عدد فانتازيا القادم يتحدث عن سيبويه و الخليل و عن النحو بوجه عام ...
سيبويه..تفاحه العرب
هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قِنْبَر، وسِيبَوَيْهِ هو لقبه الذي به اشتهر حتى غطى على اسمه وكنيته، كانت أمه تحب أن تراقصه به وتدلـله في الصغر، وهي كلمة فارسية مركبة وتعني "رائحة التفاح".فارسي الأصل ولد في حدود عام (140هـ / 756 م ) في مدينة البيضاء ببلاد فارس.
رحل إلى البصره و هو غلام صغير و نشأ بالقرب من مراكز الحكم و العلم حيث كانت المناصب العليا متاحه للفرس.
لكن احد المصادر يقول ان سيبويه رحل الى البصره بعد سن الرابعه عشر وهو الرأي المرجح.
كان يذهب سيبويه مع اصدقائه ليتلقى العلم و الحديث فى ربوع البصره ,وذات يوم ذهب إلى شيخه حماد البصري ليتلقى منه الحديث ويستملي منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء…", لكن سيبويه قرأ الحديث على هذا النحو "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت ليس أبو الدرداء …"
فصاح به شيخه حماد : لَحَنْتَ يا سيبويه، إنما هذا استثناء؛ فقال سيبويه: والله لأطلبن علمًا لا يلحنني معه أحد، ثم مضى ولزم الخليل وغيره. ومن هنا كانت البداية.
تتلمذ سيبويه على عديد من الشيوخ والعلماء، يذكر منهم اربعه من جهابذه العرب أولهم: عبقري العربية وإمامها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو أكثرهم تأثيرًا فيه، فقد روى عنه سيبويه في الكتاب 522 مرة، وثانيهم: أبو الخطاب الأخفش، وثالثهم: عيسى بن عمرو، ورابعهم: أبو زيد النحوي. ومات سيبويه رحمه الله وجل شيوخه على قيد الحياة!
تقول المصادر أن سيبويه بقي في البصرة منذ دخلها إلى أن صار فيها الإمام المقدم، وأن شهرته قد بلغت في الآفاق، وأنه دعي إلى بغداد مركز العلم حينها وهناك أعدت مناظرة بين كبيري النحاة: سيبويه ممثلاً لمذهب البصريين والكسائي عن الكوفيين، وأُعلن نبأ المناظرة، وسمع عنها القريب والبعيد، ولكن الأمر كان قد دُبِّر بليل، فجاء الكسائي وفي صحبته جماعة من الأعراب، فقال لصاحبه سيبويه: تسألني أو أسألك؟
فقال سيبويه: بل تسألني أنت.
قال الكسائي: كيف تقول في: قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزُّنْبُور(الدبور)، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها بعينها؟ ثم سأله عن مسائل أخرى من نفس القبيل نحو: خرجت فإذا عبد الله القائمُ أو القائمَ؟
فقال سيبويه في ذلك كله بالرفع، وأجاز الكسائي الرفع والنصب، فأنكر سيبويه قوله؛ فقال يحيى بن خالد، وقد كان وزيرًا للرشيد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟
وهنا انبرى الكسائي منتهزًا الفرصة: الأعراب، وهاهم أولاء بالباب؛ فأمر يحيى فأدخل منهم من كان حاضرًا، وهنا تظهر خيوط المؤامرة وتأتي بثمارها؛ فقالوا بقول الكسائي؛ فانقطع سيبويه واستكان، وانصرف الناس يتحدثون بهذه الهزيمة التي مُني بها إمام البصريين. كان سيبويه لا يتصور بفطرته النقية أن يمتد الشر مدنسًا محراب العلم والعلماء؛ فحزن حزنًا شديدًا وقرر وقتها أن يرحل عن هذا المكان إلى أي مكان آخر ليس فيه حقد ولا أضغان؛ فأزمع الرحيل إلى خراسان.
فقد أصابه المرض في طريق خراسان، ولقي ربه وهو ما زال في ريعان الشباب، لم يتجاوز عمره الأربعين، وذلك سنة (180هـ/ 796م) على أرجح الأقوال.
ولكن سيبويه لم يمت فسرعان ما بُعث حيًّا يخاطب الأجيال بهذا الكتاب الذي ضمنه أفكاره وآراءه وآراء معاصريه، فكان اعظم الكتب في نحو اللغة وصرفها وأصواتها، يعتمد عليه الدارسون، مهما اختلف بهم الزمان والمكان.
صوره مقبره سيبويه
.نماذج من الكتاب:
اقتباس:
النص الأول
هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء من ذلك قولك: حمدًا وشكرًا لا كفرًا، وعجبًا، وأفعل ذلك كرامة ومسرة، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل، كأنك قلت: أحمد الله حمدًا، أو أشكر الله شكرًا. وكأنك قلت أعجب عجبًا وأكرمك كرامة وأسرك مسرة.. وإنما اختزل الفعل هاهنا؛ لأنهم جعلوا هذا بدلاً من اللفظ بالفعل، كما فعلوا ذلك في باب الدعاء، كأن قولك: حمدًا في موضع أحمد الله، وقولك: عجبًا منه في موضع أعجب منه.
وقد جاء بعض هذا رفعًا يبتدأ به ثم يبنى عليه، وزعم يونس أن رؤبة بن العجاج كان ينشد هذا البيت رفعًا، وهو لبعض مذحج:
عجب لتلك قضيةً وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب
وسمعنا بعض العرب الموثوق به يُقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمدُ الله وثناءٌ عليه، كأنه يحمله على مضمر في نيته المظهر، كأنه يقول: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه… إلخ.
(الكتاب 1/318 – 320)
النموذج الثاني
"هذا باب ما لحقته هاء التأنيث عوضًا لما ذهب"
وذلك كقولك: أقمت إقامة، واستعنت استعانة، وأريته إراءة، وإن شئت لم تعوض وتركت الحروف على الأصل، قال الله عز وجل: "لا تُلْهِيْهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ..."، وقالوا: اخترت اختيارًا، فلم يلحقوه الهاء؛ لأنهم أتمُّوه، وقالوا: أريته إراء، مثل أقمته إقامًا؛ لأن من كلام العرب أن يحذفوا ولا يعوضوا، وأما عزيت تعزية ونحوها فلا يجوز الحذف فيه ولا فيما أشبهه؛ لأنهم لا يجيئون بالياء في شيء من بنات الياء والواو مما هما فيه في موضع اللام صحيحتين. (الكتاب 4/83)
|
[