 560
المصرف: 0
المجموع نقاط: 560
إهداء نقاط
رقم العضوية:25192
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: طنطا ..
العمر: 20
افتراضي لمن يبتسم الأطفال - 01-07-2010, 09:46 PM

(ملحوظة: كل الحوار الذى يدور فى هذه القصة ليس بلغة البشر المألوفة وإنما بنوع خاص جدا من تبادل الأفكار).

وضعت الأم طفلها على السرير، أحكمت الغطاء حوله، قبلته برفق ثم أغمضت عينيها وما لبث تنفسها أن انتظم. على أن طفلها لم يكن قد نام بعد، فتح عينيه ودار برأسه وكأنه ينتظر شيئاً ما.

وما مر القليل إلا وملأت الأطياف الغرفة فابتسم لها مرحباً. قال أحد الأطياف فى حنان:

- يا صغيرى. هذه الليلة ليست كسائر الليالى. إنها ليلة الوداع.

قال الصغير: لست أفهم. أى وداع؟

- سوف نكف عن المجىء إليك بعد هذه الليلة.

تكدر وجه الصغير وتساءل - ولم؟

- لقد أوشكت أن تتعلم لغة البشر وسوف تبدأ النطق عما قليل. ستبدأ بنطق أحب الأسماء إليك (ماما)، ثم الطعام الذى سترمز له بـ(المم)، وهكذا حتى تتعلم باقى الأسماء.

- ولماذا يمنعكم تعلمى الأسماء من زيارتى؟

- نحن نزور الصغار الذين لا يستطيعون إفشاء سر وجودنا للكبار.

- عجباً ألا يعرف الكبار بوجودكم؟

- إنهم لا يعرفون.

- ولماذا لا يستطيعون رؤيتكم مثلما أراكم الآن؟

- لأن نفوسهم تعكّرت وفطرتهم فسدت إلى الحد الذى يحجبهم عن رؤيتنا.

- ولكنى لا أستطيع الحياة دونكم.

- لا تحزن. سوف تلعب كثيراً مع الأطفال الآخرين.

- هل توجد وسيلة تجعلنى أراكم بعد ذلك؟

- حينما تكبر وتتعلم الصواب والخطأ. إذا استطعت أن تسمو بروحك وتكون شفافاً وتتقرب إلى الله بالإحسان فى خلقه، ستكون وقتها خيرا ًمنا وربما جئنا نحن كى نراك.

- هذا سهل جداً.

- تقول هذا لأنك لم تعرف عنف الغرائز البشرية وكدر الطين.

- سأفعل كل ما فى وسعى من أجل أن أراكم.

- الجميع قال هذا من قبل!

- ماذا تقصدون؟

- كل الناس رأونا قبل أن يتعلموا الكلام، وكلهم أحزنهم الفراق مثلما أحزنك، وأبدوا نفس تصميمك لكنهم لم يفلحوا.

- لكنى سأفلح وسترون.

- ونحن نتمنى لك النجاح. والآن دعنا نحتفل بهذه الليلة. فإنها ليلة الوداع.

- ( قال الطفل فى إصرار) بل إلى لقاء.

بعد ثلاثين عاماً من هذا الحوار صار هذا الطفل أبا لوليد صغير يبتسم أحياناً فى غموض.. قال لزوجته متأملاً:

- ألاحظ أحيانا أنه يبتسم لشىء لا أراه. أتمنى أن أعرف لمن يبتسم؟


http://bit.ly/9MFqfw
رد مع اقتباس
  (#151) قديم
a7med_Raslan a7med_Raslan غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 120
نقاط: 560
المصرف: 0
المجموع نقاط: 560
إهداء نقاط
رقم العضوية:25192
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: طنطا ..
العمر: 20
افتراضي حتى اللحظة الأخيرة - 01-07-2010, 09:47 PM

الليل عميق وساكن، والصحراء المظلمة تحبس أنفاسها، والنجوم لامعة ومنتشرة، والقمر ينظر فى فضول وكأنه لا يصدق ما يراه. شيماء تصعد على الكرسى المتهالك، تلُفّ الأنشوطة حول عنقها فى صمت، الأنشوطة مربوطة من طرفها الآخر فى جذع نخلة وحيدة فى الصحراء الممتدة. ومن بعيد تلوح قمة الهرم الأكبر غارقا فى العزلة، ووجه أبو الهول الغامض، لماذا لم يحذرك أبوالهول ولو بكلمة واحدة؟ أم تراه يعرف - من تجاربه الكثيرة - أن البشر مساقون إلى أقدارهم المحتومة؟!

لماذا يا شيماء تثقين بسهولة فى غرباء لم تعرفيهم إلا من أسبوع واحد؟، ولا تعرفى لهم أصلا ولا فصلا. لماذا لم تلاحظى أزياءهم الغريبة وملامحهم المريبة، وحقيقة أنهم لا يظهرون إلا ليلا؟.. هل تذكرين لقاءك الأول بهم؟.. كان يكتنفهم الغموض وكأنهم يخفون سرا ما. وأثارك هذا الجو الغامض بشدة. كنت مستعدة للانبهار لكل ما يبدو غريبا، ولذلك أطعتهم كالمسحورة. عزوت غموضهم لغرابة أطوار الفنانين. والفنان مغفور له كل شىء!

حينما شاهدت كاميراتهم الحديثة، ورطنوا أمامك ببضعة مصطلحات فنية، عطلت الجزء الحذر من عقلك الذى كان يستحلفك أن تبتعدى، نفذت أوامرهم دون تردد، حتى لو كان الأمر أن تمثلى مشهد «شنق»!. فى الحقيقة هم لم يطلبوا منك وإنما أنت التى طلبت، حينما أخبروك بأنهم يبحثون عن وجه مصرى جديد يشارك فى بطولة فيلم أجنبى مثير، تستحوذ فيه على البطلة روح فرعونية قديمة، تتلبس بها وتدفعها للانتحار، جن جنونك كى تأخذى الفرصة وتكونى هذا الوجه الجديد.

فلنكن صرحاء. حينما ظهروا فى حياتك كنت متمردة على واقعك، على أبيك المقيم فى الخليج، على أمك التى لا تعبأ إلا باقتناء الأشياء الثمينة، على المجتمع المخملى المحبوس فى زجاج. صممت على العودة لمصر التى تموج بالحياة. فى الجامعة جربت كل شىء، التدخين الذى لم يرق لك ولكن أضفى عليك سمة الفتاة المتحررة، الأقراص المخدرة، سحابة الدخان الأزرق، الرقص حتى الفجر. ثم ظهر الأصدقاء الجدد، الفنانون غريبو الأطوار الذين تعرفت بهم، ومنتهى آمالك أن يسمحوا لك بالاقتراب.

وأخيرا جاء اليوم المشهود، وها أنت ذا تمثلين المشهد فى الصحراء، فى الليل العميق، الأنشوطة تلتف حول عنقك، تضيق رويدا، تحاولين أن تطمئنى نفسك، عبثا ما تبحثين فى عيونهم عن شىء مُطمئن، عن بسمة مشجعة، عن نظرة رقيقة. الأنشوطة تحز فى عنقك. الليل يقول لك كفى. النجوم تقول لك كفى، القمر يقول لك كفى، حتى أبو الهول نطق! وقال كفى. الأنشوطة تغوص فى عنقك، وهواء الصحراء يهمس فى أذنك بشىء لا تريدين أن تصدقيه، يخبرك بأن هذا المشهد ليس تمثيليا.

وحتى اللحظة الأخيرة لم تكن شيماء مستعدة لأن تصدق أن هذه اللقطة حقيقية.



http://bit.ly/dtNrva
رد مع اقتباس
  (#152) قديم
a7med_Raslan a7med_Raslan غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 120
نقاط: 560
المصرف: 0
المجموع نقاط: 560
إهداء نقاط
رقم العضوية:25192
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: طنطا ..
العمر: 20
افتراضي وجوه غامضة - 01-07-2010, 09:47 PM

1- وجه الزعيم

يتخلق من الغيب. يخرج من رحم الظلام. يتأرجح بين الظلمة والنور. يُبعث من جديد.

وجد نفسه فى مكان مجهول. لم يعرف متى جاء! أو كيف جاء! أو لماذا جاء!. غاب فى جهل مرهق. يبحث عن طرف الخيط بلا جدوى. عن أول حرف من حروف الأبجدية.

لا يذكر اسمه، لا يذكر شكله، لا يذكر ماضيه. خرج من الغرفة المغلقة فوجد رجالا تبدو عليهم الصرامة. مجرد النظر إليهم يُخيف. انتابه شك مقلق حينما أحاطوا به. سار فساروا فى جمع واحد خلفه، فتح أحدهم الباب الخلفى لسيارة فارهة فركب.

تحركت السيارة فى ظلام المدينة فراح يتملل فى مقعده الوثير. لم يزعجه الغموض الذى ران على الموقف كله بقدر ما أزعجه جهله بنفسه. من هو؟ أين هو؟ تشاغل بالنظر من خلال النافذة إلى المدينة الهادئة الناعسة، فلاحظ صورا كثيرة معلقة فى كل الميادين لوجه عجوز يحاول أن يبتسم فى مودة ولكنه عاجز عن الابتسام. لمن هذا الوجه يا ترى الذى يعلقون صوره فى كل الميادين؟

■ ■ ■

توقفت السيارة فهبط منها. أدهشته النظرات الخاشعة فى العيون. وجد أمامه ممرا سار فيه فلم يتبعه أحد. دلف إلى غرفة واسعة ذات رياش فاخر. جلس على مقعد وثير. استولى عليه النعاس ليحلم أحلاما غامضة. استيقظ على تعب مفاجئ وذكرى مبهمة. تطلع إلى مرآة مصقولة فوجد الصورة المنعكسة أمامه هى لنفس الوجه المعلقة صوره فى كل الميادين!!

■ ■ ■

2- وجه مجهول يملأ عالمى

متى شاهدته!، أين شاهدته، كيف شاهدته!، كلها أمور لا علم لى بها، أنا المستغرق فى عالمى الخاص، الهائم فى مملكة الروح. ومن أين لى أن أعلم أن هذا الوجه سيستحوذ تدريجيا على عالمى كله، دون أن يفصح عن اسمه، أو يشير إلى ذاته، أو يعرفنى بكينونته.

لابد أننى شاهدته كثيرا جدا وانطبعت صورته فى عقلى الباطن، حتى لم يعد هناك مفر أن ينتبه إليه عقلى الظاهر. حيثما ذهبت أراه. فى كل مكان أراه. عند باب البيت، فى المتجر القريب. لو وقفت فى الطابور أشاهده واقفا أمامى، أو ذهبت إلى مطعم أجده جالسا على المائدة المجاورة.

ما سره المغلق وطلسمه العجيب؟ لماذا وجدته واقفا فى خلفية صورى القديمة؟ شاهدا على عقد زواجى؟ مُوقّعا على شهادة تخرجى؟ وكلما استيقظت من نومى وجدته جوار سريرى؟ أو وقفت فى الشرفة شاهدته ينتظرنى عند انحناء الدروب؟

أسرار! كم فى الكون من أسئلة لا نعرف إجابتها، وألغاز لا ندرى حلها. أتراه زميلا فى المدرسة الابتدائية؟ أم جارا قديما منسيا؟. هل هو ابنى أو أبى؟ أخى أو عمى؟. أم هو (أنا) آخر انفصل عنى، ثم راح يتبعنى باحثا عن وحدة الذات.


http://bit.ly/dDer5Z
رد مع اقتباس
  (#153) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي مواسم العنب الأسود - 19-07-2010, 01:14 AM

بلطيم..
جبال النرجس، التلال الرملية المزروعة بالتين والعنب الأسود، يغسل أقدامها البحر المنبسط، فتجود بعناقيد من العنب الأسود، لها فى فمها مذاق العسل.
العودة إلى بلطيم. هناك حيث عرفت الدهشة وأدركتها اللهفة وأجادت الابتسام. هناك حيث تعلمت المشى وحاكت الأسماك وحسدت الطيور. هناك حيث رأت نفسها قصيرة أمام النخل، ضئيلة أمام البحر، صغيرة أمام السماء.
بلطيم: العشش الخشبية التى طالما استأجرها والدها الحبيب طيلة عطلة الصيف، ورائحة البحر المنعشة المشبعة بالود واليود وأعشاب البحر، وطعم الأمواج المالحة التى تتسلل إلى فمها وهى تضرب وجهها بعنف، برفق، بحب.
■ ■ ■ ■
قال سفروت (اسمه الحقيقى مصطفى) هامساً فى أذن شقيقته مرمر (اسمها الحقيقى مريم).
- أصغى إلىّ ولا تنطقى بحرف، فإنهم يراقبوننا. هناك مغامرة قد لا نخرج منها أحياء، سوف نتسلل إلى الشاطئ بعد أن يغفو الجميع.
اتسعت عيناها دهشة، كانت حينذاك مجرد طفلة فى السابعة من عمرها. قالت فى انفعال مكتوم:
- أحقا؟
أشار سفروت– الذى يكبرها بعام- محذرا، وهمس فى خطورة:
-سوف ندمر العصابة الشريرة تدميرا تاما، تذكرى موعدنا بعد منتصف الليل.
لم يكن أى منهما يعرف منتصف الليل بالتحديد ولا حتى شقيقهما الأكبر ميشو (اسمه الحقيقى محمد) الذى يكبرها بعامين. بمجرد استيلاء مملكة الظلام على صفحة السماء، تسللوا جميعا خارج العشة، وكان الموج يفضى بأسراره العجيبة إلى الشاطئ المهجور، ولم تكن مرمر تعرف طلاسم هذه اللغة المجهولة بعد.
كان قلبها ينبض بعنف يفوق وشوشة البحر وهى تخوض وسط الظلام الكثيف مع شقيقيها ميشو وسفروت، اللذين كانا يشهران أسلحة نارية قاتلة عبارة عن عصا مقشة، وشرعا يطلقان الرصاص فى جميع الأنحاء، ومن الخلف كانت مرمر تحمى المؤخرة.
هتف ميشو بلهجة عسكرية ممدودة: تقدموا.
وابتلع الظلام أجسادهم الصغيرة، وكما يحدث دائما فى كل مغامرة أسفرت المعركة عن تدمير تام لأعدائهم الأشرار، وما لبثوا أن تسللوا إلى العشة الخشبية وهم يتنهدون فى ارتياح.
تهامسوا قليلاً على الأسرة الصغيرة، وكانت مرمر أول من راح فى سبات عميق.
■ ■ ■ ■
مرة أخرى تعود.
بعد عشرين عاما على هذه المغامرة، عادت مريم مع زوجها، ظلت تزين له الذهاب إلى بلطيم. ترقرق الدمع فى عينيها وهى ترسم له الشاطئ الممتد يبوح بأسراره لقاطنى العشش الخشبية المتناثرة كالزهور البرية، وجبال النرجس والبحر الساجى تحتها، وكروم العنب السوداء كاللآلئ النادرة تخرج من محار الحب والألم.
لوحة فريدة قوامها لون البحر الأزرق والعنب الأسود والدم الأحمر والدمع لا لون له، هُيئ لزوجها أنه سيمضى قدما صوب الفردوس المفقود.
■ ■ ■ ■
قال سفروت وهو يضع القوقعة البحرية على أذنيها الصغيرتين
- هل تسمعين يا مرمر وشوشة البحر؟
أصغت فى إمعان. كان يهمس إليها بلغته المجهولة ذات المقاطع المنتظمة بصورة تدعوها إلى الإصغاء، لكنها لا تلبث أن تسأم الإنصات فتمضى لتشيّد قصرها الصغير من الرمال. أحضرت بعضا من ماء البحر فى إناء بلاستيكى أزرق ثم أضافت الماء إلى الرمال، ثم أعدت الحديقة الأمامية ورشقت بعض الأصداف فى موضع الزهور، وحفرت بيدها الصغيرة موضع حمام السباحة الأنيق. ثم ارتدت بضع خطوات إلى الوراء لتتأمل فى إعجاب قصرها المشيد الذى لم تهنأ به طويلا إذ اندفعت موجة شقية فى تهور فدكت القصر الجميل.
وكأى طفلة عاقلة لم تعمد إلى البكاء، وإنما مضت تعدو خلف شقيقها سفروت بجسدها الصغير الذى تحول بأكمله إلى لون الشيكولاته من جراء التعرض لأشعة الشمس الحارقة على الشاطئ طيلة النهار، ومضت أمواج البحر تمسح بسرعة فائقة آثار قدميها الصغيرتين.
■ ■ ■ ■
بلطيم..
شاطئ الأحلام لم يكن كذلك فى عينى زوجها. هو فى رأيه أقرب إلى البساطة، ولقد غررت به زوجته حينما رسمت لوحة لذلك المصيف الهادئ، لم يكن له وجود إلا فى خيالها. كان يمكنه قضاء هذه الأيام فى أحد الشواطئ الحديثة. تمنى لو يصارحها بخيبة أمله إلا أن نظرة واحدة إلى وجهها الأبيض الشاحب وعينيها المترقرقتين ألزمته الصمت.
كانت تعانق بنظراتها المدلهة الشاطئ الرملى والأمواج البيضاء والبحر الممتد وجبال النرجس، وتجهد عينيها تفتش فى رمال الشاطئ عن آثار قديمة لأقدام صغيرة.. صغيرة.
■ ■ ■ ■
قال ميشو وهو يلوح بورقة صغيرة مبتلة:
- لقد حُسم الأمر نهائيا، وغدونا أثرياء.
قالت له: كيف؟
- هذه خريطة كنز عثرت عليها فى زجاجة قديمة.
قال ميشو وهو يقرأ خريطة الكنز: عشر خطوات ابتداء من الباب الخلفى للعشة.
وهرول مسرعاً حتى أتم الخطوات العشر، ثم أردف: خمس خطوات إلى اليمين ثم نبدأ الحفر.
وبرز فجأة الحارس العجوز ملوحا بعصا خشبية غليظة، صرخ سفروت محذرا، فأفلتت الأرانب الصغيرة التى لوحها الشمس من مخالب الذئب العجوز.
ترى ألم يزل الكنز مخبوءاً بعد عشرين عاما؟
■ ■ ■ ■
قالت لزوجها ذات أصيل: أوحشتنى كروم العنب السوداء. فلنمض إلى جبال النرجس.
ومضى معها مذعنا، تغوص قدماه فى الرمال وتؤلمه الحشائش الضارة وقطع الزجاج المكسور.
جبال النرجس الحبيبة.
منذ عشرين عاما كانوا يفترشون الرمال جميعا (العائلة بأسرها)، وما يلبث المزارعون البسطاء أن يهرعوا إليهم حاملين سلالا صغيرة مليئة بثمرات العنب الأسود اللذيذة المشهورة زراعتها فى هذه الأنحاء، يغسلونها بماء يجلبونه من طلمبة قديمة يديرها الأطفال بأيديهم ثم يلتهمونها فى شهية.
جبال النرجس هنا، الطلمبة القديمة لم تزل فى موضعها، ثمرات العنب السوداء حتما سيجلبها المزارعون البسطاء فى السلال الصغيرة. الفارق الوحيد بين الأمس واليوم هو عشرون عاما مرت كليلة واحدة.
أدارت مريم وجهها لكيلا يرى زوجها دموعها الغزيرة. تفتش هى من خلال غلالة الدموع عن طفلة صغيرة تدعى مرمر كانت تلهو فى هذه الأنحاء.
تغير كل شىء، كل شىء.
توفى والدها الحبيب فجأة، واتسع الجرح فى قلوب الجميع. وعرفت الطلسم الغائب للغة البحر المجهولة منذ بدء الخليقة وهو يردد ذات المقاطع الصوتية المتشابهة: كان يسأل عن الأحبة الغائبين!!
قالت لزوجها فى أمل: سوف يأتى المزارعون البسطاء بسلال العنب الأسود مثلما كان يحدث زمان.
وبالفعل اقترب رجل عجوز مغضّن الوجه يحمل سلة صغيرة خرجت لتوها من الماضى الحبيب، ناشدته بعينها أن يقترب فاقترب.
نقد زوجها البائع ثمن السلة وأزاح الغطاء ثم هتف به فى خشونة
-ما هذا يا رجل؟ إنه لا يؤكل.
أومأ الرجل فى تسليم: إن موسم العنب قد انقضى يا سيدى!!
فأشاح بوجهه فى ملل. انصرف الرجل، والتقطت مريم بعض ثمرات العنب السوداء، وما لبثت أن أدركت كل شىء. كانت حقا ذابلة.
بلطيم..
بلطيم ..
آه يا بلطيم.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...7&IssueID=1819
رد مع اقتباس
  (#154) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي أيام يوليو الفرنسية - 19-07-2010, 01:25 AM

تذكرنى حرارة يوليو بسخونة هذه الأحداث، بدموع تنهمر من عيون الشرق، بطبول الحرب ونفخ النفير، بزرقة البحر المتوسط والأشرعة تطويه طياً، بسحر الليالى الشرقية تداعب أخيلة الفرنسيس، بلهفة الغرب فى اقتحام المجهول، بالنهضة الكامنة فى قلب شعب، بإرادة الحياة تنفجر فى قلوب الأوروبيين.
فى مثل هذه الأيام من شهر يوليو عام ١٧٩٨ كان بدء الملاحم الكبرى بين الشرق والغرب. فى أول يوليو وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى ميناء الإسكندرية. فى الثانى من يوليو نجحت فى احتلال المدينة. فى الثالث من يوليو زحفت الحملة نحو القاهرة، فى الواحد والعشرين من يوليو هزموا المماليك. ٢٤ يوليو دخلوا العاصمة التاريخية للشرق، القاهرة بأزهرها العريق وقبابها العريقة، بأهراماتها العتيقة وأبى الهول، حارس التاريخ.
لم تكن المسافة بيننا وبينهم تقدر بالأميال، بل بالزمان، بقرون تتسع فى كل عام، بالفارق المهول بين مارد نائم ومارد يستيقظ. بفوران النفوس، بوهج الأدباء والعلماء والمفكرين. بشعب أراد الحياة وقدر لابد أن يستجيب.
كنا هنا وكانوا هناك. كانت التفاحة تقع على رأس نيوتن فيكتشف قانون الجاذبية، وديكارت يؤسس المنهج العلمى النقدى، وروسو يؤكد إرادة الشعوب، ودافنشى يستلهم غموض الكون فى ابتسامة الجيوكاندا، والمقصلة تطيح برأس لويس السادس عشر وتطيح معها بالحق الإلهى للملوك، والدهماء يستولون على الشارع توطئة لفوضى خلاقة ستعيد تشكيل العالم، للحرية والعدل والمواساة. و«نابليون»، الضابط الكورسيكى، يتأهب لغزو العالم القديم. وعلى الجانب الآخر، مماليك لا يحسنون سوى المؤامرات الصغيرة وخلع السلاطين، يقهقهون على «هبل» الفرنجة الخرعين، الذين سول لهم الغرور مقارعة المماليك الجدعان!.
لم يعرفوا أن الزمان تغير وجاء زمن العلم، والمدفع والبارود، والحرب المنظمة والخطط العسكرية. القمقم المسحور فض خاتمه، معلناً عن خروج جنى العلم، يسبقه الدخان الأزرق ويتلوه التقدم المثير. الطغاة الصغار لم يعرفوا أن سفن نابليون تقترب، تمخر البحر الأزرق واللجج البيضاء. عما قليل ستمطرهم بالقنابل فيصرخون فى سجع لطيف، وهم يموتون: «يا سلام من هذه الآلام!».
سيفر المماليك، ويتلقى الشرق صفعته الكبرى. ويضطر إلى مجابهة الواقع بلا تزويق. لم يأت نابليون حاملاً الأمل لشعوب كسالى. بل جاء غازياً، مؤسساً لإمبراطورية، لكن كما يحدث دائما، تختفى الأمور فى أضدادها، ويسفر وجه الشر عن خير كثير. جاءت المطبعة وجاء العلماء. وبدأ المشروع الحضارى فى «وصف مصر»، وتعثر جندى فى حجر رشيد ليفك شامبليون طلاسم الحضارة الفرعونية.
بالتفاعل، ولقاء الضد بالضد، واستنهاض الهمم استعاد الشعب إرادته، اكتشف أنه حى كأروع ما تكون الحياة. أعوام قليلة ويتسلم «محمد على» الحكم ليبدأ عصر النهضة الجديد. كل هذا سيحدث فيما بعد. المهم أنه فى هذه الأيام من شهر يوليو كانت سفن نابليون تلقى مراسيها على شواطئ الإسكندرية، إيذانا بالملاحم الكبرى وإعلان بدء عصر جديد.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...8&IssueID=1821
رد مع اقتباس
  (#155) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي «كلمنجية» - 19-07-2010, 01:33 AM

حينما سألنى الشبح عما إذا كنت مستعدا لاحتمال البهدلة من أجل الديمقراطية، وقلت إننى أشجع فقط، انفجر الشبح فى الضحك. (قلت فى غيظ) بتضحك على إيه؟- (قال وهو يمسح دموع الضحك) عليك طبعا، أنا كنت عارف من الأول إنكم «كلمنجية».
(قلت مستغربا) إزاى؟- (قال) هل معقول أن المستفيدين من الوضع الحالى حيسيبوا العز والفلوس ببساطة عشان خاطر عيونكم؟- ( قلت على الفور) لأ طبعا- (قال) هل يمكن أن تحصل على شىء من غير ما تدفع تمنه؟- (عدت أقول) برضه مستحيل.
(أردف الشبح قائلاً) لو كل واحد انتظر التانى يتحرك حتفضلوا قاعدين إلى الأبد- (قلت مدافعا عن نفسى) بس أنا كبرت ومفروض الشباب هم اللى يتحركوا، لأنهم بيدافعوا عن مستقبلهم- (قال الشبح وهو يعاود الضحك) حجج (قرعة). لو كنت شابا كنت قلت إن الكبار هم اللى مفروض يتحركوا لأنهم سبب المأساة. كل واحد بيرمى على التانى. تعرف إنى لما باقرا تعليقات القراء باموت من الضحك.
(قلت باسما) إزاى؟- (قال والشقاوة تقفز من عينيه) تلاقى تعليق ثورى بيقول: «كفى خضوعا، كفى انهزاما، كفى سلبية، كونوا شجعانا وقولوا لا للذين سلبوكم الحق فى الحياة الكريمة». تعليقات يا جدع لو قريتها تتخض، تقولش عرابى على سعد زغلول على جيفارا كلهم مع بعض، وفى الآخر تلاقيه مش كاتب اسمه!!.. طب لما إنت خايف تحط اسمك عامل عنتر ليه؟
(قلت مدافعا) بس مش كلنا كلمنجية، فيه كتّاب معارضة شجعان- (قال على الفور) ولا شجعان ولا حاجة، معظمهم بيسترزقوا.
(قلت مصدوما) حرام عليك يا شبح، دول بينتقدوا النظام بقسوة- (قال فى جدية) طالما عارفين إن النظام سامح بالانتقاد ومش حيئذيهم تبقى مش بطولة. البطولة كانت زمان، وقت اللى كان بيتكلم بيبهدلوه. والدليل إنهم ما انتقدوش إلا بعد ما تبين بالتجربة العملية إنه مش حيحصلهم حاجة.
(ثم وهو يغمز بعينه) تصدق إن المعارضة بقت مربحة أكتر من تأييد النظام! لأنهم بيكتبوا اللى الناس عاوزة تقراه وبالتالى بتزيد المبيعات.
- (سألته فى دهشة) معقولة كلهم بيسترزقوا؟- (قال على الفور) لأ طبعا فيه ناس محترمة- (قلت فى حيرة) طيب نعرفهم من بعض إزاى؟- (قال فى جدية) شوف مين بيسترزق ومين بيدفع التمن، تعرف النائحة الثكلى من المستأجرة.
لكن المشكلة الأكبر إن المعارضة بقت بتصب فى مصلحة النظام-(قلت مستغربا) إزاى؟- (قال الشبح فى بساطة) لأن الناس (بتفش) غلّها، والنظام بياخد سمعة الديمقراطية لأنه بيسمح بالانتقاد- (قلت مذهولا) يعنى النظام مبسوط بالشتيمة؟- (قال على الفور) جداً. طالما لا تؤدى إلى فعل. شعارهم هو «لكم الكلام ولنا الأفعال».

http://www.almasry-alyoum.com/articl...0&IssueID=1822
رد مع اقتباس
  (#156) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي وجوه سمراء لها عيون زرقاء - 19-07-2010, 01:41 AM

يُحكى أنه كانت هناك أرض عند ملتقى القارات والتقاء الحضارات، تُدعى «أرض الأساطير». أرض فيها السحر والخيال، والسرور والجمال. سكّانها نصفهم شعراء ونصفهم عشاق، عُبَّاد وعلماء. بنوا الحضارة والمجد، والمسلات والأهرامات. والمعابد الضخمة والمنمنمات الدقيقة. روضوا النهر وسادوا البحر، وبسطوا سيطرتهم على كل البلدان.
ويُحكى أن الكوكب الأرضى دار حول نفسه مرات. تعاقبت السنون وتتابعت الأعوام، وأصبح للأجداد أحفاد يعشقون الكلام، تركوا مشقة الفعل واحترفوا تحريك اللسان. تدهور تراث الأجداد العظام، وتغير الحال وفسد الزمان. وفيما ارتقت كل الأمم من حولهم، ضاقت معايشهم وساءت أحوالهم وامتلأت طرقاتهم بالقذارة والزحام.
تأقلموا مع القبح وخاصموا الجمال. ولم يعد لهم سلوى غير جلد الذات والشكوى من قهر الولاة. كانوا يجدون لذة عظيمة فى الكلام عن مظالم الحكام. لأن كل مظلمة كانت تمدهم بمادة لا تنتهى للحديث، والسمر فى مجالس الكلام.
ويُحكى أن العالم استيقظ يوما فلم يجدهم موجودين. اختفى الثمانون مليونا فجأة عن العيان. احتار العلماء فى فهم الظاهرة واختلف السحرة والمنجمون. كيف يمكن أن يختفى شعب بأكمله فى غمضة عين؟!. لم يعرفوا أبدا أن هذا الشعب تحول إلى شعب من الأشباح. يرون الناس ولا يرونهم، ولم يضايقهم هذا لأنهم كانوا من قبل قد خاصموا الفعل وامتهنوا الكلام.
والذى حدث بعدها أن موقعا فى عبقرية «أرض الأساطير» كان يستحيل أن يُترك فارغا، خصوصا وهو يتمتع بموارد كثيرة وخيرات ممدودة. فهناك نهر وبحران، وطقس معتدل، وأرض خصبة، وثروات مدفونة، والأهم من ذلك كله: تاريخ البشرية كله ونصف آثار العالم. تقاتلت جيوش، وبدت نذر الحرب العالمية بما سيتبعها حتما من فناء للبشرية. فى النهاية كفوا عن القتال وبدأت المفاوضات.
كان هناك شعب من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يدعى «أمة الألمان». هذه الأمة أخذت حياتها بالعمل والجدية، وابتعدت عن المظاهر الكاذبة والأطماع الإمبراطورية، وبالتالى كان لديها فائض أموال تستطيع أن تُرضى بها الدول الطامعة فى «أرض الأساطير».
حينما استوطنوا الأرض أدهشتهم البيوت المتهالكة والطرقات البدائية، رأوا أن المدن ميؤوس من إصلاحها فأزالوها على الفور، واستبقوا فقط الآثار التاريخية. بنوا مدنهم الجديدة فوق الصحراء المجاورة وتركوا الأراضى الخصبة للزراعة. بعدها استداروا للنهر العظيم فأزالوا الحشائش وأقاموا السدود وشيدوا المشاريع عند أعالى النهر ليكسبوا ود بلاد المنبع.
وبرغم اعتزازهم القديم بلغتهم الأم، فإنهم التزموا بتعلم لغة البلاد المحيطة ليذوبوا فى محيطها الكبير. تزاوجوا مع البلاد المجاورة لينشأ نسل جديد مختلط له (بشرة سمراء وعيون زرقاء) لا يكفون عن العمل. أما السكان الأصليون، الذين تحولوا إلى شعب من الأشباح، فقد كانوا يشاهدون هذا كله فى استمتاع عظيم، إذ أمدهم بمادة لا تنتهى من الكلام وجلد الذات الذى لا يُفضى إلى أفعال.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...6&IssueID=1823
رد مع اقتباس
  (#157) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي وجوه سمراء لها عيون زرقاء - 19-07-2010, 01:42 AM

يُحكى أنه كانت هناك أرض عند ملتقى القارات والتقاء الحضارات، تُدعى «أرض الأساطير». أرض فيها السحر والخيال، والسرور والجمال. سكّانها نصفهم شعراء ونصفهم عشاق، عُبَّاد وعلماء. بنوا الحضارة والمجد، والمسلات والأهرامات. والمعابد الضخمة والمنمنمات الدقيقة. روضوا النهر وسادوا البحر، وبسطوا سيطرتهم على كل البلدان.
ويُحكى أن الكوكب الأرضى دار حول نفسه مرات. تعاقبت السنون وتتابعت الأعوام، وأصبح للأجداد أحفاد يعشقون الكلام، تركوا مشقة الفعل واحترفوا تحريك اللسان. تدهور تراث الأجداد العظام، وتغير الحال وفسد الزمان. وفيما ارتقت كل الأمم من حولهم، ضاقت معايشهم وساءت أحوالهم وامتلأت طرقاتهم بالقذارة والزحام.
تأقلموا مع القبح وخاصموا الجمال. ولم يعد لهم سلوى غير جلد الذات والشكوى من قهر الولاة. كانوا يجدون لذة عظيمة فى الكلام عن مظالم الحكام. لأن كل مظلمة كانت تمدهم بمادة لا تنتهى للحديث، والسمر فى مجالس الكلام.
ويُحكى أن العالم استيقظ يوما فلم يجدهم موجودين. اختفى الثمانون مليونا فجأة عن العيان. احتار العلماء فى فهم الظاهرة واختلف السحرة والمنجمون. كيف يمكن أن يختفى شعب بأكمله فى غمضة عين؟!. لم يعرفوا أبدا أن هذا الشعب تحول إلى شعب من الأشباح. يرون الناس ولا يرونهم، ولم يضايقهم هذا لأنهم كانوا من قبل قد خاصموا الفعل وامتهنوا الكلام.
والذى حدث بعدها أن موقعا فى عبقرية «أرض الأساطير» كان يستحيل أن يُترك فارغا، خصوصا وهو يتمتع بموارد كثيرة وخيرات ممدودة. فهناك نهر وبحران، وطقس معتدل، وأرض خصبة، وثروات مدفونة، والأهم من ذلك كله: تاريخ البشرية كله ونصف آثار العالم. تقاتلت جيوش، وبدت نذر الحرب العالمية بما سيتبعها حتما من فناء للبشرية. فى النهاية كفوا عن القتال وبدأت المفاوضات.
كان هناك شعب من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يدعى «أمة الألمان». هذه الأمة أخذت حياتها بالعمل والجدية، وابتعدت عن المظاهر الكاذبة والأطماع الإمبراطورية، وبالتالى كان لديها فائض أموال تستطيع أن تُرضى بها الدول الطامعة فى «أرض الأساطير».
حينما استوطنوا الأرض أدهشتهم البيوت المتهالكة والطرقات البدائية، رأوا أن المدن ميؤوس من إصلاحها فأزالوها على الفور، واستبقوا فقط الآثار التاريخية. بنوا مدنهم الجديدة فوق الصحراء المجاورة وتركوا الأراضى الخصبة للزراعة. بعدها استداروا للنهر العظيم فأزالوا الحشائش وأقاموا السدود وشيدوا المشاريع عند أعالى النهر ليكسبوا ود بلاد المنبع.
وبرغم اعتزازهم القديم بلغتهم الأم، فإنهم التزموا بتعلم لغة البلاد المحيطة ليذوبوا فى محيطها الكبير. تزاوجوا مع البلاد المجاورة لينشأ نسل جديد مختلط له (بشرة سمراء وعيون زرقاء) لا يكفون عن العمل. أما السكان الأصليون، الذين تحولوا إلى شعب من الأشباح، فقد كانوا يشاهدون هذا كله فى استمتاع عظيم، إذ أمدهم بمادة لا تنتهى من الكلام وجلد الذات الذى لا يُفضى إلى أفعال.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...6&IssueID=1823
رد مع اقتباس
  (#158) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي وجوه سمراء لها عيون زرقاء - 19-07-2010, 01:50 AM

يُحكى أنه كانت هناك أرض عند ملتقى القارات والتقاء الحضارات، تُدعى «أرض الأساطير». أرض فيها السحر والخيال، والسرور والجمال. سكّانها نصفهم شعراء ونصفهم عشاق، عُبَّاد وعلماء. بنوا الحضارة والمجد، والمسلات والأهرامات. والمعابد الضخمة والمنمنمات الدقيقة. روضوا النهر وسادوا البحر، وبسطوا سيطرتهم على كل البلدان.
ويُحكى أن الكوكب الأرضى دار حول نفسه مرات. تعاقبت السنون وتتابعت الأعوام، وأصبح للأجداد أحفاد يعشقون الكلام، تركوا مشقة الفعل واحترفوا تحريك اللسان. تدهور تراث الأجداد العظام، وتغير الحال وفسد الزمان. وفيما ارتقت كل الأمم من حولهم، ضاقت معايشهم وساءت أحوالهم وامتلأت طرقاتهم بالقذارة والزحام.
تأقلموا مع القبح وخاصموا الجمال. ولم يعد لهم سلوى غير جلد الذات والشكوى من قهر الولاة. كانوا يجدون لذة عظيمة فى الكلام عن مظالم الحكام. لأن كل مظلمة كانت تمدهم بمادة لا تنتهى للحديث، والسمر فى مجالس الكلام.
ويُحكى أن العالم استيقظ يوما فلم يجدهم موجودين. اختفى الثمانون مليونا فجأة عن العيان. احتار العلماء فى فهم الظاهرة واختلف السحرة والمنجمون. كيف يمكن أن يختفى شعب بأكمله فى غمضة عين؟!. لم يعرفوا أبدا أن هذا الشعب تحول إلى شعب من الأشباح. يرون الناس ولا يرونهم، ولم يضايقهم هذا لأنهم كانوا من قبل قد خاصموا الفعل وامتهنوا الكلام.
والذى حدث بعدها أن موقعا فى عبقرية «أرض الأساطير» كان يستحيل أن يُترك فارغا، خصوصا وهو يتمتع بموارد كثيرة وخيرات ممدودة. فهناك نهر وبحران، وطقس معتدل، وأرض خصبة، وثروات مدفونة، والأهم من ذلك كله: تاريخ البشرية كله ونصف آثار العالم. تقاتلت جيوش، وبدت نذر الحرب العالمية بما سيتبعها حتما من فناء للبشرية. فى النهاية كفوا عن القتال وبدأت المفاوضات.
كان هناك شعب من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يدعى «أمة الألمان». هذه الأمة أخذت حياتها بالعمل والجدية، وابتعدت عن المظاهر الكاذبة والأطماع الإمبراطورية، وبالتالى كان لديها فائض أموال تستطيع أن تُرضى بها الدول الطامعة فى «أرض الأساطير».
حينما استوطنوا الأرض أدهشتهم البيوت المتهالكة والطرقات البدائية، رأوا أن المدن ميؤوس من إصلاحها فأزالوها على الفور، واستبقوا فقط الآثار التاريخية. بنوا مدنهم الجديدة فوق الصحراء المجاورة وتركوا الأراضى الخصبة للزراعة. بعدها استداروا للنهر العظيم فأزالوا الحشائش وأقاموا السدود وشيدوا المشاريع عند أعالى النهر ليكسبوا ود بلاد المنبع.
وبرغم اعتزازهم القديم بلغتهم الأم، فإنهم التزموا بتعلم لغة البلاد المحيطة ليذوبوا فى محيطها الكبير. تزاوجوا مع البلاد المجاورة لينشأ نسل جديد مختلط له (بشرة سمراء وعيون زرقاء) لا يكفون عن العمل. أما السكان الأصليون، الذين تحولوا إلى شعب من الأشباح، فقد كانوا يشاهدون هذا كله فى استمتاع عظيم، إذ أمدهم بمادة لا تنتهى من الكلام وجلد الذات الذى لا يُفضى إلى أفعال.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...6&IssueID=1823
رد مع اقتباس
  (#159) قديم
الأمل في الغد الأمل في الغد غير متواجد حالياً
مُشترك جديد
 
المشاركات: 52
نقاط: 10
المصرف: 0
المجموع نقاط: 10
إهداء نقاط
رقم العضوية:28919
تاريخ التسجيل: Feb 2010
افتراضي حرف ناقص من حروف الأبجدية - 19-07-2010, 02:16 AM

يُحكى أنه فى زمن بعيد جدا، فى تلك الحقبة التى أعقبت سجود الملائكة لآدم، وسكنه فى جنة عدن، وقبيل هبوطه إلى الأرض، كان هناك حرف لا نعرفه من حروف الأبجدية، يقع بين «الميم» و«النون».
فى البدء لم يكن هذا الحرف موجودا، كانت الأبجدية بنفس الحروف التى نستخدمها الآن، وكان آدم يكلم بها الملائكة والطيور والأشجار. يرمق ما حوله بالبراءة الأولى وفرحة البدايات. نام على الرضا واستيقظ على الفرحة حين شاهد امرأة خُلقت من ضلعه الذى يجاور قلبه، ولذلك أحبها على الفور. وقر فى قلبه أنها زوجته وأن اسمها «حواء».
كانت بديعة الحسن، صافية اللون، لها عينان أخاذتان. راح يرنو إليها فى وله، سعيدا من رأسه إلى قدميه. حينما أراد أن يعبر عن فرحته بها وٌلد هذا الحرف لأول مرة من قلبه إلى شفتيه. ويُحكى أن هذا الحرف - الذى هو ابن شرعى للحب - لم يكن حرفا عاديا مثل باقى الحروف، بل كانت له خواص سحرية. كثيرا ما كان يغادر الأبجدية، ويطير فى الهواء مثل عصفورة ملونة، مثل فراشة ذهبية، ليبحث عن المعانى الجميلة والصفاء الكونى الغالب.
يطوف مع الإلكترونات حول نواة الذرة، يصغى إلى تسبيح العصارة الخضراء وهى تصعد إلى أعلى ورقة، ومثل النحلة يمتص رحيق الزهور ليصنع شهد الحب. وبعد أن يكتسى بالمعانى الجميلة يشتبك مع حروف أى كلمة فتكتسب خواصا سحرية، وتتحول إلى كلمة: «أحبك».
ويٌحكى أن آدم وحواء كانا سعيدين بحرفهما السحرى. يستيقظان من الصباح الباكر، يتنزهان بين الخمائل والغصون، يسيران الهوينى بجوار الجداول، يكتشفان منابع الأنهار، يشاهدان الأسماك الفضية وهى تثب فى الماء، يحاولان فى جذل أن يقبضا على قروش الشمس الفضية المتسللة بين أوراق الشجر.
ويحكى أن فى هذا الزمن بالذات، وآدم يبوح بحبه لحواء، ويدشنان ميلاد البشرية، ويستمعان لخرير الماء الجارى بأوراق الزهور، ويفهمان لغة الطير والحيوان، وتسبيح الأكوان لخالق الأكوان، وسرور الطيور التى لا هم لها إلا الغناء، والسمر مع الملائكة، وفرحة الطين بتجليات الروح.
ويحكى أن آدم حينما ارتكب المعصية، وتعكر صفاؤه الداخلى، وصمتت موسيقاه الخفية، وهبط مع حواء إلى الأرض، شاهد الحرف السحرى يغادر الأبجدية ويرفض أن يغادر جنة عدن. لأحقاب طويلة ظل آدم يذرف دموع الندم، يحترق بالحنين إلى أيام الصفاء الأول، وإلى ذلك الحرف السحرى الذى كلما اشتبك بكلمة تحول إلى كلمة «أحبك». ومنذ ذلك الحين تحاول البشرية، عبثا، أن تسترجع الحرف المفقود، تؤلف قصيدة، تنشد أغنية، تقع فى الحب، تداوى جريحا، تصنع معروفا، تديم التحديق إلى السماء، تطيل السجود.
وكلما نقص رصيدنا من السكينة رفعنا عيوننا إلى السماء، حيث تقع جنتنا القديمة، نحترق بالحنين إليها وإلى الحرف المسحور.

http://www.almasry-alyoum.com/articl...8&IssueID=1824
رد مع اقتباس
  (#160) قديم
قيصر الصقيع قيصر الصقيع غير متواجد حالياً
فاجأني الخريفُ في نيسان
 
الصورة الرمزية قيصر الصقيع
 
المشاركات: 321
نقاط: 3,824
المصرف: 0
المجموع نقاط: 3,824
إهداء نقاط
رقم العضوية:24767
تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: Alex
العمر: 30
افتراضي أيام الدوم - 24-07-2010, 06:28 AM

كان هناك، واقفاً بجوار عربته الخشبية فى مكانه المعهود بجوار باب المدرسة فى انتظار خروج الأطفال. تجمدت قدماى تماماً ورحت أرمقه فى حنين طاغ، أتساءل فى دهشة: كيف مرت الأعوام دون أن أنتبه لوجوده، رغم أن المدرسة فى طريق عودتى وذهابى؟.. بالتأكيد رأيته مراراً دون أن ألاحظه، كنت أنظر إلى الداخل وقد تلاطمت بصدرى أمواج الهموم، موج يمسك فى تلابيبه موج. متاعب العمل، مشاكل الأسرة، هموم الوطن، وأرزاق نطلبها وتطلبنا.
واليوم يعود، وكأن ثلاثين عاماً لم تمر منذ أن كنت أحد الصغار المتزاحمين حول عربته الخشبية، أقبض فى حرص على قرش أبتاع به سعادة كاملة.
أيام الدوم، حينما كانت البنات مجرد كائنات سخيفة يحسن الابتعاد عنها، رائحة ساندويتش الجبن تفوح بمجرد فتح الحقيبة، همهمة الفصل، والركض المنفلت بمجرد سماع جرس الانصراف، والازدحام المتسم بالعربدة عند باب الخروج، والمشاجرات المعتادة والضرب بحقائب المدرسة، ثم صفوف البرتقال المغسول بمطر الشتاء على العربات الخشبية فى طريق العودة، وبرك المياه المتناثرة هنا وهناك، وتلك اللذة الغامضة حينما تبتل أقدامنا عالمين أن الدفء والجفاف ينتظرنا فى المنزل.
وأزيز الموقد نسمعه ونحن نشب على أقدامنا لضرب الجرس، ورائحة الطعام الساخن تتسلل إلينا بمجرد فتح باب المنزل، والحذاء الملوث بطين يبلغ أضعاف حجمه نخلعه دون أن نفكر كيف يصبح نظيفا لامعا فى الصباح التالى!، وأمهاتنا منهمكات فى عشرات الأعمال المنزلية، والأغانى تنساب من المذياع الضخم لتمثل لنا فيما بعد ذاكرة الوطن، وشمس الأصيل تنحدر بسرعة مؤذنة بليل الشتاء الطويل، والواجبات المدرسية الثقيلة ننجزها مضطرين بعد أن اقترب موعد النوم، ترتيب الحقيبة بسرعة ثم نندس فى الفراش البارد بأجسامنا الصغيرة متلذذين بالبرد والدفء التدريجى القادم، وفى التاسعة مساء تُطفأ الأنوار وتستيقظ الأحلام والذكريات لبرهة قبل أن نغرق فى النعاس اللذيذ.
وغدا صباح جديد.
بنية اللون، خشبية التكوين، كروية الشكل، منبطحة أحيانا، صغيرة ولذيذة، نكهتها جميلة جدا، نكهة الطفولة ذاتها.
عن ثمرة الدوم أتحدث.
فى غفلة الطفولة السعيدة، لم يكن يعنينا سوى أن نجد العربة الخشبية العتيقة واقفة أمام باب مدرستنا وقت الخروج، وحولها التفت ثلة من الأطفال، يعلو الصخب والأيدى الصغيرة ترتفع بالقرش محاولة الوصول للبائع الصعيدى صاحب الشارب الكث.. يقف وسط الأطفال بجلبابه الصعيدى عالما أنه أهم شخصية فى عالمهم الساحر، لو تغيب يوما عن موعده المعتاد أمام باب المدرسة لانكسرت مئات القلوب الصغيرة التى تنتظره بفارغ الصبر.
رأسمال هذا الجميل بسيط جدا.. عربة يد خشبية عتيقة جدا بها المئات من ثمار الدوم المستديرة، وشاكوش صغير يهشم به القشرة السميكة، ومهرجان ألوان حافل متمثل فى ثمرات النبق الصفراء مع الكثير جدا من الحرنكش الذى تم صفه فى خيوط على سبيل الزينة، والكثير جدا من الأوراق الملونة والخيوط المتطايرة، عربة أحلام للأطفال بامتياز.
تشترى الدوم بقرش، تنحتها بأسنانك الصغيرة حتى تصبح ملساء تماما، بعدها تلعب بها الكرة مع أصدقائك، تصلح أيضا سلاحا مرتجلا للحرب، حينما يضايقك طفل تصوبها على رأسه ثم تعدو بأقصى سرعتك لتنفذ بجلدك، وغدا يوم آخر جديد فى ذاكرة الأطفال الملساء يصبح فيها عدو الأمس صديق اليوم.
يا لأيام الدوم الجميلة التى مضت مثل كل شىء رائع، لكن اليوم خرجت عربة الأحلام من الماضى العتيق، وأنا أقف أمامها فى رهبة وخشوع، مدرستى الابتدائية القديمة ذات الفصول المتسعة والجدران العالية، نفس البائع العجوز بجلبابه القديم النظيف أيضا، وكأن تلك الأعوام لم تنقض والأيام لم تمر.. اقتربت منه فى وجل، الوجه؟ نفس الوجه. والشارب؟ نفس الشارب، فقط اشتعل بالبياض.
أتأمل باب المدرسة المعدنى العتيق فى رهبة، وأتساءل عما يمكن أن يحدث لو ولجت إلى فناء المدرسة؟.. مثل ثغرة مسحورة تقودنى إلى زمان آخر وجدت الباب ينفتح أمامى فى بطء ليدعونى كى أتقدم.. حارس المدرسة العجوز ظل ينظر نحوى فى حياد دون أن يحاول منعى.
وقفت أرمق ما حولى والدموع تبلل عينى، هنا عمرى كله أو أجمل ما فيه.. الحوش المتسع!، فيه عدوت كأرنب، وتسلقت الأشجار كقطة، وتمرغت فى التراب كفأر، وطرت فى الهواء كعصفور.. هنا أحببت وكرهت، وصالحت وخاصمت، وضحكت وبكيت، وحلمت وصُدمت، هنا منذ ملايين السنين الضوئية، بل منذ أمس فقط!، كنت طفلا يحسن الدهشة ويتقن الحلم.
وهذا هو صنبور المياه تتساقط منه القطرات الأبدية– كأنها الأعوام والأيام- فأحس بعطش السنين الذى لا يرويه ماء على وجه الأرض غير ماء ذلك الصنبور.. فى شبه تقديس مضيت إليه لأرتوى، بملء كفى وبفمى مباشرة.
وهذه هى شجرة النبق العجوز فى فناء المدرسة تمنحنى وجهها كله.. تذكر لا ريب هذا الصبى الذى لطالما أدمى لحاءها بالبرجل الذى حفرت به اسمى مرارا لكنها سامحتنى على ذلك.
ها هى البناية العتيقة التى تلقيتُ فيها دروسى صغيرا، أقف مأخوذا أمام الدرجات العالية بينما تقترب منى سيدة تهبط الدرج بخطوات ثقيلة تنتهكها الشيخوخة.. وفجأة وقفت أمامى وتجمد كلانا.. هتفت دون وعى:
مس ميرفت!
وأقبلت علىَّ هاشة باشة، وصافحتنى فى حرارة.. معلمة اللغة العربية. ليس غريبا أننى تذكرتها، ولكن الغريب أنها تذكرتنى ونادتنى باسمى! وقفت أمامها مرتبكا كطفل صغير يخشى أن يفشل فى الاختبار!. لم تتغير تقريبا باستثناء التجاعيد والشعر الأبيض، ولكن من قال إننى خال أنا الآخر من التجاعيد والشعر الأبيض، سألتنى عن أحوالى ثم ودعتنى وقد تمنت لى صباحا سعيدا.
تجمدت خطاى أمام الباب العتيق، أعمال كثيرة تنتظرنى بالخارج، حيث ألتقى بأناس لا أود لقاءهم.. منهكا متقلبا من غربة إلى غربة أشد.
مدرستى القديمة هى بيتى الحقيقى الذى طالت عنه غربتى، وبرغم ذلك يجب أن أذهب. لكنى قبلها سأصنع شيئا أود أن أصنعه بجماع قلبى.
أتقدم نحو بائع الدوم والعربة الخشبية، لا أدرى كيف حدثت المعجزة! كلما اقتربت من البائع وجدتنى أقصر وأصغر، أسعد وأجمل. حتى أصبحت فى قامة العربة الخشبية تقريبا، وبصوت رفيع يشبه صوتى منذ ثلاثين عاما مددت قرشا خرج لتوه من رحم الماضى الحبيب: هات لى دومه يا عم، وتظاهر الرجل بالانهماك وتقليب الدوم حتى عثر على واحدة راقت له، تفحصتها بعين خبير فوجدتها كما توقعت: بنية اللون، لذيذة، بنكهة الطفولة.
قلت بصوت رفيع: اكسرها، فامتثل الرجل وراح يدق عليها بالشاكوش. وبسرعة لا تصدق رحت (أنحتها) بأسنانى حتى صارت ملساء تماما فدحرجتها على الأرض أمامى ثم ركلتها بقدمى وجريت خلفها أواصل الركل والتصويب، بينما راح البائع العجوز ذو الشارب الكث ينظر نحوى نظرة محايدة.


المصرى اليوم
رد مع اقتباس
رد




الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

لكل مشاهـده : 0 نقاط
لكل موضوع : 0 نقاط
لكل رد جديد : 0 نقاط
الانتقال السريع




<مؤسس الموقع>

<شبكة روايات التفاعلية>

< رتب الأعضاء >

أفضل تصفح للمنتدي بشاشة 600 * 800 بإستخدام Internet Explorer
جميع الحقوق محفوظة ® لشبكة روايات التفاعلية ©2000 - 2008
Powered by vBulletin® Version 3.6.8, Copyright ©2000 - 2010
vBulletin Skin developed by: vBStyles.com
Last development by : R i T o