المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجل واحد أمين - مقالات دكتور أيمن الجندي {يُحدث دوريًا}


قيصر الصقيع
07-02-2010, 11:24 PM
" كان (ديوجين) يفتش بالمصباح ليلاً عن رجل واحد أمين.. واضح أنه لم يجده. وها نحن أولاء نبحث عن رجل واحد أمين ينقل لنا الأشياء كما هي أو يعترف بأنه لا يعرف فلا نجده،"
الاقتباس السابق هو من مقال لدكتور احمدخالد توفيق بعنوان (( رجل واحد أمين )) و هو العنوان الذى لم أجد أصلح منه لهذا الموضوع عن كتابات ذلك الشخص المتميز د/ أيمن الجندى ..
تعودت على متابعه مقالاته عبر موقع بص و طل و بعض المواقع الالكترونيه الاخرى ثم من خلال جريده المصرى اليوم و بعد عودتى من سفرى الاخير وجدت ان مقاله اصبح شبه يومى فى المصرى اليوم و وجدتنى انتظر عودتى من العمل يوميا لاستمتع بكوب الشاى المسائى مع مقالاته التى تشى بالصدق و الحبه و الدفء و الاهم الرؤيه الواضحه الصريحه و لبصيره لقادره على النفاذ لجوهر الاشياء ................

قيصر الصقيع
07-02-2010, 11:27 PM
رقيقة كالفراش، حزينة كالغروب، مرهفة كوتر مشدود.

اسمها "عايدة الأيوبي".. مزيج نادر من الملامح الغربية والروح الشرقية.. مهندسة كمبيوتر وفنانة متكاملة تكتب وتلحن وتغني.. يسمونها مطربة التسعينيات.. في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، وعلى أبواب ألفية تلقي بحملها الثقيل وترحل، بدت "عايدة الأيوبي" وكأنها شجون مستقطرة من حزن ألف عام. بعدها اختفت تماما، وكأنها حلم جماعي لجيل بأكمله سمعها وهي تغني لابن بلدها تناشده أن يبقى كشجرة توت رغم الرياح العاتية التي تكنسه خارج الوطن.

ما زلت أذكر هذه الأغنية "إن كنت غالي عليا" وأستشعر وهجها رغم الأعوام الكثيرة التي تعاقبت منذ أن سمعتها لأول مرة.. كلماتها تخلو من الزخرفة لكنها تفوح بعبير الصدق، ولذلك فلا عجب أن تصل الكلمات من القلب إلى القلب مباشرة.. حكاية الحب الأول: حب أيام الجامعة.. والجميلة يخطب ودها الكثيرون لكن القلب لم يخفق بعد.. على كل حال هي في بداية العشرينات والعمر يبدو لا نهائيا كالبحر ذاته.. والمرآة تهمس لها أنها جميلة كالربيع.. وعيون المعجبين تفضح ما يكتمه اللسان.. تضحك في مرح وتقول: (معذرة يا أصدقائي.. أحبكم جميعا، ولكن قلبي لم يخفق بعد)..

** ** ** **** ** ** ** حتى تأتي تلك العينان المتوهجتان لشاب أسمر نحيل.. لا بد أن الفتى تردد ألف مرة قبل أن يصارح الجميلة بحبه.. لابد أنه كان يمتلك رصيدا لا نهائيا من الكبرياء والصمت، لكن عينيه فضحتاه.. لم يكن يعلم أن الجميلة لاحظت عيونه المغرمة.. يتصرف الضوء أحيانا بطريقة عجيبة.. شعاع عينيه يتسلل دون استئذان ليدوّن في أعماقها ما يشاء من قصص الحب.

يدق القلب دقة زائدة.. تتساءل: لماذا لا يقترب منها أو يحاول الحديث معها عكس كل الزملاء؟.. تنتابها الدهشة وتفكر.. رويدا تكبر مساحة التفكير فيه، ويكون ذلك شرارة الحب الأول.

ويلاحظ الأصدقاء أنها شاردة قليلا.. وتلاحظ أمها أنها تمتنع عن الطعام قليلا.. لم يخمن أحد أن الجميلة على وشك أن تمنح قلبها البكر لعينين واسعتين تقطران كل صفاء العالم.

ثم تأتي اللحظة التي لا بد منها.. التعارف والكلمات الأولى.. من منهما بدأ الحديث؟.. كلمات الأغنية لا تفصح عن ذلك.. ربما تقابلا مصادفة فتجمدا في موضعهما وجها لوجه لأول مرة.. لكن تاريخا طويلا من النظرات المغموسة بالحب تتوجه... يتصافحان وحينما تتلامس اليدان توقن أنها امرأة عاشقة.. وإلا فما تفسير ذلك التيار الصاعق الذي لا تستطيع كل قوانين الفيزياء الصارمة أن تفسره؟.. تمضي الجميلة متعثرة في ذهولها وقد عرفت أخيرا ذلك الشيء السحري الذي يسمونه الحب..

** ** ** **** ** ** ** كل هذا ليس مسطورا في كلمات الأغنية ولكني أستشعره.. كتبتها "عايدة الأيوبي" ولحنتها على خلفية من دقات البيانو الحالمة.. لحن رومانسي بامتياز غنته منذ خمس عشرة سنة.. لم يزل يقطر حنانا ورومانسية وعشقا وحيرة حتى وقتنا هذا..

أيام الحب الأول من منا لم يعرفها؟.. حينما تتجمل الحياة حتى ليذهلك بهاء الكون.. منذ متى كانت السماء بهذه الزرقة؟.. والسحاب بهذه الرقة؟.. كيف تحول الهواء الذي نستنشقه إلى تنهدات ياسمين؟.. ولماذا نسهر الليل بطوله ثم نستيقظ موفوري النشاط؟!..

تلك الأيام التي يتحول الذهاب للكلية إلى حفل ساهر في دار الأوبرا، وتتحول الجامعة إلى ساحة حب.. دعابات الأصدقاء متى كانت بهذا الظرف؟.. وهذه الزهور التي تتوّج الطريق من الجانبين كيف لم تلاحظها من قبل؟..
دعابات صديقاتها حينما يقترب الحبيب، فتهرع إليه ضاحكة مرتبكة.. عاشقة وسعيدة.. الكف الرجولي العريض يحتوي بامتياز اليد الناعمة التي توارثتها الجدات حتى وصلت إليها كوديعة حريرية مباركة.. وذلك العالم الخاص الذي يحتويهما معا.. وحتى الصمت يصبح له موسيقاه الخاصة..

حقا، من منا لم يجرب الحب الأول؟..

النهاية جاءت مباغتة.. شيء لا يمكن تصديقه.. الحبيب يتجاهلها.. لا شك أنها في المرة الأولى لم تصدق ما حدث رغم قبضة الألم الخرافية التي أمسكت بالقلب الأخضر..

قالت لنفسها ربما كانت أمه متعبة.. أو توجد مشكلة ستعرفها منه في الصباح التالي.. إنها تحبه وتلتمس له الأعذار مقدما وتقبلها منه قبل أن يلفظ بها.

لاريب أن كلمات تلك الأغنية بدأت تنقش في هذه اللحظات بالتحديد.. تقول الأغنية:

(إن كنت غالي عليا..
وحبك مالي عنيا..
لا تيجي في يوم تقابلني
تنسى السلام..
تنسى التحية..
الدنيا في عنيا ما تحلى يوم وأنت بعيد
والدنيا حلاوتها كلمة واحدة تطمني)
** ** ** **** ** ** ** الأيام لا ترفق بالعاشقة.. وحبيبها القاسي كأنه مخلوق آخر يتظاهر أنه هو.. يحمل نفس ملامحه ويرتدي ذات ملابسه لكنه ليس هو.. تسرّب الحنان من عينيه اللتين صارتا فجأة قاسيتين باردتين؟..

تبدأ الجميلة في الذبول.. يتهامس الجميع: ماذا حدث؟.. وحدها تعرف أن نضارتها ذهبت حين ذهبت نظرة الود من عينيه؟..

ولكن ما الذي غيّره؟.. هكذا راحت تسأل نفسها ألف مرة في كل لحظة، وتسترجع كل الذكريات دون إجابة شافية.. هل أحبّ فتاة أخرى؟.. ويا لها من فكرة مروعة.. ولكنه احتمال قائم يجب أن تقبله بشجاعة.. صحيح أنه يدمي قلبها.. صحيح أنه نهاية غادرة لحب توهمت أن يدوم العمر كله.. لقد حافظت على قلبها -من أجله- وديعة ثمينة طاهرة.. ولكن أن تعرف منه خيرٌ من أن تعرف من سواه، وبالتأكيد أرحم من تلك الحيرة القاتلة.

(إن كان للحبيب حبيب تاني..
انشغل قلبه بحبيب غيري
نسي كلامه الأولاني..
كان أهون عليّ لو كان قال لي).. هكذا راحت تفكر..
ولكن آه من الأمل المراوغ.. لم يزل يراودها الأمل أنه يفعل ذلك كنوع من التضحية النبيلة.. حينما سألته، لماذا تجنبها طويلا؟.. قال لها إنه إنسان بسيط من عائلة بسيطة.. ينتمي إلى عالم آخر يختلف تماما عن عالم الجميلة المترفة.. وقتها صارحته أنه أحمق.. حبيب أحمق..

قال: طريقي طويل
وقالت: أريد أن أقطعه معك.
قال: الطيور الجميلة ترحل..
وقالت: والسماء لا تخلو أيضا من الطيور..
قال: لا أملك إلا قميصي وأحلامي..
وقالت إن قميصه يحمل رائحة عرقه التي هي أجمل روائح العالم بالنسبة لها، وأحلامه هي أحلامها.. أن يرسما معا خريطة جديدة للحب يهتدي بها مِن بعدهما العاشقون. تنهمر دموعها للذكرى.. لا بد أنه هجرها من أجل ما يتوهم أنه مصلحتها..
راح قلبها يخفق بالأمل وينقش هذه الأبيات:

(إن كان الحبيب خايف عليا
ضحى بحبه في ساعة غالية
لا يعرف أنه بالتضحية
يغلى حبيبي..
يغلى في عنيّ..) وتنتهي الأغنية دون أن تخبرنا بخاتمة الحكاية.. حكاية الحب الأول والفرح الأول والألم الأول.. لكني أستطيع بسهولة تخمينها.. من الأفق المضرج بدماء العاشقين أعرف نهاية الحكاية.. حكاية أيامنا كلها.. وهذه الأيام العذبة التي نظن فيها أننا امتلكنا فيها العالم قبل أن تدهمنا الحقيقة.
خالص عزائي للأحلام البسيطة...

** ** ** **** ** ** ** جاءت "عايدة الأيوبي" وذهبت دون أن تعطي إيحاءً بالاحتراف.. مثل فتاة صغيرة تجرب وتكتشف.. في شهر رمضان وجدت نفسها غير قادرة على الخروج بزينتها.. وضعت الحجاب احتراما للشهر الكريم، وفي نيتها أن تنزعه بعد انتهائه.. انتهى رمضان لكن قلبها لم يطاوعها، تسرب رمضان إلى كل الشهور.

لم يكن قرارا سهلا ولكنها نفذته.. انسحبت تماما من الأضواء الساطعة لتعيد اكتشاف نفسها من جديد. غنت حينما أرادت أن تتخفف من شحنة وجد هائلة تفعم روحها، وصمتت حينما ارتادت روحها آفاقا أرحب.. لكل هذا أحببناها حين غنت، واحترمناها حينما صمتت.

تحية لذكرى الفنانة المرهفة "عايدة الأيوبي".

قيصر الصقيع
07-02-2010, 11:35 PM
اليوم موعد المباراة النهائية فى كأس أفريقيا. أعرف أنك ستشاهد هذه المباراة مع خاصة أصدقائك. أعرف أنك رتبت مواعيدك لقضاء سهرة ممتعة. أعرف أن الأمة المصرية ستجتمع على قلب رجل واحد، معزوفة الوطنية التى سيعزفها ثمانون مليون قلب. ستضاء الشاشات فى كل مكان. الشاشات العملاقة الملونة، والتليفزيونات الأبيض والأسود.
فى المدن الكبيرة والقرى الصغيرة، فى النوادى الراقية والمقاهى المتناثرة، فى الساحات المضيئة والغيطان المظلمة، فى قارات العالم الخمس حيث يوجد أى مصرى أكل الفول وشرب العدس، فى بانكوك وبرلين وستوكهولم، فى الدوحة وأستراليا والبرازيل.
أعرف أنك الآن أيها المصرى الكادح فى صحراء الخليج، المهاجر فى بلاد الشمال، الطريد فى أنحاء الأرض، الباحث عن لقمة العيش بشرف، المتمرغ فى عشق الوطن، الذى لم تخرج إلا قسرا، ولم تسافر إلا مجبرا، أعرف أنك أعددت ساندويتشاتك اللذيذة ومشروباتك الساخنة وفتحت بيتك لكل مصرى لتشاهدوا معا أبطال مصر يسددون الكرة فى شباك الخصم، والحقيقة أنهم يسددون قلوبكم فى شباك الحنين.
ولكن أيها المصرى المقيم داخل مصر، المنكوب بعشق الوطن، ألم تسأل نفسك، وقلبك يدق بسرعة، لماذا تحب مصر إلى هذا الحد؟ ألم تفكر، ودموع الفرحة تغرق عينيك، ما الذى قدمته لك مصر حتى تذوب فى غرامها؟ لماذا صرخت من النشوة مع كل هدف؟ وانتفضت واقفا مع كل هجمة؟
واتصلت بأصدقائك ليقاسموك الفرحة! وخرجت إلى الشوارع لتشارك الناس احتفالاتها، وسامحت مصر القاسية عليك؟ نسيت إساءتها المتكررة وإهمالها المتعمد، نسيت غرفتك الضيقة، ومعيشتك الضيقة، ونفسك الضيقة. نسيت القمامة المتراكمة، والمجارى المتدفقة، نسيت جيبك المفلس وجنيهاتك المعدودة. نسيت البهدلة والمرمطة وقلة الأدب، ولم تذكر- لحظتها- سوى أنها أمك.. حبيبتك.. معشوقتك.
وأنت أيها المهاجر إلى جنة الشمال.. لماذا تحدق باستمرار نحو الجنوب؟ ألا تعلم أن المتلفت لا يصل والعاشق لا يرتاح! لماذا تشعر بالغربة فى البيوت المكيفة؟ ولماذا تترك صحف بلادك الجديدة، وتطالع صحفنا الكئيبة؟ ولماذا تدمع عيناك وأنت تقرأ هذا الكلام الآن؟
لماذا تشعر هذه اللحظة برجفة وحيرة وحنان؟ وتستنشق زفارة البحر ورائحة المساجد، وتصغى للحنك الشرقى المتصاعد من داخلك باستمرار، وتعزف عن العيون الملونة والشعور الملونة والطبيعة الملونة، وتبحث عن أصدقاء الصبا والوجوه القديمة، عن المآذن العالية والكنائس العريقة، وتشعر بقلق مجهول المصدر، وتؤجل متع الحياة لحين عودتك، تدخر أشياءك الثمينة ومشاعرك الثمينة؟ تعيش أيامك بنصف قلب وربع روح.
التعويذة التى ألقاها سحرة مصر القديمة فى النيل. النداهة التى لا تملك إلا أن تلبى نداءها. تعذبك وأنت فى أحضانها وتسلبك الراحة وأنت بعيد عنها.
وتجعلك تبحث عن مذاق الطعمية، وتنبذ الديوك منقباً عن الجبن البلدى، والملوخية بدلاً من الكافيار. ويكبر الحنين مع كل مباراة كرة، وتسأل نفسك ذلك السؤال المصرى الخالد: هل أترك نجاحى وأعود؟ النداهة تطلق نداءها الغامض فى الليالى المقمرة فلا تملك إلا أن تلبى.
أواه يا مصر كم عذبتنا!! حرام عليك فما هكذا تصنع الأمهات! خذينا فى أحضانك أو اتركينا فى حالنا. الأم لا تترك أبناءها جوعى بدون طعام، يتامى بغير حنان، الأم لا تنبذ أبناءها فى الشوارع. كل الأوطان أمهات يحتضنَّ أبناءهن، فلماذا- وحدك- قلبك قاس علينا أيتها الجميلة الشابة أُمّ سبعتلاف عام!


المصرى اليوم 31/0//2010

قيصر الصقيع
07-02-2010, 11:40 PM
الكل يعرف أن (الخالة سناء) لا تتسامح أبدا مع فتح النوافذ، كونها مصابة بحساسية الصدر وتسكن فى الطابق الأرضى، وموسوسة من جهة التراب الذى يكسو أثاث البيت- بمجرد فتح النافذة- فى دقائق معدودات.
الكل يعرف أن وجهها البشوش الطيب مع أبناء أختيها يختفى فورا إذا طال فتح الباب أكثر من الثوانى اللازمة لدخول أو خروج. أما الذى يتجرأ على فتح النافذة- ولو فى أشد أيام الصيف حرارة- فذلك مطرود من جنتها. وجنتها هى المتنفس الوحيد لأطفال ومراهقين يحبون خالتهم اللطيفة التى تجيد الحكايات وصنع الكعك الساخن.
الخالة سناء هى الكائن الوحيد فى عالم الكبار الذين يستطيعون الإفضاء لها بأسرارهم الصغيرة دون خوف، وحتى قصة الحب الوليدة بين سوسن وعمرو قرأتها فى نظرات الولد صوب بنت خالته قبل أن تلاحظها سوسن.
كانت البنت الحلوة ذات الستة عشر ربيعا تجلس جوارها على الأريكة مثل قطة جميلة، وتشد تنّورتها دون وعى لتغطى ركبتين بدأتا فى الاستدارة. كانا يشاهدان معا تمثيلية السهرة حين دلتها حاستها المرهفة إلى نظرات عمرو المختلسة إلى سوسن. لم تُظهر أنها لاحظت ولا أرادت إحراجه.
وبرغم أنها بلغت الخمسين دون زواج فقد عاشت عمرها فى انتظار الحب. لذلك كان يتملكها ضعف دائم صوب عذوبة البدايات، وكثيرا ما كانت تطفئ النور تتأمل الخيالات المتراقصة على السقف وتشرد فى عالم جميل كله فرسان لا يكفون عن النبل وأميرات لا يسأمن انتظار فرسانهن.
وألقت نظرة طويلة فاحصة على البنت الغائصة فى المقعد الوثير جوارها فى سكينة وارتياح، وقد ثنت ركبتها تحتها وغطتها بيديها فى حياء طبيعى غير مفتعل، وقيمت الموقف بنظرة واحدة- وكانت قلما تُخطئ فى شؤون العاشقين-: البنت لم تقرأ بعد لغة النظرات، لكنها ستقرؤها وستتقنها، وستذهب السكينة وراحة البال.
لم تتابع أحداث المسلسل رغم تحديقها المستمر فى خيالات الشاشة الفضية. من حسن الحظ أن النور كان مطفأ وإلا شاهد العزيزان ملامح التأثر بادية على وجه الخالة الطيبة. حينما انتهى المسلسل وأُضيئت الأنوار استطاعت بالكاد أن تستعيد ملامحها العادية، وانفلتت سوسن من جوارها قطة شهية تضحك وتلعب وتجرى، غافلة- بشكل مؤقت- عن الحب، همومه وأفراحه.
فى المساء التالى غادرت المنزل فى أمر عاجل وهم يلعبون. حينما عادت استنشقت الغبار قبل أن ترى النافذة المفتوحة على مصراعيها، والتراب يكسو المنضدة السوداء. وقبل أن يعلو صوتها غاضبا لمحت كتابة على التراب، قرأت -وقلبها يدق- كلمة «أحبك» مكتوبة بالأصابع بحروف واضحة قوية.
واضطرب قلبها كما يحدث دائما فى تلك الظروف، وبقيت تنظر مليا إلى الكلمة السحرية، وهمت بتنظيف المنضدة لكن يدها لم تطاوعها، فتنهدت وأغلقت النافذة. كان عمرو قد غادر البيت، وبقيت سوسن تتابع المسلسل كالمعتاد. على الفور شعرت بشيء مختلف فى جلستها وشرودها وملامح وجهها. كان واضحا أنها قرأت الكلمة المكتوبة بالأصابع على التراب.
وانتهى المسلسل دون أن تسمع إحداهما كلمة واحدة، وانصرفت سوسن شاردة بعد أن قبّلت خالتها التى لم تبد لها أنها لاحظت شيئا. لم تشعر برغبة فى تناول العشاء وإنما رقدت على السرير عالمة أن النوم لن يأتى بسهولة هذه الليلة، وراحت تحملق فى الخيالات المضطربة وقلبها يدق بقوة وانفعال.
فى الشهور التالية دارت مسرحية صامتة بين أطرافها الثلاثة. بالتأكيد كانا يعلمان أن خالتهما الحبيبة تتابع كل شىء، ولعل رقابتها ورعايتها الصامتة كانتا مطلبهما من البداية. فى البدء ظلت الكلمة السحرية تُكتب فى إصرار بخط أولادى قوى دون رد من جانبها، فى المساء الرابع قرأت كلمة (وأنا) مكتوبة بخط بناتى متردد.
فى المساء التالى عادت الكلمة تتردد ومعها قلب، فردت بدمعة، رسم سهما يخترق قلبا، فرسمت زهرة، كتب الحرفين الأولين من اسميهما، فكتبت اسمه. بعد شهر كان الخط البناتى الخجول قد اكتسب بعض الجرأة، وكانت ليلة استثنائية حين قرأت الخالة الكلمة السحرية (أحبك) مكتوبة بخط بناتى أنيق ومعتنى به.
المهم أنه منذ ذلك الحين، ولفترة طويلة قادمة، صارت الخالة سناء تتعمد فتح النوافذ، وتؤنب الأطفال إذا أغلقوها بعد أن صار التراب شريكها الصامت فى (مؤامرة الحب).



المصرى اليوم ١٤/ ١/ ٢٠١٠

Dr.Ahmed
08-02-2010, 01:07 AM
عزيزي قيصر الصقيع ذا الاسم الجميل جدًا..

أيمن الجندي هو نصف أصدقائي، ولم نترك بعضنا يومًا واحدًا منذ الصف الثالث الإعدادي لدرجة أننا نعمل في نفس القسم (طب المناطق الحارة) حاليًا. بل إنه ببساطة شديدة من زوجني !. علاقة غريبة جدًا جديرة بالقصص.
هو في المملكة العربية السعودية الآن. موهوب بفظاعة وشديد الحساسية .. لأسباب لا تفسير لها تقريبًا لم تتمسك به جريدة الدستور. ولأسباب غامضة تأخر كثيرًا كتاب مقالاته الذي كان سيصدر عن دار ميريت، حتى أنه قرر في النهاية أن يرفض نشره.
أيمن هو الكاتب الوحيد الذي أعلن الجميل بلال فضل أنه يكتب أفضل منه بكثير، وترك له عاموده الخاص في المصري اليوم مرتين..

أنا سعيد جدًا بأنك وجدت هذا النبع الثري، وذلك المزيج الفريد الذي تكون من قراءاته في التصوف وخلفيته الإسلامية، مع قراءات عديدة في طاغور وأحمد بهجت والأدب الروسي، مع حساسيته الخاصة. وأبشرك بأن مقالاته صارت يومية في المصري اليوم منذ شهرين تقريبًا...

لو كنت تريد أية تفاصيل عنه سأخبرك ..

*أنس*
08-02-2010, 01:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

http://i325.photobucket.com/albums/k396/ns_ebrahim/10-51-10-mid.jpg (http://i325.photobucket.com/albums/k396/ns_ebrahim/10-51-10-mid.jpg)


عزيزي قيصر الصقيع ذا الاسم الجميل :D
أحقد عليك لقيامك بإضافة هذا الموضوع
فأنا متابع جيد لمقالات د.أيمن الجندي منذ كان يكتب في الدستور، ثم بعد انتقاله إلى المصري اليوم في مقاله الأسبوعي يوم الاثنين ثم يومياً على صفحات المصري اليوم عدا يوم الجمعة
وكنت أنوي منذ كان يكتب مقاله الأسبوعي في المصري اليوم أن أضيف هذا الموضوع لكن انتظرت انتهاءي من الامتحانات لتجميع أكبر قدر من المعلومات عنه ليخرج الموضوع في صورة طيبة، لدرجة أنني استشرت أحد الأعضاء - فارس زين - عندما بدأ في كتابة مقالاته اليومية: هل أضيف الموضوع الآن لمتابعة المقالات اليومية منذ بدايتها أم أنتظر لتجميع المعلومات ؟ فأشار عليّ بالخيار الثاني
وكنت سأبدأ اليوم في التجهيز للموضوع - بعنوان ( مقالات د.أيمن الجندي ... الكثير من الحب.. الكثير من العذوبة ) لكنك فاجأتني :D
د.أيمن كان يكتب لفترة - أيضاً - باب ( حدث في مثل هذا اليوم ) في الصفحة الثانية بجريدة المصري اليوم، وكان له في رمضان ملف يومي بعنوان ( إسلاميات العقاد
) هذه مقدمته:
فى كل يوم من أيام هذا الشهر سوف تقرأ مقالة مستمدة من إسلاميات العقاد، طموحى من نشرها أكبر بكثير من توضيح معلومة أو زيادة علم أو نقل معرفة، طموحى الحقيقى أن يحدث لنا - مع نهاية الشهر الفضيل - انقلاب استراتيجى فى طريقة تفكيرنا، أن نميز بين جواهرنا الحقيقية والمزيفة.

كما يتضح من كتاباته تأثره بالشيخ الغزالي رحمه الله
- وأقتبس هذا الجزء الرائع من أول مقالاته اليومية
أحب فى اليسار انحيازه للفقراء، وفى اقتصاد السوق تشجيعه للقوى الكامنة فى الإنسان، وفى الليبرالية إيمانها بحق الإنسان فى تحديد مصيره، وفى الديمقراطية رفضها لاستبداد فرد، وفى المسيحية التغيير بالحب، وفى الصوفية عنايتها بالروح، وفى التدين الشعبى حب آل البيت، وفى المعتزلة إيمانهم بالعقل، وفى السلفية اهتمامهم بالدليل. تنوع يضاهى تنوع الكون من حولى فى ملكوت السموات والأرض

قيصر الصقيع: أحييك على اختيار المقال الرائع ( شركاء في مؤامرة الحب )

د.أحمد:
معرفتي بمقالات د.أيمن كانت نتيجة لمعرفتي بأنه صديقك، وأريد أن أقول - إذا سمحتَ لي - أني أحسد حضرتك على هذا الصديق


عزيزي قيصر الصقيع ذا الاسم الجميل جدًا..



أيمن الجندي هو نصف أصدقائي، ولم نترك بعضنا يومًا واحدًا منذ الصف الثالث الإعدادي لدرجة أننا نعمل في نفس القسم (طب المناطق الحارة) حاليًا. بل إنه ببساطة شديدة من زوجني !. علاقة غريبة جدًا جديرة بالقصص.

هو في المملكة العربية السعودية الآن. موهوب بفظاعة وشديد الحساسية .. لأسباب لا تفسير لها تقريبًا لم تتمسك به جريدة الدستور. ولأسباب غامضة تأخر كثيرًا كتاب مقالاته الذي كان سيصدر عن دار ميريت، حتى أنه قرر في النهاية أن يرفض نشره.
أيمن هو الكاتب الوحيد الذي أعلن الجميل بلال فضل أنه يكتب أفضل منه بكثير، وترك له عاموده الخاص في المصري اليوم مرتين..




أنا سعيد جدًا بأنك وجدت هذا النبع الثري، وذلك المزيج الفريد الذي تكون من قراءاته في التصوف وخلفيته الإسلامية، مع قراءات عديدة في طاغور وأحمد بهجت والأدب الروسي، مع حساسيته الخاصة. وأبشرك بأن مقالاته صارت يومية في المصري اليوم منذ شهرين تقريبًا...



لو كنت تريد أية تفاصيل عنه سأخبرك ..





هل صدر لد.أيمن الجندي أي كتب من قبل ؟

*أنس*
08-02-2010, 03:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

مقالات د. أيمن الجندي على موقع إسلام أون لاين (http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?cid=1169911030210&pagename=Zone-Arabic-AdamEve/Topic/AEASectionList)، ونشر بعضها في مقالات د.أيمن الأسبوعية في جريدة المصري اليوم
.........................

المصري اليوم
7/2/2010



عمرو وسوسن

أنا وأنت نسكن فى نفس البيت
تلك هى سعادتنا الكاملة
بابى أمام بابك
أمى صديقة أمك
وحين تقفان على عتبة السلم، وتتبادلان أسرارهما الصغيرة
فإنهما تقولان بصوت هامس، حتى لا يسمعهما أحد:
بعد عشرة أعوام من الآن
تكون سوسن لعمرو، وعمرو لسوسن
..................
أنا وأنت نسكن فى نفس البيت
تلك هى سعادتنا الكاملة
السلالم التى أهبطها كل يوم.. تهبطينها
سور الدرج الذى أمسكه بيدى.. تمسكينه بيدك
وحتى قطى حين ناداه الحب، وقع فى غرام قطتك
نستيقظ فى نفس الوقت
نطالع نفس الكتب
مكتوب فى أول كل درس
بحبر سرى لا يراه سوانا:
أن سوسن لعمرو، وعمرو لسوسن
......................
أنا وأنت نسكن فى نفس البيت
تلك هى سعادتنا الكاملة
الأشجار التى أشاهدها طوال الطريق، تشاهدينها
والهواء الذى تتنفسينه، أتنفسه
دروس الفيزياء التى لا أفهمها، لا تفهمينها
وحصة الشعر التى أعشقها، تعشقينها
وحين أردد مزحة فى الفصل
تكونين أول من يضحك لها
مناديلك الورقية أجمعها
كراساتك القديمة أحتفظ بها
زملاؤنا فى المدرسة يعرفون السر
يجتمعون فى حلقات صغيرة
يقولون همسا:
إن سوسن لعمرو، وعمرو لسوسن
.....
أفرح بالصباح لأنه يجمعنى بك
وحين أخلد إلى فراشى
قبل أن أغادر إلى عالم الأحلام، حيث لا يوجد إلا أنت
يكون آخر ما أفكر فيه، ورأسى على المخدة:
«كم أنا محظوظ لأننى حىّ!
محظوظ لأننى أحبك!
محظوظ لأننا نسكن فى نفس الحىّ، فى نفس الطابق، فى نفس البيت!
محظوظ لأن سوسن لعمرو، وعمرو لسوسن!.

قيصر الصقيع
08-02-2010, 09:37 PM
عزيزي قيصر الصقيع ذا الاسم الجميل جدًا..

أيمن الجندي هو نصف أصدقائي، ولم نترك بعضنا يومًا واحدًا منذ الصف الثالث الإعدادي لدرجة أننا نعمل في نفس القسم (طب المناطق الحارة) حاليًا. بل إنه ببساطة شديدة من زوجني !. علاقة غريبة جدًا جديرة بالقصص.
هو في المملكة العربية السعودية الآن. موهوب بفظاعة وشديد الحساسية .. لأسباب لا تفسير لها تقريبًا لم تتمسك به جريدة الدستور. ولأسباب غامضة تأخر كثيرًا كتاب مقالاته الذي كان سيصدر عن دار ميريت، حتى أنه قرر في النهاية أن يرفض نشره.
أيمن هو الكاتب الوحيد الذي أعلن الجميل بلال فضل أنه يكتب أفضل منه بكثير، وترك له عاموده الخاص في المصري اليوم مرتين..

أنا سعيد جدًا بأنك وجدت هذا النبع الثري، وذلك المزيج الفريد الذي تكون من قراءاته في التصوف وخلفيته الإسلامية، مع قراءات عديدة في طاغور وأحمد بهجت والأدب الروسي، مع حساسيته الخاصة. وأبشرك بأن مقالاته صارت يومية في المصري اليوم منذ شهرين تقريبًا...

لو كنت تريد أية تفاصيل عنه سأخبرك ..
اشكرك بشده على المجامله اللطيفه ، بالمناسبه انا ايضا افاتار الذى علق على مقالك عن فيلم افاتار فى بص و طل من حوالى شهر و اسعدتنى بالرد على تعليقى ..
أتابع مقالات د/ أيمن من فتره سواء على شبكه الانترنت (رغم عدم انتظامها ) أو مقالاته فى المصرى اليوم و كنت خارج مصر عندما بدأ النشر اليومى فى المصرى اليوم و منذ عودتى اتابعه بانتظام..
و لا ابالغ عندما اقول اننى اعود للمنزل يوميا و انا سعيد لاننى ساتابع مقاله الجديد حتى اننى اقرأ كل مواضيع المصرى اليوم و أوجل مقال د/ايمن الى النهايه مع كوب الشاى المسائى فى مقعدى المفضل..
حساسيه دكتور أيمن بارزه فى وضوح فى كتاباته و تلامس القلب مباشره و لعل هذا هو ما جعل عنوان مقالك (( رجل و احد أمين )) يقفز لذهنى مباشره عندما قررت فتح الموضوع فهناك العديد من الموهوبين و اصحاب الاسلوب المتميز لكن صدق المشاعر ووضوح الرؤيه هم ابرز ما شدنى له ، أنه رجل من زمن أخر
بالتأكيد اريد تفاصيل اخرى عنه فقد بحثت كثيرا جداقبل فتح هذا الموضوع عنه على الانترنت و لكنى لم أجد أى معلومات عنه أو احاديثمنشوره معه ، وجدت العديد من المقالات لكنى لم اجد أى شىء أخر





عزيزي قيصر الصقيع ذا الاسم الجميل :D
أحقد عليك لقيامك بإضافة هذا الموضوع
فأنا متابع جيد لمقالات د.أيمن الجندي منذ كان يكتب في الدستور، ثم بعد انتقاله إلى المصري اليوم في مقاله الأسبوعي يوم الاثنين ثم يومياً على صفحات المصري اليوم عدا يوم الجمعة
وكنت أنوي منذ كان يكتب مقاله الأسبوعي في المصري اليوم أن أضيف هذا الموضوع لكن انتظرت انتهاءي من الامتحانات لتجميع أكبر قدر من المعلومات عنه ليخرج الموضوع في صورة طيبة، لدرجة أنني استشرت أحد الأعضاء - فارس زين - عندما بدأ في كتابة مقالاته اليومية: هل أضيف الموضوع الآن لمتابعة المقالات اليومية منذ بدايتها أم أنتظر لتجميع المعلومات ؟ فأشار عليّ بالخيار الثاني
وكنت سأبدأ اليوم في التجهيز للموضوع - بعنوان ( مقالات د.أيمن الجندي ... الكثير من الحب.. الكثير من العذوبة ) لكنك فاجأتني :D

عزيزى أنس،لا يهم من هو الشخص الذى قام بفتح الموضوع ، المهم ان الموضوع مفتوح و بانتظار مشاركاتك القيمه مع اعترافى بأن أن العنوان الذى أخترته للموضوع شديد الروعه ..

قيصر الصقيع
08-02-2010, 09:40 PM
الحديث عن الجدار (الذى لم أذكر رأيى فيه بعد) يقودنى إلى حماس، والحديث عن حماس يجرنى فورا للحيرة والالتباس. ذلك أن هناك أسباباً للانتقاد وأسباباً للإعجاب.
مع معظم الأنظمة العربية لا تشعر بأى حيرة، فالأمور واضحة وضوح الشمس: جئنا بالقوة وسنبقى بالقوة، وثروات بلادنا ملك لنا، نغترف منها ما نشاء. مع الأنظمة الديمقراطية تشعر بالإعجاب: جئنا بإرادة الشعب وسنذهب بإرادة الشعب، وثروات بلادنا ملك لكم، نتعهدها من أجلكم كى تعيشوا فى رغد وهناء.
مع حماس ثمة أسباب للانتقاد وأسباب للإعجاب. حينما أشاهد عيونهم الحزينة ووجوههم المتعبة أقول لنفسى: من غير اللائق أن أنتقد رجالا وهبوا أنفسهم للموت والمقاومة. قديما قال المجاهد لصديقه العابد: «يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ»، فما بالك بى أنا الدنيوى الراكض خلف سراب الدنيا!.
لكن فى الجانب الآخر المسألة لا تُؤخذ بالعواطف والإحساس بالذنب، لأنها مصير شعب، بل مصير منطقه بأكملها، لو انساقت لأطروحاتهم لجروها إلى حروب غير متكافئة. وقتها تصبح النيات الطيبة وبالا علينا، إذ إن تقشفهم فى المعيشة وإخلاصهم الذى لا شك فيه ليس إذنا مفتوحا ليغامروا بشعوبهم بلا استئذان.
كما حدث فى حرب غزة الأخيرة، حين أعطوا إسرائيل المبرر - ولو كان واهيا - لكى تجتاحهم بالطول والعرض، ثم لم يعترفوا بخطأ الحسابات، بل اعتبروا احتمالهم للضرب دليلاً على النصر!!. وهو منطق غير موجود فى أى مكان فى العالم إلا عندنا.
واضح تماما أن (فقه الضعف) غائب تماما عن أذهانهم، وهو فقه يبيح قبول شروط مجحفة تصل إلى حد أن ندفع نحن الجزية! ولكن بشرط ألّا نستكين إلى الضعف ونعتبره قضاء أبدياً مبرماً، بل نعمل فى صمت وجدية لاستكمال أسباب القوة التى هى فى عصرنا الحديث العلم والتكنولوجيا، حيث تكفى ضغطة واحدة على زر لإبادة مدينة بأكملها.
البطولة ليست فى تقديم الشهداء عبثا كوقود حى، البطولة فى صناعة العلماء. مقاومة بالعلم، مقاومة بالاقتصاد.
من حسن الحظ أن مثال حماس ومثال عباس ليسا المثالين الوحيدين اللذين يجب أن نختار بينهما، فهناك مثال تركيا وماليزيا، اللذين أخذا بالعلم وأدوات الحضارة الحديثة، ولم يتمسكا بالشكليات التى استهوتنا، فأعادا لنا الثقة فى وعى المسلمين بدينهم.
وأنا لا يخامرنى شك أن هاتين التجربتين أقرب إلى استلهام روح الإسلام من تجربة حماس مع كامل الاحترام لها وتقديرى لظروفها.
حماس مقامها المقاومة، والمقاومة مطلوبة كنوع من توزيع الأدوار، لكن قُصارها هز الهيبة وإيلام العدو، أما الحل النهائى فيحتاج إلى تقدم شامل وصناعة حقيقية للغذاء والسلاح. قبلها تكون المواجهة انتحاراً.
خطأ حماس التاريخى أنها تسلمت السلطة، فقدمت ذريعة لعدو لا يحتاج ذريعة، وقد كان خيراً لهم لو تنازلوا عن السلطة - بعد أن تورطوا فيها - وعادوا إلى موقع المقاومة ومقام الجهاد.
حماس لا تقدم مشروعا للأمة، بل تقدم نموذجا للجهاد.

المصرى اليوم 08/02/2010

قيصر الصقيع
08-02-2010, 09:45 PM
ننفق أيامنا في التمني، ونهدر ليالينا في الحسرات.. يدهمنا الحزن كقطار مسرع، ونؤجل الأفراح لحين تحقيق الأمنيات: عمل جيد، وظيفة مريحة، مال كثير، بيت واسع، سيارة فارهة، وعيون ترمقنا بإكبار.. يحدث هذا أو لا يحدث.. يتجسد الحلم أو يذوب في الهواء.. سيان، المؤكد أن العمر يمضي كقطار مسرع فيما نقف نحن على رصيف المحطة نرمق عربات أمانينا دون أن نقبض إلا على خيوط الدخان..
وبعد الركض والجرح وإدمان التمني تفكر كم كنت غبيا حينما فكرت في زحزحة الجبال.. وتمشي خطوتك الأولى في طريق الرضا.. تسلم بغير قيد ولا شرط إلى العالم كما هو، بجماله وقسوته، بعذوبته وعذابه، ببهجته وجراحه.. ويمتلئ قلبك بالسكينة وتنعقد صداقتك مع كل زهرة.. تحب حبوب القمح وقطر الندى وعود الريحان.. وتشعر بالحنان صوب كل الكائنات.. حتى الصرصار الزاحف في فضاء الحقل تسلم له بحقه في الحياة.
تشعر بالتسامح صوب الجميع.. تغفر للثعبان لدغته وللأسد افتراسه.. تحب النار حبك للماء، وتأنس بالنور أنسك بالظلام.. وحتى ماضيك الأحمق لم يعد يغضبك.. ولا فرص السعادة التي أهدرتها تتحسر عليها.. وحتى الموت لم يعد يخيفك.. لقد امتزجت بقلب الكون ولم يعد فناؤك ممكنا.. وحينما تتحرر روحك من الرداء الأرضي تسري كالنسمة بين الأشجار، وتزور كل الغابات، ترفرف مع الطيور، وتدخل مملكة الأحلام، تصير حلما تشاهده عذراء، أو ملاكا مجنحا يبتسم له وليد في مخدعه دون أن تعرف أمه سر الابتسام!!

"محمد عفيفي" عاش تلك التجربة وكتب عنها كتابه الأخير (ترانيم في ظل تمارا).. وحتى أصدقاؤه المقربون من شلة الحرافيش لم يعلموا به حتى مات.. يسجل أيامه الأخيرة في انتظار الموت الذي يعلم أنه قادم حتما بسبب سرطان الحنجرة.. عجوز يعلم أنه عجوز.. وذلك الجرح النازف من قلبه بعد أن فقد ابنه الأكبر في الحرب، والثاني هاجر إلى أمريكا مفضلا غسل الصحون هناك على اغتيال الأمنيات.. وبرغم هذه الكوارث وتلك المحن لا توجد لمحة سخط واحدة.. بل تسامح عميق مع تقلبات الحياة وتسليم بما هو كائن وما يكون، وامتزاج مع الطبيعة -يوشك أن يكون صوفيّاً- هناك حيث قضى أيامه الأخيرة تحت ظل تمارا في صحبة زوجته. تمارا هي شجرة تمر حنة، يتسلل من بين غصونها قروش الضوء الفضية لتسقط فوق فنجان الشاي بنكهة من نور الضحى..
في تلك الجنة المصغرة راح يتأمل الطبيعة بحب الإنسان الموشك على الرحيل.. بسلام نفسي عميق يرمق أغصان تمارا تتلاصق مع شجرة الليمون، وهذين العصفورين اللذين حطا فوق غصونها يتبادلان الجدل ثم يرحلان إلى حيث لا يدري.. وليمونة صفراء تسقط على رأس القطة الغافية فتنظر حولها في تساؤل ثم يعاود -مثل أي قط عاقل- النوم.. وفراشة بيضاء تلقي بنفسها في أحضان الزهور.. والضفدع الكبير ذا العينين الواسعتين يقفز قفزته الواسعة التي تخفيه بين الأشجار..
تلك هي مفردات كتابه الأخير، وفي الشونة المجاورة يقيم الخفير "جمعة" بجلبابه الأبيض وشاربه الكثيف، وعبر السور النباتي يرسل قبلة في الهواء لشجرة التوت فيتمايل غصن من أغصانها في ود وحنان.

وهناك زوجته "أمينة" تتمايل وهي تمشي حتى توزع أعباء الروماتيزم على مفاصلها بالتساوي وقد أنهكتها الشيخوخة وتعب السنين.. "أمونة" الحلوة، "أمونتي" وكم من الأسماء دللها بها أيام زواجه الأولى. تجلس جواره على الكرسي القش الأخضر أما ثكلى، وفي عينيها حزن قديم.. منعت زرع الزهور في الحديقة بعد موت ابنها.. في رفق أقنعها أن الإصرار على الحزن وتحريم ما أحل الله فيه شبهة اعتراض خفي صامت على مشيئته سبحانه وتعالى.. حينما استطاع أن يظفر بموافقتها استطالت ابتسامة الخفير "جمعة" حتى وصلت لأذنيه، راح يعزق الأرض بالفأس؛ ليكشف للشمس أحشاءها السوداء الظامئة للضوء، ويده تغوص في الأرض المبتلة السوداء كأنما تغوص في لبن وعسل بحب فلاح أصيل.. نمشي على الأرض دهورا ونبني قصورا ولكن يستحيل أن نحب الأرض مثل هذا الحب.
وتحدث معجزة الخلق، حوض زهور البانسيه ذات المائة لون.. وتلك الأشكال العجيبة التي ترسمها الألوان على أوراق الورد، وحتى الفراشة الصغيرة البيضاء أحبت هذه الزهور وألقت بنفسها فيها.. ولم يكذب ابنها خبرا.. جاءها في المنام وقال إنه سعيد بزرع الجنينة!!

قال لها مخلصا:
- ربنا يفرحكم دايما.

وضغط برفق على ركبتها فقالت متوجعة بشبهة دلع قديم:
- أي، الروماتيزم.

وأما الضفدع فهو ليس بريئا كما يوحي مظهره، والدليل هو ما حدث للقطة "موني" التي مدت نحوه يدا حذرة مستكشفة ضربت بها على ظهر الضفدع لتثبتها على الأرض ثم قربت أنفها من ظهرها لكي تشمها مع لحسة صغيرة مستطلعة، وما إن فعلت هذا حتى وثبت إلى الخلف وكأنها تكهربت.. لم تكن تعلم بالطبع أن الضفدعة مزودة بغدة خاصة تفرز عند الهجوم مادة كريهة الطعم والرائحة وشبه سامة.
وظل الضفدع جامدا في مكانه لحظات، ساخرا من القطة العبيطة حتى تأكد من انتهاء المناوشة، فقفز قفزتين دخل بهما تحت السور النباتي، دون أن تنسى أن تقول له على سبيل التحية:
- آووو.
بعدها صارت القطة موني أمّاً لأربع قطيطات صغيرة، عالقة بصدرها لترضع وهي مستسلمة سعيدة.. بعد قليل تخلصت من القطيطات.. نظرت إليه في صمت ونونوت وكأنما تقول له:
- خد بالك من العيال!
لم تغب أكثر من لحظات ثم عادت متواثبة في نشاط، ومن فمها تدلت سحلية سمينة صادتها من أجل العيال الحلوين الذين لم يعد لبن الأم يكفيهم وصار تنويع الغذاء أمرا ضروريا بالنسبة لنموهم وصحتهم.

وضعت أمامهم السحلية فأقبلوا يشمونها ويفحصون أمرها ثم بدأوا يمزقونها ويأكلون.. والأم الحنون واقفة تتفرج ولا يخطر على بالها أن تمد يدها وتأكل معهم.. صورة مؤثرة حقا لحنان الأمهات لولا أن هناك أما حنونا أخرى (السحلية) ما غادرت عشها إلا لتلتمس شيئا من الغذاء لعيالها الحلوين، فوجدت نفسها بين أنياب أم حنون أخرى أكبر منها حجما، والأمر كله يستوي ما دام يجري في حجر الأم الحنون الكبرى: الأرض.
وفي لحظة تأمل فلسفية تنهد قائلا باللغة الفرنسية:
- سي لا في (هذه هي الحياة).

وحتى رياح الخماسين لم تفلح أن تنال من سكينته.. حينما فتح باب الشرفة قابلته ريح ساخنة حملت معها زهور الياسمين البيضاء التي أسقطتها الرياح.. وما هي إلا لحظات وظهرت "أمينة" فما إن رأت المنظر على الأرض حتى أسرعت إلى المطبخ لتحضر المقشة ذات اليد الخشبية الطويلة والجاروف، وانتهت من تحميل الياسمين في الجاروف اتجهت إلى باب الشرفة قائلة باستئذان ساخر:
- ممكن أقفله بعد إذنك؟

وكانت قد أقفلته فعلا وهي تبرطم:
- مش قادر يبعد عن الشجر يوم واحد!!

فلم يعلِّق بشيء إذ علمته التجارب -مثل كل رجل عاقل- ألا يجادل زوجته في أيام التنظيف، وحملت هي الجاروف واتجهت به إلى المطبخ حيث يلقى الياسمين نهايته الحزينة في صفيحة الزبالة. وهبّت ريح شديدة فتحت الباب الذي أغلقته "أمينة" ولوثت البساط مرة أخرى بالزهور الضاحكة.. تنهد ونهض ليجمعها وفي راحة يده رفعها إلى أنفه لينهل من عطرها المسكر قبل أن يضعها في جيب الروب. سوف تذبل هناك ولكنه قبر أكرم من صفيحة الزبالة.
وأغلق باب الشرفة كما كان، وراح يرمق الأشجار من خلف الزجاج قائلا للصديقات:
- معلش يا حلوين، سامحوني النهاردة..

ومن وراء ظهره أتاه صوت "أمينة" تسأل في دهشة:
- بتكلم مين؟

فأجابها في إيجاز:
- الشجر طبعا!
وانتظر أن تقول كلمتها الخالدة عن عقله واكتماله لكنها لم تفعل وإنما قالت كلمتها الرائعة، في براءة تصل إلى السذاجة:
- وهو الشجر هيسمعك والباب مقفول؟

فوجد نفسه يهتز في ضحك مكتوم واتجه إليها كي يطبع قبلة على تجاعيد خدها:
- اشمعنى يعني؟

هكذا سألته في استغراب، فقال لها صادقا:
- بحبك يا "أمونة".
وهكذا كانت لحظات "محمد عفيفي" الأخيرة.. مات وهو يحمل في فؤاده حبا صادقا لكل مخلوقات الأرض واستسلاما راضيا لما تأتي به المقادير.. وبهذه القبلة الزوجية الدافئة في خريف العمر أختتم المقال الذي أردته تعريفا بمكانته ووفاء لذكراه.. كان لدينا كاتب عبقري بحجم "محمد عفيفي" لكننا تجاهلناه في حياته ونسيناه بعد مماته.. وأغلب الظن أنه لم يعد يعبأ بهذا ولا بذاك ويقول في تسامح:
- سي لا في.



(( من اجمل مقالات د/ أيمن و نشر بموقع بص و طل من حوالى عام او عام و نصف )

Dr.Ahmed
08-02-2010, 10:43 PM
هل صدر لد.أيمن الجندي أي كتب من قبل ؟


لا يا أنس .. بتاتًا .. لكن عنده على جهاز الكمبيوتر مقالات تكفي 20 كتابًا بلا مبالغة.

ممكن تسألني يا قيصر وأنا أرد، بدلا من كتابة سيرة ذاتية طويلة عن د. أيمن. على فكرة هو تكلم ساعتين تقريبًا في حلقة برنامج الجزيرة الخاصة بي، وحكى الكثير عن ذكرياتنا المشتركة، لكنهم حذفوه بالكامل لضيق الوقت !

ملحوظة على سبيل البلطجة: اسم قيصر الصقيع مناسب جدًا كعنوان رواية أو قصة. سوف أسرقه سواء سمحت لي أو لم تسمح !!

قيصر الصقيع
08-02-2010, 11:26 PM
ملحوظة على سبيل البلطجة: اسم قيصر الصقيع مناسب جدًا كعنوان رواية أو قصة. سوف أسرقه سواء سمحت لي أو لم تسمح !!
ستكون قمه السعاده بالنسبه لى طبعا ، على فكره الاسم مأخوذ من بيت من قصيده شاعرى المفضل أمل دنقل الشهيره " كلمات سبارتاكوس الاخيره "
ممكن تسألني يا قيصر وأنا أرد، بدلا من كتابة سيرة ذاتية طويلة عن د. أيمن. على فكرة هو تكلم ساعتين تقريبًا في حلقة برنامج الجزيرة الخاصة بي، وحكى الكثير عن ذكرياتنا المشتركة، لكنهم حذفوه بالكامل لضيق الوقت !
ما اريد معرفته من الصعب اختزاله فى اسئله ، بالتكيد اود ان اعرف المزيد عن د/ ايمن
لكننى حقيقه لا اعرف ما هو هذا المزيد ، على سبيل المثال اعتقد اننا (كقراء لك ) نعرف عنك الكثير (قراءتك, اهتماتك, نظرتك العامه للحياه ) ........
ما احلم به حقا يا دكتور احمد هو مقال منك عن د/ ايمن ، اعلم انه صديقك وانك ستخشى ان تصبح شهادتك مجروحه لكن الامر يستحق

قيصر الصقيع
09-02-2010, 01:47 PM
في اعتقادي أن الدور الذي أداه عماد حمدي في فيلم "أم العروسة" من أجمل أدواره.. ذلك الجو المصري الحميم الذي غزله ببراعة المؤلف عبد الحميد جودة السحار.. التفاصيل الدقيقة لحياة الطبقة الوسطى في حقبة الستينيات.. وذلك الأب التقليدي الذي يحمل فضائل الأسرة المصرية كلها.. قانع بالكفاف، يعمل في وظيفته بإخلاص يندر أن نراه هذه الأيام، ولا يطبق مقولة "على أد فلوسهم"..اهتمامه منحصر في أسرته، كيف ينهض بأبنائه ويهدي الوطن رجالا صالحين ونساء فضليات.. ستر بناته له المرتبة الأولى في سلم اهتماماته حتى لو ركبه الهم الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إن هناك ذنوبا لا يكفرها سوى هم الأب بعياله. ومهما قيل أو يقال تبق الأسرة هي لبنة بناء المجتمع منذ عهود سحيقة.. ذلك البناء الذي يوشك أن يتهدم في أيامنا تلك..صارت نسبة الطلاق مرعبة خصوصا في الزيجات الحديثة.. نصفها – تقريبا – ينتهي بالطلاق بكل ما يعنيه هذا من تشرد – معنوي ومادي – للأطفال.. وكسر المرأة التي أخبرنا رسول الإسلام أن كسرها طلاقها، حتى لو كانت مديرة أو وزيرة، لا شيء يعوضها عن دفء بيت وبهجة أطفال يمرحون بين والديهم. الغلاء المزمن



من منا لم يتذكر والده في ملامح عماد حمدي المهموم بطعام أطفاله وسط غلاء كان يبدو وقتها مرعبا والآن مضحكا!!.. وعادة هذا الجيل في كتابة مصروفاته في دفتر ورقي صغير كمحاولة للترشيد حتى يمر الشهر بسلام دونما حاجة للاقتراض.. وشكوى الزوج المزمن من إسراف الزوجة التي تدعوه لمسك المصروف مكانها ليدرك بنفسه بطولاتها المنسية.. وهكذا تتأرجح سفينة الأسرة في أمواج عاتية لكن ربانها يمسك بالدفة في مهارة واقتدار حتى يصل بها إلى شط الأمان.


وبرغم ضيق الأرزاق تبقى للزوج مكانته وهيبته في نفوس زوجته وأبنائه.. لا شك أن جيل آبائنا كان محظوظا بالتقدير المعنوي الذي يفتقده رجال الجيل الحالي، كل هذا ذكرنا به الفيلم بعد أن كدنا أن ننساه حينما استنوق الجمل وأطلق العنان لزوجته التي صارت تتحمل مسئولية البيت شبه كاملة وتقوم بدوري الرجل والمرأة شاعرة بمرارة لا توصف في الحلوق.


يرسم لنا الفيلم الكثير من التفاصيل.. عماد حمدي يدبر كل قرش من أجل تجهيز ابنته المقبلة على الزواج على نحو لائق مشرف يحفظ لها كرامتها وسط نساء عائلة زوجها المدققات الباحثات عن عيب ما.. أشاهد همه وحيرته وأمسح دمعة وأنا أتذكر أبي.. ألف رحمة ونور عليك وأنت تغالب المرض وتعب الأيام ذاهبا إلى دمياط لتبتاع لابنتك – أختي – أفضل أثاث ممكن مدبرا القرش فوق القرش حتى لو اضطررت لبيع فدان الأرض الذي تملكه وتعتبره ضمانك للأيام.. فرحتك كانت لا توصف حينما حققت الحلم وسترت البنت وأتممت المهمة المقدسة.. لم يكن هذا هو شأن أبي وحده ولكن شأن كل أب مصري يصنع المستحيل من أجل أبنائه.


وقتها كانت فضائل الأسرة المصرية بخير ومنظومة قيمها بعافية.. الحياة تسير بالضروريات دون مبالغة أو تطلع إلى الكماليات، ولم تكن هناك مشكلة لأن الكل كانوا كذلك يقنعون بالمتاح ولا يطالبون آباءهم بما لا يملكونه.. لم تكن قد بدأت بدعة حفلات الزفاف في فنادق الخمس نجوم.. الفرح يقام في بيت العروسة وغالبا ما تكون الشقة المجاورة في استقبال الضيوف في أريحية نادرة.. منظومة قيم الطبقة الوسطى التي تتشارك في الأفراح والأتراح لا كهذه الأيام التي يجهل فيها الجار اسم جاره.. كان هناك الكثير من المرح : الشربات وقطع الجاتوة والراقصة، وبهجة حقيقية لتكوين أسرة ولقاء أحباب.. فرح بكل ما تعنيه الكلمة من معان: زينات معلقة قبلها بأيام وأضواء باهرة ملونة.. وأحلام تستولي على خيال أطفال العائلة بالمرح الرهيب المقبل.. حينما كان للأشياء طعم مختلف.. كانت الشيكولاته حلم مذهل يكمن في ندرتها وإذا فتح بائع الفراولة الصعيدي غطاء سلته الخوص الصغيرة انساب عطر مسكر يعطر الشارع بأكمله.


سر السعادة


كان الناس يعيشون حياتهم حسب المتاح والممكن، ولم تكن الفروق واضحة بين الأسر، ولم يكن التفاخر واردا بل مدعاة للخجل ومحاولة التستر كيلا تؤذي مشاعر جيرانك.. وكان أبي القاضي - مثل معظم رجال الطبقة الوسطى - يستخدم المواصلات العامة دون خجل والسبب بسيط : الكل هكذا.


لحسن حظه مات قبل أن يشهد السعار الاستهلاكي الذي نحياه الآن، استطاع الغرب أن يقنعنا بضرورة الاستهلاك فنقلنا بالمسطرة طبيعة الحياة الغربية دونما مراعاة أنها لا تلائمنا.. نسينا أن الغرب كان يعمل دائما لمصلحته في كل الأوقات، وما الشعارات البراقة إلا وهم.. حينما كانت أمريكا قارة بكر تحتاج لسواعد رجال أقوياء لم يبالوا باستنزاف أفريقيا من خيرة شبابها حتى لو مات عشرة مقابل كل أسير يخطفونه.. عاشوا عبيدا تحت ضربات سياط وفوهات بنادق حتى اكتشفوا الطاقة البخارية ولم تعد القوة العضلية تعنيهم، وقتها فقط قرروا تحرير العبيد تحت شعارات براقة مضللة.. حتى جاء ذلك اليوم الذي تطورت فيه التكنولوجيا إلى حد تحتم معه الإنتاج بالجملة.. وصار تصريف البضائع أمرا لابد منه بقهر السلاح وغواية الدعاية.. وقتها فقط غازلت الدعاية الأمريكية غرائز الرجل العادي لتقنعه أن الحياة غير ممكنة بدون استهلاك كل هذه السلع الجميلة الملونة.. وما عليك إلا أن تركض طيلة عمرك من أجل شراء هذه الأشياء التي تستحيل الحياة بدونها دون أن يتركوا لك الفرصة لتسأل نفسك : هل تريد هذه الأشياء الاستهلاكية فعلا ؟ وهل اقتناؤنا لها جعلنا أسعد ؟.


والمؤسف أننا تجاوزنا الغرب في الاستهلاك كطبيعة كل المجتمعات غير المنتجة، ولا أفهم لماذا تفضل الحل الصعب المكلف عن الحل الرخيص السهل الذي يحقق لك نفس النفع !!.


والرسالة التي أود أن أنقلها في هذا المقال واضحة صريحة لا تحتمل لبسا.. أنني – وقد عشت عصرين مختلفين – عصر البساطة وعصر التكلف.. لا أشعر بأي فائدة حقيقية من كل هذا الجنون الاستهلاكي الذي يخطف الأبصار لوهلة ثم يتضح أنه بريق زائف.


السعادة خلطة محيرة لا ندري بدقة عناصرها الأساسية.. لكن القناعة والرضا التي شاهدناها في فيلم " أم العروسة " هي أقرب عناصر هذه الكيمياء الجميلة الغامضة التي تدعى السعادة.

قيصر الصقيع
09-02-2010, 11:23 PM
استيقظت وكلى حماس صحفى. قررت أن أستطلع رأى الشعب فى بناء الجدار، توجهت إلى أقرب موقف ميكروباص، قدمت نفسى لهم وبدأت الحوار مع سيدة لا يمكن تخمين عمرها، ترتدى الخمار وعلى وجهها كل (غُلب) الأرض، بدأت الحديث معها والتف الباقى حولى فى فضول:
- صباح الخير يا حاجة، أنا باعمل تحقيق صحفى و..
فظهر الانزعاج على وجهها على الفور وقالت مقاطعة:
- تحقيق ليه يا ابنى، هو أنا عملت حاجة؟
- هاها (ضاحكا فى تكلف) لا اطمنى يا حاجة، مش تحقيق بمعنى بوليس ونيابة، صحافة يا حاجة، جورنال.
- (فى خوف واضح) يا ابنى ما باشتكيش من حاجة، الحمد لله كل شىء تمام.
- (مربتاً على كتفها فى عطف) يا حاجة إنت قلقانة ليه؟ كل الحكاية انى عاوز أعرف رأيك فى موضوع الجدار؟
- ما له يا ابنى؟
- الحكومة تبنيه ولا ما تبنهوش؟
- تبنيه طبعا يا ابنى، سايق عليك النبى تبنيه، الجدار نشع والمطر بيغرقنا، وأنا أرملة بخمس عيال.
- (أهز كتفى فى يأس) آه، اليوم باين من أوله!.
- (يتدخل شاب حرفى يتابع الحوار) خليك معايا أنا يا باشا. إنت بتسأل عن جدار غزة، صح؟ يبنوه طبعا.
- (فى فرحة) كويس إنك فاهم الموضوع، يعنى إنت مع بناء الجدار؟
- طبعا، كلنا حنسترزق، هو الجدار حيتبنى لوحده؟ ما هو لازم له حرفيين وعمال.
- (قاصداً إحراجه) طب والشعب المحاصر يا هندسة؟
- ربنا يتولاهم ويتولانا، وكلها شويتين ويتهد، ونسترزق تانى بإذن الله.
- فكرة برضه. طب وانت يا حاج (توجهت لرجل عجوز يستمع فى اهتمام) رأيك إيه فى موضوع الجدار؟
قال فجأة:
- رأيى؟ متأكد إنك عايز رأيى؟
- طبعا يا حاج.
- (منفعلا) رأيى إنكم كلكم معندكوش دم.
- (منزعجاً) الله، الله، فيه ايه يا حاج، مالك؟ بتغلط فينا ليه؟
قال وهو يرتجف من الانفعال:
- بتاخد رأيهم فى إيه؟ هو رأيهم حيفرق مع حد؟ حد طلبه؟ حيقدم ولا يأخر؟ ده انتوا عرفتوا الخبر من إسرائيل، إنتوا ناس فاضية عايزه تتسلى.
واحدة تقول لك الجدار نشع، والتانى عاوز يسترزق، والتالت كل همه يكتب ويشتهر، ولا واحد فيكم قلبه على البلد.
- (مهدئاً وقد أشفقت عليه فعلا) طب هدى نفسك يا حاج، صحتك.
- (صارخاً بأعلى صوته) صحتى أحسن منك، انتوا فاكرين نفسكم عايشين؟ إنتم متم من زمان، إنتم أموات، أموااااات.
رحنا ننظر إلى غضبته فى ذعر، عاجزين عن الفهم، عاجزين عن تهدئته. وفجأة وجدناه - بقوة غير عادية - قد دفعنا كلنا أمامه، ثم وقف خلفنا، ورفع يديه إلى مستوى رأسه، وبصوت عال سمعه (الموقف) كله صاح:
- الصلاة على الموتى يرحمكم الله.. الله أكبر


المصرى اليوم 09/02/2010

مورفيوس
10-02-2010, 07:35 AM
أكتر صفة حسيتها في الراجل ده إنه إنسان..
مش متخصص في حاجة، مش بيكتب إلا فيها، وفي نفس الوقت مش بيمشي مع القطيع ويقول اللي بيتقال...
كنت- وما زلت- بتابع مقالاته اللي تتنشر في المصريين والمصري اليوم، وكمان بص وطل.. قبل ما تبقي موقع إخباري زيها زي مصراوي.. فاكر له مقال اتكلم فيه بوله عن الأديب العظيم أحمد بهجت.. الدكتور أيمن الجندي بعتبره واحد من أربعة بيمتعوني وبحسّ إنهم من أفضل الكتّاب بيكتبوا في قارب واحد علي بعد الشقّة بينهم، هم:محمد المنسي قنديل/ محمد الغزالي/ أحمد بهجت.. وهو الرابع..
إنه مش يتنشر شغله لحد دلوقت فأكيد ده خسارة لينا.. الشغل المطبوع بيختلف تماماً عن مقالات الإنترنت اللي الواحد بتطلع عينه عشان يدور عليها ويقراها...
شكراً لقيصر الصقيع..
وشكراً للدكتور أحمد خالد علي الإضافة المميزة عن كاتبنا العظيم.

قيصر الصقيع
10-02-2010, 08:08 PM
فاكر له مقال اتكلم فيه بوله عن الأديب العظيم أحمد بهجت..
مش عارف هل هذا هو المقال الذى تقصده أم أخر يا مورفيوس
************************************************** ****
اشتهر "أحمد بهجت" بمزاجه الصوفي الرقيق، هذا ليس مستغربا من أديب قدير مثله.. الحقيقة أن النفس الصوفي يوشك أن يكون فطرة عند معظم الأدباء. مسألة وقت لا أكثر، ثم تجد نزعتهم الفنية تصبح صوفية خالصة.. حتى نجيب محفوظ الذي بدأ بالكتابة الواقعية تحول إلى الرمز والصوفية، وكثر ظهور الشيخ الصوفي في أواخر أعماله.. في اللص والكلاب كان رمزا للطمأنينة الراسخة في مقابل الرغبة العارمة في الانتقام!. ثم بلغ الذروة في رواية "ليالي ألف ليلة" التي تؤرخ لعودة نجيب محفوظ الحميمة إلى أحضان الدين.

يصعب أن تكون أديبا حقيقيا ولا تكون صوفيا بالفطرة.. الصوفية من حيث هي تعمق في الجانب الروحي للأشياء، لا الموالد والحلقات والخرافات.. حينما تشاهد الإلكترونات وهي تدور في عشق ذائب، وترى العصارة الخضراء تصعد في الأفنان الخضراء مسبحة بحمد خالقها المجيد، وتفهم لغة الطيور وأسرار الشهب، وترسم تعاريج القمر لفظ الجلالة أمام عينيك، وتلتحم بالكون وتندمج بالنجوم وتجوب أطراف المجرة في طرفة عين.. حينما تكتشف أن الزهور تسبيحة، والغصون ترنيمة، والعطور رسالة عشق تصبح وقتها صوفيا حقا.


صفاء القلوب
وهذا المقال موجه لهؤلاء الذين يفهمون الفارق بين العقل والقلب، والفقيه والشاعر، والكتاب والقصيدة، ويعرفون بوجود شيء اسمه الاستعارة، وشيء اسمه المجاز، فلا يأخذون العبارات على حروفها بل يدلفون إلى معانيها، وما تحتويه من رمز وإشارة، وحرقة قلب ولوعة روح..


المقال موجه للذين يسامحون العشاق إذا شربوا كأس الحب صرفا، فلا يحاسبون الشاعر بميزان فقيه، ولا يطالعون قصيدة ككتاب فقه، ولا يناقشون عاشقا بمنطق مفكر، بل يستخدمون قلوبهم قبل عيونهم في قراءة الحرف والإشارة.. لهؤلاء فقط أهديهم "بحار الحب عند الصوفية".


لماذا اختار أحمد بهجت كلمة البحار تعبيرا عن الحب؟، هل هو الولع بالأسرار الكامنة في مياه البحر؟ أم لأن الماء أصل كل شيء حي؟.. قبل أن يبدأ البدء أو يكون الكون، قبل أن تضع الشمس ظلالها على الأرض، قبل أن تخلق الأرض من انفجار كوني أو بسمة كونية، قبل أي قبل، كان الله ولا شيء قبله.. أين كان؟ كيف كان؟ أسرار وراء أسرار.


والصوفية أهل عطش إلى الحقيقة يغوصون في المياه العميقة باحثين عن الكنوز.. خلق الله الناس متفاوتين في الفهم والعاطفة والإحساس يقول "بشر الحافي": الصوفي هو من صفا قلبه لله، ويقول معروف الكرخي: هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، ويقول فريد الدين العطار "من إذا نطق كان كلامه عين حاله"، نفس المعنى الذي عبر عنه فان جوخ بعدها بعشرة قرون "عندما أرسم زهرة، أصير أنا الزهرة".


وسئل سمنون المحب فقال: "ألا تملك شيئا ولا يملكك شيء"، ويقول رويم: "استرسال النفس مع الله تعالي فيما يريده"، أما شرط أبي حمزة البغدادي فهو أصعب: "أن يفتقر بعد الغنى، ويذل بعد العزة ويخفى بعد الشهرة، وعلامة الصوفي الكاذب أن يغتني بعد الفقر، ويعز بعد الذل، ويشتهر بعد الخفاء".


العشق الإلهي
والتصوف هو فن الوصول إلى الله، تجربة روحية ربما أسفرت عن جذبة للعقل أو رؤيا فنية بالغة العمق، أو عشق يدعو إلى الجنون، أو ثبات في الدين وكمال في العقيدة.


واختلفت مصائر الصوفية كما اختلفت طرائقهم في التذوق، وإن جمع بينهم رباط واحد: الحب. يحبون الله ويرون أن الحب نسيج أصيل في الكون، وسر غال من أسراره. ينظر الصوفية إلى الحب كسبب للخلق، ويتوقفون كثيرا عند قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه".. فالله تعالى لا يخوفهم بنار أو عذاب وإنما بأرق شيء في الوجود: الحب.


هكذا ينظر الصوفية إلى الوجود، إنهم يرون الحب حاكما في الوجود، وسببا في ميلاد الكون، ونسيجا تشف به الحياة، خلقنا الله ليتفضل علينا بحبه، ويتفضل علينا بأن يسمح لنا بحبه.


والتصوف في حد ذاته فن، ومعظم تراثهم أدب من أرقى الأنواع، والصوفي كالفنان في تركيبه النفسي، يملك قدرا من الحساسية البالغة والحدس العميق، ويملك رؤياه الخاصة به وقدرة على التعبير، يحلم بتجاوز الواقع وإضافة الجمال إلى الكون، ويتشابه مع الفنان في اعتماده على التجربة وصولا بفنهما إلى الذروة، ويقتات كلاهما على الحب.


الفرق أن الفنان يحب حبا بشريا، ويتعلق قلبه بالبشر، وإذا عشق فهو يحب نفسه قبل أن يحب الحبيبة، ويريد أن يشعر أنه محبوب.


أما الصوفي فأرقى وأخفى، إن فاته أن يكون محبوبا لا يفوته أن يكون محبا!!، وإذ لم يكن يوسف كان يعقوب!!، ولو عرف المحبوبون ما ينعم به العشاق لخرجوا من صفوف المحبوبين السعداء إلى المحبين التعساء، فالصوفي أشد تواضعا من الفنان، إذ هو يريد أن يكون محبا، فتضيع ذاته في الحب، وبضياع هذه الذات لا يبقى سوى ذات الخالق وحده سبحانه وتعالى.


واحزنااااه
والإحساس بالغربة أصل كبير من أصول الفن، وأصل كبير من أصول التصوف. إن الفنان إنسان يريد تجاوز واقعه، ولا يبدع إذا كان راضيا عنه كل الرضا، لذلك لم ينشأ التصوف في عصر النبي أو الخلافة الراشدة، بل بعد حدوث الفتن واتساع الفتوح بما أعقبها من ترف الأقلية وفقر الأغلبية، وقتها فقط نشأ التصوف.. قال علي بن الحسين "فقد الأحبة غربة"، وكان الحسن البصري إذا أقبل فكأنما فرغ من دفن حميمه!! وقال جعفر الصادق: "ما من شيء إلا له وزن إلا الدموع!!".. وقال سفيان الثوري: "لو لم أعلم، لكان حزني أقل". وسئل الحسن البصري عن طول حزنه فقال: "إن المؤمن لا يسعه إلا الحزن فهو بين مخافتين؛ ذنب مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل بقى لا يدري ما يصيب فيه".
وقال عتبة المحب: "إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب". وقال أحد الصوفية عند رابعة العدوية: "واحزناه، قالت لا تكذب، لو كنت محزونا حقا لم يتهيأ لك أن تتنفس".


الصوفي إنسان يروعه الفارق بين الأشياء كما هي وكما يجب أن تكون، ومن هذا الحنين للكمال يولد الفن، والفن قدرة على إضاءة النور داخلنا أو داخل الآخرين، حين ينسحب الإنسان من سجنه الطيني فيطير ويرى بمنظور أوسع، والصوفية هم من يملكون القدرة على التحليق، ورؤية مساحة أكبر من الحقيقة. فتختزن تجارب القرب من الله، ويجيء التعبير عنها في الشعر الصوفي فإذا نحن أمام تجربة جديدة، ليست هي الصورة الفوتوغرافية للتجربة الأصلية، وإنما إضافة جديدة كل الجدة. وكلما ارتقى الإنسان أدرك أن الحقيقة هي الله، هو الخير المطلق والحق المطلق والجمال اللانهائي.


ويقول عبد الرحمن جامي: "فاض على الوجود من عالم الطهر والصفاء، فسطعت شمسه على الأكوان، فصارت كل ذرة في الوجود مرآة تعكس صورته، هو وحده الظاهر، أما أنا وأنت فلا محل لهما من الوجود".


وحيرة الشعراء تتحول إلى سلام عند الصوفيين، فالصوفي يعلم أنه جاء لحكمة عليا هي العبادة، والعبادة مجد لا يناله إلا كبار العاشقين، وحب لا يرى فيه المحبوب غير وجه الحبيب، يقول جلال الدين الرومي: "من أجل الحب كرهت كلمة الجبر، فإن المجبور لا حب له". ويقول أيضا: "مجهول أنا عند نفسي، بربك خبرني ما العمل؟ لا في الشرق ولا في الغرب موطني، ولا قريب لي من ملاك وجن، ولا طينتي من تراب، ولا صورتي من ماء، ولا بالصين مولدي، ولا بالعراق منبتي، ولا طردت من عدن، بل من مقام رفيع المقام، لذلك تجردت عن بدني وروحي، وعدت من جديد أحيا في روح محبوبي".


إنه يحب الله تعالى، هذا هو نسبه الوحيد، ولا ينظر إلى الموت نظرة متشائمة، يقول الرومي: "إن الموت عند العارفين حياة".


أبدا.. لن تعود
المشكلة مع الصوفيين نشأت حين اعتبروهم علماء دين يقولون الشعر، والحقيقة أنهم شعراء يتحدثون في الدين. وبسبب هذه النظرة الخاطئة حكموا بضلالهم، كانت تهمتهم الحقيقية هي اتساع الخيال وغرابته وعمق التجربة وتوهجها. فالناس نظروا في أدبهم فاعتبروه دينا، وحاكمهم علماء الدين على هذا الأساس. كان المفروض أن يعتبروه فنا يحاكمهم عليه النقاد لا علماء الدين. وقتها فقط نفهم قول ابن الرومي على وجهه الصحيح: "قد طلع بدر لم تر السماء له نظيرا، قد أسكرتني خمر حبك، وتهدم كل شيء في بيت جسدي الطيني، وحين لاحت لقلبي لجة الحب، ألقى قلبي بنفسه فيها، وسمعت: "لن تراني".

وتبقى بحار الحب عند الصوفية بكل جلالها ورهبتها، يتكسر الموج عند رمال الشاطئ وكأنه يقول لك: لا تغادر تلك الجزيرة الخضراء الوديعة فإنك إن غادرتها فلن تعود قط

Dr.Ahmed
10-02-2010, 09:35 PM
روافد د. أيمن الفكرية كثيرة لكن أهمها شعر أبي القاسم الشابي - كتابات المفكر محمد الغزالي - سيد قطب - أدب سومرست موم - أدب تشيكوف - أدب أحمد بهجت - كل عالم العقاد - فيروز وعالم الرحبانية. وطبعًا أنا وهو روافد لبعض .. أعطاني أفكارًا كثيرة، وهو يقول إنني أعطيته أفكارًا كثيرة ..
بدأ بكتابة الشعر كالعادة ثم القصة القصيرة (له أعمال عديدة في منتدى القصة العربية) واستقر عند المقال. لا يهتم بالفنون التشكيلية ولا السينما بتاتًا...
أستاذ طب المناطق الحارة بطنطا - حاليًا في المملكة العربية السعودية. أب لابنتين إحداهما نورا الموهوبة العبقرية التي نشرت لها أعمالاً في سلسلة (فانتازيا). الأخرى مهندسة حديثة التخرج والزواج. شقيق د. ياسر الجندي يرحمه الله، الذي كتبت عنه مقال (ياسر وبطاطا وأشياء أخرى). الأب يرحمه الله مستشار محترم جدًا، والأم محامية .. أي أنه جاء من أسرة قانونية تمامًا !

السن 47 سنة .. لا يدخن ..
هل من أسئلة ؟

كريم سنوسي
10-02-2010, 09:42 PM
ما سبب عدم نشره لأي كتاب حتى الآن؟ يا ريت والنبي يا دكتور تجاوبني ..

Dr.Ahmed
10-02-2010, 11:07 PM
هو لا يعرف .. أنا لا أعرف .. لا أحد يعرف ..
نفس الأسباب التي تجعلني لم أقدم فيلمًا حتى اليوم. قوى غامضة ..
مسودات كتاب مقالاته الجميل ظلت في ميريت ثلاثة أعوام، وفي النهاية أبلغهم أنه لا داعي للنشر .. شكرًا ..
حتى عندما عرض أن يلخص كتاب سيد قطب الجبار (في ظلال القرآن) على حلقات تطوعًا للدستور لم يتم المشروع، ولا أحد يعرف السبب .. يعني أرسل المقالات ولم تُنشر والكل مندهش في الدستور لأنها لم تُنشر !
غالبًا سيجرب مع دار الشروق عندما يعود لمصر .

a7med_Raslan
11-02-2010, 02:19 AM
مقال قديم نوعا ما ( مر عليه قرابة شهرين ) لكن به من العبر ما أريدكم أن تعرفوه

جمال الفعل الجرىء

د. أيمن الجندي
تخيّل.. كنت قد أعددت مقالاً للنشر بعنوان «مسيحى يرشحه الإخوان المسلمون»، فإذا بانتخابات مجلس الإرشاد تداهمنى، وبدلاً من (رفيق حبيب) الذى كنت سأقترح على الإخوان ترشيحه للرئاسة، وجدتهم قد ضاقوا ذرعا بـ(عبدالمنعم أبوالفتوح).

أضحك من سذاجتى أم أبكى على خيبة أملى.. أحرر فكرى أم أنكفئ على ذاتى.. أصمت أم أتكلم.. أحلم أم لا أحلم.. أتكلم أم لا أتكلم؟!

بل أتكلم....

سأتكلم....

حينما كتبت المقال كنت أعلم أن مجتمعنا ليس مهيئاً بعد لترشيح مسيحى. كنت أعلم أن الإخوان ليسوا أصلاً جهة ترشيح. كنت أعلم أن الفكرة مجنونة!، ولكنى كنت أقصد رمزيتها، الرسالة التى ستصل بمجرد الترشيح، ولا يُشترط لها الفوز. كنت أحاول أن ألهمهم بـ(جمال الفعل الجرىء)، الذى يتجاوز الواقع ويصنعه. كنت أحاول أن أستلهم المثال التركى فى الإصلاح على يد الإسلاميين.

لا يوجد أغبى من تجربة الإسلاميين فى مصر. فى وقت من الأوقات كانت مصر كلها تقريباً «إخوان مسلمين»، أو مروا على الإخوان فى إحدى مراحلهم. ورغم ذلك فلا هم حكموا ولا أفادوا، ولا بعثوا نهضة فى البلد، بل ضُربوا وأُهينوا وعُذبوا.

قارن هذا بتجربة الإسلاميين التركية.. مصر لم تكن تحمل عبء الخلافة العثمانية وحروب مع جيرانها استمرت أربعة قرون، لم تكن لديها - كتركيا - جراح مفتوحة، وأحقاد متبادلة، وغضب مُعلن وثأر مكتوم0 لم يكن لديها عبء تاريخى وإمبراطورية غاربة. لم تكن طرفاً فى حرب مع العالم كله، لم تحارب - مثلها - روسيا وإنجلترا وفرنسا واليونان والصرب والمجر، كلهم دفعة واحدة.

لم يكن لدينا (أتاتورك) يلقى العمامة ويفرض القبعة، ينزع الحجاب ويرفع الفستان، ويطمس اللغة العربية حتى من الأذان! ويفصل الدين عن الدنيا ويشنق العلماء. باختصار كان كل شىء ضدهم وكل شىء معكم.. ولا تقولوا (عبدالناصر) من فضلكم لأن عبدالناصر كان ضدكم وليس ضد الإسلام. وإلا فلماذا أفسح المجال للغزالى وأبوزهرة لممارسة الدعوة وهداية الناس؟.

فماذا فعلنا نحن وماذا فعلوا هم؟. ركزنا على الشعارات، وركزوا على الخدمات. أطلقنا نحن اللحى وطلّقنا العمل، وطلّقوا هم الماضى وأطلقوا الهمم. كنا شجرة يابسة وكانوا غصنا أخضر. كنا جذعاً أجوف وكانوا سنبلة قمح.

كنا نغرق ونزعم أننا سفينة نوح، وكانوا يعبرون الأنواء بقارب صغير. وكلما رفعوا رؤوسهم بطش بهم الجيش. دستورنا يؤكد إسلامنا ودستورهم يفرض العلمانية. أنشأ (أربكان) «حزب الفضيلة التركى» حزب الفضيلة الإسلامى، فحلته المحكمة الدستورية، لم يصرخوا على الإسلام المقهور وإنما أسسوا «حزب العدالة والتنمية».

انشغلنا نحن باللافتة التى تجذب الجمهور: «الإسلام هو الحل»، وانشغلوا هم بمقاصد الإسلام متجنبين الشعارات الدينية. قالوا نحن نؤمن بالعلمانية، نحن علمانيون جداً، علمانيون خالص، نحن فى منتهى العلمانية!!. والكل يعرف أنهم يؤمنون بالإسلام، إسلاميون جدا، إسلاميون خالص، فى منتهى الإسلامية.

ووصل الحزب إلى الحكم برئاسة أردوغان، فأصبحت تركيا غير تركيا، حقق الاقتصاد التركى سلسلة من الإنجازات المتتالية، نجحوا فى الخروج من عنق الزجاجة، أعادوا هيكلة البنية التحتية، رفعوا قدراتهم التنافسية، أصلحوا الموازنة العامة، ارتفعت الصادرات التركية. حتى ألمانيا المدققة المتكبرة أعلنت تأييدها غير المتحفظ لانضمام تركيا، النمر الاقتصادى القادم إلى الاتحاد الأوروبى.

هكذا حققوا مصالح العباد التى هى مقاصد الإسلام الحقيقية، وامتلكوا من الكرامة ما جعلهم يرفضون دخول أمريكا من أراضيهم، ليس بشعار الأخوة الإسلامية وإنما بإرادة البرلمان المنتخب وحقيقة المصالح التركية، فاضطرت أمريكا إلى تغيير الخطة والنفاذ من خلال الدول التى تأكل لحم أخيها حيا وهى ترفع شعار الأخوة الإسلامية.

هذه هى الرسالة الرمزية التى تمنيت أن يرسلها الإخوان من خلال ترشيح قبطى وطنى لرئاسة الجمهورية. أردت إلهامهم بتغيير استراتيجى فى طريقة فهمهم لمقاصد الإسلام، أردتها دليلاً على المرونة وتجاوز الشعارات، وجرأة على هز الثوابت ومراجعة المسلمات، وإيثار المصلحة الحقيقية على صورتها الذهنية.

أردتها رسالة ود لإخواننا المسيحيين، صفعة للنظام الذى اعتاد استخدامكم لتعطيل الديمقراطية.. رسالة للعالم فى تقديم الجوهر على المظهر، والنفاذ إلى مقاصد الدين الحقيقية.. برقية عاجلة تقول إن مسيحياً شريفاً اسمه (شنودة) أقرب إلى مقاصد الإسلام من مسلم فاسد اسمه (محمد).

باختصار أردتكم، ولو لمرة واحدة، أن تتذوقوا (جمال الفعل الجرىء).

* نقلا عن "المصري اليوم"

طلب صغير من صاحب الموضوع .. أرجوك توقف عن الخط المائل :o:o

كريم سنوسي
11-02-2010, 03:41 AM
شكراً يا دكتور على إهتمامك وأحب أن أضيف أن في مصر خاصيه ثقافيه فريده هي الجعجعه بلا طحن .. الإنتشار دائماً لا يكون لما يستحق .. وأكبر دليل شهرة مسلسل مثل نور ومهند ومن قبله الجريء والجميلات أو حتى مسلسل فريندز على الرغم من عدم تميز أي من تلك المسلسلات في أي شيء .. دعك من إتفاق غير رسمي على أن يسرا نجمة الجماهير ويوسف شاهين هو العبقري وأن علاء الأسواني يستحق كل تلك الضجه وأن شباب ضربة شمس يستهلكون تلك المساحه العملاقه من الساحه الثقافيه .. لا أعرف حقاً ما الذي يميز كل هؤلاء .. بينما أشخاص يستحقون فعلاً لا يحصلون على الإهتمام الكافي .. ولكن هي حضارة السوق .. حتى على المستوى الثقافي .. وربنا يرحمنا ..

*أنس*
11-02-2010, 04:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

صيد الفراشات


لماذا يا إبراهيم هجرت ليلى بعد أن ظللت تركض وراءها عاما كاملا؟، كطفل يطارد فراشة ذهبية فى ضوء الصباح، يركض على العشب، يقبض على الهواء، تتعالى ضحكاته الفضية، حتى إذا اقتنصها وفرح بها لأيام، سئم اللعبة واكتشف أنه زاهد فى لعبة الفراشات!.
ليلى: أجمل فتاة فى كليتنا، بوجهها الملائكى الحالم، والنور اللطيف المترقرق من محياها، وقوامها الرشيق المنتصب، وشلال الشعر البديع.
كنا فى تلك المرحلة المضطربة بين المراهقة والشباب، تحركنا المشاعر الغامضة، وتخفق قلوبنا لنداء الحياة، عواطفنا كانت مضطربة وغير مستقرة وشديدة الجيشان، كنا نغازل الفتيات لنشارك فى معجزة الخلق، ونحبهن لنكمل معا دورة الحياة.
برغم ذلك لم يقترب أحدنا من ليلى، ولا أطال التحديق فيها، الجمال الذى يُخيف من الاقتراب، والفراشة الذهبية العصية على الاقتناص. أجمل من أن تكون لواحد بالذات، هى فى محيطها الطبيعى مع الشمس والصباح والزهور، لو كنا أكبر وأحكم لعرفنا أن أى فتاة فى وضعها النفسى تشعر بالوهن الكامل، وتنتظر من يجسر على الاقتراب.
وتتابعت الشهور، حين لاحظت شيئا غريبا على صديقى إبراهيم، أكلمه فيشرد منى، أداعبه فلا يرد الدعابات. وانكشف السر حين تطلعت إلى عينيه العاشقتين. وكلما اقتربت ليلى منه فاضت عيناه رقة، وراح يتبعها بسحابة من النظرات. الطفل يركض فى جذل خلف الفراشة الذهبية، مادًا يديه، والفراشة ترفرف سعيدة فى الهواء.
كان محتما برهافة الأنثى أن تلاحظ وتستجيب، بعدها بدأت قصائد شعر، ورسائل حب، تمر بينهما دون أن يلاحظها أحد فى زحمة الزملاء.
وجاء يوم المكاشفة حين وجد نفسه أمامها وسط الزحام، وبدون أن تشعر صافحته، وغرد بلبل فى الحديقة المجاورة، ونطق الصمت وسكت الكلام. منذ ذلك اليوم لم يعد أحد يراهما إلا معا. الطفل المحظوظ والفراشة الذهبية. الكل يعرف أن إبراهيم لليلى وليلى لإبراهيم.
كنا نفرح به ونغبطه، وأحيانا نحسده. كنا نقيم مراصدنا لمراقبة الكواكب، والكواكب حرة فى أفلاكها لا تشعر بشىء، تكفيها بهجة الانطلاق. متماثلان عمرا، متقاربان طولا، متفجران ربيعا، كعاشقين جميلين فى قصص الأطفال.
ومرت الأيام، وتصورنا أن الحب يدوم، والسعادة تستمر، لم يخطر ببالنا أن الكدر يغشى الروح، والملل يُسمم الأيام!. لم نتصور- ولو كاحتمال عابر- أنه سيملّها، ويكف عن حبها. الفراشة لم تعد فراشة، ولم تعد ذهبية، بعد أن فقدت سحرها القديم.
كان مُحرجا، مُرهف الضمير، تُثقل المسؤولية روحه خصوصا وهى لم تُخطئ فى شىء. لكن هذا لم يغير من الحقيقة الثابتة: لم يعد يحبها، ويضيق بمجرد وجودها، وكنت أعرف أن هجره لها مسألة وقت، حينما يجد الشجاعة اللازمة، وقد وجدها.
لم يكن قاسيا، أو مولعا بصيد الفراشات، كل ما هناك أنه لم يكن قد نضج عاطفيا بعد، ولا يعرف ماذا يريد.
لكن كل هذه التفسيرات لم تكن تعنى الفراشة الذهبية بقدر ما يعنيها شىء واحد: ما الذى فعلته ليهجرها بعد أن ظل يطاردها لمدة عام؟


المصري اليوم
10/2/2010

حامل شعلة المخلدين
11-02-2010, 06:37 PM
لم أقرأ مقالا من قبل بروعة مقال: جمال الفعل الجريء

مقارنة رائعة بالتجرية الإسلامية التركية، وإن كنت غير مُطلع بشكل كبير عليها.. بشكل عام المصريون مولعون بنشوة القهر والرثاء للنفس.. يوم أن يقهرني شخص ما هو يوم سعدي، حيث سأملأ الدنيا صراخًا وعويلا وأُشهد العالم كله كيف أنني مُعذب مضطهد..

هذا غير الشعارات.. نحن نفكر في الشعارات قبل أن نفكر في الشيء الذي سنتظاهر من أجله..

أي لاقتة مظاهرات أو اعتصامات يمكن إعادة استخدامها في أية مصلحة أو مظاهرة أخرى.. حتى أنني لن أندهش لو وجدت ورشة في مكان ما من مصر لصاحبها: جمعه الموس لتأليف وكتابة شعارات المظاهرات..

الخلاصة أن المقال أعجبني.. ولأول مرة أجد مقارنة بين حركة إسلامية وأخرى شبيهة بها.. بدلا من المقارنات الدائمة بيننا وبين الغرب الذي نرفضها لأنه غرب "كافر" كما يحلو للبعض التحجج بذلك.

قيصر الصقيع
13-02-2010, 09:35 AM
أشياء عجيبة لا تحدث إلا معى. مثل ذلك الراكب الجالس جوارى فى الميكروباص، والذى أخرج جهازا عجيب الشكل، ثم نظر فى حذر قبل أن يهمس قائلا:
- هنا كوكو، أنا فى مصر، وجارى البحث والتنقيب. ثم أغلق الجهاز وراح ينظر إلينا فى فضول، فتملكتنى رغبة صحفية رهيبة أن أعرف سر المسألة. تظاهرت بالنوم لكى يتكلم بحرية، وبالفعل وجدته يخرج الجهاز المريب ثم يهمس قائلا:
- هنا كوكو، على فكرة أنا دلوقت فى الميكروباص (قالها فى انفعال وفخر وكأنه يقوم بمغامرة لا نظير لها.. عمل خطير لا شك أنه يثير إعجاب من يستمعون إليه فى الجانب الآخر).
فى هذه الأثناء كان الميكروباص يفرغ حمولته ويمتلئ عشرات المرات، وبرغم أن محطتى جاءت منذ زمن، فإن رغبتى فى استجلاء السر دفعتنى إلى تأجيل النزول.
راح يرنو إلى الشارع المزدحم من خلال نافذة الميكروباص مدققا، ثم فتح الجهاز للمرة الثالثة:
- هنا كوكو، لا يوجد أثر حتى الآن لسكان كوكب الزهرة.
عند هذا الحد لم أطق صبرا، فملت عليه قائلاً: هو إيه حكايتك بالضبط؟، كل شوية تطلع جهاز غريب وتقول: هنا كوكو، هنا كوكو، إيه الموضوع يا أخينا؟
(نظر حوله فى حذر ثم قال بلهجة عاطفية لا مبرر لها أبدا) شوف أنا ارتحت لك من أول نظرة وحبيتك، وحقولك كل حاجة..بس فيك من يكتم السر؟
-فى بير (قلت له مطمئنا)
- أنا كوكو من المريخ (قال وهو يمد يده مصافحا)
- ومحسوبك أيمن من الأرض. بس ما تآخذنيش حضرتك شكلك زينا ومش باين عليك أبدا إنك من المريخ أبدا!
- (فبدا وكأننى أصبته فى مقتل لأنه قلب شفتيه فى حزن كالأطفال) ما هى دى المشكلة. اضطريت اتنكر فى شكلكم، مع إن شكلى الحقيقى جميل جدا، وشى أخضر، وعينيا فى وسط صدرى وودانى فى ركبتى، حتى شوف!!
وفجأة وجدته قد تجسد كما وصف نفسه بالضبط. يا للهول! هذا الرجل كلامه صحيح. إنه قادم بالفعل من المريخ!!.
- (قال فى فخر بعد أن عاد إلى شكله الآدمى): بذمتك شفت حلاوة زى كده!. مش لهم حق بنات المريخ يموتوا فيا؟
- (قلت وأنا أتمالك نفسى بصعوبة): يا بختك يا سى كوكو، عقبالى.
- (قال وهو يتأمل وجهى برثاء): بصراحة صعب يا أيمن. مش حاكدب عليك، مناخيرك كبيرة.
- ( قلت وأنا أدارى أنفى بيدى): سيبك من مناخيرى يا سى كوكو وقل لى: إنت جاى تعمل إيه فى كوكب الأرض؟ (غداً ستنكشف المفاجأة المذهلة).


المصرى اليوم 13/02/2010

قيصر الصقيع
16-02-2010, 02:18 PM
لمن لم يقرأ مقال أمس الأول أنا فى الميكروباص، بجوارى كائن مريخى يفسر لى سبب مجيئه إلى الأرض حينما سألته سؤالا مباشرا: - إنت جاى تعمل إيه فى كوكب الأرض؟ - (رفع حاجبه المريخى فى دهشة): هم بتوع الكواكب الأخرى لما بييجوا الأرض بيعملوا إيه؟ - بيغزوها طبعا (قلت مبتسما ثم مستطردا): وطبعا جاى تجمع معلومات.
- أكيد، لازم أشوف الوضع على الطبيعة قبل ما أعطى الصواريخ إشارة البدء. أصل إحنا فى حرب مع كوكب الزهرة وخفنا يحتلوا الأرض ويحاصرونا، فقلنا نسبقهم. - وبعد ما تحتلونا حتقتلونا؟
- (فى كبرياء غاضب كمن أُهين إهانة لا تُغتفر): إحنا كائنات متحضرة، وأخلاقنا المريخية عالية أوى، وبحكم أعباء الاحتلال حنكون مسؤولين عنكم بالكامل.
- (فى فرحة غامرة): بتتكلم جد؟، يعنى حتأكلونا؟، فقال فى تأكيد: أكلكم، شربكم، سجايركم، كل حاجة علينا. - (أصافحه فى حرارة شديدة): اسمح لى باسم شعب مصر أقول لكم إننا بنرحب بالغزو، ويا أهلا، ويا ميت مرحبا.
- (متفاجئا): بتقول إيه؟ يعنى مش حيكون فيه مقاومة؟، فقلت له: إطلاقا
- (ناظرا فى ارتياب): اسمح لى، من واجبى إنى أنقل لهم كلام دقيق. إنت بتتكلم باسمك ولا باسم شعب مصر؟
- حاخليك تسمع بنفسك صوت الشعب (بصوت عال فى الميكروباص): يا جماعة، الأخ ده اسمه كوكو وجاى من المريخ، وبيقول إنهم جايين يحتلونا، وأكلنا وشربنا وسجايرنا عليهم، قلتوا إيه؟
- (صياح جماعى): هيييييييييه (طبول تظهر فجأة فى أيدى الركاب) مريخ مريخ، وحنتعشى، حنتعشى.. - (صوت يقود المجموعة) تنتخبوا مين. (صوت جماعى) كوكو. - وحبيبكم مين؟ كوكو. - ( فى ذهول) يا جماعة أنا باشكركم على مشاعركم الفياضة تجاه شعب المريخ الصديق. بس المفروض تقاوموا وترفضوا. - هو احنا لاقيين حد يأكلنا!. المهم أديك سمعت رأى الشعب. كلمهم بسرعة وقل لهم يركبوا صواريخهم وييجوا.
-(مترددا وهو يخرج جهاز اللاسلكى): هنا كوكو، ولو انى مش فاهم حاجة، لكن تعالوا!
وتنطلق عربة الأصوات فى شوارع مصر، والناس كلها فى فرحة عارمة فيما عدا سيدة واحدة لا تشارك فى الاحتفال ويبدو عليها الغضب الشديد. ترى ما حكاية هذه السيدة؟ (المفاجأة غدا).


المصرى اليوم 15/02/2010

قيصر الصقيع
17-02-2010, 10:00 PM
الوضع كما يلى: المرح يسود الميكروباص، كوكو يرمق فرحتنا فى دهشة، سيدة لا تشارك فى الاحتفال وقد بدا عليها الغضب الشديد. ثم تصرخ طالبة بأن يتوقف هذا الهُراء.
ليه يا مدام؟ (قلت لها متسائلاً)
قالت بصوت غاضب:
أنا مش موافقة على التهريج اللى بيحصل ده.
وحضرتك بتتكلمى بصفة إيه يا مدام ( قلت متفلسفا) ما هى الناس مبسوطة قدامك أهه!.
وهنا حدثت المفاجأة المذهلة. وجدنا السيدة تتلاشى ثم تتحول إلى حورية شديدة الجمال لا نظير لها على كوكب الأرض. ساد الصمت الذاهل لثوان ثم قطعته الفاتنة بقولها:
أقدم لكم نفسى: زوزو من الزهرة.
وعلى الفور بدأت الطبول ترن فى أيدى الركاب، ولكن بنداء مختلف:
زوزو.. زوزو.
فانحنت الحورية فى حركات استعراضية، وأرسلت القبلات فى الهواء لركاب الميكروباص وقالت:
قولوا ورايا: فليسقط المريخ.
(ركاب الميكروباص وقد انقلبوا على كوكو) فليسقط المريخ
الزهرة يعيش، الزهرة يعيش، كوكب المريخ ما يلزمنيش
الزهرة يعيش، الزهرة يعيش، كوكب المريخ ما يلزمنيش
(كوكو مذكرا) يا جماعة الأكل.. السجاير.
(ينقلب الهتاف فورا) كوكو.. كوكو.. مريخ.. مريخ
تقول زوزو بصوت عال:
الزهرة حتديكم أنابيب البوتاجاز ببلاش.
(تدوى الطبول) زوزو، زهرة.
(كوكو) قرارات علاج على نفقة المريخ؟
(تدوى الطبول) كوكو.. مريخ.
(زوزو) حفلات مجانية لأليسا ونانسى وهيفاء.
(هياج فظيع) هييييييييييه خلى بالك من زوزو.
(كوكو يقترب من زوزو قائلا) بأقولك إيه ما تسيبك من المجانين دول، دول عالم ما ينضمنوش. وشايلين الطبول حتى وهم رايحين الشغل، وبيصقفوا لأى حد.
(زوزو فى حيرة) والله عندك حق. أنا مستغربة من اللى بيحصل هنا.
ما تيجى نعقد صلح بين المريخ والزهرة ونخلع من الكوكب الملعون ده خالص؟.
(نظرت إليه فى دلال) تتجوزنى؟.
(كوكو يفتح اللاسلكى) أوقفوا الغزو.. الناس هنا مالهمش نظام ومش مضمونين، وأوقفوا الحرب مع الزهرة كمان، إحنا خلاص اتصالحنا (يقذف باللاسلكى من النافذة ويلتفت إلى زوزو قائلا) أموت أنا.
(ركاب الميكروباص يغنون فى سعادة فائقة وقد نسوا الأمر برمته) اتمخطرى يا حلوة يا زينة، يا وردة من جوه جنينة.
وتنطلق عربة الأصوات بالسعداء الذين يصفقون لأى شىء وكل شىء، وتستمر الحياة فى مصر على دقات الطبول كالمعتاد.

المصرى اليوم 16-02-2010

حسن حس
20-02-2010, 11:22 AM
انا متابع جيد لمقالات الدكتور أيمن , ولدي اكثر من 200 مقال له..
كانت هناك نغمة التشائم والالم من الوضع الحالي في مصر ..
ثم لاحظت انه عاد في مقالاته الجديدة للحديث عن الفول والعمائم الفاطمية..
اريد ان اعرف من الدكتور احمد متى سافر للسعودية وماهو السبب؟ ولماذا لم يكتب الدكتور ايمن مقالاً عن الدكتور احمد ولم يكتب الدكتور احمد مقالاً عنه..
من اجمل المقالات التي قرأتها للدكتور احمد مقاله الرائع عن الدكتور ياسر الجندي..

Dr.Ahmed
20-02-2010, 11:06 PM
تشاؤمه أصيل وجزء لا يتجزأ من كتاباته. الفول والعمائم الفاطمية جزءان حميمان من عالم أيمن الجندي .. أعتقد أنه أكثر أديب كتب عن البصل والمانجو في العالم !.. الفكرة هي أنه يعشق التفاصيل الحميمة خاصة ما يرتبط منها بالروائح .. عشق الروائح أصيل في أدبه؛ لدرجة أنني أشعر أن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند هي الرواية التي كان يجب أن يكتبها.
كنت في السعودية نحو عام 1992ثم سافرت مرة أخرى عام 2000.. أول مرة كانت للحصول على مال كاف للزواج، وثاني مرة كانت فرارًا من ذكرى أليمة، وقد كانت رحلة قصيرة تلك المرة ..
لم يكتب أحدنا عن الآخر لأننا متقاربان أكثر من اللازم. أنت لا تكتب مقالاً عن أخيك إلا في ظروف نادرة. أنا أعرفه وهو يعرفني جيدًا جدًا، لدرجة أن الكتابة عنه لا تختلف عن كتابة مقال عن نفسي. لكن لو مات واحد منا فلسوف يكتب الآخر مقالاً ممتازًا فعلاً !، وقد أوصيته مرارًا بأن يتحفظ في الكلام عني وقتها فلا يكتب كل شيء !. تكلم كثيرًا جدًا عني في الفيلم التسجيلي الذي قدمته الجزيرة لكن تم استبعاد هذا الجزء في المونتاج.

محمد عبد القهار
20-02-2010, 11:46 PM
السلام عليكم و رحمة الله:

منذ فترة طويلة كتبت عن التجربة التركية في خلفية مقال طويل عن أردوغان ،
بعنوان أردوغان الصدر الأعظم
http://www.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=36190

بما يفصل بعض ما أجمله الدكتور أيمن الجندي أحد كُتابي المفضلين دون مبالغة

ملحوظة بسيطة على فكرة إسلامية حزب العدالة ، في السياسة نحتاج للدليل و مقارنات الأفعال ، مثلا مبدأ الإسلامية قد ينطبق على أردوغان أو الخارجون من عباءة أربكان و مشكلي أول كتلة برلمانية لحزب العدالة الوليد آنذاك أما غير هذا و بسبب وضع الحزب كحزب توافقي و بعده في الحياة الداخلية في الجزب عن نمط الحياة السائد في عهد أحزاب أربكان الذي كان يشبه جماعة إسلامية عربية فليس كل من بالحزب تربوا ذات تربية القدامى و ليس كل الأعضاء إسلاميين حتى النخاع ، ناهيك أن الجواد الرابح كثيرا ما يلتف حوله المتربحون ،
فقط يمكننا القول باطمئنان أن حزب العدالة حزب وطني محافظ- كمحافظة الأحزاب المسيحية الأوروبية - استطاع أن يثبت أن الدول النامية بالديمقراطية و التأييد الشعبي و الحنكة السياسية تستطيع أن توجد لها هامشا اكبر من الحرية لصالح بلدها و رفاهيتها.

كل ما أخشاه على العدالة هو وجود أطراف توريطيين يدخلونها في مواجهة أربكانية لتتكرر المأساة الإغريقية بالخظر أو استشراء الفساد الذي أدى ظهور جزء منه لاهتزاز مكانتهم في انتخابات المحليات الماضية و حينها سترحب أحزاب الثلاثي المرح الرئيسية في تركيا بالاتحاد و الائتلاف سويا لطرح العدالة أرضا .
كل هذه الأمور ستحددها الولايات المتحدة و المواجهة الشرسة الدائرة حاليا مع الجيش تتحدى فيه العدالة و التنمية قانون تركيا الأعظم الذي لم يتم خرقه من عهد بايزيد الثاني و هو "من لم تسقطه الفتوى أسقطه السيف و ليحكم بعدها من تحت طوعنا من الأفندية" صحيح لم تعد الفتوى تصدر من شيخ إسلام و إنما من المحكمة العليا لكن القانون لايزال ساريا و دفع ثمنه العديد من السلاطين و السياسيين.
الله غالب!


أمر أخير يجعلني أشعر أنني قريب عقليا و قلبيا بشكل أو بآخر من الدكتور أيمن:
أحب فى اليسار انحيازه للفقراء، وفى اقتصاد السوق تشجيعه للقوى الكامنة فى الإنسان، وفى الليبرالية إيمانها بحق الإنسان فى تحديد مصيره، وفى الديمقراطية رفضها لاستبداد فرد، وفى المسيحية التغيير بالحب، وفى الصوفية عنايتها بالروح، وفى التدين الشعبى حب آل البيت، وفى المعتزلة إيمانهم بالعقل، وفى السلفية اهتمامهم بالدليل. تنوع يضاهى تنوع الكون من حولى فى ملكوت السموات والأرض

هذا منهجي من حوالي السنة أو أكثر




الحديث عن الجدار (الذى لم أذكر رأيى فيه بعد) يقودنى إلى حماس، والحديث عن حماس يجرنى فورا للحيرة والالتباس. ذلك أن هناك أسباباً للانتقاد وأسباباً للإعجاب.
مع معظم الأنظمة العربية لا تشعر بأى حيرة، فالأمور واضحة وضوح الشمس: جئنا بالقوة وسنبقى بالقوة، وثروات بلادنا ملك لنا، نغترف منها ما نشاء. مع الأنظمة الديمقراطية تشعر بالإعجاب: جئنا بإرادة الشعب وسنذهب بإرادة الشعب، وثروات بلادنا ملك لكم، نتعهدها من أجلكم كى تعيشوا فى رغد وهناء.
مع حماس ثمة أسباب للانتقاد وأسباب للإعجاب. حينما أشاهد عيونهم الحزينة ووجوههم المتعبة أقول لنفسى: من غير اللائق أن أنتقد رجالا وهبوا أنفسهم للموت والمقاومة. قديما قال المجاهد لصديقه العابد: «يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ»، فما بالك بى أنا الدنيوى الراكض خلف سراب الدنيا!.
لكن فى الجانب الآخر المسألة لا تُؤخذ بالعواطف والإحساس بالذنب، لأنها مصير شعب، بل مصير منطقه بأكملها، لو انساقت لأطروحاتهم لجروها إلى حروب غير متكافئة. وقتها تصبح النيات الطيبة وبالا علينا، إذ إن تقشفهم فى المعيشة وإخلاصهم الذى لا شك فيه ليس إذنا مفتوحا ليغامروا بشعوبهم بلا استئذان.
كما حدث فى حرب غزة الأخيرة، حين أعطوا إسرائيل المبرر - ولو كان واهيا - لكى تجتاحهم بالطول والعرض، ثم لم يعترفوا بخطأ الحسابات، بل اعتبروا احتمالهم للضرب دليلاً على النصر!!. وهو منطق غير موجود فى أى مكان فى العالم إلا عندنا.
واضح تماما أن (فقه الضعف) غائب تماما عن أذهانهم، وهو فقه يبيح قبول شروط مجحفة تصل إلى حد أن ندفع نحن الجزية! ولكن بشرط ألّا نستكين إلى الضعف ونعتبره قضاء أبدياً مبرماً، بل نعمل فى صمت وجدية لاستكمال أسباب القوة التى هى فى عصرنا الحديث العلم والتكنولوجيا، حيث تكفى ضغطة واحدة على زر لإبادة مدينة بأكملها.
البطولة ليست فى تقديم الشهداء عبثا كوقود حى، البطولة فى صناعة العلماء. مقاومة بالعلم، مقاومة بالاقتصاد.
من حسن الحظ أن مثال حماس ومثال عباس ليسا المثالين الوحيدين اللذين يجب أن نختار بينهما، فهناك مثال تركيا وماليزيا، اللذين أخذا بالعلم وأدوات الحضارة الحديثة، ولم يتمسكا بالشكليات التى استهوتنا، فأعادا لنا الثقة فى وعى المسلمين بدينهم.
وأنا لا يخامرنى شك أن هاتين التجربتين أقرب إلى استلهام روح الإسلام من تجربة حماس مع كامل الاحترام لها وتقديرى لظروفها.
حماس مقامها المقاومة، والمقاومة مطلوبة كنوع من توزيع الأدوار، لكن قُصارها هز الهيبة وإيلام العدو، أما الحل النهائى فيحتاج إلى تقدم شامل وصناعة حقيقية للغذاء والسلاح. قبلها تكون المواجهة انتحاراً.
خطأ حماس التاريخى أنها تسلمت السلطة، فقدمت ذريعة لعدو لا يحتاج ذريعة، وقد كان خيراً لهم لو تنازلوا عن السلطة - بعد أن تورطوا فيها - وعادوا إلى موقع المقاومة ومقام الجهاد.
حماس لا تقدم مشروعا للأمة، بل تقدم نموذجا للجهاد.


و هو ذات رأيي في حماس الذي لم أجسر على كتابته لذات الحرج الذي عبر عنه الدكتور في بداية مقاله.


لهذا دائما ما تكون مقالات الدكتور أيمن على قلة ما قرأته منها ذات طعم خاص جدا و أتمنى يا دكتور أحمد أن تبلغه برغبتنا في التواصل على صفحات المنتدى -و أنا أعلم أن له اشتراكا هنا -كما تتواصل حضرتك معنا و لو حتى من فترة لأخرى

تحياتي

كريم القرشي
21-02-2010, 12:27 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

موضوع متميز عن كاتب أقل مايُقال عنه أنه متميز ..

أول مرة أقرأ للدكتور أيمن الجندي كان في (بص وطل) .. بعد ذلك بدأت كالمحموم أبحث عن مقالاته في كل موقع إنترنت كتب فيه وأستطعت الوصول إليه ..

أحترم فِكره وأسلوبه الرائعبن .. ومن الكُتاب القلائل اللي بأقرالهم بإستمتاع شديد ..

ياريت فعلاً يا دكتور احمد - زي ماقال فارس - تبلغه برغبتان في التواصل معه هنا على صفحات المُنتدى .. ياريت ..

تحياتي،

كريم

Dr.Ahmed
21-02-2010, 08:03 PM
أبلغته فعلاً، فقال إن المشكلة هي أنه نسي كلمة المرور ولا يستطيع التسجيل من جديد. لو تفضل أحد المشرفين بإرسال اسم وكلمة مرور جديدين لي باسم (د. أيمن الجندي) فلسوف أرسلهما إليه ..

vipdoaah
21-02-2010, 08:25 PM
د.أحمد سأسل لحضرتك كلمة مرور جديدة لأشتراك د.ايمن نفسه وكذلك اسم المستخدم الخاص به الآن على الأميل..

نتمنى بالفعل أن نرى مشاركاته قريبًا..

تحياتي
دعاء

::تحديث::

تم إرسال البيانات الجديدة الآن بالفعل لحضرتك يا دكتور..

*أنس*
21-02-2010, 10:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مقال رائع جداً، من القلب إلى الورق مباشرة
الفكرة لا تكاد تفارق ذهني، كيف تكون حياة الملايين بهذا البؤس بسبب شخص واحد فقط !!

وجود باهت أقرب للعدم


أنا حى.. ولكن أى حياة!
كنت أتمنى أن تكون رحلة عمرى على ظهر هذا الكوكب سعيدة.. كنت أتمنى أن أستيقظ منتشيا ببهجة الصباح.. أخرج إلى الشارع - مثل السعداء فى البلدان الأخرى- فأمشى بين الخمائل والغصون. أبتسم لكل من أصادفه فى الطريق، أعرفه أو لا أعرفه، يكفى أننا زملاء فى (فصل) الإنسانية، يكفى أننا نجلس على (دكة) واحدة اسمها الحياة.
كنت أتمنى أن أعيش دون خوف.. يخجلنى أن أصارحكم بأننى خائف، رغم خصلات الشعر الأبيض.. خائف.. خائف، لأن بلدى لم يمنحنى الأمان قط، ولأننى أعلم علم اليقين أنه سيخذلنى حين احتاجه فى لحظة ضعفى.
أعرف أننى كائن فانٍ، واحد من بلايين المخلوقات التى عمرت هذا الكوكب الأرضى، وحتما ستغادره. أعرف أنها أيام أو أعوام وأرحل. مسافر فى رحلة قصيرة يعرف أن محطته المقبلة على وشك الوصول، مطلوب منى أن أدفع حساب المشروبات، وأحمل حقائبى وأستعد للنزول.
أعرف هذا وأفهمه، وإن كنت لا أهضمه. كانت رحلة طويلة وقصيرة، سعيدة وحزينة، مفرحة ومؤلمة. تتابعت المشاهد المتلاحقة من نافذة القطار. تعرفتُ على إخوانى من البشر المسافرين معى فى العربة نفسها. أحببتُ، كرهتُ، صادقتُ، عاديتُ.. فرحتُ طويلا وحزنتُ طويلا.. ثم ذاب الدخان فى الهواء، وأخبرنى اهتزاز القطار أننى مغادر، والأيام رحلة نقطعها، وحين أبطأ القطار عرفت أن محطتى المقبلة اقتربت، وعلىّ أن أستعد للنزول.
وها أنا ذا أغادر، أبتسم لجيرانى فى المقاعد الأخرى، أتجنب أن تسقطنى اهتزازات القطار.. المفتش يدقق فى التذاكر، الكمسارى يطلق صفارته، ورصيف المحطة على وشك الظهور.. وأنا أكتب فى عجلة على ظهر التذكرة قصة ما مر بى بسرعة. كلمة أخيرة لى.. ربما يذكرنى بها من يأتى بعدى، من يجلس فى مقعدى بعد أن أهبط من القطار.
هذه كلمتى أقولها قبل أن أذهب: لماذا اغتلتم فرحتى بهذه الحياة؟ لماذا يا سيدى الرئيس رضيت لنفسك ولأسرتك ولأتباعك المقربين الحياة الرغدة فى القصور الذهبية، والملايين بلا عد ولا حصر، وتركتمونا نتخبط كالسكارى بين المجارى والزبالة، نمشى فى الشوارع الحقيرة ونسكن المساكن الضيقة؟ يقولون إنك بمثابة الوالد لنا.. فهل يأكل الأب إلى حد التخمة ويترك أبناءه يتلوون من الجوع؟!
آه يا سيدى الرئيس لو تعرف كم أحببت الحياة! كم تمنيت أن أعيش تفاصيلها الصغيرة! آه لو تعرف الدهشة الكامنة داخلى وقدرتى على الفرحة بأبسط الأمور، بالصبح حين يشرق ويملأ الطرقات النور، بالشمس حين تفترش الأعشاب بالمحبة، بالعصافير ترقص للصباح، بالزهور تعقد مهرجان الألوان، بالنحل يغازل الزهور، بالفراشات تسبح فى النور، بالثمار الملونة تتعاقب على الغصون. هذه هى الحياة التى تمنيت أن أعيشها، ولكنى بدلا منها عشت بين فقدٍ وتمنٍ.. وركض وخوف.
يؤسفنى أن أقول لكم: لقد اغتلتم عمرى يا سيادة الرئيس.

المصري اليوم
21/2/2010

د.أيمن الجندي
22-02-2010, 10:30 AM
صباح الخير.
كل الكلمات الحلوة( وصنعتي الكلام) لا تسعفني للتعبير عن مدى امتناني وفرحتي بهذه الأستقبال الدافئ الذي غمرتموني به.
ربما يظن بعضكم أن الكاتب يعرف الغيب وتصله مشاعر القراء وهو في بيته، ولكني أؤكد لكم أن هذا غير صحيح، ومن الممكن أن يظل الكاتب في وهم أنه غير مؤثر وغير محبوب لأن القراء تصوروا أنه يعرف مشاعرهم ويقرأ أفكارهم. لذلك أقول لكم إن هذا الموضوع المميز منحني من الفرحة ما لا تتصورنه ومن الثقة أنني على الطريق الصحيح ما لم يكن ممكنا الحصول عليه بدونه.
شكرا لكم.
دعونا ندخل في المهم. أنا رجل متشائم بطبعي وأعتقد أن الأمور تسير دائما للأسوأ، لكني ارتكبت خطيئة التفاؤل مع قدوم البرادعي، وأشعر أن شيئا ملهما سوف تتمخض عنه الأيام في الشهور المقبلة، فهل تشاركوني الشعور؟
وما الذي نستطيع فعله بصراحة لكي يتم المخاض على خير. أنا في الأربعينيات ومن مصلحتي أن أعيش ما تبقى من عمري في حياة كريمة، أما أنتم ففي العشرينيات أي أنكم تدافعون عن عمركم ذاته، ذلك الذي فر من جيلي كوهم مخادع، كفراشة مراوغة.
إنني أؤمن تماما برجاجة عقولكم، أنتم ما شاء الله أبناء أحمد خالد ( وهو من هو) تعالوا هنا نقاشا يتم بلورته وعرضه في المصري اليوم حيث المجال الأوسع
ما هي العقبات المقبلة وكيف نتغلب عليها من أجل حياة كريمة؟

A D I E M U S
22-02-2010, 12:35 PM
الكاتب الرائع د.أيمن الجندي ..

ربما لم أجد الفرصه لأعلنها من قبل ولكنني من أشد قراءك حماساً .. :yupy:

إسمح لي يا أستاذي أن أعلق على موضوع البرادعي والأمل المتجدد .. :)

في حواره على برنامج القاهره اليوم مع عمرو أديب قال البرادعي كلاماً جعلني أفقد الأمل في أن يترشح للرئاسه فضلاً عن أن يفوز ..

دعنا نقتبس من كلامه ..

إنتوا إتسرعتوا وفهمتوا غلط أنا مش ناوي أرشح نفسي لإنتخابات الرئاسه غير لو الشعب هو اللي طالب بيا وحسيت ان نسبه كبيره منه عايزاني
هذه الجمله على الرغم من شاعريتها .. إلا أنها تضعنا في مأزق .. الرجل وضع الكره في ملعب الشعب .. إذا أردتموني تعالوا .. نفس ما حدث أيام محمد علي .. ولكن أيام محمد علي كان من أتوا به للحكم هم المثقفين وليست جموع الشعب من السودان حتى الإسكندريه .. وعلى الرغم من أن الدنيا قد تغيرت ووسائل الإعلام دخلت في كل مكان .. إلا أن موضوع (إرادة الشعب) هذا أمر لن يشكل فارقاً كبيراً في إنتخابات الرئاسه لعدة أسباب ..

أولاً : إن الحزب الوطني مشهور بتلاعبه بعقلية الناخبين .. من نوعية (خد نص الورقه ام عشرين ولما تطلع هنديك النص التاني ) المشهوره ..

ثانياً : الصعيد ، وهو يشكل جزءاً كبيراً من الشعب المصري .. لا يشارك في إنتخابات الرئاسه ولا يفهم في هذه الامور .. نسبه كبيره جداً من الصعايده قد تبلغ التسعين بالمائه (من الصعايده) لن تتحمس وتذهب جماعات وفرادى لعمل بطاقة إنتخابيه أو ترشيح البرادعي .. سمه كسل .. سمه تراخي .. سمه جهل .. سمه خوف .. سمه أي شيء .. ولكنه الواقع .. يكفي أن عدد من شارك من المصريين في إنتخابات الرئاسه الماضيه تسعة ملايين صوت فقط من وسط خمسه وأربعين مليون أو ربما خمسين مليون (إذا إستثنينا من هم لم يبلغوا السن الذي يسمح بمشاركتهم في الأمر)..

طالما أن البرادعي وضع ثقته في شعب مغلوب على أمره .. فأغلب الظن أن البرادعي لن يترشح .. وإن ترشح .. لن يفوز .. هذه هي الحقيقه على ضوء الواقع بكل أسف ..

آسف إن أطلت في الرد .. :o

محمد عبد القهار
22-02-2010, 01:23 PM
السلام عليكم و رحمة الله:

و الله الواحد سعييييييييييييييييد جدا برد حضرتك ، و بما إن حضرتك فتحت موضوع البرادعي ، بصراحة أنا عقلي قال مقال أنا كتبته قبل كده من فترة طويلة جدا ، تقريبا من أول مالحكاية ابتدت:

الانتخابات الرئاسية:...و مازالت عقدة المخلص مستمرة


في مفاجأة لم تكن متوقعة ألقى الرئيس المنتهية ولايته للوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي حجرة في المياه الراكدة في الحياة السياسية المصرية بتصريحه- الذي نقلته رويترز- في مقابلة بثتها شبكة السي ان ان الأمريكية أنه لا يستبعد خوض الانتخابات الرئاسية في مصر بشرط وجود ضمانات اساسية على ان الانتخابات المقررة في 2011 ستجرى بصورة سليمة قبل ان يوافق على خوضها.
لم يكن التصريح اكثر من إشارة إلا أن الأمر لم يحتج أكثر من ذلك ليكون سببا في نقاش و جدال لا زال مستمرا حتى الآن .



مقال البداية
في مقال بجريدة صوت الأمة كتب الشاعر عبدالرحمن يوسف تحت عنوان "البرادعي رئيسا،لماذا؟ و كيف؟" مؤيدا لخطوة البرادعي بشدة و أورد عشرة أسباب تجعل البرادعي-في نظره-رئيسا للجمهورية لمرحلة انتقالية كما سماها عبدالرحمن يوسف.
منها أنه خبير في العلاقات الدولية و ادار العديد من المعارك الدبلوماسية شديدة الحساسية بحكم منصبه كرئيس لوكالة الطاقة النووية فلا حديث هنا عن قلة خبرة الرجل السياسية.
الحقيقة ان هذا الكلام قد يكون في مهام دبلوماسية تحتاج دور "المحلل" كما هو الدور الغالب للوكالة الدولية( و هو ما يتم تحميله أكبر من حجمه حين توجه الانتقادات له و لمن يديروه و على رأسهم البرادعي بأنهم من الأسباب التي ادت لاحتلال العراق) لكننا لا نعرف أية مواقف واضحة للبرادعي من أي من القوى العظمى أو الإقليمية انطلاقا من كونه مصري لا يستبعد ترشيحه للرئاسة لا من كونه رئيس لوكالة الطاقة النووية فمثلا نحن نعرف موقفه من إيران بحكم منصبه لكن ماذا عن العلاقة من موقع رئيس مصر؟ ماذا عن المنافسة و مناطق النفوذ؟ إن هذا السبب الذي يعده كاتب المقال ميزة ثامنة بينما أعده إبهاما يحتاج لتوضيح فعلى الأقل نحتاج معرفة مواقف الرجل و خططه المستقبلية و تصوره لسياسة مصر الخارجية بدلا من الحديث عن أننا لا يجب أن نخشى على الرجل لأنه يعمل في السياسة منذ فترة طويلة! كما أن رضا الدول الكبرى عنه كرئيس لوكالة الطاقة النووية لا يجعلهم يرضون عنه كرئيس للجمهورية إلا إذا كان سيقدم تنازلات اكثر من التنازلات المؤلمة التي يقدمها النظام المصري بسخاء.

كذلك الحديث عن أن البرادعي في الوسط بين جميع التيارات فهو نتيجة غموض البرادعي أو عدم خوض البرادعي في الشأن الداخلي المصري أو في القضايا التي تخص المصريين بالصورة التي تجعلنا نعرف فكره بدقة و هذا للأسف ما يعده عبدالرحمن يوسف ميزة خامسة لترشيح البرادعي! قد أتفهم الكلام عن أن الرجل لم تورط في أي من خطايا النظام الحالي لكن أن يكون مغيبا كذلك عن أدق تفاصيل الواقع المصري فهو أمر يُعد نقصا فادحا و ليست ميزة نفرح بها فحديثه البسيط عن التعليم في برنامج العاشرة مساء رفض البرادعي فكرة مجانية التعليم الجامعي و أراد أن يكون الأمر مثل جامات الخارج بطلب قرض أو خلافه للتعليم حتى تستطيع الجامعات أن تنهض و تقوم بدورها و بغض النظر عن اتفاقنا و اختلافنا مع هذا الكلام،هل يعرف الشعب المؤيدون منهم و المعارضون هذا؟
هل ناقشوا هذا؟

إلى جانب تأكيد الكاتب على أن البرادعي رجل معروف و تم تلميعه إعلاميا بسبب حصوله على جايزة نوبل مما يجعله عصيا على التشويه الإعلامي من جهة و قريبا من الشعب متجاوزا التقيد بكونه قريبا من النخب فقط.هنا اريد أن أسأل،إذا سلمنا بالفعل أن البرادعي رجل معروف للجميع فبأي شهرة؟ أنه رجل حاصل على جائزة نوبل و للمفارقة أن الكثير من الشعب الذي يقول عبدالرحمن يوسف أنه قريب من البرادعي يظن أن البرادعي عالم ذرة مرموق! غير عالمين أن البرادعي تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة في عام 1962. وبدأ عمله في وزارة الخارجية المصرية في عام 1964 في (إدارة الهيئات) التابعة للوزارة التي كان يديرها آنذاك إسماعيل فهمي. وقد تدرج البرادعي في المناصب لنجاحه كقانوني ودبلوماسي متعقل، ونيله ثقة مدير (إدارة الهيئات) بالخارجية، حتى جاءته فرصة للالتحاق بالبعثة المصرية في نيويورك. فانتهز الفرصة وسافر البرادعي مع البعثة المصرية إلى نيويورك، وبعد حصوله على الدكتوراه من الولايات المتحدة وعودته إلى مصر في عام 1974 عمل كمساعد لإسماعيل فهمي (وزير الخارجية آنذاك) و امتد بالرجل المشوار السياسي من العمل بالخارجية إلى المحافل الدولية حتى وصل غلى منصبه الأخير لكن بالرغم من هذا تجد الكثير من فئات الشعب يتحدثون عن أن العلماء لا يصلحون للرئاسة مثل زويل و ..البرادعي!
ناهيك عن الأسباب غير المقنعة التي ساقها الكاتب من أن البرادعي مدني و أن سنه كبير فبالتالي لن يكون حريصا على البقاء في الحكم و ها نحن نرى مشروع التوريث يروج لرئيس مدني و امامنا مثال حي على تشبث الحكام كبار السن بالحكم!

تأييد إلكتروني
لم يقتصر الأمر على مقال الشاعر عبدالرحمن يوسف بل دشن العيد من أعضاء الفيس بوك و منهم عبدالرحمن يوسف بعض المجموعات التي تطالب بالدكتور البرادعي رئيسا للجمهورية وصل ببعضها أن كتبت في توصيفها :
عفوا السيد محمد البرادعي "
فان اختيارك لرئاسة مصر لا يعد شرفا يمكنك الاعتذار عنه
بل يعتبر تكليفا من الشعب
انه الطريقة الوحيدة لانقاذ مصر من الفوضى و الخراب ، واجب انقاذ الوطن لا توجد فيه خياراتاننا كمصريين نعلن تكليفنا للدكتور البرادعي بانقاذ مصر و الترشح للرئاسة 2011 تحت اي حزب مؤقتا حتى تعديل الدستور و الخروج من الازمة" و لم تختلف التعليقات على الفيس بوك في الغالب بين المؤيدين عن هذه المفردات.
هناك مجموعة أخرى ربما الأكبر من عدد الأعضاء حتى الآن أسسها الشاعر عبدالرحمن يوسف ارادت الاصطفاف خلف البرادعي لكنها لم تستطع التخلص من الأجندة كاملة فنرى الحديث عن تقييم النظام الحالي و ملف التوريث دون كلمة واحدة عن رؤية الرجل و برنامجه و اهدافه ،فقط الاقتصار على تصريح البرادعي بعدم استبعاده للترشح مع وضع شرط تعجيزي لا أدري كيف يتم ضمانه كتابيا كما تعجب الأستاذ فهمي هويدي متحدثا عن اعتقاده بأن النظام سعيد جدا بترشيح البرداعي و سعيه لاستغلال هذا الأمر ليستكمل فيلم الانتخابات الرئاسية الهزيل. لكن تم وضع كل هذا الزخم من كشف حساب عمره أكثر من ربع قرن و ملف التوريث كرصيد لدعم البرادعي و تحفيز الشعب من أجل الالتفاف حوله كرئيس قادم لمصر سيعيد لنا الأمل او كما قال أحد المعلقين على الفيس بوك أن البرادعي سيدعم الديمقراطية و التعددية و الحرية التي يريدها الشعب.

السياسيون أيضا

السياسيون كذلك لم يفوتوا الفرصة فهناك اللجنة الشعبية في حزب الوفد لتأييد البرادعي التي رأت أن دخول البرادعي من بوابة الوفد يجعله يتخطى العديد من العقبات القانونية و بنت برنامجا لها-كما نقلت الدستور- على ثلاثة مراحل من تحفيز الشعب و حشد التأييد لاستخراج بطاقات انتخابية لهم انتهاء باستطلاعات رأي دورية لقياس شعبية البرادعي.
و كما جاء في جريدة الشروق أن وكالة الأنباء الألمانية ذكرت في تقرير لها من القاهرة عن الاستعدادات لمبكرة للانتخابات الرئاسية أن قوى معارضة وحركات احتجاجية مصرية من بينها ائتلاف "مصريون من أجل التغيير" الذي يضم عددا من الشخصيات العامة ، والحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" بدأت في إقامة عدد من الدعاوى القضائية أمام محكمة القضاء الاداري بمجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا للطعن بعدم دستورية قانون مباشرة الحقوق السياسية الذي يضع شروطا على ترشح المستقلين للانتخابات الرئاسية اعتبرتها المعارضة" تعجيزية"".
كما نرى أن هناك سرادقا للتأييد تم بناؤه بسرعة و هو أمر يستحق التدبر و التأمل.


بانتظار المخلص
تشكل عقيدة المخلص في الوجدان الجمعي العربي ركنا أساسيا له قدسية لا يجرؤ أحد على لمسها،ربما السبب هو أن كتاب التاريخ في بلدنا كانوا يركزون في كتابة التاريخ من وجهة نظر السلطان فيقولون "سير السلطان عساكره إلى كذا" أو "نازل السلطان بجيشه العدو بظاهر كذا" فالسلطان و لا شيء غيره و هكذا كان كثير من مؤرخينا و شعاراؤنا الذين كانوا قضاة أو كتابا للسلطان من رجال البلاط يرون الأحداث و الخطوب من فوق عمامة السلطان فهو رجل قليل المزاح عظيم الهيبة وقور الطلعة تهرب من سيرته خيل الأعداء و يرغب في صداقته الأقوياء و يصير الطين في يديه جوهرا و يصير الشعب المستسلم المهزوم ، منتصرا ظافرا.
أما العوام فرأوا الأحداث و الخطوب في أيام الظلم من بين شقوق الجدران و تعرجات الحواري ليخرج أدهم الشرقاوي و سلفه علي الزيبق لينتصروا للعوام المظلومين و يعملوا لصالحهم ضد الطغاة بالقوة الفردية تارة و بالحيلة و الذكاء تارة ، ليظهر بطل يجسد كل أحلام الخلاص،يبطش بيد من حديد بدل من الأيدي المرتجفة المذعورة و يصرخ بالحق بدلا من الأفواه المكممة و يقف بنفس أبية ضد الظلم بدلا من النفوس المكبلة المكسورة.
إننا امام طغيان الروح الفردية و الشخصنة و الاختزال في رواية التاريخ الذي يُتخذ دائما منطلقا للرؤية إلى المستقبل.
إن القرآن الكريم و صياغته أسوة و قدوة لنا في صياغة حياتنا فكان حديثه الغالب عن المؤمنين أمة و جماعة،كان الرسول (ص) ليس رجلا خارقا استطاع بمحض قدراته الشخصية أن يجعل من هؤلاء المؤمنين خلقا آخر،بل الله و الله فقط هو من أنعم عليهم في تأكيد لأهم مبدأ في الإسلام و هو الوحدانية فيقول تعالى:
وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) (الأنفال)



إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال
} [ الرعد : من الآية 11]
حتى حين تحدث الله سبحانه و تعالى عن حرب بني إسرائيل مع جيش جالوت بين ان من قاتل مع طالوت لم يكن من أجل طالوت لكن من أجل إيمانه بالله و صبره و احتسابه ، لم يحدثنا القرآن عن أن طالوت قتل نفرا من الأعداء أو أنه كان يجندل الأبطال بضربة سيف واحدة ، فقط أخبرنا جل شأنه:"{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله } [ البقرة : 250ـ 251]

هكذا كان القرآن في احترامه للعقل البشري و تبصرته بسنة الله التي لا تتبدل و لا تتغير و في زمن الهزيمة الذي نعيشه لم تعد السيرة الشعبية تحتاج لعشرات السنين حتى تكتمل الحكايات و تنضج و تمتزج مزيجا يصعب فصله و رده إلى أصله لتخرج لنا سيرة متكاملة تنفس عن الشعوب المقهورة تنفيس صافرة إناء الطهي،بل و منذ انتشار الصحافة و جلسات الحديث الدائم في السياسة و مجموعات الفيس البوك و المدونات لم يعد الأمر بحتاج إلا إلى نقر على الفأرة و لوحة المفاتيح و تصميم جرافيكي و حجج نصف مخبوزة لنجد أننا بصدد بعض الأبطال الملهمين و طوفان من المنيات يتمنى عودة المخلص من عالمه الغيبي أو من سردابه أو حتى من القبر ، فالبخور يملأ المكان و السرادق معد و الدراويش يهتفون أن طال الانتظار فاخرج يا من ستجعل طيننا جوهرا و ترابنا ذهبا لامعا.

بولوتيكا!
حين خرج هذا المصطلح الشعبي خرج في فترة حرجة مليئة بالشعارات و الهتاف،امتلأت برفع الصوت بالحقوق فوق أي صوت كأن الحديث عن الحق يعطي كل شيء مجانا،حين يكثر الصخب و يتطاير اللعاب و تتشنج الأيدي و تلوى الأعناق لتكون بديلا عن الحجة و
و ربما يصل بالمتطرفين من المؤيدين أصحاب السرادق إلى جعل المخالفين في الرأي - الذين يؤمنون بالحاجة إلى شعب ملهم لا بطل ملهم ،يؤمنون بثقافة الحقوق قبل الواجبات- موافقين رغما عنهم على الفساد و الدكتاتورية أو أنهم انهزاميين و ربما خياليين أيضا لأنهم يرفضون فكرة البطل الملهم الذي يغير بظهوره كل شيء و يملأ وحده الأرض عدلا بعد أن مُلأت جورا !
من الحكايات الطريفة و المهمة في ذات الوقت ، تلك التي حكاها مالك بن نبي في إحدى مقالاته قائلا:
"كانت جدتي تقص لي العديد من قصص جحا، و إني لأذكر إحداها لما أرى فيها من دلالة بإشارة واحدة،على المعنى النفسي و المنهجي الذي أريد إبرازه في هذه السطور.

فقد كان جحا ذات يوم من أيام الشتاء الباردة يدفئ يديه مع بعض رفاقه ، وبينما هو حول نار موقدة في كوخ من تلك الأكواخ المنتشرة في المرتفعات الجزائرية إذا بالنار بدأت تخمد لنفاد الحطب.
قال الجماعة:
هلم نذهب فنحتطب في الغابة.
و هرع كل واحد إلى عدته و توجه إلى الغابة و كذلك فعل جحا،ثم رجع كل واحد بحزمة حطب إلا جحا فقد استبطأه رفاقه حين لم يعد و قالوا:
هلم نر ما صنع الله بجحا.
و اقتفى الرفاق أثر جحا في الغابة حتى وجدوه في ناحية و هو يلف حبله حول المئات أو الآلاف من الشجر.
سألوه: ماذا تصنع يا جحا؟

أجاب بطلنا:ألا ترونني أريد أن أحمل كل شجر الغابة مرة زاحدة حتى لا نعود فنحتطب كل يوم؟

ذهل الرفاق إعجابا بجحا و إكبارا له،بل خجلوا أمام محاولة ضخمة كهذه،خجلوا إذا لم يأت كل واحد منهم إلا بحزمة،ثم تضرعوا إلى جحا كي يترك محاولته هذه إلى يوم آخر،لأن لديهم ما يكفيهم ذلك اليوم بما احتطبوا هم"

ان الحديث عن إصلاح مجتمعنا على مذهب جحا-رغم أني أعوذ هؤلاء من سوء نيته- بهذه الطريقة العاطفية هو امتداد لخطاب معارض بعيد عن الموضوعية و الدقة ، يزعم أنه يريد أن يأتي بآلاف من أشجار الأماني بحبل واحد.نحن لا نرى كلمة عن منهج أي بطل ملهم يتم طرحه أو فكره بينما قناديل السرادق تزداد توهجا.
إن الخطاب السياسي الذي لا يخطئ هو الذي يعانق الضمير الشعبي و الفعل الشعبي ، هو الذي يقوم على أفكار مجردة يتم تعديلها ذاتيا تبعا لقواعد الشعب الذي يحتضنها -و هي قلما تخط لأنها علم- لا افكارا مجسدة في شخص تتحول و تتغير تبعا لإطارها المجسد و هي السمة الأساسية للسياسة العاطفية تجد مسوغاتها -كما يقول مالك بن نبي- من خسارتها لا من مكاسبها: فكلما تقطعت أنفاس الثور، و نزف دمه في حلبة الصراع،ازداد هجومه على المنديل الأحمر.إن العيون المشوشة و أصحاب الرغبات في الخلاص السريع السحري و هم يفكرون برؤوسهم المشجوجة من عصي الظلم تخفق صدورهم اللاهثة بدقات التسبيح من أجل ظهور المخلص الذي سيخرجهم من هذا الكابوس المزعج،إنه منهم و هم منه، سيعمل لصالحهم و في المقابل سيحبونه و يهتفون له و يتزاحمون حوله و يصيرون مريديه و دراويشه فقط لو يظهر...لو!



عقدة النقص

للأسف الشديد يشعر كثير من مؤيدي الإصلاح في بلدنا بعقدة نقص بالغة تجاه السياسيين خاصة المشهورين منهم.

إنها ذات العقدة التي شعر بها الحطابون و هم يرون جحا يلف حبله حول الأشجار بينما هم ينظرون في أسف إلى حزمة الحطب الهزيلة في أيديهم..نحن امام حالة اختزال واضحة للوطن كله في ترشيح غير مؤكد للبرادعي كمثال على عقدة المخلص التي نعاني منها ، أرى أشخاصا لا أنكر عليهم حبهم للوطن و لا انتماءهم له لكن الخلاف هنا هو عن الوطن و للوطن،مع احترامي للأستاذ عبدالرحمن يوسف ، فهو حين تحدث في مقاله عن رئيس لفترة انتقالية لم اجد سوى تفويض لمستبد عادل ، حتى التعليقات على الفيس بوك لم تخرج عن كونها تفويضا للبرادعي بعمل كل شيء.إن القول بمؤسسات و فترة انتقالية و أهل الخبرة لا أساس له بالمرة،إذ لو أن هذه المؤسسات موجودة بالفعل و لها وزنها فهي من تستطيع ان تفرض رجلا بعينه و حينها لن نحتاج لأحد من المشاهير فما هو في وجهة نظر المؤيدين لـ"نية" البرادعي للترشح سيتغير؟ (و بالمناسبة هي نية مرتبطة بشرط تعجيزي لا يمكن ضمانه كتابيا كما تعجب الأستاذ فهمي هويدي في مقاله عن تصريح البرادعي)
سيقولون انتخاب البرادعي و وصوله لسدة الحكم و السلطة فإذا نحن هنا نتحدث عن تفويض و عن مهدي سيملأ الأرض بمفرده عدلا كما مُلأت جورا.إنني اعلم أنهم يرون أنه هذا ما يمكن أن يفعلوه للوطن في هذ الصدد لكني اختلف كثيرا معهم.





اننا يجب الا نشعر بالنقص أبدا امام حزم الحطب الهزيلة التي في أيدينا من مجهودنا للإصلاح و التنمية و التوعية ،يجب ان نفخر بها و نعمل على تنميتها ، يجب ان نفخر بهذه الحزم لأنها ليست كلاما على شبكة افتراضية و ليست أمنيات هلامية أو قصورا في الهواء.

إنها حزم جمعناها بأيدينا تلبية لنداء الواجبات لا نداء الحقوق ، احتطبناها بالعمل لا بالتفويض للبطل الملهم،
هزيلة نعم،لكنها حقيقة و في أيدينا و تكبر يوما بعد يوم و هي ذات الحزم التي تحدث عنها البرادعي أنه يجب ان يقدم كل شخص للوطن ما يستطيع و هو الآن علمه و أعماله الخيرية و توعية المصريين بتصريحاته و أحاديثه.في النهاية كما قال هو نفسه نحن نجتهد و قد أكون مخطئا لكن لا بد أن نفكر معا و نجتهد معا مهما كان النقاش ساخنا او حادا.
ختاما أكرر أنني لن أشعر بعقدة نقص تجاه جحا مهما لف حبله حول الأشجار،إن البلطة لا تزال في يدي و هأنذا احتطب و حين ألف حبلي حول الشجرة أكون مؤهلا لأن انتزعها من جذورها لا ليشعر من أمامي بالخجل أمام أمنيتي.
ومن يدري؟
ربما نقتلع الشجرة قريبا





قلبي بيقول حتى لو دراكولا اترشح ، هنتخب دراكولا ، لكن الفكرة ان الوسط الثقافي اللي منه أكبر شريحة بتأيد البرادعي بتطالب انها تحصد حاجة مزرعتهاش ، بتطالب ان الناس تسمعها و هي منزلتش للناس ، نقول السبب قيود ، نقول ناس بتكتب لبعض و تكلم بعض، نقول أصلا كتير منهم بعاد في التقاليد و الأفكار عن عامة المصريين، نقول دخلوا ف خلافات ملهاش لازمة ، ماشي كل ده بس المحصلة النهائية ان مفيش ارتباط بين المثقفين النشطين (و هما نسبة أقل من المثقفين أصلا) و بين عامة الناس الذين يؤمنون بالقانون الأعظم الذي يحكمنا من أيام المماليك (اصبر ع الجار السو يا يرحل يا تيجي مصيبة تاخده) و (اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش) و (ان جالك الغصب خده بالرضا)
كونه هيتشرح و هيعدله الدستور عشانه ، لا أعتقد أن السادة متألهي الأوليمب سيتراجعون و لو شعرة و البرادعي حتى الآن في الجانب الآمن ،أي جانب النضال الدستوري الذي مازال حزب الوسط "يدلدل لسانه" فيه من أجل رخصة ، أنا أعرف انه سيخرج لي-أنا الانسان الغلبان الصامت المتهالك على متع الدنيا الماشي داخل الحيط-أحد على طريقة جحا بحسن نية أو سوء نية و يتباهى بحزامه الملفوف حول الشجرة ، حسنا لكن شجرة الفساد هذه متروكة جذورها الطفيلية منذ مئات السنين و لا يمكن اقتلاعها مرة واحدة.

ماذا سيفعلون؟
لا أدري إذا أرادوا توكيلات أو توقيعات أو حتى "أتر" من الشعب عشان نعمل عليه عمل للي ميتسموش أنا معاهم لإنه على هذا المستوى ليست لدينا فرصة أخرى -على الأقل الآن- لأن نصف العمى و لا العمى كله ، فقط نتمنى أن نرى بهذه العين الواحدة بارقة أمل ..أي أمل

a7med_Raslan
22-02-2010, 10:04 PM
مشاعر وطنية جارفة فى البلاد أفرزها زخم الانتصارات الكروية والمواجهة مع الجزائر. البرادعى يعلن استعداده للترشح لمنصب رئيس الجمهورية بشرط تعديلات دستورية وإشراف قضائى كامل ورقابة دولية. هجوم ضار عليه من كتبة الصحف الحكومية. حماسة شبابية ملتهبة لتأييد البرادعى. أنواع الجهاد المعروفة ثلاثة: جهاد اليد واللسان والقلب. وأُُُضيف إليها اليوم جهاد الفيس بوك.
البرادعى يعود لمصر. الجامعات تشهد تجمعات شبابية تُطالب بالتغيير. مقالات حماسية فى صحف المعارضة تبشر بميلاد جديد لمصر. الشباب يزيحون الأجيال القديمة ويتصدرون المشهد. تسريب البلطجية فى المظاهرات الشبابية للإخلال بالأمن. تدخل أمنى واعتقالات بالجملة. الشباب يتحدون السلطات. انتقاد دولى لممارسات السلطة المصرية. حالة ارتباك فى النظام السياسى وتخبط فى لجنة السياسات. يتقدم الحرس القديم لإنقاذ الوضع. يطلبون من (العيال) التنحى لأنهم مش فاهمين البلد، ولم يعد هناك وقت لتجارب الهواة. نصيحتهم: «استجيبوا لكل طلبات البرادعى، ولا تقلقوا من نتائج الانتخابات».
سوف يشرحون نظرية «الغرف المغلقة». تقول هذه النظرية إن اجتماع مجموعة معينة يتشاركون فى نفس الميول ووجهات النظر يُولّد لديهم شعورا خادعا بأن الجميع يفكرون مثلهم ويتبنون آراءهم، بينما الحقيقة أن (كتلة الشعب) فى واد آخر يلهثون خلف لقمة العيش.
كم عدد الناشطين ومجاهدى الفيس بوك؟، عشرة آلاف؟ مائة ألف؟ مليون؟. شوية شباب (مع بعضيهم) لا يعرفون أى شىء عن واقع الأقاليم.. الأقاليم هى التى ستحسم الانتخابات. الكتلة البشرية الهائلة التى نستطيع التأثير عليها بوسائل نعرفها جيدا وجربناها مئات المرات. لا أحد يستطيع الوصول إلى (كتلة الشعب) إلا الحكومة والإخوان. والإخوان نعرف (ديتهم) وفى مقدرونا (تثبيتهم) أو التلويح لهم حسب مقتضى الحال.
سنراهن أيضا على فهمنا للشعب، وحقيقة أنه مستفيد من الفساد. ربما تستهويه شعارات الإصلاح حين لا يدفع ثمنها. لكن حينما تدخل الأمور فى الجد سيتذكر أن من مصلحته بقاء الأوضاع على ما هى عليه، وبقاء نظام يسمح له بالتزويغ من العمل، وفتح الأدراج لتناول الإكراميات. لقد رتب هؤلاء أوضاعهم على الفساد وسوف يقاومون أى محاولة جدية لتغييره.
مرشح الحكومة لا يحتاج للتزوير حتى يكسب الانتخابات. والذى سيحدث بعدها أن الناشطين سيكتئبون قليلا ثم يشتمون الحكومة ويتهمونها بالتزوير. ولكن بمجرد أن تبدأ الدورة الأفريقية القادمة سينشغلون بمعركتنا الكبرى مع الجزائر.
(من فضلكم افعلوا كل ما فى وسعكم حتى لا يتحقق هذا السيناريو المشؤوم).

22/02/2010
المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88-%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D8%A2%D8%AA-%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9)

أرجو تخصيص هذا الموضوع للمقالات فقط و وضع مناقشة المقالات مع د أيمن الجندي في موضوع منفصل بذاته كما هو الحال مع باقي كتابنا الأعزاء

حامل شعلة المخلدين
22-02-2010, 10:33 PM
د. أيمن:

أرحب بحضرتك جدًا في المنتدى وسعيد جدًا لتواجد حضرتك معانا بالإضافة لدكتور أحمد العزيز :D

واسمح لي بالدخول سريعًا إلى النقاش، حضرتك تتساءل:

ما هي العقبات المقبلة؟

وجاء مقال حضرتك الأخير هنا ليكتب سيناريو يتوقعه الجميع.. متفاءلين كانوا أو لا..

المشكلة الحقيقية في نظري أنني أرى صعوبة ترشيح الدكتور البرادعي لنفسه، فهو لا يتبع أي حزب.. والدستور الذي تم تعديله رغم أنف الجميع، ينص أن على المترشح أن يكون رئيسًا لحزب.. والأحزاب عندنا سلطة عالية المستوى..

لا زلت أذكر رؤساء الأحزاب الذين قاموا بترشيح أنفسهم في انتخابات الرئاسة 2005.. لم يكن هناك واحد سوى د. أيمن نور، يملك برنامجًا انتخابيًا عليه القيمة.. كل واحد منهم فاكر أنه هيمسك رئيس اتحاد الطلبة مش رئيس الجمهورية..

ده غير من انتهت صلاحيتهم أصلا..

الآن لا أسمع صوتًا للأحزاب..

المهم.. هل من الممكن أن يتقدم الدكتور البرادعي لرئاسة حزب من الأحزاب المتواجدة حاليًا؟ هل ينضم للوفد مثلا باعتباره من أعرق الأحزاب المصرية وأكثرها تأثيرًا في تاريخ الحركة الوطنية المصرية قبل أن يتحول إلى ساحة لتبادل إطلاق النار بين أعضائه؟

لا أعرف..

دورنا نحن.. ماذا عنه؟

نحن لا يمكننا سوى دعمه إذا ما رشّح نفسه.. هناك حملة أطلقها بعض المدونين والنشطاء على الفيس بوك تحث الشباب على استخراج بطاقاتهم الانتخابية كي يكون عندهم صوت.. وكي لا يحدث تزوير..

سيكون علينا إذن استخراج البطاقة الانتخابية.. كي نتمكن من دعم المرشح الذي نريده سواء البرادعي ام دراكيولا على رأي العزيز فارس زين..

العقبات المقبلة في القيادة الحالية.. لن يتراجعوا عن الدستور الحالي.. سواء كان هناك توريث مخطط له، أم لمد فترة الرئيس الحالي.. سيتمسكون بالشرعية القانونية ويخرج علينا د. مفيد شهاب ليتحدث بلغة عربية فخمة عن القوانين وعدم تجاوزها وأن البرادعي مرحب به إذا جاء عن طريق حزب.. غير ذلك فهو غير شرعي.. وبالمناسبة هذا كلام د. أحمد فتحي سرور في لقاء ما شاهدته له منذ فترة.. وكدت أصاب بارتفاع ضغط الدم.. ده لو مكنتش مصاب به فعلا..


في البداية لم أكن أتوسم خيرًا في الدكتور البرادعي.. لكثير من الأسباب، كان أولها جهلي به، أعرف أنه مدير سابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحاصل على جائزة نوبل.. لكن ما خبراته وما الذي يجعله مؤهلا للمنصب؟ هذا ما كنت أجهله..

ثم قرأت حواراته في الجرائد.. شاهدته في التليفزيون.. وبدأت أشعر معه بالأمل فعلا.. لكنه أمل بعيد عن أمل المُخلّص أو المختار الذي سينقذنا من العذاب ويحررنا من العبودية..

لو رشح نفسه سأختاره هو..

لكن يارب نتوحد قبلها على واحد.. ولو من باب التغيير..



::::تحديث:::::


بالمناسبة يا د. أيمن، هناك موضوع هنا في المنتدى، يناقش فكرة قبول الدكتور البرادعي رئيسًا لمصر، ستجده في القسم السياسي: عين على الحدث

وهذا هو رابطه:

استفتاء: البرادعى رئيسا لمصر؟!!!!! (http://www.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=40518)


يمكن لهذا الموضوع أن يكون أكثر شمولا وتخصصًا في نقاشه في نفس الوقت :D

A D I E M U S
23-02-2010, 10:55 AM
د. أيمن نور، يملك برنامجًا انتخابيًا عليه القيمة.. كل واحد منهم فاكر أنه هيمسك رئيس اتحاد الطلبة مش رئيس الجمهورية..

أنا أكتر حاجه مستغرب منها يا أستاذ حامل شعلة المخلدين إن أيمن نور راجل حاطط إسهامه في إصلاح مصر رهن أن يصبح رئيساً للجمهوريه .. الإنسان يقدر يفيد بلده من غير ما يبقى رئيس ..

وكثيراً ما أشعر خلال متابعتي لأخباره أنه محب للمنصب وليس لتنمية دولته وإصلاحها .. ولا أعرف لم إستحق تلك الضجه التي تدور حوله .. الرجل لا يملك إسهامات تذكر في إصلاح مصر بالجهود الفرديه مثلاً .. ولم نسمع في يوم أنه أنشأ (زير مياه على الطريق يشرب منه العطشى حتى ) ...

ورد الذرا
23-02-2010, 12:29 PM
قلبي بيقول حتى لو دراكولا اترشح ، هنتخب دراكولا

لا أدري إذا أرادوا توكيلات أو توقيعات أو حتى "أتر" من الشعب عشان نعمل عليه عمل للي ميتسموش أنا معاهم لإنه على هذا المستوى ليست لدينا فرصة أخرى -على الأقل الآن- لأن نصف العمى و لا العمى كله ، فقط نتمنى أن نرى بهذه العين الواحدة بارقة أمل ..أي أمل




أنا كمان هرشح دراكيولا.. ده خرم إبرة فيه أمل، أبقى عبيطة لو ماستغليتوش!


في نفس الوقت الضجة الكبيرة اللي صاحبت وصول البرادعي فيها استباق هائل للأحداث كأنه اترشح فعلًا، امبارح اتناقشت مع دكتور صديقي (وهو رجل أربعيني) وكان من مستقبلي البرادعي في المطار، متحمس جدًا له، قلت: أنا كمواطنة مش الهيصة دي اللي هتخليني اعمل تغيير، الفعل بتاعي يوم الانتخابات ببطاقتي الانتخابية.
قالي: انتي معندكيش نزق الثوار (!)

البرادعي ماترشحش فعليا، والشروط اللي أعلنها عشان يترشح مش متوفرة أصلًا، فيه أكتر من سيناريو ممكن يحصل قبل ما ييجي ميعاد الانتخابات، جميل التفاف الناس دي كلها كأمل في التغيير، بس لو فيه 20 مليون مناصرين للبرادعي منهم 19 مليون مش عندهم بطاقة انتخابية أساسًا، يبقى ايه الفايدة؟؟

إعلانه عن برنامج انتخابي من عدمه مش هيفرق معايا إلا لو اترشح شخص تالت برنامجه أفضل، غير كدة.. كفاية بقى نظام (اللي نعرفه أحسن من الي مانعرفوش) لأن احنا من كتر ما مشينا جنب الحيط بقينا جزء لا يتجزأ منه!

*أنس*
23-02-2010, 10:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشـوارع حـواديت


طويل كحزن.. مفتوح كجرح.. ممتد كالزمان.. يلخص مصر نفسها، في كل أحوالها، من ماض جميل، إلى واقع قبيح، إلى مستقبل مجهول. شارع المعتصم حيث كانت تسكن جدتي، وتتناثر الفيلات العريقة، ويفوح الياسمين، وفي هدأة الليل يسود الصمت، ويخفق القلب، ويشتعل الحنين.
واللحن الجميل يتردد داخلي، كلمات صلاح جاهين المدهشة: "الشوارع حواديت، حوداية الحب فيها، وحوداية عفاريت".
الشارع مصقول كأظافر امرأة.. ناعم كبشرة طفل.. هادئ كأنفاس نائم.. حالم كأمنيات مراهقة، وفي كل ظهيرة يتجمع أطفال الحي، يركبون الدراجة.. يلعبون الكرة.. يحرزون الأهداف.. يمارسون الطفولة.. يتقمصون أدوار البطولة.. ينسجون الحكايات.
الطريق أمان، والسيارات التي تمر نادرة، وأصحابها معروفون بالاسم، في دنيا قليلة العدد كثيرة الرضا.. هنا عم فوزي البقال المسيحي، الذي يشتري منه المسلمون (على النوتة)، وهناك الكاتدرائية والمسجد يتجاوران في سلام، وبائع الفراولة الصعيدي إذا أزاح الغطاء فاح عبير الفراولة بأجمل روائح الربيع.
نقودنا قليلة، وفرحتنا كبيرة، وبحكم الندرة احتفظت الأشياء ببكارتها الأولى: شيكولاتة كورونا تبهجنا لشهر، وطعم "النادلر" يدوم حتى الظهر، وأبسط لعبة تجلب لنا السرور.. كنا قادرين على انتزاع البهجة من أصغر الأشياء.. ويتكفل خيالنا بالباقي.. كنا رحالة، وبحارة، وقراصنة، وعشاقا، وضباطا، ومخترعين.. نحلم باستمرار، ونفرح باستمرار، ونعشق باستمرار.. نتخاصم.. نتصالح.. نتصارح.. نتطارح أرضا مهزومين ومنتصرين.. كنا نتصرف حسب المتاح، والمتاح قليل، نصنع الكرة الشراب من أقمشة قديمة، ونلفها بالحبال، ونغلفها بجورب ممزق، ثم نلعب بها طيلة النهار، أو نشتري دومة بقرش (فننحتها) بسرعة، ونتبادل ركلها عبر الطريق، ثم يبقى مذاق الدوم بطعم الطفولة، بطعم الحنين.
"والشوارع حواديت"
اغتيال
أيام، ثم جاءت من بعدها أيام.
في البدء اغتيلت الفيلات واحدة تلو الأخرى، وارتفعت مكانها عمارات شاهقة كثيفة السكان.. ماتت كل شجيرات الياسمين.. ذهبت الروائح التي كانت تهاجمني عند انحناء الطريق، والخضرة المنبسطة خلف الأبواب المواربة، وهوانم الزمن القديم.. حتى وجوه البوابين اختلفت.. زمان كانت السمرة، والطيبة، والأبوة، والقناعة، والرضا بالقليل، واليوم قلق، وتربص.. شراسة وتعاسة وعدم أمان.
بيت جدتي تحول إلى مركز لغسل الكلى، والشرفة الواسعة بمساحة الطفولة أغلقوها كالزنازين ليستفيدوا بكل متر فيها.. ذهبت البراءة الأولى، وعاثت السموم فسادا في الأرض، وأصبحت مصر مرتعا لكل من يسول له ضميره تلويث الطعام، وتسميم الماء، وسرطنة السماد! فانتشر الفشل الكلوي انتشار النار في الهشيم.
في أول الشارع افتتحوا مطعما للفول والطعمية، ومع مخلفات الطعام انسد الصرف الصحي، وبدأ التسرب كعكارة الأيام.. شارعنا الأنيق تحول إلى بحيرة مجاري، والناس عمليون يعرفون أن الشكوى لا تجدي، وبسرعة تصرفوا، ونصبوا أحجارا متناثرة، وراحوا يسيرون فوقها كلاعبي السيرك في لعبة خطرة بلا بهجة ولا تصفيق!
مطاعم الوجبات الجاهزة افتتحت محلاتها، الواحدة تلو الأخرى، دون مبالاة بأنهار المجاري المتدفقة، ودون أن ينقطع سيل المترددين، في تعايش عجيب مع منغصات الحياة.. أغلبهم شباب يأكلون في شهية رغم بحيرة المجاري خلف الزجاج المصقول.
الشارع الممهد امتلأ بالحفر، ومخلفات البناء لا يرفعها أحد، والمجاري تجف وتفيض، والسيارات تنثره بالتساوي على الجميع، وجحافل المراهقين يملئون البلد، مشهد يصعب تصديق حدوثه في جيل واحد.. الفارق هائل بين أيام المجاري وأيام الياسمين.
اللحن أصبح جنائزيا بطيئا يتماشى مع واقعنا الحزين: "الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان، كل يوم يضيق زيادة عما كان، أصبح الآن بعدما كبرنا عليه زي بطن الأم ما لناش فيه مكان".
والشوارع حواديت...

a7med_Raslan
24-02-2010, 05:42 AM
مذكرات مواطن من طنطا


التاسعة صباحا: استيقظت سعيداً جداً وكلى إقبال على ‏الحياة. أحلق ذقنى وأنا‎ ‎أستمع لفيروز. كوب الشاى ‏بالنعناع أرشفه فى استمتاع. الحياة جميلة جداً ولا ‏جدوى من‎ ‎إنكار ذلك. أرتدى ملابسى استعدادا ‏للخروج. نثرت العطر على وجهى وملابسى. ‏واستنشقت‎ ‎عبير القهوة بسرعة، تسربت نسمات منعشة ‏من الشباك. فصل الشتاء الذى أعشقه وحلمت أن‎ ‎أطارده فى قارات العالم الخمس، فصل الحب ‏والرومانسية والمطر. قلبى يدق بسرعة‎. ‎رباه!! كم أنا ‏سعيد‎!‎
العاشرة صباحاً: أغلق الباب خلفى وأنا أترنم. أهبط ‏الدرج فى خفة عصفور يوشك على‎ ‎الطيران. بمجرد ‏أن أخرج إلى الشارع تصطدم عيناى بتلال القمامة، ‏أنظر بسرعة فى‎ ‎الاتجاه الآخر متشبثا ببهجة الصباح، ‏فتقع عيناى على تل آخر. الحل الوحيد أن أنظر‎ ‎للسماء‎.‎
العاشرة وخمس دقائق: زبالة، زبالة. يمينا ويسارا وفى ‏كل مكان. نحن ببساطة لا‎ ‎نحيا فى (مدينة بها زبالة) ‏ولكننا نحيا فى (زبالة بها مدينة). القبح يتسرب من ‏عينى‎ ‎إلى روحى، لكنى مازلت أقاوم. الشارع يسبح فى ‏المجارى كالمعتاد. تعتبر المجارى عندنا‎ ‎نوعاً من ‏حقائق الحياة. بالتأكيد يعتقد أطفال الحى أنها نهر دائم ‏الجريان ينبع من‎ (‎الببيه). أحاول أن أمشى على ‏الرصيف، لكن لا يوجد رصيف. الأسفلت مهشم ‏بالكامل. يبدو‎ ‎أن طائرات الأباتشى قصفت المدينة ‏ونحن نيام‎.‎
العاشرة وعشر دقائق: شارع المعتصم. محال الطعام ‏متناثرة على الجانبين، وشباب‎ ‎الجامعة يدخلونها بشهية ‏مفتوحة بعد أن تأقلموا مع الوضع. التأقلم مع القبح ‏جريمة‎ ‎تمنعهم من محاولة تغييره. يقضمون ‏الساندويتش فى مرح ويتضاحكون مع أصدقائهم وهم‎ ‎يطلون من خلف الزجاج المصقول على بحيرات ‏المجارى‎. ‎
فى نفس الشارع كاتدرائية ضخمة للإخوة الأقباط. من ‏المشاهد المألوفة عندى أن أرى‎ ‎المسيحيات الجميلات ‏المتأنقات فى ثيابهن أيام الأعياد يحاولن الاحتفاظ ‏بتوازنهن فوق‎ ‎قطع الحجارة المتناثرة حتى يصلن إلى ‏الكنيسة. سؤال وجيه: ألا يملك رجال الدين‎ ‎المسيحى ‏من الهيبة والمكانة الدينية ما يجعل صوتهم مسموعاً ‏عند المحافظة لتقوم بحل‎ ‎مشكلة المجارى المزمنة فى ‏هذا الشارع التعيس؟‎!‎
العاشرة والنصف: لا فائدة من التظاهر بالبهجة. ‏رحلت فيروز مع العطر وفرحة‎ ‎العطلات. الحياة كئيبة ‏ومقرفة وأتمنى الخلاص منها حالاً القبح تسرب إلى ‏روحى وغشانى‎ ‎الكدر. أسير فى المستشفى الجامعى ‏الغارق هو الآخر فى المجارى. ما يضايقنى أن‎ ‎المدينة ‏صغيرة جدا، وأى جهد للإصلاح ستظهر آثاره خلال ‏شهور‎.‎
الحادية عشرة صباحاً: اجتمعت مع زملائى لمناقشة ‏الأمر. أريد أن أنتقم من محافظ‎ ‎الغربية الذى تركنا ‏نعيش فى هذه المزبلة، ولكن كيف؟ جلسنا نقلب الأمر ‏على وجوهه‎ ‎المختلفة حتى اهتديت إلى فكرة مبتكرة ‏تكفل القضاء المبرم عليه! فكرة يمكنك أيضا‎ ‎استخدامها ‏مع محافظ مدينتك أينما كنت. ترى ما هذه الفكرة ‏المبتكرة؟. فكر جيدا‎ ‎وستعرف الإجابة غداً إن شاء الله‎.‎

a7med_Raslan
25-02-2010, 02:33 AM
كيف تنتقم من محافظ مدينتك؟


لمن لم يقرأ مقال الأمس.

أنا مع أصدقائى نفكر فى وسيلة للانتقام من محافظ الغربية الذى حول طنطا من (مدينة بها زبالة) إلى (زبالة بها مدينة).

اقترح صديق أن أكتب مقالا أُظهر فيه مدى التدهور الذى حل بالمدينة، لكنى استبعدت الفكرة على الفور. لقد أثبتت التجارب السابقة أن أى شكوى من مسؤول تعنى بقاءه للأبد. والعكس صحيح، هكذا شرحتُ لهم فى صبر، حب الناس- فى عرف الحكومة- جريمة لا تُغتفر.

أما لو أردتم القضاء المبرم عليه فحولوه إلى بطل شعبى، هذه تفاصيل خطتى الجهنمية التى يمكنكم أن تستخدموها مع أى محافظ تريدون الخلاص منه.

السبت: إنشاء رابطة لعشاق محافظ الغربية وإشهارها فى الشهر العقارى.

الأحد: جولات ميدانية لشرح تفاصيل الخطة وإقناع أكبر عدد ممكن من الناس الساخطين على أحوال المدينة بالانضمام إلينا. الكل يضحك فى مرح بعد أن فهموا الخطة.

الاثنين: طباعة ملصقات ملونة تشمل صورة المحافظ وهو يبتسم بأبوة وحنان وينظر إلى الأفق مع كتابة شعار غامض يحتمل الكثير من التأويلات، مثل «نحن معك يا كبير، وسرك حيفضل فى بير» بحيث يتساءل كل من يقرؤه عن طبيعة السر.

الثلاثاء: نشر إعلان مدفوع الأجر فى الصفحة الأولى من جميع الصحف عن شكر المسؤولين على حسن اختيارهم لمحافظ الغربية الذى قام بتحويل طنطا إلى قطعة من أوروبا، مع نشر صورته الحنون بالحجم الكبير.

الأربعاء: إنشاء جروب فى الفيس بوك للدعاية لمحافظ الغربية، والدعوة لاعتبار طنطا مدينة عالمية، وتنظيم دورة الألعاب الأوليمبية القادمة فيها.
الخميس: مئات المواطنين يتوجهون للشهر العقارى لتغيير أسمائهم إلى اسم المحافظ الحالى.

الجمعة: مظاهرة تطوف مدينة طنطا ترفع صور المحافظ وتهتف بحياته، ومظاهرات فى المدن الأخرى تطالب بانتدابه إليها. نيجيريا تطلب استعارته.

السبت: محاصرة جميع برامج (التوك شو) بالثناء على محافظ الغربية مهما كان الموضوع الذى يتم تناوله، فإذا كان الحديث مثلا عن أزمة الأنابيب، تتصل سيدة لتؤكد أنه لا وجود للأزمة بطنطا لأن محافظنا يحمل الأنابيب بنفسه إلى البيوت، ثم تجهش بالبكاء صارخة بصوت مختنق بالدموع بالشعار الغامض: «كلنا بنحبك يا كبير، وسرك حيفضل فى بير».

وحينما تتساءل المذيعة عن السر تتظاهر بالارتباك وتضع السماعة فورا.

الأحد: المحافظ يفهم الملعوب، ويؤكد أنه غير محبوب بالمرة، وأن أهل المدينة يكرهونه، وأزمة الأنابيب على أشدها، وطنطا لم يحدث بها أى إصلاح، ويُدعّم كلامه بالصور التى تُظهر قذارة المدينة. لكن أحدا لا يصغى له وسط الضجة.

الاثنين: مظاهرات عارمة لترشيح السيد محافظ الغربية لرئاسة الجمهورية نظرا لنجاحه الساحق فى تحويل طنطا إلى قطعة من أوروبا. مع تغيير الشعار إلى: «كلنا معاك يا كبير، سرك طلع من البير».

الثلاثاء: عزل محافظ الغربية. الله يرحمه.



المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%85-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%83%D8%9F)

محمد عبد القهار
25-02-2010, 02:57 AM
السلام عليكم و رحمة الله:

أول مرة أعرف إن دكتور ايمن بيكتب ساخر ، فعلا البلد دي بتفجر مواهب :D

المقال تحفة فعلا و دمه خفيف ، ربنا معاكو فعلا و تنتقموا من المحافظ لإن الموضوع ده أسهل بكتير من إصلاح المجاري ،
هو ممكن حل تاني انكو تجيبو وزير يسكن ف شارع المعتصم و ساعتها ان أضمن لكم إن المجاري هتتصلح فعلا




تحديث:
أرجو من الأعضاء الذين يضيفون مقالات الدكتور أيمن أن يذكروا مصدر المقالات و يراجعوا هذا التنويه

http://www.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=38000

تحياتي

الـقـادم لــيــلاً
25-02-2010, 01:02 PM
هل صدر لد.أيمن الجندي أي كتب من قبل ؟


لا يا أنس .. بتاتًا .. لكن عنده على جهاز الكمبيوتر مقالات تكفي 20 كتابًا بلا مبالغة.


إذن من كتب رواية دوار البحر ( تاريخ سكندري غامض ) التي صدرت مؤخرًا ؟ هل هناك كاتب مصري أخر إسمه أيمن الجندي ؟! ..

لأنني إشتريتها في معرض الدار البيضاء الأخير للكتاب من دار أفاق ..

محمد عبد القهار
25-02-2010, 01:40 PM
السلام عليكم و رحمة الله:
فيها حاجة نسيت أقولها ، إنه شارع المعتصم ده شبه شارع ورايا اسمه ابراهيم نوار و برضه فيه مطعم ، الشارع ده تقريبا عنده تبول لا إرادي ف أوله ، طبعا الشارع لا يحمل لي أي ذكريات لإن مدينة نصر زمان كانت صحرا أصلا و والدتي اما كانت بتروح بالليل كان فيه سواقين بيخافو م الديابة بس ده لا يمنع ان المنظر فعلا مهبب و بما إني من الشباب المراهق اللي بيدخل المطعم و ياكل ع الرصيف اللي قدامه إنه طالما الجو ماسخ ملوش ريحة لا حلوة و لا وحشة ، الحياة تستمر و على المتضرر شد مناخيره.
طبعا مش محتاجين نعمل حاجة مع محافظ القاهرة عشان السلاب دلوقتي شكله هيقوم بالواجب ، تصدقو ممكن دي تبقى خطة تنفع ف طنطا برضه :D

الأمل في الغد
26-02-2010, 09:27 PM
أنا سعيدة جدا بهذا المنتدى وأشكر قيصر الصقيع على هذه المبادرة التي أسعدتني كما أسعدت حتما كل قراء الكاتب القدير د.أيمن الجندي. فعلا الكاتب د.أيمن متميز جدا ولا بد أن يستثيرك أسلوبه الأدبي و الفكري الممتع والمبدع دوما. بدأت القراءة له منذ سنوات بموقع إسلام أون لاين ومنذ سنة تقريبا بدأت أتتبع مقالاته بمختلف المواقع. و منذ ثلاثة أشهر تقريبا منذ بدأ الكتابة بالمصري اليوم في عمود " الكثير من الحب" أصبح مقاله اليومي وجبة أساسية لي أفتتح بها كل صباحاتي. ورغم أنني كنت أندم أحيانا اني قرات له في بداية الصباح لما يحمله مقاله من شحنة الحزن فهو كاتب الحزن والتشاؤم كما تعلمون و كما اعترف هو بنفسه إلا أنه لا يلبث أن يتحفنا بين الحين والآخر بقصة رومانسية جميلة تنسينا بعضا من الحزن كقصة "شركاء في مؤامرة الحب" .
دمت لنا مديرا ل"مؤسسة الحب" ومدافعا عن العشاق والأحبة.
ما يثير الانتباه والإعجاب عند الكاتب أيمن الجندي بساطة أسلوبه مع بلاغته وعفويته. فهو يكتب عن حياة الإنسان العادي بتفاصيله اليومية وأحلامه وإحباطاته وتجاربه ومواقفه من مختلف القضايا. لا بد و أن تجد في مقالاته ما يلمس قلبك أو تفكيرك .
كما ان أسلوبه الساخر جميل جدا، فله بعض المقالات التي لا أشبع فعلا من إعادة قراءتها والاستمتاع بها.
دمت لنا مبدعا ومتألقا يا كاتبنا الساخرالكبير
أما عن كتاباته في الفكر والسياسة، فمواقفه دائما معتدلة وخطه دائما وسطي متسامح ومستنير. وهذا في رأيي الأقرب إلى روح الإسلام ومقاصده.:)

a7med_Raslan
27-02-2010, 08:06 AM
«إنّا ها هنا قاعدون» 27/02/2010


(واقفاً على قارعة الطريق، عند حافة الشارع يشكو ويئن ويتملل) حرام والله حرام اللى بيحصلى ده.

أنا تعبان زهقان غلبان.

أعمل إيه؟ أسوى إيه؟ مظلوم.

طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى.

حرام والله حرام.

يقترب منه رجل طويل القامة، مصرى الملامح قمحى اللون له عينان متعبتان وصلعة أبوية، ويبدو عليه الوقار ويسأله: خير يا بنى مالك؟

(متشبثاً بالفرصة) تعبان.

تعبان أوى أوى.

يرضيك كده بالذمة؟.

أقف على ناصية الشارع الوسخ ده، وقدامى شارع حلو نضيف جميل كله خضرة ومحال أكل وناس مبسوطة بتتفسح.

طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى.

حرام والله حرام.

(فى دهشة) طيب ما تعدى للناحية التانية؟

مينفعش.

قالوا لى أفضل هنا وهددونى لو عبرت الشارع ورحت الناحية التانية.

مع إنهم ساكنين هناك ومستمتعين بالحياة.

طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى.

حرام والله حرام.

(تتزايد دهشته) وبتسمع كلامهم ليه؟

عشان غلبان.

مكسور الخاطر.

والسكة خطرة والعربيات كتيرة.

واللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش.

عارف أنا واقف هنا من كام سنة؟ خمسين سنة ويمكن أكتر، مش بأقولك إنى طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى.

حرام والله حرام.

(فى تأثر شديد) خمسين سنة!، وساكت على الغلب ده خمسين سنة.

(فى تصميم)اسمع يا بنى.

أنا صحيح ما كنتش رايح الناحية دى. وكنت راجع بيتى استريح لكن أنا هاساعدك.

وهاعبر معاك الشارع للناحية التانية.

صعبة أوى.

مش حينفع.

ولاد الحرام كتير والعربيات بتعدى بسرعة والسكة خطرة.

يا سيدى أنا معاك.

واللى هيحصلك هيحصلى.

(فى تذاكى) طب اسمع.

ما تعدى الشارع لوحدك وتوقف العربيات، ولما السكة تفضى خالص ابقى أنا أعدى.

(فى دهشة) يا سلام!

(يشكو ويئن ويتملل) مش راضى.

أهه مش راضى.

طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى.

حرام والله حرام.

(مغتاظاً) فى إيه يا جدع، مالك؟

(مستنصحاً) أصل بصراحة شاكك أن لك غرض خبيث

(مصدوماً) أنا؟ غرض خبيث؟

(وهو يضيق عينيه فى دهاء) أنت بتصلى؟

(فى غضب) شىء عجيب.

إيه العلاقة بين إنى أعدى الشارع بيك وبين علاقتى بربنا، ده سؤال أصلاً مش من حقك تسأله.

(وهو يزر عينيه) يبقى ما بتصليش.

وأنا مستحيل أعدى الطريق مع علمانى (يشكو ويئن ويتملل) طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى. حرام والله حرام (وهكذا إلى الأبد).


المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%C2%AB%D8%A5%D9%86%D9%91%D8%A7-%D9%87%D8%A7-%D9%87%D9%86%D8%A7-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D9%88%D9%86%C2%BB)



======
تمت إضافة المصدر بواسطتي ، يرجى دوما ذكر المصدر أو وضع رابطا له :)

ZAGALO

محمد عبد القهار
27-02-2010, 11:50 AM
السلام عليكم و رحمة الله:
وأنا مستحيل أعدى الطريق مع علمانى (يشكو ويئن ويتملل) طول عمرى مظلوم.

كل الناس ظالمانى وواخدين حقى. حرام والله حرام (وهكذا إلى الأبد).

فعلا و هنا يبقى السؤال ، هو دراكولا علماني :D

Dr.Ahmed
27-02-2010, 04:50 PM
لا توجد لأيمن الجندي رواية اسمها دوار البحر ( تاريخ سكندري غامض) أيها القادم ليلاً، وهو لم يكتب رواية في حياته. ربما كان هناك كاتب آخر بنفس الاسم فعلاً.

محمد عبد القهار
27-02-2010, 06:16 PM
السلام عليكم و رحمة الله:

تعقيب جاء في بالي عن المقال ، حتى من وجهة نظر إسلامية القوي الفاجر تُسند إليه الأعمال أفضل من الضعيف التقي لأن القوي الفاجر قوته للمسلمين و فجره على نفسه أم الضعيف التقي فتقواه لنفسه و ضعفه على المسلمين.
هذا المعنى ركز عليه شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرا في كتابه السياسة الشرعية

تحياتي

a7med_Raslan
28-02-2010, 02:51 AM
زيارة إلى بيت السيد الرئيس 28/02/2010


جئتك يا سيدى الرئيس فى بيتك، بيت الضابط فى القوات المسلحة قبل أن يكون بيت رئيس الجمهورية.

جئتك كابن يقول لأبيه فى بساطة وحميمية: أرجوك لا تترشح المرة القادمة، وأفسح الطريق للبرادعى كى يدير مصر كما تُدار الدول الحديثة، ويأخذ بأيدينا إلى الحداثة والكرامة واحترام القانون».

هكذا رحت أتمتم بصوت منخفض، والمارة ينظرون لى فى دهشة، وأنا فى طريقى إلى القصر الجمهورى لمقابلة الرئيس.

وداعا للسلبية، باى باى للخنوع.

أيمن القديم انتهى.

أيمن الذى كان سلبيا ويؤثر العزلة ويبتعد عن وجع الدماغ ذهب إلى الأبد، وحل محله رجل جديد.

زعيم وطنى من الطراز الأول.

خطيب مُفوَّه تتزاحم الجماهير كى ترنو إليه، تقع تحت سيطرته، تدور فى فلكه، تُردد خطبه التى تلهمها بالأمل فى التغيير.

نعم أنتم تسيرون الآن بجانب رجل يصنع التاريخ.

كانت الدموع تتدافع فى عينى، وأنا أقترب من أسوار القصر.

أعرف أنه سيسمعنى.

سأقول له: «شكرا.

لقد أديت واجبك منذ أن كنت طفلا فى كفر مصيلحة، تلميذا فى مدرسة المساعى الحميدة.

أعرف أنك تعبت، كافحت، ركبت قطارات الدرجة الثالثة، التزمت بتقاليد العسكرية الصارمة، جاهدت فى الخنادق والثغور.

رمال سيناء تعرفك، سماء مصر تعرفك.

بعدها تسلمت السلطة التى لم تسع إليها، عملت بدأب وجدية، حاولت.

فى الولايتين الأولى والثانية كان أداؤك ممتازا واستطعت العبور بسفينة مصر بعيدا عن الأنواء الثائرة والأمواج العالية، بعدها أدركك ضعفك البشرى، كبر الأولاد.

طال العهد حتى نسيت العهد، وتخثرت الدماء القديمة فى العروق.

وأنت كما تعلم، لا تنقصك الحكمة: الطبيعة تجدد نفسها بنفسها، والخلايا تموت وتحيا باستمرار.

لذلك أرجوك أن تمنحنا الفرصة كى نختار.

أنت لا تعلم كم يعانى جموع الشعب، ربما تظن أنك تعلم، أو ترى الصورة أوسع وأشمل، تشاهد الخريطة بعين الطائر، من نافذة طائرة، وأنت طيار كفء قبل أن تكون رئيسا ومسؤولا عن البلاد.

لكن الذين يركبون الطائرة يشاهدون الصورة الإجمالية ولا يشاهدون التفاصيل الدقيقة لعذاب الكائنات. شىء لطالما لاحظته كلما ركبتُ الطائرة: تلوح القاهرة من نافذة الطائرة بحرا من الأنوار.

يقول سكان الكواكب البعيدة فى حسد: ما أسعد سكان القاهرة!.

لكنهم حين يهبطون إلى الأرض، ويشاهدون البؤس الذى نعيش فيه، يركبون صواريخهم على الفور، ويقولون فى هلع: ما أتعس سكان القاهرة، وما أبأس ما يعيشون فيه!

آه لو تعرف شجون الوطن، آه لو تشعر بما نحن فيه، بعمرنا الذى فر وضاع، بفقر الفقراء، بضعف الضعفاء، بأنين مرضى يتسولون علاجهم على أرصفة المستشفيات، بهؤلاء الذين أنفقوا أعمارهم فى مهانة وشقاء، جاءوا الحياة وغادروا الحياة ولم يظفروا بالكرامة لساعة واحدة، ومنتهى آمالهم قطعة لحم فى الأعياد.

يقفون فى مقام الذل منتظرين أريحية من يقف فى مقام العطاء.

وفجأة انتبهت من خواطرى على جندى يسألنى فى صرامة عما أريد، فقلت له فى قوة، بصوت عال مجلجل:

- جئت لأقابل السيد الرئيس.

ترى ما الذى حدث بعدها؟ هل قابلته؟ ماذا قلت له وبماذا أجابنى؟ وهل أكتب الآن من سجن طُرة أم من البيت، هذه أشياء ستعرفونها غدا إن شاء الله.


المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3)

صفحة د أيمن في موقع المصري اليوم (http://www.almasryalyoum.com/staff/%D8%A7%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%AF%D9%8A)

حامل شعلة المخلدين
28-02-2010, 10:08 PM
حلو جدًا المقال الأخير.. وبينتهي في جزء شديد الإثارة.. إلى المقال القادم إذن :D

a7med_Raslan
01-03-2010, 05:49 AM
الهدية 1/3/2010

الوضع كالتالى: أنا فى مدخل القصر الجمهورى أطلب مقابلة السيد الرئيس. وحولى رجال الأمن بوجوههم الصارمة وعيونهم القوية المتسائلة يسألوننى عما أريد. أحاول التظاهر بالثقة وإن كنت أشعر أننى ورطت نفسى فى مأزق مخيف.
وفجأة تقدم نحوى رجل طويل القامة طالبا منى فى هدوء مخيف أن اتبعه، أغلق الباب خلفى فشعرت أنه قبرى قد أُحكم إغلاقه. لاحظ توترى فابتسم وطلب منى ألا أقلق فازداد شعورى بالقلق. طلب الهوية فأعطيته الرقم القومى فدقق فى صورتى وابتسم (صورتى فعلاً مضحكة ولا تمت بصلة لملامحى)، ثم سألنى للمرة الألف عما أريد.
أريد أن أقابل سيادة الرئيس. أجبت للمرة الألف، فخيل إلى أن نظرة رثاء ارتسمت فى عينيه، وخامرنى شعور مزعج أننى أحلم. سألنى وكأنه يتوقع إجابتى مسبقاً عن سبب اللقاء، فأجبته أنه شخصى جداً، ابن يريد أن يفضى لوالده بحديث حميم.
ويبدو أن إجابتى راقت له، أو أن الأمر بدا له مسلياً لأن عينيه ومضتا ببريق فكاهى رغم ملامحه الصارمة، كمن يتوقع أن يشاهد عرضاً هزلياً، ثم رفع سماعة الهاتف وتحدث بصوت خفيض فعرفت أننى لن أصبح أبداً رجلاً مهماً، لأننى لا أملك موهبة التحدث فى الهاتف بصوت خفيض، ثم سألنى أن أتبعه.
فى الغرفة الواسعة شاهدته، ليس الرئيس طبعاً، ولكن أقرب مساعديه، وعاودنى الشعور الخيالى الذى أشعر به كلما رأيت وجها لم أره من قبل إلا على شاشات التليفزيون. صافحنى وهو غائص فى مقعده الوثير، وخاطبنى كأنه يستكمل حديثاً سابقاً.
وبدأ يكلمنى فى لطف مذهل:أول شىء عاوزك تعرفه يا دكتور أيمن أنك فى مأمن، وتقدر تخرج فى أى وقت دون أن يعترضك أحد. بل وأكتر من كده أنا هاعتبر أى شعور بالقلق من جانبك إهانة للسيد الرئيس.
أنت دلوقت فى بيت بطل من أبطال القوات المسلحة يعرف يرحب بضيوفه حتى لو مقدرش يقابلهم. وتأكد أنك حتخرج من هنا بهدية تناسب ثقافتك ومستواك الفكرى اللى هيتضح لى من خلال الحوار.
بذمتكم ماذا تتوقعون منى بعد أن سمعت هذا الكلام المريح؟.
ملأتنى الطمأنينة بعد أن ورطتنى حماستى. وشعرت أننى لا أحب أحداً فى الكون أكثر من سيادة الرئيس، وشعرت أيضاً أننى لا أريد أن أغادر بتاتاً هذا المكان اللطيف. وبدأت أفكر فى المعارضة، وفى الكلام الفارغ بتاع البرادعى، إصلاح؟، وهل يوجد شىء مائل ينتظر الإصلاح؟، الويل لكم أيها الأوغاد الناكرون للجميل؟
بصعوبة تمالكت نفسى وتذكرت مهمتى المقدسة بعد أن فاجأنى ضعفى البشرى الذى لم أكن أتوقعه، وملأنى الفضول نحو طبيعة الهدية التى قال إنها ستناسب ثقافتى ومستواى الفكرى الذى سيتضح له من خلال الحوار.
ترى ماذا حدث بعدها، وما هى الهدية التى أخذتها؟. يؤسفنى أنكم مضطرون للانتظار للغد رغم أن الفضول يقتلكم الآن.

المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%A9)

a7med_Raslan
02-03-2010, 11:20 AM
بمب وبالونة ولبان 2/3/2010


الوضع كالتالى: دفعتنى حماستى الوطنية إلى الذهاب لبيت رئيس الجمهورية لإقناعه بعدم الترشح وإفساح المجال للبرادعى. وهناك لم أستطع مقابلته ولكنى فُوجئت باستقبال دافئ لم أكن أتوقعه من أقرب مساعديه إليه، والذى وعدنى بهدية تناسب مستواى الفكرى والثقافى الذى سيتضح له بعد الحوار. من مصلحتى إذن أن أشحذ مواهبى لأنال إعجابه.
قال فى لهجة جادة: - والآن تكلم، عاوز تقول إيه للريس؟
تنحنحت وقلت: بخصوص الهدية.أأأ قصدى بخصوص البرادعى أنا شايف إن فترة حكم الريس اللى طالت ثلاثين عاما كافية، إذا كانت خيرا فقد أخذنا منه، وإن كانت شرا فقد اكتفينا به. ولازم- مع احترامنا لتاريخه الوطنى- إننا ندى الفرصة لقيادة جديدة لها فكر جديد.
(مبتسما) طب والريس؟، يروح فين؟
(قلت فى جدية تامة) يستريح. يستمتع بالسن الجميل «sweet age» كما يُسمّيه الأجانب. كلنا بنحلم باليوم ده بعد ما نؤدى رسالتنا. يجلس فى حديقة قصره يستمتع بالشمس وحب الناس، يتمشى فى الجنينه ويقرا جرايد وينبسط
عاوز الريس يقرا جرايد وينبسط؟ (قالها وهو ينظر لى فى فضول)
آه (قلتها مبتسما)
(وقد اتسعت ابتسامته) طب واحنا نروح فين؟
تستريحوا انتم كمان
(وهو يهتز من الضحك) ونقعد فى الجنينة نقرا جرايد وننبسط؟
آه (قلتها وأنا أضحك)
ونسيب هنا؟ (قالها وهو يكركر من الضحك)
آه تسيبوا هنا (قلتها وقد فطست من الضحك)
طب أنا حاسألك سؤال، بس إوعى تكدب أحسن تخش النار(قالها وهو يحرك سبابته فى وجهى ضاحكا) افترض أن دخلك فى الشهر ألف جنيه، وفجأة جاتلك شغلانة بعشرين ألف جنيه فى الشهر وجه حد ياخدها منك، حتعمل فيه إيه؟
(على الفور دون تفكير) حأقطّّعه. الرزق مفهوش هزار. يا واخد قوتى يا ناوى على موتى.
طب افترض أن شغلانتك بتجيبلك أكتر من كده بكتير!
دى مسألة مبدأ: عض قلبى ولا تعض رغيفى.(ثم خبطت على جبهتى وقد فهمت مغزى سؤاله) أخ فهمت. أما أنا غبى بصحيحََ!!. السلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته(وهو يفتح درج مكتبه) وآدى يا سيدى الهدية اللى وعدتك أنها حتناسب مستواك الفكرى. وأخرج بالونة راح ينفخها ثم ربطها وناولنى الخيط.
خد البالونة دى بس إوعى تطير منك، وده يا سيدى (وهو يناولنى كيس ورقى مغلق) بمب عشان تفرقع وتنبسط، وده لبان بس إوعى تبلعه(قالها محذرا وهو يدسها فى فمى) لما تزهق منه إبقى (تفّه). مع السلامة وابقى سلم لى على البرادعى يا حبيبى.

المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%A8%D9%85%D8%A8-%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%86%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86)


أعتقد أن المقال أجاب ببساطة على من يطالون بالخروج الودي للسلطة و يطالبون الرئيس بما يفوق طاقتة و هو التنازل عن العرش بمحض إرادتة

a7med_Raslan
03-03-2010, 09:12 AM
استنطاع

غريق. يهبط ويطفو، يغطس ويقب. يشرب الماء ‏المالح، يكافح الموج من أجل النجاة‎. ‎يصرخ بأعلى ‏صوته مستنجدا. وبالقرب منه يتجمع بعض المارة ‏يناقشون الأمر‎.‎
‎- (‎واحد) أكيد هدومه اتبلت‎.‎
‎- (‎واحد تانى) تفتكر حتنشف فى أد إيه؟
‎- (‎الغريق صارخاً) طلعونى الأول‎.‎
‎- (‎واحد تالت محذراً) إوعى. حيجيلك برد‎.‎
‎- (‎واحد رابع مستظرفاً) الحكاية دى فكرتنى بفزّورة ‏ظريفة أوى، عارف مين ينزل‎ ‎الميه وما يتبلش؟
‎- (‎واحد عاشر غلس) قديمة يا حج، العجل فى بطن ‏امه‎.‎
‎- (‎غاضباً) إنت معندكش ذوق‎.‎
‎- (‎محتداً) أهو أنت‎.‎
‎(‎الغريق ينظر بعيون فزعة إلى الملتفين حوله، ‏ويصرخ وهو يحاول الطفو بلا فائدة‎): ‎
‎- (‎واحد خمستاشر) إنت اسمك إيه وعمرك كام وساكن ‏فين؟
يقترب منه رجل طويل القامة، مصرى الملامح قمحى ‏اللون له عينان متعبتان وصلعة‎ ‎أبوية، ويبدو عليه ‏الوقار، وبدون أن يدخل فى جدال يتقدم لإنقاذ الغريق‎.‎
‎- (‎الواحد التالت) رايح فين يا أستاذ؟
‎- ‎حانقذ الغريق‎.‎
‎- ‎شىء غريب يا حضرة. إنت يعنى المنقذ البطل واحنا ‏مش ماليين عينك؟
‎- (‎واحد سبعتاشر) إنت فاهم غلط، إحنا بندرس ‏الموقف
‎- (‎يستعد لإنقاذ الغريق) على ما تدرسوا حيكون مات‎!‎
‎- (‎الغريق مستغيثاً) إنت شكلك راجل طيب. إلحقنى أنا ‏فى عرضك‎.‎
‎- (‎يخلع الجاكت) أنا جاى حالاً يا ابنى‎.‎
‎- (‎واحد عشرين) استنى هنا، لو انت أنقذته ده معناه ‏إنك الوحيد الناجح فينا واحنا‎ ‎كلنا فاشلين‎!‎
‎- (‎متضايقاً) طب اتفضلوا، مدوا إيديكم وخرجوه‎.‎
‎- (‎متفكراً) يا ترى درجة حرارة الميه كام؟ واتجاه ‏تيارات البحر فين؟ وإيه وضع‎ ‎الشعب المرجانية ‏وأسماك القرش؟ هل معانا تصريح؟
‎- (‎واحد تلاتين) هل هى مياه إقليمية ولا دولية؟
‎(‎الغريق) أرجوك سيبك منهم. دول ناس ميؤوس منهم. ‏إلحقنى أرجوك أنا باموت‎.‎
‎- (‎فى تأثر شديد) أنا جايلك يا ابنى، مش ممكن أبدا ‏أخذلك‎.‎
‎- (‎واحد يشده من يده) إنت جاى من بره، ومش عارف ‏الوضع هنا. وبعدين انت مش متخصص‎ ‎فى الموضوع ‏ده‎.‎
‎- (‎واحد يكعبله) مش حتعرف تنقذه، أنا متأكد. وكمان ‏انت معندكش عصا سحرية ولا‎ ‎خاتم سليمان‎.‎
‎- (‎واحد يتشعلق فى رقبته) لا للشعارات، نعم ‏للاستقرار‎.‎
‎- (‎الغريق صارخاً وهو يطلع الروح) حاموت ما ‏تسيبوا الراجل ينقذنى بقى، الله يخرب‎ ‎بيوتكم

المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B7%D8%A7%D8%B9)

قيصر الصقيع
04-03-2010, 11:01 AM
الرجل يسألنى: ماذا تريد؟.
الجدران عرفتنى وأجهشت بالبكاء. تعانقنى وتسأل عن أخبارى، والرجل يسألنى: «ماذا تريد؟».
شركة الكمبيوتر التى احتلت بيتى القديم الذى فارقته منذ خمسة أعوام. مات أخى ثم ماتت أمى وبعدهما رحل المكان. لم أعد أطيق أن أمكث فيه. ولوج الشارع مغامرة، ودخولى البيت فرن متقد. أدخله كعجين طرى وأغادره قطعة فحم، محترقا بالذكريات، وما بين العجين والفحم أتحسر على رغيفى القديم.
بيتنا فى شارع سعيد، كيف امتلكت شجاعتى وعدت!، كيف طاوعتنى قدماى على صعود الدرج. مدخل العمارة ممر إلى روحى، الدرج أعرف عدد سلالمه بالضبط، الباب موصد على تاريخى كله، والجرس غائر فى الحائط كجرح مندمل.
منذ كنت أشب على أصابع قدمى، ضاغطا على الجرس فى عجلة طفل لا يطيق الانتظار، عالما أن أمى ستفتح لى، بملامحها الطيبة وطرحة الصلاة تؤطر وجهها المستدير. لم أكن أفكر وقتها أن وجودها مناسبة تستحق الاحتفال، لم أكن أعرف أن الأيام تتوالى، والفقد كامن فى قلب الغد. لو كنت أعرف لحضنتها بدفء أكبر، وقبلت تجاعيدها بحنان أكثر، وغسلت قدمها بدموع أغزر.
والرجل يسألنى: «ماذا تريد؟».
..............
بعد الباب مباشرة توجد الردهة، قصيرة معتمة وتفضى إلى الصالة. البلاط مربعات صغيرة منمنمة أستطيع وصفها عن ظهر قلب. قدمى الحافية تعرف درجة حرارتها صيفا وشتاء. الموضع السرى لبلاطة مكسورة يتوهج الرمل تحتها منذ خمسين عاما، لم تلمسه يد غير يدى، والرجل يسألنى: «ماذا تريد!».
أين السفرة التى كانت تحتل الركن الأيمن؟، والأنتريه العتيق فى نهاية الصالة؟، أنت لا تعرف شيئا عن المسمار المثنى فى أسفل المقعد. ولا رأيتنى طفلا يتوسل إلى النجار العجوز أن يجعلنى أدق هذا المسمار، من وقتها والمسمار مزحزح عن مكانه، منثن على نفسه، غير متناسق مع باقى المسامير.
تاريخ هذا أم وهم؟
دقات الشاكوش أسمعها الآن، تتسرب إلى من الماضى السعيد. كل كلمة قلتها، كل ضحكة أطلقتها، دروسى التى طالعتها، الأغانى التى سمعتها، سهراتى أمام التليفزيون، مشاجراتى مع إخوتى، رائحة الطعام. لا شىء يفنى أو يغادر الأمكنة. يوجد ملايين منى فى كل شبر هنا، لماذا لا تصدق أنك تخترقنى - دون رحمة - فى الذهاب والإياب؟. بعدها تسألنى : «ماذا تريد؟».
................
أنت لا تعرف المكان مثلما أعرفه، السندرة المختفية فى أعلى المطبخ!،سرداب مفتوح على الماضى مباشرة، كانت أمى تخزن فيه البصل والثوم، حينما غافلتها وتسلقته طفلا أخافتنى العتمة، صرخت، قرر أبى إغلاقه. سده بالطوب وأخفاه بالطلاء فلم تعد تميزه عين. وبقى شبحى الصغير الخائف محبوسا داخله منذ ذلك الحين.
حينما تتحدثون عن الشقق المستأجرة، وحقوق الملاك فى استردادها، فتذكروا أن البيوت أوطان. تأخذونها بسكانها وأشباحها، بتاريخها وذكرياتها، بمشاعر نفذت من القلب إلى القلب، وأصوات ارتدت من الروح إلى الروح، تدخل فى شقوق الحائط، ثم لا تفارقه وإنما تكمن فيه. بعدها يأتى سكان آخرون، سكان متطفلون. سكان يسألونني: «ماذا تريد؟».
وها أنا أضطر لاصطناع مبرر لدخول بيتى القديم، بصوت مجروح أسأله:
- جئت لأشاهد أجهزة الكمبيوتر التى عندك، هل يمكن أن أعرف المواصفات؟

المصرى اليوم 04-مارس (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=246027&IssueID=1699)

a7med_Raslan
05-03-2010, 11:00 AM
قصة مواطن مصرى

على سرير خشبى قديم فى أحد البيوت المتهالكة كان (المواطن المصرى) يعانى سكرات الموت. الواقع أن ميتته كانت قاسية كحياته، فقد تناول الكوسة قبل أن ينام، ثم استيقظ على آلام حادة فى صدره وذراعه. لو كان طبيبا لعلم أنه مصاب بجلطة تدمر عضلة القلب بنجاح، وعليه أن يذهب إلى المستشفى الحكومى فى الحال، وإن كان ذهابه فى الغالب كعدمه. المهم أنه لم يذهب، وراح يتقيأ الكوسة ثم ما لبث أن داهمته غمرات الموت. نعم، من الواضح أن ميتته لم تكن شاعرية بحال، ولم تكن فيها أى ذرة من الشياكة!
لكنه - من باب العلم بالشىء - كان ينتظر نهايته فى رضا، لأنه يعلم أنه سيدخل الجنة! سيتوسل إلى الملائكة أن يمنحوه على الفور طبقا مليئا باللحم وأطايب الطعام دون انتظار يوم القيامة. لقد عانى كثيرا طيلة حياته ويكفى أن يحكى قصة حياته البائسة ليدخلوه الجنة على الفور.

..........

وجاءت سكرة الموت الأولى والمواطن المصرى ينتظر الموت.

كان مثالياً منذ مولده، ولم يتسبب فى إزعاج والديه على الإطلاق. لم يكن يصرخ كعادة الأطفال، إذ علّمته التجربة أن الصراخ سيفضى به إلى أن تحمله أمه وتهزه فى هستيريا حتى يصاب بارتجاج فى المخ، ويدخل فى شبه غيبوبة.. لذلك فقد آثر السلامة والتزم الصمت حتى لو تضور جوعا.

لا يعنى هذا أن أمه كانت تكرهه أو تتعمد القسوة، بل كانت تحبه ككل الأمهات، وتسعى إلى الترفيه عنه بحكايات مسلية مثل «أمنا الغولة» و«أبورجل مسلوخة» التى كانت تجعله يعجز عن النوم وهو يرتجف فزعا.

....................

وجاءت سكرة الموت الثانية

عندما كان طفلا بالمدرسة لم يكن يلهو مع أقرانه فى فناء المدرسة، لسبب بسيط أنه لم يكن هناك فناء للمدرسة! فقط مجموعة من الفصول المتهالكة، ثم دورة مياه لم يدخلها أحد ثم خرج بعدها ليحكى ما رآه، فمعظمهم يخرجون إلى مستشفيات الصحة النفسية مباشرة، وهناك المعلمة البدينة التى تعتبر الطفولة مرضا علاجه الضرب.. لذلك صار يميل إلى الهدوء، وظل ذلك طابعه على الدوام.

عندما التحق بالمدرسة الثانوية لم يفكر فى تدخين سيجارة أو مجاراة زملائه فى العبث مع معلميه، فقط لكى لا ينفث المعلم المطحون فى شخصه الضعيف عن متاعب الحياة.

....................

وجاءت سكرة الموت الثالثة

كان يذهب للجامعة، فيجد قاعة المحاضرات مكتظة مثل أتوبيس العتبة. فى البداية تزاحم معهم لكنه سرعان ما أحجم عن ذلك من جراء اللكمات الساحقة فى جنبه. ولطالما تمنى فى أعماقه أن يسند ظهره على الحائط، لكن المشكلة أنها كانت أمنية الكثيرين! كانوا لا يستغربون من الوضع أو يحاولون فهمه، وإنما تعاملوا معه باعتباره من حقائق الحياة، إذ كانوا يرون أنه من الطبيعى أن يُولد المرء فيُجلد بالسياط حتى الموت، هذه كانت الصورة الوحيدة التى يفهمونها للحياة.

ولما لم يكن لديه شىء آخر يفعله، فقد شرع يطالع دروسه فى تعاسة بالغة. أحيانا كان ينجح دون مبرر وأحيانا أخرى يرسب دون مبرر.

..............................

وجاءت سكرة الموت الرابعة

لقد انتهى من دراسته الجامعية، والتحق بوظيفة تشبه أى وظيفة أخرى فى أى مصلحة حكومية، بمعنى أنه كان لا يفعل أى شىء على الإطلاق. كان قد تشرّب حقيقة أنه يتقاضى الحد الأدنى من الأجر الذى يبقيه على قيد الحياة. أما الكماليات فلا وجود لها فى حياته ولا فى خياله أيضا، لكنه لا ينكر أنه يحظى بصحبة طيبة وسط زملاء يتشاجرون بالمطاوى ثم يتصافحون فى ود ويغدون أصدقاء حميمين، لذلك كان مستعدا لتصديق ما يقال إننا «أطيب شعب فى العالم».

......................

وجاءت سكرة الموت الخامسة

كان يحترم الرؤساء احتراما يصل إلى حد التقديس، شىء يشبه ما كان يشعر به جده الفلاح القديم صوب مندوب فرعون. ذلك الشعور الذى كان يدفعه للالتصاق بالحائط إذا سار الرئيس جواره.

صباحه كان يبدأ بطبق الفول وشىء يشبه رغيف الخبز ثم يرتشف كوب الشاى بسرعة ليلحق بالحافلة. ذلك العمل الأسطورى اليومى الذى يمارسه بسلاسة رغم جدارته بأبطال الإغريق. فهناك ملحمة أن تُميز الأتوبيس الخاص بك وهو يندفع نحوك ليدهمك، وهناك مهارة ركوبه وهو منطلق بأقصى سرعة، حفظ توازنك بنصف يد وربع قدم، ثم التسلل عبر فراغ افتراضى ثم تعاود التجسد قرب محطة النزول لتنثنى مثل قطعة حبل ثم تغمض عينيك وتقفز، والحافلة تهدر، والأسفلت ينسحب تحت قدميك فتهمس: يا بركة دعا الوالدين!

......................

وجاءت سكرة الموت السادسة

كان مستقيما فى علاقته بالنساء، لسبب بسيط أنه لم يجد أى امرأة تعبأ به. أما عن الزواج فلم تمكنه ظروفه المادية من أى تفكير جدىّ بالزواج، ولم يكن أمامه سوى أن ينتظر ويدمن الانتظار. كان مولده فى مصر مصادفة سيئة، ثمنها – ببساطة - هو نوعية الحياة. من حسن حظه أنه لم يعرف حياة غيرها ولا ذهب للعالم المتقدم أو أتيح له أن يلقى إطلالة عليه، وإلا لعجز عن فهم كيف يسير الناس فى طرق ممهدة لا تمتلئ بالزبالة، وكيف يمكن للشوارع ألا تسبح فى المجارى، والأغرب أنهم حين يشتهون اللحم يأكلون اللحم! أشياء محيرة حقا لو رآها لعجز عن الفهم.

من حسن حظه أنه لم ير أبعد من عالمه، وإلا استحال عليه فهم كيف تحيا بكرامة دون أن تُسرق أو تُهان، أو تُكرّس مليارات الجنيهات من أجل أمن شخص واحد، فيما يحيا فى المجارى باقى الشعب.

..........................

وجاءت سكرة الموت السابعة.. مات المواطن.. غادر جسده الترابى وتمت معجزة الموت التى تحول جسدا يضج بالحياة إلى دمية منكفئة على وجهها. همد قلب لم يجلب له إلا التعب. مات كأنجح ما يكون الموت.

إلا أن الأمور لم تسر كما تصورها. لم يشاهد ملائكة يرحبون به ولا مائدة عامرة بالأطايب، وإنما شاهد ما لا يبشره بخير!!. شىء فى ملامح الملائكة العابسة جعله يفهم أن الأمور لن تجرى كما كان يخطط.

كان يحاول أن يفهم ببطء ما يقال له: «الجنة مكافأة على عمل إيجابى تقوم به.. مجرد الصبر على حياة بائسة يمكنك تغييرها ليس مما يجعلك تنتظر تعويضا من الله. لو حاولت أن تعترض، لو غيّرت أو تغيّرت، لو رفضت وأعلنت الرفض، لو صرخت عاليا ولم تكتف بالبرطمة، لو قلت «لا» بعلو الصوت. لو اعتقدت داخلك أنك تستحق حياة أكرم من هذا، والله الذى كرّمك لا يرضى منك أن تقبل بالمهانة. لو أصررت على الكرامة لدخلت الجنة على الفور».

......................

هكذا مرت حياة المواطن المصرى، عاش يائسا ومات بائسا، وهكذا كان حواره مع الملائكة كما أتخيله. بصراحة لا أعرف نهاية القصة وهل سيدخل الجنة أم النار!. قلبى يقول إنه سيدخل الجنة، وعقلى يقول إنه سيدخل النار.

المؤكد أنه سيبكى ويتوسل، محاولا أن يثير الشفقة، وهو فى كل الأحوال لا يملك هنا إلا هذا، مثلما لم يكن يملك هناك إلا هذا أيضا. والمؤكد أن له ربا كريما، أما الذى سيحدث بعد ذلك فعلمه عند علام الغيوب.



المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%89)

كريم سنوسي
05-03-2010, 05:01 PM
قصة مواطن مصري وبيوتنا القديمه المسكونه بالحنين .. اروع مقالتين قرأتهم في الخمس سنين الماضيه مع مقالات دكتور أحمد خالد توفيق .. ماذا عن باقي المقالات؟..

يبدوا أن هناك من سينافس حبي لمقالات الدكتور أحمد في الفترة القادمه ..


***

إيه الروعه دي يا دكتور أيمن .. مقال كيف تنتقم من محافظ مدينتك مقال دمه خفيف بجد
كمان مقالاتك بشكل عام يا دكتور ليها مذاق الشيكولاته الساخنه في الشتاء .. أو عصير الفراوله الساقع في الصيف .. إستمر ومتعنا يا كبير .. وسرك هيفضل في بير .. نياهاهاهاهاها








تم دمج الردين بواسطتي لمخالفتهما البند الخامس من القوانين المنظمة للمشاركات ، يرجى الإنتباه مستقبلا وإستخدام أيقونة التعديل :)

ZAGALO

قيصر الصقيع
06-03-2010, 08:26 PM
فى حياة الأمم - كما فى حياة الأفراد - لحظة فارقة، إن أمسكت بها ارتقت فى طريق صاعد برأس مرفوع ويدين طليقتين. وإن حدث العكس وترددت فى لحظتها الفارقة هوت أقدامها فى هوة سحيقة تحتاج أجيالاً كى تنهض من جديد.
ونحن الآن فى لحظة فارقة فى تاريخ الأوطان.
حتى وصول البرادعى لم أكن أصدق بوجود شىء اسمه «الحل الجماعى». كنت أشعر بالغضب ممن يتلاعبون بعواطفنا الوطنية، أو يسوّقون وهماً اسمه «مصر». كنت أقول دائماً: «مصر سفينة غارقة والكل يتسابق على قوارب الإنقاذ، ولأن قوارب الإنقاذ شحيحة استولى على معظمها السادة، فحياتنا فى حقيقتها - وإن لم نعترف بهذا - صراع من أجل البقاء». ولأن أيدينا لا تطال المتسببين فى غرق السفينة فإننا نتعامل مع بعضنا بكثير من القسوة تلخصها أخلاقيات الزحام، وصدقنى: ليس هناك أقسى على الفقير من الفقير.
حتى أيام قليلة كنت خالياً من الأمل، وأغلب ظنى أننى سأغادر هذه الحياة وحال مصر أسوأ مما كان عليه يوم مولدى. كانت الأمور فى ذهنى واضحة: سفح كبير متسع، وهضبة صغيرة مرتفعة. السفح ملىء بالبؤس والمرض والمنازل الضيقة والشوارع الحقيرة المليئة بالمجارى والقمامة، وفوق الهضبة العالية منتجعات جميلة وحدائق متسعة، ونحن- الشعب المصرى بأسره - نزحف على بطوننا من أجل الوصول لقمة الهضبة، تسقط الأغلبية وتصل الأقلية المحظوظة التى أسعدتها أقدارها بالكفاح ضد الطبيعة القاسية والظروف غير الملائمة.
كلها حلول فردية: تسافر للخليج لتجمع ثروة، أو تغامر بحياتك عبر البحر إلى إيطاليا، أو تكون طبيباً يتصادف أن عيادته رائجة، أو مهندساً حالفه الحظ فى المقاولات، أو محترف دروس خصوصية. تغرس أصابعك، فى الرمال المتحركة وتستجمع قواك الكامنة وتزحف صوب الهضبة. لا تبالى أن تتسخ ثيابك أو تتسلخ ركبتك، المهم أن تصل، بعد عشرين عاماً ربما تصل، بعد أربعين عاما قد تصل، وربما لا تصل، فى الأغلب لن تصل، سوف يركلك أحد المتسلقين بقدمه وهو يزحف فوقك، فى كفاح الطبقات المتصارعة من أجل البقاء.
لم يفكر أحدنا فى الحل الجماعى.. إننا نستطيع ببذل نفس الجهد أن نُحوّل السفح إلى جنة، وبدلاً من صراعنا المستميت صوب الهضبة العالية، فى المنتجعات الجديدة، التى صار الوصول إليها جواز سفر أو جنسية موازية، كان لدينا مشروع قومى انهار بعد هزيمة سبعة وستين، ثم استجمعت الأمة إرادتها فى ثلاثة وسبعين، فهل نحن فى حاجة إلى هزيمة أخرى حتى نستجمع قوانا الكامنة؟.
ومنذ وقتها وحتى الآن، سبعة وثلاثون عاماً كاملة عشناها بدون مشروع قومى، واليوم جاءت اللحظة الفارقة، مع رجل طويل القامة، مصرى الملامح قمحى اللون له عينان متعبتان وصلعة أبوية، ويبدو عليه الوقار.
لا أحد يطلب من الشعب القتال أو العصيان، وإنما قليلا من الإيجابية. أشياء فى بساطة استخراج بطاقة انتخابية، إشاعة الأمل بين الناس، التحذير من اليأس. لو قلنا كلنا إنه لن يحدث شىء فبالفعل لن يحدث شىء. فليكن شعارنا شعار حملة أوباما «نعم أنت تستطيع».
أرجوكم، من أجل أطفالكم، لا تضيعوا هذه «اللحظة الفارقة».



المصرى اليوم 06-03-2010 (http://www.alamelarab.com/NEWSPA/almasry-alyoum.htm)

قيصر الصقيع
07-03-2010, 12:19 PM
باتعة وخضرة ومسعدة، مريضاتى فى المستشفى الجامعى القادمات من أعماق الريف، ببؤسهن الغالب وحزنهن اللاهب وتعبهن الناصب. وذلك السهوم الذى يميز نظراتهن وإحساسهن بالهوان. لا يعرفن شيئا عن وجود أى حقوق لهن فى الحياة. يعتقدن بإخلاص أنهن جئن الدنيا ليُجلدن بالسياط حتى الممات، وبالتالى فكل ساعة تمر عليهن دون ضرب بالأقلام أو ركل بالأقدام هى مكسب مؤكد تبتهج لهن وجوههن البسيطة المجعدة.
أشاهدهن كل صباح فى الشارع أمام المستشفى الجامعى، نحيفات، بائسات، يائسات، صابرات، قائمات بالحزن، متجلدات للمرض لا يقلن (الآه)، واقفات بلا حيلة أمام الأبواب، يرتدين ثياب الحزن والطرحة السوداء، وكأنهن يعرفن بالفطرة أنه لا حق لهن فى ارتداء اللون الأبيض وثياب الفرحة. أعيادهن فى المقابر، وإذا ضحكن دمعت أعينهن وقلن: «اللهم اجعله خيرا».
باتعة وخضرة ومسعدة، لا تغذية جيدة، ولا عناية صحية.. من الطبيعى - والحال كذلك - أن تمرض باتعة وخضرة ومسعدة، ومن الطبيعى أيضا أن يتجلدن ويخفين الألم، فإذا زاد على الحد تداوين بالوصفات الشعبية. وحين يفشل أطباء الريف بإمكانياتهم البسيطة، يبدأن رحلتهن المحتومة إلى المستشفى الجامعى فى أقرب مدينة.
باتعة وخضرة ومسعدة، يتسولن الرحمة مع الحبوب البيضاء. ويفرحن من أبسط معاملة، من كلمة طيبة، من لمسة حانية، من نصف جنيه. رحلة عودتهن إلى بيوتهن تكون أصعب بكثير. فى زحمة المدينة أشاهدهن فى حالة ضياع كامل، بعيدا عن بيئتهن الطبيعية حيث المدى الأخضر والأبقار الصديقة والحمير الصابرة. وسط السيارات المتتابعة يقفن متحاملات على أنفسهن فى حر الظهيرة، بين السيارات المسرعة، باحثات عن وسيلة مواصلات رخيصة تناسب نقودهن القليلة المصرورة فى منديل قديم. موقف أراه مستحيلا، فهل تحملهن الملائكة أم تطوى لهن الأرض ليعدن إلى قراهن البعيدة؟!
باتعة وخضرة ومسعدة، لا يعرفن أصلا أنهن بائسات، لأن الشىء يُعرف بضده، كما يُعرف الأبيض بالأسود، والليل بالنهار. وهن لم يذقن الرخاء حتى يعرفن الشدة. وحتى لو عرفن أنهن بائسات فإنهن يتقبلن الأمر بتسليم قدرى، كالزلازل والبراكين وسائر الظواهر الطبيعية التى لا سلطان عليها لأحد، ولا يخطر ببالهن أبدا أن سبب بؤسهن هو السياسة، أن كل مليون حرام، فى ثروة مسؤول فاسد، يعنى تلقائيا نقص الطعام على مائدة باتعة، وكل مصنع باعوه بالبخس نقصت بسببه النقود المصرورة فى منديل خضرة، والأراضى التى استولوا عليها دون وجه حق أنقصت عدد أكواب اللبن التى يشربها طفل مسعدة.
على الأرجح، خلال سنوات، سوف تموت باتعة وخضرة ومسعدة، ومعهن ألف خضرة وباتعة ومسعدة دون أن يعرفن أبدا أن عدد دقائق تصفيق نواب مجلس الشعب للرئيس يتناسب عكسيا مع حق باتعة فى العلاج السليم، وعدد فيلات إبراهيم سليمان أنقصت من مساحة بيت خضرة، وهروب رجال الأعمال بنقود البنوك هو السبب فى تناقص أعداد البط فى دار مسعدة.
وتبقى الحقيقة المؤكدة: مليون باتعة وخضرة ومسعدة تم اغتيال حقهن فى الحياة الكريمة.

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=246367&IssueID=1702)

a7med_Raslan
07-03-2010, 11:11 PM
(باتعة) عالمة ذرة و(خضرة) طبيبة و(مسعدة) وزيرة خارجية

أرجوك لا تستغرب العنوان، ولا تعتبره من قبيل الإثارة الصحفية، لأننى أعنيه حرفياً، وسأحاول التدليل عليه بشتى الإثباتات. أنت تظن أن باتعة وخضرة ومسعدة لا بد أن يظللن باتعة وخضرة ومسعدة، بوجوههن المجعدة وبؤسهن الأزلى وذرات الدقيق المتناثر على ثيابهن السوداء القديمة. بعبارة أخرى أنت تعتقد داخلك أن جيناتهن هى السبب، ويصعب عليك تصورهن فى حياة بديلة كلها كرامة وعزة نفس وإيجابية.
هل تتخيل أن باتعة - بنفس جيناتها وبنيتها الجسدية - كان يمكن لو نشأت فى إنجلترا مثلاً أن تصبح عالمة فيزياء نووية!! وخضرة لو تلقت التعليم المناسب لصارت طبيبة أمراض نسائية، ومسعدة - التى لا أغلب منها على وجه الأرض - كان يمكن أن تستهويها السياسة وتصبح وزيرة خارجية؟!
أنت غير مقتنع، والدليل هو ابتسامتك الخفيفة. طيب يا أخى ما الذى كان سيبلغه أوباما لو ظل فى أفريقيا، والسيدة رايس لو ترعرعت فى قرية مصرية! إنها البيئة والحضارة والسياسات التعليمية.
هؤلاء الأوروبيون الذين ننبهر بهم، وكابدنا عند لقائهم الصدمة الحضارية، كيف كانت حياة أجدادهم فى القرون المظلمة؟ كان تاريخهم سلسلة لا تنتهى من الأوبئة والقذارة والهمجية. بلاد خارج خارطة الوجود الإنسانى. ثيابهم رثة وجباههم ضيقة وعقولهم مغلقة. وظلام ما بعده ظلام. وافتقار إلى أبسط قواعد النظافة السلوكية. الحشرات الضارة كائنات صديقة.
وحتى لغتهم كانت غليظة ووحشية. لا يبدلون ثيابهم ولا يستحمون أبداً. ويبصقون فى الماء الذى يشربون منه. وحينما ذهبت جيوشهم إلى الشرق - تحت دعاوى دينية ومطامع استعمارية - أُصيبوا وقتها بنفس صدمتنا الحضارية. ورغم ذلك فإن جيناتهم التى تسربت إلى الأحفاد لم تكن عائقاً عن اكتشاف الذرة وصناعة الأدوية وابتكار المركبات الفضائية.
ولماذا نذهب بعيداً، وروايات المؤلفين الإنجليز والفرنسيين فى نهايات القرن التاسع عشر تُبرز مدى البؤس الذى كان يعيشه المواطن العادى آنذاك! كان دفع الجوع هو مشكلتهم الأساسية. ورغم المستعمرات الإمبراطورية والأمجاد العسكرية فقد كان هناك الكثير من الثقوب فى قلب الإمبراطورية، الثمن الباهظ الذى دفعه المواطن العادى من أجل هذه الرفعة، الضعفاء المطحونون بلا رحمة تحت رحى الأقدار الثقيلة.
الذى لا أستطيع استيعابه حتى الآن أنهم استطاعوا تجاوز هذا الواقع الكئيب، وصححوا أخطاءهم بسرعة، وهيّأوا الحياة الكريمة لأدنى طبقات الشعب. عدالة اجتماعية لم تعرفها حتى المجتمعات الاشتراكية.
مشكلة باتعة وخضرة ومسعدة تكمن فى البيئة المعادية والسياسات الظالمة التى اغتالت حقهن فى الحياة الكريمة، ومنعتهن من إبراز مواهبهن الفطرية. ولو كُنَّ يعشن فى أوروبا لكانت باتعة عالمة ذرة وخضرة طبيبة ومسعدة وزيرة خارجية. وفى عطلتهن السنوية يذهبن سائحات إلى القاهرة وهن يرتدين الجينز والنظارة الشمس، ليركبن الجمال ويشاهدن الأهرام وهن يحملن كاميرات الفيديو، وكلما شاهدن بؤسنا يقلن: «واو - wow.. كيف يتحمل هؤلاء المساكين هذه الحياة العشوائية! يلاّ بينا يا بنات نرجع بسرعة على أوروبا!».

المصري اليوم
(http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%B0%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%AE%D8%B6%D8%B1%D8%A9-%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9)

a7med_Raslan
09-03-2010, 10:36 PM
البعض يظن أن كتابة مقال يومى أمر صعب مع أنها أسهل شىء فى العالم. يكفى أن تقرأ بعناية تعليقات القراء. يكفى أن تُلقى بنفسك فى بحر الحياة الواسع. تركب قطارات الدرجة الثالثة، تحاول أن تفضّ خناقة، تذهب لأقسام البوليس وتسمع حكايات البشر، تجلس فى المصالح الحكومية وتُصغى لشكاوى الناس. بعدها ستصبح مشكلتك أنك لن تجد الوقت الكافى لكتابة آلاف القصص التى ستتراكم عندك.
الأدب ــ كقاعدة ــ يزدهر مع البؤس البشرى، البؤس الذى يُولّد المفارقة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، ومن هذا الفارق الشاسع تولد الفكاهة والكوميديا السوداء (هكذا ازدهر الأدب الروسى أيام تشيكوف وتولستوى). المقارنة ممتنعة - بل غير عادلة- بين أديب يعيش فى مصر وأديب يحيا فى بلد متقدم كسويسرا. هل يمكنه مهما أُوتى من الموهبة أن يبتكر أشياء كالتى تحدث عندنا كل يوم؟ أستاذة فى «طب طنطا» كتبت لتشكو من الرائحة القاتلة التى تنبعث باستمرار من حمامات الكلية فى الدور الأرضى.
ورغم أنها تمر بسرعة فى طريقها للمصعد فقد كانت توشك أن يُغمى عليها. الأديب السويسرى يبدأ يومه بالزهور وعندنا نبدؤه بـ(الببى) الراكد من عهد قدماء المصريين. ولأن سلامها النفسى كان مهددا بالانهيار بعد عودتها من ألمانيا فقد داخت السبع دوخات على العاملات والمشرفين فقالوا إن الكلية تصرف لهم (فنيك خفيف) يمكنك أن تشربه بالهنا والشفا كـ«فوّار» بعد أكلة دسمة!
اشترت- على حسابها- الفنيك المركّز فلم يُحدث فارقا يُذكر. الرائحة المرعبة ظلت تطاردها حتى وإن قطعت الردهة جرياً. لجأت إلى وكيل الكلية (لاحظ التصاعد الدرامى للحدث) فتبين أن السبب الثانى - بالإضافة إلى الفنيك الخفيف (هههه.. هذه الضحكة من عندى)- هو أن مناقصة تجديد دورات المياه التى تمت بالفعل لم تشتمل على تركيب سيفونات!!! (علامات التعجب من عندها)، وبدلاً منها ركّبوا حنفيات على مواسير مياه بلاستيكية قد انكسرت ولا سبيل لحل هذه المشكلة المزمنة سوى تكسير الحمامات من أول وجديد فى مناقصة جديدة لتركيب السيفونات. انتهت الحكاية فهل يستطيع الأديب السويسرى أن يبتكر مثلها مهما أُوتى من عبقرية؟!
وهذا التعليق المأساوى المكتوب فى الموقع الإلكترونى للجريدة تعقيباً على «قصة مواطن مصرى». يقول القارئ إن حكايته تطابقت تماما مع قصة المواطن (الزميل!!) فيما عدا أنه كان محظوظا بعمله فى الحكومة فيما التحق هو بالعمل الخاص بناء على واسطة. المشكلة حدثت حينما ماتت الواسطة وانقطعت المصالح مع المرحوم ففصلوه ببساطة!! والآن هو يبحث عن واسطة جديدة.
ومساهمةً من الجريدة فى حل مشاكل قرائها نعلن: «مطلوب واسطة مؤثرة بصحة جيدة، فعلى من يجد فى نفسه المواصفات المطلوبة أن يتقدم بعرض رسمى، على أن يُرفق بالعرض كشف طبى سليم ورسم قلب بالمجهود وتعهد ألّا يموت خلال عشر سنوات». فهل اخترق المتنبى الزمان واطلع
على أحوالنا، حين كتب بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكا»


ولكنه ضحك كالبكا
(http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D9%88%D9%84%D9%83%D9%86%D9%87-%D8%B6%D8%AD%D9%83-%D9%83%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%83%D8%A7)


تعليقي .. الجانب الذي ذكره د أيمن عن المستشفى هو جزء بسيط جدا من جامعة طنطا عموما التي تحتاج لبنية تحتية كاملة .. منذ حوالي أسبوعين أو ثلاثة حدث شيء جديد في كليتنا العزيزة .. المجاري ضربت في الكلية . لكن تم إصلاحها بسرعة حيث أن عميد الكلية يعبر هذا الطريق .. و طبعا الحل كان جذري بدرجة تسمح بعودة المشكلة بأسرع ما يمكن و هو ما أتوقع حدوثة قريبا . و هذا فقط ما زال جانب بسيط من أحوال المجمع الطبي الطنطوي . قصصنا تخرج من واقع أحوالنا

قيصر الصقيع
10-03-2010, 02:10 PM
الليل يوغل فى الظلام، والحوانيت تغلق تباعاً. معظم المكاتب فى البناية العجوز قد أغلقت أبوابها فيما عدا مكتب «الآلة الكاتبة». الزبائن ينصرفون تباعاً باستثناء فتاة الدبلوم المتعجلة التى تريد - بأى طريقة - تأجيل ما تبقى من عملها للغد، والفتى الحالم ذو الشعر المنكوش والهندام المبعثر يتوسل إليها أن تفرغ أولا من الكتابة. ينظر إليها فى توسل فتبادله النظرات فى سخط. يعرف أنه حين يخلو لنفسه سوف يضحك من هذا الموقف حتى توجعه بطنه، وسيجعله لا شك مادة للتندر مع أصدقائه.
ترى ما الذى تفكر فيه الآن؟، هذه المسكينة التى تضرب على الآلة العتيقة بأصابعها الكبيرة المطلية بالمانيكير الرخيص. لطالما اعتادت أن تكتب عليها أشياء موحية بالاحترام مثل رسائل الماجستير أو محررات رسمية، أما أن تكتب قصصا عبيطة فشىء - لا شك - يبدو لها مبتذلاً ولا يليق بتلك الآلة الصارمة الكئيبة.
ومن أين لها أن تعلم أن ذلك الفتى العشرينى - الذى تسقط الأوراق من يده ويبدو مثالاً حياً لكلمة «الدهولة» - سوف يسافر غداً إلى الكاتب الكبير «أحمد بهجت» بعد أن استطاع الحصول على موعد معه بمعجزة. راح يذاكر العنوان فى رأسه: مصر الجديدة، نفق العروبة، وبعدها ربنا يسهل.
وأخيراً انتهت الفتاة الملول من كتابة هذا الكلام الفارغ، فتنهدت تنهيدة النجاة وهى تلتقط حقيبتها المتواضعة هاربة من هذا الكابوس. هذا الفتى اللحوح الذى يبدو وكأن قصصه الفارغة أخطر شىء فى العالم. يمسك بالأوراق المكتوبة وكأنه يمسك بقلبه، وقد خامره شعور صبيانى أن قصصه أصبحت أجمل حين انتقلت من خط يده الردىء إلى الحروف المطبوعة. لا أحد يجرؤ على الاستخفاف بمطبوعات مكتوبة بخط الآلة الكئيب الذى يشبه المستندات الحكومية.
كانت البناية صامتة تماماً وهو يتعثر على الدرج. صافحه هواء الليل البارد فتوقف. ولم يطق صبرا حتى يصل إلى البيت. راح يلتهم الكلمات فى حنين على ضوء أعمدة النور الصفراء المصابة بالرمد الحبيبى، شاعراً أنها أروع شىء فى العالم. راح يتحسس الأوراق ويقرأ العناوين فى عناية: قصة مواطن مصرى، الغلاية، عصر الإنسان، جثة وبيجامة وأشياء أخرى، وغيرها من القصص التى ينوى أن يقدمها لأحمد بهجت.
لا شك أنه سيُذهل من روعة القصص، لا شك أنه سيبكى من فرط الإعجاب، وربما يتنازل له عن عموده اليومى حينما يشاهد تشيكوف الجديد، عبقرى القصة القصيرة المقبل من طنطا!
هكذا استغرق فى أحلامه وهو يندس تحت اللحاف البارد، حالماً بنشر قصته «قصة مواطن مصرى» بعد يومين على صفحات الجرائد! وبرغم أنه أغمض عينيه فإنه شاهد حروف اسمه مكتوبة بالبنط العريض.
الجمعة ٥ مارس ٢٠١٠
تم نشر «قصة مواطن مصرى» فى جريدة (المصرى اليوم) بعد خمسة وعشرين عاماً من هذا الموقف. عاودته الذكريات الحميمة فلم يملك نفسه من التساؤل: «كم خمسة وعشرين عاماً تبقت من العمر حتى تتحقق باقى أحلامه؟».

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=246602&IssueID=1704)

الأمل في الغد
11-03-2010, 02:37 AM
<P>&nbsp;</P>
<P>أخي قيصر الصقيع، أريد أن أعرف من فضلك المصدر الذي أخذت منه مقال "حب أيام الجامعة"<IMG border=0 alt=0 src="http://www.rewayatnet.net/forum/images/smilies/smile.gif" smilieid="1">.</P>
<P>&nbsp;</P>

قيصر الصقيع
12-03-2010, 11:57 PM
[quote=الأمل في الغد;803266<P>أخي قيصر الصقيع، أريد أن أعرف من فضلك المصدر الذي أخذت منه مقال "حب أيام الجامعة"
<P>&nbsp;</P>[/quote]
مقال حب ايام الجمعه كان قد تم نشره فى موقع بص و طل (http://www.boswtol.com/)من حوالى عام او عامين و كنت احتفظ به ضمن عدد من المقالات التى احتفظ بها لدكتور ايمن

a7med_Raslan
14-03-2010, 03:16 AM
- (هو) مش معقول! أيمن الجندى! يا سلااااام، معقولة يا راجل نكون زمايل فى المدرسة وما نشوفش بعض عشرين سنة (وكلام فارغ من هذا النوع).

- (أنا) حبيبى، روح قلبى. ده أنت واحشنى بشكل (مع إنى مش فاكر اسمه)، ده أنا ما بانمش الليل من حبك (كلام هجص من هذا القبيل).

- (هو) الواحد يا أخى عامل زى اللى بيلف فى ساقية وما بيرتاحش أبدا، فين أيام المدرسة الحلوة؟

- (أنا متصعباً) أيوه يا سيدى.

كانت أحلى أيام (مع إننا كنا بننضرب كل يوم) إنما يرضيك حال البلد كده! (مشيراً إلى كوم الزبالة جنبنا) ده إحنا عايشين فى مزبلة يا راجل.

- (فى حماس رهيب) أعوذ بالله. هى دى بلد، ولاّ ده شعب ولاّ ده نظام. عمرك شُفت حد يحكم تلاتين سنة، وعاوز يترشح تانى، وفى الآخر يورثها لابنه.

- (أنا متأثراً) والله شعبنا ده غلبان بشكل!

- (فى غضب هائل) ما تقولش غلبان. دى اسمها سلبية.

شعب عاوز يتركب، يبقى ما يركبوش ليه؟

- (فى سعادة غامرة لاتفاق الميول) طيب إيه رأيك فى موضوع البرادعى؟

- (فى تهليل) هو ده الكلام.

أى تغيير مطلوب.

المهم النظام الفاشل ده يزول (فى حماس ثورى) بجد كفاية لحد هنا.

لازم الشعب يتحرك ويقول لأ. عاوزين نعيش، عاوزين نقب على وش الدنيا.

- (فى تأثر شديد) تصدق بجد! أنا فرحان إنى قابلتك.

- (مندفعاً) كل حاجة ولها نهاية يا أيمن. الأمور وصلت لدرجة لا يمكن السكوت عليها.

الشعب قرّب ينفجر ولو حصلت ثورة الجياع احنا اللى حندفع التمن مش همه، لأنهم مش حيعرفوا يوصلوا لهم وحيمسكوا فينا احنا.

- (وأنا أمسح الدمعة) برافو عليك، طب إنت ناوى تعمل إيه؟

- (فى بساطة شديدة) ولا حاجة!

- (مذهولا) ولا حاجة إزاى؟! أمال إيه كل الكلام اللى كنت بتقوله

- (وقد انقلب مائة وثمانين درجة) أصل أنا ماعنديش بطاقة انتخابية.

هههههه ما طلعتهاش.

يا عم خلينا ماشيين جنب الحيطة هههه (متهلل الوجه وهو يقبلنى) بس بجد يا أيمن أنت واحشنى بشكل! أيام المدرسة دى كانت أحلى أيام! فاكر لما... (وكثير من الكلام الفارغ).


المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%B1%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D8%A7%D9%8B)

a7med_Raslan
15-03-2010, 09:32 PM
أنا وأمى والقمر


أغلب ليالينا كنا نقضيها فى منزل خالتي. أيامى تشبه المنمنمات الصغيرة فى سجادة شرقية زاهية. فى غرفة داخلية تجلس أمى مع أختها تتبادلان الحديث الحميم. أما نحن الأطفال فنمرح بين كل غرف المنزل. كالقطط الصغيرة نمرق هنا وهناك.
تتصاعد ضحكات صافية من القلب من أمى وخالتى تملأ فراغ البيت وتصطدم بالجدران فترتد علينا معشر الصغار أنسا وسرورا. تنقضى الأمسية سريعا ويغلبنى النعاس فأغفو فى أى مكان. حتى تأتى تلك اللحظة التى توقظنى فيها أمى. وتغسل وجهى بالماء البارد. تتبادل القبلات مع أختها ويمتد الحديث قليلا عند باب الخروج الموارب بينما أنتظرها ضجرا. نهبط الدرج فى خطوات مكتومة وأنا أنظر إلى الأبواب الموصدة. أخرج إلى المدخل المتسع وألقى نظرة سريعة على مرآة جانبية.
ثم يقابلنى الليل ببرودته ورائحته المميزة فينتبه وعيى قليلا. الدرب خال تقريبا والطريق إلى بيتنا يوشك أن يكون مستقيما، والسيارات نادرا ما تمر فى هذا الوقت من الليل. وبرغم ذلك تمسك أمى يدى بقوة. ألاحظ أشياء كثيرة بحس الأطفال المضخم. تتبدل ظلالنا من لحظة لأخرى فأصير عملاقا ويتملكنى السرور لذلك. أرفع رأسى إلى القبة السماوية الداكنة المثقوبة بالنجوم اللامعة. والقمر يسير معى خطوة بخطوة. ملامحه تبتسم لى. وأحيانا يبدو غاضبا. أسأل أمى فى فضول:
- لماذا يسير القمر معنا يا أمى ؟ فتجيب فى سرور وأذناها الصغيرتان تسمعان أصداء الضحكات السعيدة:
- لأنه يحبنا. وأهز رأسى موافقا وفى داخلى أعتبر نفسى صديقا قديما للقمر. ألاحظ منازله المتغيرة ليلة بعد ليلة. وبشكل ما أعتبر الكون بيتى الكبير. يبدأ مع بيتى وينتهى عند بيت خالتي. عند نقطة معينة فى الطريق يهاجمنى عطر الياسمين الذى يفوح من حديقة مجاورة. يصاحبنى لمسافة لا بأس بها حتى تلوح لى شرفة منزلى الغارقة فى الظلام. تعالج أمى الباب بمفتاحها فأنسل بسرعة مسرعا إلى غرفتى لأرتمى تحت اللحاف متألما ومتلذذا ببرودة الفراش التى تقتبس من حرارة جسدى. وفى دقائق معدودة أكون قد نمت.
أيامنا تمر. تختفى المنمنمات من حياتى وتبهت ألوان السجادة الزاهية. أمى ماتت وعبثا ما تفتش يدى عن يدها الصغيرة فى الفراغ. الدرب ازدحم بالسيارات والطرقات امتلأت عن آخرها بشباب عابث. وكل فسائل الياسمين تم اغتيالها. فيلات الحى الهادئ تهدمت ليرتفع مكانها بنايات عالية. والضحكات السعيدة غادرت الكوكب الأرضى إلى الفضاء السحيق ليسمعها سكان الكواكب البعيدة فيقولون فى حسد: أهل الأرض سعداء.
بيتى القديم تحول إلى شركة كمبيوتر أتجنب المرور جواره. قلبى بارد كنجم منكدر لا يمنح فراشى ولا ضلوعى الدفء. ويروعنى أن أكتشف أن الكون ليس بيتى الكبير كما كنت أتوهم بل هو فندق، لوكاندة الحياة التى تستقبل الزوار وترحب بهم، تمنحهم الدفء والأحلام والأمنيات فإذا استغرقوا فى وهم أنهم أصحاب البيت وجدوا أنفسهم خارجه.
يستقبل زوارا آخرين لا يشعر برحيلهم. وحتما فى درب آخر يسير طفل جديد مع أم جديدة، تشد على يده فى قوة، يرفع رأسه إلى القمر فى ود، ثم يهمس لأمه باكتشافه الخطير: - القمر يسير معنا يا أمي! كلمات تقال جيلا بعد جيل. تغادر الضحكات الكوكب الأرضى إلى الفضاء السحيق. القمر يخوننا، لا شك فى هذا. أهتف لأمى هناك فى مرقدها البعيد: القمر لا يعبأ بنا يا أمى الحبيبة.


المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A3%D9%85%D9%89-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1)

قيصر الصقيع
17-03-2010, 10:38 PM
قاهرة الأربعينيات: مصر ترسل المحمل احتفالاً بموسم الحج - بعثة المدرسين المصريين تصل إلى الكويت على نفقة الحكومة المصرية - العالم المصرى «مشرفة» يتلقى رسالة ود وتقدير من «أينشتين» - أم كلثوم تغنى رائعتها «رق الحبيب» – عبدالوهاب يلحن «كليوباترا» - مجلس النواب يرفض طلب الملك فاروق تجديد يخت «المحروسة».
عرب الأربعينيات: مجلة الرسالة يتخاطفها المثقفون فى سوريا - الأدباء السودانيون يحتفلون بانتهاء العقاد من تأليف «عبقرية عمر» فى السودان - الشباب العربى يحلمون بالالتحاق بالجامعة المصرية - الزوار العرب يندهشون من اتساع ميادين القاهرة وروعة حدائقها ونظافة شوارعها.
■■■
قاهرة الخمسينيات: الثورة المصرية عام ١٩٥٢ - تأميم قناة السويس - مولد زعيم عربى أسمر اللون متوهج العينين شديد الكبرياء - عدوان ٥٦ - المد القومى- مساعدة ثورة الجزائر.
عرب الخمسينيات يقولون: مصر دائماً فى الطليعة والصدارة، أنتم شقيقتنا الكبرى التى نعتمد عليها حتى نتخلص من الرجعية والاستعمار.
■■■
قاهرة الستينيات: حركة تصنيعية - بناء القطاع العام - السد العالى - نجاح الثورة الجزائرية - سيادة الثقافة المصرية والفن المصرى - مساعدات لكل الدول العربية - انفصال سوريا عن مصر - التورط فى حرب اليمن - هزيمة ٦٧ وانكسار الحلم القومى - النسر المصرى يلملم جراحه ويدمر إيلات ويبدأ حرب الاستنزاف.
عرب الستينيات: مظاهرات عارمة فى جميع البلاد العربية تندد بالعدوان على مصر - الشعب السودانى يلتف حول عبدالناصر ويجدد إيمانه بالحلم القومى - السعودية تطوى كل خلافاتها مع عبدالناصر من أجل استعادة الكرامة - العربى يقول: مصيبتكم مصيبتنا، والعدوان عليكم حدث بسبب العمل القومى، لذلك فنحن معكم وخلفكم.
■■■
قاهرة السبعينيات: موت عبدالناصر- انتصار ٧٣ - الصلح مع إسرائيل - ضرب المفاعل النووى العراقى - اجتياح لبنان.
عرب السبعينيات: حداد عام فى جميع الدول العربية على موت الزعيم - فرحة عارمة لانتصار ٧٣ - صدمة هائلة بسبب كامب ديفيد- العربى يقول: مازلنا نؤمن بالمعدن المصرى غير الموافق بالتأكيد على ما فعله السادات - والمصرى لا يرد لأنه مشغول بارتداء سبع فانلات فوق بعض للهروب من جمرك بورسعيد.
■■■
قاهرة مبارك: (الثمانينيات والتسعينيات والعشرية الأولى وغالباً الثانية من الألفية الثالثة).
انتفاضة الحجارة الأولى - مصر مقموصة من إسرائيل - غزو العراق للكويت - مصر مقموصة من العراق - أمريكا تدمر العراق - مصر مقموصة من أمريكا - إسرائيل تدمر لبنان - مصر مقموصة من إسرائيل - حزب الله يضرب إسرائيل - مصر مقموصة من حزب الله - حماس تقاوم إسرائيل - مصر مقموصة من حماس - إسرائيل تعتدى على الأقصى - مصر مقموصة من إسرائيل (وهكذا إلى الأبد).
عرب نفس الفترة: جثث المصريين تعود فى صناديق من العراق - طرد المصريين من ليبيا - ترحيل العمالة المصرية من الأردن - جلد الأطباء المصريين فى السعودية - حرق الممتلكات المصرية فى الجزائر - ضرب الجماهير المصرية فى السودان «علقة سخنة» (هههه: هذه ضحكة من عندى، وشر البلية ما يضحك!).


المصرى اليوم (http://www.alamelarab.com/NEWSPA/almasry-alyoum.htm)

a7med_Raslan
21-03-2010, 03:37 PM
حياتنا الجميلة التى خلقها الله

نُنفق أيامنا فى التمنى ونُهدر ليالينا فى الحسرات. يدهمنا الحزن كقطار مسرع، ونؤجل الأفراح لحين تحقيق الأمنيات: عمل جيد، وظيفة مريحة، مال كثير، بيت واسع، سيارة فارهة، وعيون ترمقنا بإكبار. يحدث هذا أو لا يحدث!. يتجسد الحلم أو يذوب فى الهواء!. سيّان، المؤكد أن العمر يمضى كقطار مسرع، فيما نقف نحن على رصيف المحطة نرمق عربات أمانينا دون أن نقبض إلا على خيوط الدخان.
وبعد الركض والجرح وإدمان التمنى تُفكر كم كنت غبياً حينما فكرت فى زحزحة الجبال!. تمشى خطوتك الأولى فى طريق الرضا، وتُسلّم- بغير قيد ولا شرط- إلى العالم كما هو: بجماله وقسوته، بعذوبته وعذابه، ببهجته وجراحه. ويمتلئ قلبك بالسكينة وتنعقد صداقتك مع كل زهرة. تحب حبوب القمح وقطر الندى وعود الريحان، وتشعر بالحنان صوب كل الكائنات، حتى الصرصار الزاحف فى فضاء الحقل تسلم له بحقه فى الحياة.
تشعر بالتسامح صوب الجميع: تغفر للثعبان لدغته وللأسد افتراسه، تحب النار حبك للماء، وتأنس بالليل أنسك بالضياء. وحتى ماضيك الأحمق لم تعد تخجل منه، ولا فرص السعادة التى أهدرتها تتحسر عليها، ولا الموت الذى أخافك طويلا يخيفك الآن. لقد امتزجت بقلب الكون ولم يعد فناؤك ممكنا. وحينما تتحرر روحك من ردائك الأرضى تسرى كالنسمة بين الأشجار، وتزور كل الغابات التى لم تستطع أن تزورها فى الحياة. ترفرف مع الطيور، وتدخل مملكة الأحلام، تصير حلما تشاهده عذراء، أو ملاكا مجنحا يبتسم له وليد فى مخدعه دون أن تعرف أمه شيئا عن سر الابتسام!.
■ ■ ■
هذه كلمتى قبل أن أذهب: كم أنت جميلة أيتها الحياة!. وبحب الحياة أقابل ربى معتبرا أنه- بعد التوحيد – أثمن بضاعتى. فشكر نعمة الله أن أفرح بها، وأنا بنعمتك يا ربى فرح وسعيد.
كم أنت جميلة حين تشرق الشمس، وتحلق العصافير فى السماء!. مأخوذة بزرقتها الصافية وفضتها الأخاذة، مبهورة بالفضاء اللا متناهى، ترقص للحب والأمل، صغيرة، جميلة، سعيدة، فاتنة، فخورة بقدرتها على الطيران.
كم أنت جميلة بزهورك المبهجة تتمايل مع النسيم فى دلال! والفراشات تسبح فى أثير النور، تشكر الله على نعمته وهذا الرونق والجمال.
خبرينى أيتها الأشجار عن أسرارك مع العصافير؟. هل تفتقدين الأحبة الغائبين أم تفرحين بالأجيال المتعاقبة؟. واكشفى لى عن سر ثمار الفاكهة الملونة!، كيف تحدث هذه المعجزة؟ وما بين طين وماء وخشب تحمل كل ثمرة رائحتها الذكية ومذاقها الفريد؟.
ويا أسراب النحل تغازلين الزهور طيلة النهار فأى عجب أن تمنحى شهدا؟. ويا أيتها السحب المرحة ألن تكفى عن اللعب!، ترسمين على صفحة السماء الوقورة صورة دب وغزال وعصفور!، ويا أيها القمر القريب البعيد شكرا لك أضأت ليالينا وأضأت قلوبنا.
أيتها النجوم والعطور والقطط والكتاكيت. أيتها الغزلان والنمور والطيور والزهور. أيتها الحياة، يا نعمة ربى، إننى أحبك.

المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89-%D8%AE%D9%84%D9%82%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87)

a7med_Raslan
21-03-2010, 03:40 PM
هدية عيد الأم


فى مثل هذا اليوم منذ أربعين عاما كنت أقف على شاطئ الدهشة.

ماما: ذلك الكيان اللطيف الطيب، ينبغى أن أحتفل بها.

شقيقتى تجيد تغليف الهدايا بورق ملون.

و«ياسر» تسلق شجرة المانجو وانتقى ثمرة معطرة.

و«أحمد» يجيد رسم القلوب النابضة بالمودة.

أنا لا أجيد الرسم، ولا تسلق الأشجار، ولا تغليف الهدايا.

لذلك وجدتنى فى مأزق.

ماما: ذلك الكيان اللطيف الطيب، ينبغى أن أحتفل بها

................

كنت مفلساً، قليل الحيلة، لا أجيد تنظيف نفسى.

وإذا ذاكرت دروسى وحدى فما أكثر (الكعك) والعلامات السيئة.

كتبت المعلمة، وهى تولّينى ظهرها، بطباشير أبيض:

اليوم عيد الأم، ينبغى أن تحتفل بأمك.

تفتت الطباشير وتفتت قلبى كذلك.

يا معلمى الموقر، أنت -من دون الجميع- تعرف قواعد اللغة العربية.

وعيناك -خلف النظارة السميكة– تمتلئان بالحكمة
ماما: ذلك الكيان اللطيف الطيب، ينبغى أن أحتفل بها
قال الرجل وهو يرتجف هولا: أنا فى نفس المأزق.

لا أجيد سوى منح العلامات السيئة، وضرب التلاميذ الأغبياء بالمسطرة.
ضحكت وقلت: هذه فعلا لا تصلح هدية.

عند منتصف الظهيرة تجمع كل رجال الحى يهتفون فى صوت واحد:

ماما: ذلك الكيان اللطيف الطيب، ينبغى أن أحتفل بها

..........

وكانت ثمة سيدة مقبلة، تعرف أفكار الأمهات وأسرارهن الخفية.
سيدتى، يا حاملة البهجة، أخبرينا ماذا نفعل؟

ماما: ذلك الكيان اللطيف الطيب، ينبغى أن أحتفل بها

قالت: «هل تعرفون أيها الأطفال الكبار أين كنتم قبل أن تجيئوا إلى هذا العالم؟

كنتم مختبئين فى دمى الطفولة، تلعب بكم ماما، تمشّط شعوركم.

وحينما كان قلبها يتفتح فى ريعان الصبا، كانت تفكر بكم.

أنت يا حبيب ماما، كنت حبيبها قبل أن تولد.

حينما رأت أباك وجرت فى خفر، كانت تجرى إليك.

وحينما ارتدت فستان الفرح، لفت «كافولتك» حول قلبها.

وبينما كان بابا يفكر فى جمال عروسه، كانت ماما تفكر فيك أنت.

اذهب إلى أمك، أيها الرجل الصغير، فى ثقة.

امنحها هدية، أو لا تمنحها، فأنت يا حبيب ماما، أنت..أنت الهدية.




المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85)

a7med_Raslan
23-03-2010, 05:21 PM
هن أمهاتنا مهما قدم العهد. العذراء تحتضن طفلها الثمين وعلى شفتيها ابتسامة نور. خديجة الكبرى تفيض أمومتها وتهدئ من روع النبى الملهوف. السر الدفين بين الأم وابنها الذى تساءل عنه الشاعر الهندى الصوفى «طاغور» واقترح الأجوبة:
«السؤال: يُولد كل طفل ولديه إمكانات خارقة يجهلها الكبار: مثلا الطفل يستطيع الطيران بمجرد الإرادة، فلماذا يبقى فى الأرض؟.
الإجابة: لأنه يحب أمه ولا يقوى على بعادها».
«السؤال: ولماذا يعرف الأسماء كلها وبرغم ذلك يرفض الكلام؟
الإجابة: ليستمع إلى مناجاة أمه».
«السؤال: ولماذا يصطنع العوز وهو الذى يملك أكواما من ذهب وفضة؟.
الإجابة: «لتغمره أمه بكنز حبها».
السؤال: ولماذا يبكى وهو الذى يسكن أرض الغبطة؟
الإجابة: «لأن بكاءه الرقيق ينسج بينه وبين أمه رباط الرحمة».
أرحام أمهاتنا: بيوتنا القديمة المنسية، الجدران الحنونة المرنة، الوسادة المبطنة بالمحبة، ألعابنا الطافية على سائل رقراق، البحر ذو الأمواج الناعمة، جزيرة السندباد التى لم ننسها قط، الظلام المنبثق من خلق الكون، والنور الباطنى الباهر، وحواسنا تتشكل فى بطء، معجزة التخلق من امرأة تحبك، امرأة تشاركك اللحم والعظم، والجلوكوز والأحماض الأمينية. أنس الاستماع إلى دقات قلب يخفق باسمك قبل أن تعرف معنى الأسماء.
أمهاتنا: سر العناية والرحمة ومستودع الحنان، حينما وُلدت مضغة حمراء تركل الهواء بقدميك، صارخا من الجوع، متألما من التنفس، وعطش لا يرويه غير ثدى أم. دفنت وجهك الصغير فيه، واستنشقت رائحة اللبن والأمومة، وحينما شبعت بحلقت فى سيدة البهجة، فارتسمت ملامحها فى ذاكرتك للأبد، ملامح ستظل تبحث عنها بين ملايين النساء. ثم نمت وأنفاسها الهادئة تداعب خدك، تحملك إلى سماء صافية، مملوءة بطيارات ورقية بيضاء.
المرأة: ذلك المخلوق العاطفى الجميل، ناعم البشرة كأوراق ورد، الصالح للزراعة بلا توقف، المعادل الموضوعى للأرض الخصبة، تعطيها بذرة فتمنحك شجرة، تزرعها شجرة فتعطيك غابة، تعطيها بلحة فتعطيك نخلة، تصب عليها قطرة حنان فتفيض عليك أنهار المحبة، تمنحها لمسة على الخد فتمنحك قلبها بأكمله، تعطيها دقيقة من وقتك فتمنحك عمرها كله. المرأة: حديقة الفاكهة وبستان الزهور.
باقة ورد، وقبلة على الجباه، ورغيف خبز، وحساء ساخن بالمحبة، وفنجان قهوة محوّجة، وأقراص نعناع، وبالونات ملونة، أقدمها كلها لبنت بلدى الجميلة جدا، الأم دائما، الوافرة الأنوثة، الصابرة القانعة، الكادحة المكافحة.
فإن قرأت مقالى وتصادف أن كانت أمك حية، فانتهز هذه الفرصة التى حتما ستذهب، واجلس تحت أقدام أمك فقبّلها وتمهل فى تقبيلها، فلسوف يأتى يوم تتمنى لو تدفع عمرك مقابل هذه القبلة.
سلام على النساء منبع الأمومة ومصدر الرحمة. وكل عام وأنت - يا سيدتى - أم.



المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D9%81%D9%89-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1)

a7med_Raslan
23-03-2010, 05:24 PM
الشمس تسحب أشعتها وترحل. الليل الحنون يهبط بأنسامه الرحيمة. والمدينة تلملم جراحها وتسكن. ومن مذياع قديم فى محل «فول وطعمية» تنساب أغنية تنتمى إلى زمن قديم. حينما كانت الأشياء ببكارتها الأولى: الشوارع مغسولة وفسيحة. والنيل صاف متدفق، والطبقة الوسطى لديها البال الرائق للحب. وأم كلثوم تشكو لوعة الحب وتشدو: «أروح لمين؟».
صديقان يأكلان شطائر الطعمية وهما يجلسان أمام المحل على الرصيف. يستمعان إلى الأغنية فى طرب فيهز رأسه مستمتعا ويقول: الله عليك يا ستَ!.
- (الثانى وهو يقضم الساندويتش) يا سلام لو كان الواحد يحبس الساندويتش ده بكباية شاى.
- (متفلسفا) الغريبة يا أخى ان الحياة - برغم اللى بيحصلنا - حلوة. ولا جايز جتتنا نحست واتعودنا على الشقا!، يعنى الساندويتش اللى بناكله ده لو حللنا عناصره حتلاقى أحسن لنا نآكل صراصير!
- (يشرق من الضحك ويكح) يا أخى استنى لما نخلص الأكل الأول. الله يقرفك
- وحياة أبوك ما تعملش نفسك مش عارف. عندك رغيف العيش ده. عارف القمح كان متخزن إزاى وفين!. نصه حشرات وفطريات ونشارة حديد، ده غير الفرن واللى بيجرى فيه!.
- (وهو يبلع اللقمة برشفة كوكاكولا) أنت حتقول لىّ!، ما أنا هناك كل يوم!
- وخد عندك عجينة الطعمية: عندك يا سيدى (وأخذ يعد على أصابعه) خضرة مرشوشة بالمبيدات المسرطنة، وفول مدشوش. أرخص وأردأ أنواع الفول، فول ما ترضاش البهايم تاكله، ولو كانت ترضى تاكله كانوا استخسروه فينا، صح؟
- (وهز يزدرد اللقمة) بس برضه طعم!
- (مواصلا) وطبعا العيش اللى بيعجنوه مع الفول معفن، بيلموه من الزبالة.
- (مقاطعا) طبعا ده مفروغ منه (ثم يضحك ضحكة طويلة تنزعج منها قطة سوداء عابرة تنظر إليه ساخطة ثم تولى هاربة وهى تهز ذيلها).
- والسلطة مزروعة بمياه المجارى. والزيت اللى بيقلوا فيه الطعمية أصله من عهد الفراعنة. هو نفس الزيت اللى كانوا بيقلوا فيه لتحتمس. كل ما ينقص يزودوه. إنما مستحيل يرموه.
- (ماجنا) ده غير الطرشى يا معلم واللى بيجرى فيه.( ثم يكف عن الضحك فجأة وتدمع عيناه) تصدق بجد!، أنا اكتشفت دلوقت اننا غلابة أوى!. يعنى شايف، أنا وانت قاعدين دلوقت على الرصيف، ومفيش فى جيبنا غير تمن المواصلة اللى حنروح بيها، عارفين اننا ملناش أمل خالص، عمرنا ما حنتجوز، ولا حنستمتع بحياتنا زى بقية البنى آدمين. وبرغم كده بنحب مصر، تفتكر ليه؟.
ويصمت صاحبه فلا يجيبه، وتهب نسائم الليل الرحيمة لتجفف دموعهما، هناك حيث جلسا على الرصيف أمام المحل، يستمعان إلى الأغنية الشجية «أروح لمين؟».


المصدر (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%A3%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86%D8%9F)

a7med_Raslan
26-03-2010, 02:12 PM
‏(الخبر: العثور فى إثيوبيا على جمجمة كائن بشرى ‏كان يعيش منذ مليون عام)‏
لا أذكر كم من السنين مرت منذ أن قرأت هذا الخبر، ‏لكنى أذكر جيدا الذى عرانى‎ ‎وقتها. يا إلهى! منذ مليون ‏عام كان جدى يرقد على الأرض يتأمل القبة السماوية‎ ‎المرصعة بالنجوم! يشرد ويحلم ويفكر، ويتابع منازل ‏القمر المتغيرة، ويمتلئ بالطموح‎ ‎والمشاريع المستقبلية. ‏ويقع فى الحب. ترى ماذا كان اسم حبيبتك، وبماذا ‏كنت تدللها‎ ‎يا جدى العاشق منذ مليون عام؟
وأحيانا أشرد وأنا أفكر فى سلسلة أجدادى. أبى اسمه ‏محمد، جدى عبدالفتاح، أبوه‎ ‎مصطفى، ثم محمد، بعدها ‏لا أعرف شيئا عن سلسلة أجدادى. ترى ماذا كان اسم ‏جدى فى‎ ‎القرن السابع عشر؟ هل كان يعيش فى ‏المغرب أم فى الشام أم فى سهول آسيا أم فى مصر؟‎ ‎المؤكد أنه كان إنسانا مثلى، يحب الحياة مثلى، ويخاف ‏الموت مثلى، وحين رأى عيون‎ ‎حبيبته- التى صارت ‏جدتى - من خلف اليشمك وقع فى غرامها. المؤكد أنه ‏عزف عن الطعام‎ ‎وشرد فى الأحلام وحكى قصة حبه ‏لصديقه الحميم، والنسيم يهب، ذات ليلة مقمرة‎. ‎
وبدأت أفطن إلى حقيقة مدهشة: ما دمت جئت إلى ‏الحياة، فهذا معناه أننى متصل النسب‎ ‎إلى جدى آدم ‏عليه السلام. أحمل كل صفات أجدادى، كل أحلام ‏أجدادى، كل مخاوف أجدادى،‎ ‎موروثات لا حيلة لى ‏فى حملها. يقولون إن نظراتى تشبه نظرات أخى، ‏وطريقتى فى المشى‎ ‎هى مشية أبى، وضحكتى لها ‏رنين ضحكة أمى. هذا معناه أنى مخلوق طويل العمر، ‏عمره أكثر‎ ‎من مليون عام‎.‎
أنا البشرية جمعاء، بل أنا الكون ذاته. أنا أبى وجدى ‏وجد جدى وكل أجدادى. أنا‎ ‎الكتاب المغلق على ‏أسراره المدهشة، والصدفة المكنونة على لؤلؤة ‏المعرفة. كل المطلوب‎ ‎منى أن أفتح الكتاب وأكسر ‏الصدفة لتخرج إلى العالم ذكرياتى ومكنون صفاتى‎.‎
أنا الذى استطاع النجاة من المهالك، سليل الناجين على ‏ظهر الكوكب. نجوت من‎ ‎الأوبئة المتعاقبة، والحروب ‏والمذابح والمجاعات المتتالية. هربت من جحافل ‏التتار،‎ ‎انتصرت مع قطز، صليت خلف الأنبياء، ‏استمعت لدروس أفلاطون، رحلت هربا من الأصقاع‎ ‎الباردة، روضت النيل المتمرد، اكتشفت أحراش الدلتا، ‏نمت فى الغابات فوق جذوع الشجر،‎ ‎طاردنى الأسد ‏كى يأكلنى وطاردت الغزال كى آكله، وطفت أطراف ‏الأرض الأربعة، وتزوجت‎ ‎كل نساء العالم، واختصرت ‏البشرية فى شخصى، متسلسلاً فى الخلق حتى سجود ‏الملائكة‎ ‎لأبى آدم عليه السلام‎.‎
وفى عمق أعماقى، فى خبيئة نفسى، يوجد ذلك الحنين ‏إلى أيامى الحلوة فى جنة عدن،‎ ‎الذرية التى تجلى الله ‏عليها لحظة أخذ العهد: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى‎ ‎آدَمَ مِنْ ‏ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ‎ ‎بِرَبِّكُمْ ‏قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا‎».‎
بعظمتك وعزتك وربوبيتك، بكرمك ورحمتك وفيض ‏عطائك، شهدنا يا رب العالمين‎.‎



http://www.almasryalyoum.com/ar/node/22663

a7med_Raslan
26-03-2010, 02:13 PM
شروق الشمس: المشهد الكونى الجليل الذى يتكرر كل صباح، المزيج الأخاذ من الفضة والفيروز، واللون الأحمر يمتزج تدريجياً بمهرجان الألوان الحافل على صفحة الأفق الممتد. بعدها بدأت الشمس تتدحرج فى نعومة مثل طفل وليد فى كامل نضارته.
مشهد بديع لكن أحداً لم يره، حتى العصفور الواقف فوق غصن الشجرة كان نائما.
■ ■ ■
استيقظ العصفور موقنا بأنه قد تأخر فى نومه إلى حد غير مسبوق. وأحس بالغريزة أن شيئاً غير مألوف قد حدث، شيئاً لم يعلمه بعد ولكنه يوشك أن يعلمه.
إنه الصمت، الصمت غير المعتاد الذى ران على الغابة فى مثل هذا الوقت من الصباح!. أين أناشيد الفرحة بالصباح الوليد؟ أين أغاريد الطيور تسبح بحمد خالقها المجيد؟. أين ولت العصافير المتسابقة إلى حقول الأرز؟ أين أناشيد الحب ومواكب العاشقين ؟.أين زقزقة الصغار البريئة المفعمة بحب الحياة ؟
شيء مريب حدث أثناء نومه لكنه لا يدرى ما هو. شرع يحلق فوق الغابة باحثاً عن عصفور واحد، فلم يجد أى مظهر للحياة. لا عصافير مسالمة ولا طيور جارحة ولا حيوانات عابرة ولا حتى ديدان تتلوى على العشب.
وحيد فى هذا العالم، هذا هو حاله باختصار.
■ ■ ■
النهار يتثاءب فى ملل، يمتد، يطول، يلتوي. ماذا يصنع بنفسه فى ذلك النهار الذى لا يريد أن ينتهي؟. أمامه حقول شاسعة من الحب والأرز، كلها له. لكنه لا يشعر بأدنى شهية. فليمرح قليلاً إن استطاع، أو يغفو ليضيع وقتا، أو يطير هنا أو يقف هناك.
رباه إنه فى مأزق مخيف.
■ ■ ■
عصفور ضعيف هو، لم يكن يعنيه من قبل غير اللهو مع الطيور، والرقص فى السماء، والتقاط الحب من الحقول، الشجار أحياناً والغزل دائما.
ولكن!. إنه الآن يحمل عبئا ما كان يطلبه: المعرفة!. قدره أن يكون الشاهد الوحيد على مواقع النجوم ورشاقة الأمطار وسر الحياة. قدره أن يعرف لماذا تتساقط الثمار وتتلون الأزهار وتتفجر الينابيع. قدره أن يعرف لماذا يُولد الحب وتهاجر الطيور وتلمع العيون وتشتاق القلوب.
ينال هذه المعرفة بالإلهام. يغمض عينيه ليرى. إن ما يشاهده الآن لا يُحكى. يصمت ليسمع، يصمت ليفهم، يصمت لأنها أسرار لا تُذاع. بعدها يغني، ما الذى يستطيعه عصفور صغير غير الغناء!. يلمس حقيقة الكون إذ يغني، أنشودة حب للخالق العظيم، لمشيئته سبحانه حين قال: كن، فكان الكون وكانت الحياة. نجوم زاهرة وكواكب سابحة، غابات خضراء وزهور حمراء، عشاق وشعراء، لبن وعسل ورحيق.
■ ■ ■
شرع يطير فى الفضاء، يحلق رغم جناحيه الضعيفين، يصعد حتى لا يكاد يرى الأرض، يرتفع حتى يلامس السحاب. وهناك فى الأعالى التى لم يبلغها أحد راح يصدح بغناء عذب، أنشودة حب لله الواحد الأحد، صلاة يرفعها إليه، غير عابئ بأن أحداً من المخلوقات لا يسمعه.

http://www.almasryalyoum.com/ar/node/22895

a7med_Raslan
26-03-2010, 02:15 PM
أسئلة كثيرة عجز عن إجابتها الأستاذ جمعة: لماذا ‏يصمت الناس على الظلم؟ ويسكتون‎ ‎عن الإهانة؟. وهل ‏هناك إهانة أكبر من أن تقضى عمد. أيمن الجندىرك ‏فى تعب متصل‎. ‎تستيقظ على لون الماء المعكر وطعم ‏الشاى الردىء ثم تنحشر كسردينة بائسة فى حافلة‎ ‎مزدحمة، تتعرض للإهانات أثناء عمل لا تتقاضى عنه ‏أجرا كافيا‎.‎
‎ ‎تعود لتعبس زوجتك فى وجهك، يلومك أولادك ‏المراهقون لأنك جئت بهم إلى هذا العالم‎ ‎القاسى، ‏تمرض وتقترض، تناور وتنافق، وإذا خطبت ابنتك ‏ركبك الهم بدلا من الفرح. وبعد‎ ‎هذا كله، ورغم هذا ‏كله، تجدهم سعداء‎!.‎
سعداء! كيف؟، سعداء! لماذا؟
أستاذ جمعة مشهود له بالثقافة وهى بضاعة راكدة فى ‏تلك المصلحة الحكومية الكئيبة‎ ‎التى يعمل بها، ولا ‏تجلب له سوى الاستخفاف والتندر من زملائه الذين ‏تنحصر‎ ‎اهتماماتهم فى لقمة العيش اليابسة ومحاولة ‏غمسها فى الحساء المر بأى طريقة ممكنة‎. ‎
لم يظفر بصديق منهم رغم عمره الخمسينى الذى ‏انقضى دون زواج. ربما عوضته ابتسام‎ ‎التى تعمل ‏معه فى نفس المصلحة- بحنانها الحقيقى الذى يذكره ‏بتلك الأيام الخوالى‎ ‎حينما كان طفلا نفيسا مدللا، على ‏الأقل فى عين والدته‎.‎
لكن هذا الزمن قد ولى وولت معه أيامه كلها، ساعات ‏يُخيّل للأستاذ جمعة أن وفاة‎ ‎والده المبكرة هى سبب ‏أقداره المعاكسة، ولكنه فى قرارة نفسه يعرف أن أباه ‏حيا كان‎ ‎أعجز منه ميتا أمام عربة الأقدار بعجلاتها ‏الثقيلة الزاحفة التى تسحق كل من لم‎ ‎تسعده حظوظه ‏بركوبها فهى لا تتسع إلا لأصحاب السلطة والنفوذ. أما ‏الفقراء فمصيرهم‎ ‎التحول إلى إسفلت بشرى يمهدون به ‏طريق العربة الظافرة‎.‎
هذا الصباح كان استثنائيا بسبب عودة ابتسام من عطلة ‏الزفاف السريعة. الكل كان‎ ‎سعيدا حينما عثرت البنت ‏على عريس بمعجزة، وكان أشدهم فرحا هو الأستاذ ‏جمعة الذى‎ ‎يعتبرها ابنته. لا أحد يدرى بأية معجزة ‏تزوجت تلك الفتاة العبيطة الطيبة بقامتها‎ ‎الطويلة ‏كعمود النور الذى كان مع نحولها الواضح مدار ‏القفشات فى المصلحة، لكنها لم‎ ‎تكن تغضب من ‏مزاحهم. فقط يحمر أنفها وتشاركهم الضحك والتريقة. ‏بمعجزة ما راقت‎ ‎لأحدهم بوجهها الأبيض الشاحب، ‏صحيح أن الكل لاحظ فى خبث أنه لا يكاد يصل ‏لمستوى‎ ‎كتفيها ولكنه كان يبدو مسيطرا وواثقا من ‏نفسه، بينما انحنت البنت العبيطة فى محاولة‎ ‎لتبدو ‏أقصر‎.‎
عادت ابتسام من إجازة الزفاف ومعها الكثير من ‏الصور التى تخاطفتها الموظفات‎ ‎وبدأت ضجة أزعجت ‏الأستاذ جمعة كثيرا الذى تعكر مزاجه من هذا المرح ‏السائد‎. ‎
تطلع حوله فى دهشة، سعداء على الرغم من ملابسهم ‏الرخيصة وأحذيتهم القديمة‎ ‎والديدان التى تعمر بطونهم‎.‎
واقتربت منه مدام سعدية وهى سيدة مُستفزة الأعصاب ‏باستمرار وتصرخ دون مناسبة،‎ ‎وبالطبع مقياس وزنها ‏بالأطنان‎.‎
قالت فى انفعال: انظر إلى جمال غرفة النوم‎.‎
كان الجو بهيجا ولا ريب. ولكنه برغم حبه للفتاة ‏الطيبة ظل على كآبته ودهشته من‎ ‎تلك العواطف ‏الجامحة التى لا تناسب الصباح، إنه لا يدرى علام ‏البهجة! الأمر ببساطة‎ ‎أن فتاة حمقاء ظفرت- بمعجزة- ‏بشاب أشد حمقا ولكن ما مصير ذلك كله؟ لهاث وراء ‏لقمة‎ ‎العيش‎.‎
قال فى ثورة مفاجئة‎:‎
ـ ما هذا الجنون؟ ما سر سعادتكم؟، تأملوا الجدران ‏المتسخة وهذا السقف الذى سيهبط‎ ‎يوما على ‏أعناقكم،انظروا لمكاتبكم القذرة المتلاصقة، واستنشقوا ‏الهواء الفاسد‎. ‎وانعموا برائحة دورات المياه. انظروا ‏إلى أحذيتكم. وتذكروا أن هناك من يدفع راتبكم‎ ‎فى ‏شهر ثمنا لحذائه‎.‎
سعداء! كيف؟، سعداء! لماذا؟
ساد صمت مفاجئ. لم يفهم أحد سر الزوبعة المفاجئة ‏لذلك الرجل الوقور الصامت،‎ ‎ابتسام وحدها سارت ‏صوب الرجل فى حذر، واحمر أنفها وهى تقول له فى ‏لطف‎:‎
‎- ‎ما الذى ضايقك يا أستاذ جمعة؟‎ ‎
انتزع الصور الفوتوغرافية من يديها فى عنف‎.‎
‎- ‎هذا ما أغضبنى، هذه الصورة البلهاء، تقفين بجوار ‏غرفة النوم الرخيصة التافهة‎ ‎وكأنها عرش بلقيس. يا ‏عالم افهموا مرة، أغضبوا مرة، ولو على سبيل ‏التغيير‎.‎
أمسك بصورة أخرى، وقد تهدج صوته من فرط ‏الغضب، إن العربة قادمة، وحده يراها، لكن‎ ‎الحمقى ‏ينظرون للصور المخادعة‎.‎
‎- ‎وهذه أيضا (لوّح بالصورة الأخرى فى شبه لوثة) يا ‏للسخافة والجنون، إنها تقف‎ ‎بجوار دورة المياه وهى ‏تضحك فى زهو، صحيح أنها لحظة تاريخية، أين ‏الأمم المتحدة؟‎ ‎أين هيئة الأمم؟
تضرج وجه ابتسام كله ولكنها لم تعد خائفة، انسحبت ‏منها مشاعر الرهبة لتفسح مكانا‎ ‎لشعور فياض بالشفقة. ‏تدفقت مشاعر الأمومة صوب الرجل الذى يوشك أن ‏يغدو فى عمر‎ ‎أبيها، لقد فهمت سر اعتلال مزاجه: إنه ‏بالتأكيد جائع‎.‎
قالت فى حنان الأمهات: يا عينى يا أستاذ جمعة. لونك ‏مخطوف، أكيد لم تفطر هذا‎ ‎الصباح، ويمكن كمان ‏دخنت سيجارة على الريق‎.‎
لا جدوى، هكذا خاطب نفسه فى استسلام، إنها لم تفهم ‏أن ثورته المفاجئة كانت فى‎ ‎حقيقة الأمر إشفاقا عليها ‏وعلى الملايين من أمثالها من حياه الفاقة التى لا‎ ‎يستحقونها، على أن أسوأ ما فى الأمر أنهم لا يشعرون ‏بذلك، إنهم سعداء‎!.‎
دفن وجهه بين كفيه بينما ابتسام تطلب من عم سيد ‏الفراش شراء ساندويتشين بيض‏‎ ‎بالبسطرمة للأستاذ ‏جمعة، لأنه - يا عينى- على لحم بطنه‏‎.‎
هز رأسه فى يأس. لقد أخطأ عندما أفصح عن أفكاره، ‏تصورت الحمقاء أن غضبه المقدس‎ ‎سوف تخمده ‏لقيمات البيض والبسطرمة، وكأن هذا الساندويتش ‏اللعين سوف يحميه من العربة‎ ‎القادمة‎.‎
صدق من قال: مفيش فايدة‎!‎
وما لبث عم سيد أن عاد حاملا لفافة ساخنة تفوح منها ‏رائحة شهية. لكنه كان قد‎ ‎اتخذ قرارا مسبقا: يستحيل ‏أن يأكله‎.‎
صحيح أنه يحب ابتسام ولم يرفض لها طلبا، صحيح ‏أنه جائع فعلا ورائحة البيض‎ ‎بالبسطرمة شهية جدا. ‏صحيح أن ابتسام مازالت تحلف وتدفع اللقمة فى فمه ‏وهو كطفل كبير‎ ‎يزم شفتيه فى إصرار‎.‎
مرارا رفض الطعام حتى جاءت تلك اللحظة التى بدأ ‏يستشعر فيها القلق أن تكف الفتاة‎ ‎عن المحاولة ويأكل ‏طعامه أحد الأوغاد‎.‎
وقتها فقط أمسك بالساندويتش بيد باردة مترددة وراح ‏يمضغه متظاهرا‎ ‎بالاستسلام‎.‎
مذاقه جميل فعلا، لوهلة نسى العربة الزاحفة أو أراد ‏أن ينساها الآن. انتهى من‎ ‎طعامه الشهى شاعرا ‏بالعرفان للحظة شبع لذيذ وكوب شاى مُنتظر يحبس به ‏مع سيجارة يتوق‎ ‎إليها‎.‎
ثم لم يعد ينكر بينه وبين نفسه أنه على مقربة خطوات ‏من إجابة سؤاله المحير‎: ‎سعداء! كيف؟، سعداء! لماذا؟‎.‎
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/23049

a7med_Raslan
29-03-2010, 12:31 AM
مسرحية مشؤومة تتكرر فى طول مصر وعرضها، لا أحد يتعلم ولا أحد يتعظ. بل يتسابقون نحو الهلاك كفراش يندفع نحو جذوة نار- المكان: الممشى حول ملعب الكرة بنادى طنطا- الشخصيات حسب ترتيب ظهورها: عمرو- أيمن- كمال)
يناير 2008
(عمرو يُحدّث نفسه وعيناه تطق شراراً): أخيرا بقيت غنى بعد ما كنت فقير، هاهاهاه. لكن ده ما يكفنيش (بصوت محشرج خشن) أنا عاوز أبقى الغنى الوحيد وكل اللى حواليا فقرا. هاهاهاهاه (يضحك بصوت عال مخيف، فتصرخ القطط السوداء ويضع الجان ذيله بين رجليه، وتفر الشياطين هاربة)
فبراير 2008
(عمرو يقول لأيمن وهما يمارسان رياضة المشى حول ملعب الكرة): اسمع يا أيمن. إنت أخويا وصاحبى وحبيبى، وجمايلك مغرقانى، عشان كده أنا عاوز أنصحك نصيحة: لازم تدخل البورصة دلوقت. فيه فرص ممتازة. (أيمن ساخرا): فكرة برضة. على الأقل لما أفلس أعمل زى الأفلام العربى وأقول بمنتهى الألاطة: أنا خسرت أموالى فى البورصة، وبعدها يا إما أتشل أو أنتحر. أهه برضه برستيج! (عمرو ملحاً): اسمع كلامى. صدقنى. أيمن يرد فى لهجة نهائية: انسى يا عمرو. أنا راضى بحالى كده.
مارس 2008
(أيمن وعمرو يمارسان رياضة المشى ويتحدثان فى شتى أمور الحياة.. فجأة يرن جرس موبيل عمرو): ألو؟ سمسار البورصة! أخبار الجلسة إيه؟ ( فى لهجة حزينة) كسبنا النهارده مية ألف جنيه بس!. معلش، تتعوض بكره. ما هى دايما كدة، ما تهونش إلا على الغلبان! هههه - أيمن يستمع فى ذهول وهو لا يصدق أذنيه، ويبدأ التفكير.
أبريل 2008
(هذه المرة أيمن هو الذى فتح الموضوع): إلا قولى يا عمرو (بلهجة مترددة) أخبار البورصة إيه؟- (يقف عمرو فى الممشى وينظر فى تشف): مش قلت لك تدخلها من شهرين عملت لى فيلم عربى؟،(مقلدا بطريقة ساخرة) حاتشل! حانتحر.. طيب انتحر يا أخويا.. أهى ارتفعت فى شهرين ثلاثة أضعاف. بس عامل ناصح وفهيم!.(أيمن مستهولا): ليه؟ تجارة مخدرات؟(ثم منهزما) بس دى مش قمار يا عمرو؟-( عمرو غاضبا): ما تقولش قمار. ده علم وفن وإدارة. وأجيب لك فتاوى الشيوخ.
مايو 2008
(ترررررررن. عمرو يرد): ألو. إزيك يا سمسار.. واحشنى يا سمسار.. بحبك أوى يا سمسار. قيمة أسهمى بقت كام؟ خمسين مليون جنيه؟ بس!. ما هى دايما كده. ما تهونش إلا على الغلبان!.هههه. مع السلامة (عمرو فى سعادة) عارف أنا ابتديت بكام؟ بخمستلاف جنيه بس. يا سلام على البورصة وحلاوة البورصة. ده أنا من كتر حبى فى البورصة ناوى لما أخش الجنة حافضل أشتغل فى البورصة (أيمن مترددا): عمرو.. أنا قررت حاجة.
ترى ما هو القرار الخطير الذى قرر أيمن اتخاذه!. انتظر غدا المفاجأة الرهيبة.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/23212

a7med_Raslan
29-03-2010, 12:33 AM
الوضع كالتالى: أيمن وعمرو يمارسان رياضة المشى فى ملعب نادى طنطا، وأيمن يعلن قراره الخطير.

(أيمن فى خجل) أنا قررت أدخل البورصة. (شماتة فى عينى عمرو) جتكم نيلة، ابقوا اسمعوا الكلام من الأول. (أيمن متوسلا) بس أرجوك تكون مرشدى أحسن أضيع. (عمرو ساخرا) وتنتحر زى الأفلام القديمة! يا ريت عشان نخلص منك. (أيمن فى رجاء) طب خليك جدع وقل لى على سهم كويس. (عمرو يقف فى منتصف الممشى ويقول) أيمن، أنت أخويا وصاحبى وحبيبى.

وأنا قررت أعمل خدمة تفضل طول عمرك ما تنسهاش (وهو ما حدث فعلا).. (عينا أيمن تدمع تأثرا ويقول) أنت فعلا نعم الصديق.

وهنا تظهر على مسرح الأحداث شخصية كمال.

وهى شخصية ليست هينة على الإطلاق.

هو سمسار بورصة يستحق كتابا كاملا سأنال عنه جائزة نوبل، لكن يكفى أن أصفه مؤقتا بأنه طويل، نحيف، غامض، بشنب، وخرب بيوتا كثيرة.

................

فلاش باك (مشهد لم يشاهده أيمن ولكنه عرفه بعد فوات الأوان، ولو عرفه وقتها لتغير وجه التاريخ، تاريخه هو على الأقل): المكان شركة الأوراق المالية التى يعمل بها كمال.. كمال يحدق فى شاشة العرض بعينين زائغتين وفكرة غامضة تعتمل فى ذهنه، ثم ينفعل فجأة، ويصرخ قائلا:

«شايفين؟ ملاحظين؟ السهم ده بيتلم، السهم بيعلا. السهم بيطير.

الحقوا اشتروا كلكم بأى سعر».. وترتجف يداه وتغرق عيناه بالدموع، حالة من الهستيريا الجماعية عند الحاضرين تشل قدرتهم على التفكير فيتدافعون بغريزة القطيع على الشراء.. حديث جانبى بين اثنين من قدامى البورصة شاهدا هذا الموقف عشرات المرات: «(الأول): ابتدينا الجنان تانى! (الثانى) بيقول إيه الجدع ده؟ ده السهم بيتصرف وحينهار حالا- (الأول) سيبك منه. ده ياما خرب بيوت».

(بعد نصف ساعة) انهيار السهم، صراخ ولطم، إغماءات حريمى، رجال يتشاجرون، كمال يعود لصمته الأبدى جالسا على مكتبه متدلى اليدين فى حالة يأس محدقا فى المجهول.

......................

منتصف يوليو 2008

(الثلاثة يسيرون معا فى الممشى المشؤوم.. عمرو يقدم كمال إلى أيمن) ده بقى كمال السمسار اللى حيخرب..آآآه قصدى اللى حيبيع لك ويشتريلك.. (أيمن فى سذاجة) وهو السمسار بتاعك يا عمرو؟..

(عمرو مندفعا) لا طبعا هو أنا أهبل.. آآآه قصدى ما تقلقش، كل حاجة حتكون تحت إشرافى، أمال أيه؟ ده أنت أخويا وصاحبى وحبيبى، وأنا نفسى أخدمك.. (أيمن تدمع عيناه تأثرا، ويهتف فى إخلاص) أنت فعلا نعم الصديق.

كمال مازال يسير صامتا ناظرا إلى المجهول.. (أيمن يتساءل فى براءة): بس مش تقل لى الأول يا عمرو يعنى إيه بورصة؟ ويعنى إيه أشترى سهم؟

سؤال وجيه فعلا.. ترى ما هى البورصة؟ وما معنى شراء الأسهم؟ إجابات سوف تعرفها غدا إن شاء الله.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/23374

a7med_Raslan
30-03-2010, 05:06 PM
(الوضع كالتالى: أيمن يسأل عمرو وهما يسيران معا: «يعنى إيه بورصة!).
(عمرو يفطس من الضحك): أنا كنت عارف إنك حتسأل السؤال ده، البورصة يا سيدى هى المكان اللى تشترى فيه أسهم بأقل سعر، وتبيعه تانى يوم بأعلى سعر، وتكسب من الفرق فلوس.. (أيمن منبهرا) يا سلام! أتارى المكسب سهل يا ولاد وأنا اللى كنت تاعب نفسى فى الشغل مع العيانين!. (عمرو متضاحكا) حتبقى غنى يا جندى، دهب ياقوت مرجان.. (أيمن متحسرا) يا خسارة الأيام اللى راحت من غير بورصة.
(ثم متسائلا) طب والسهم اللى اخترتهولى شركة قوية لها أصول؟.. (عمرو فى استهتار) بالعكس دى شركات وهمية والسهم مش أكتر من حتة ورق مالهاش أى أصول.. (أيمن مصدوما) طب وليه كده؟ ما تخلينا فى الأسهم القوية بتاعة الشركات الحقيقية؟.. (عمرو يفطس من الضحك وينظر لكمال ليشهده وكأنه يقول له: شايف السذج اللى مش عارفين أسرار البورصة اللى إحنا عارفينها) يا عبيط أسهم الشركات القوية دى مابتعلاش بسرعة، احنا سايبينها للأجانب العبط، أما إحنا المصريين المدقرمين فبنشترى أسهم المضاربات دى، وتك (وطرقع بلسانه) نبيعها أول ما تعلى وندور على غيرها، ونكسب فلوس.
أمال إنت فاكر إنى عملت الخمسين مليون منين؟.. (أيمن منبهرا) يا سلام وطلعت مش فاهم حاجة يا جدع. فعلا اللى ما يعرفش يقول عدس!. تصدق؟ أنا كنت فاكر إن الواحد مفروض يشترى أسهم الشركات اللى بتشتغل بجد (ويضحك أيمن حتى توجعه بطنه، فيقول عمرو) خطر، اللى بيشتغل فى مصر بيمسكوه!.. (أيمن يكف عن الضحك وتدمع عيناه فى تأثر ويقول) بجد يا عمرو إنت فعلا نعم الصديق.
تانى يوم على طول
(أيمن وعمرو يمشيان فى الممشى.. أيمن يقول فى قلق) أنا عملت بنصيحتك واشتريت السهم اللى قلت لى عليه، لكنه نزل فى نفس الجلسة عشرة المية.. (عمرو يتنهد فى رثاء) وطبعا زعلت وافتكرت إنك خسرت، صح؟- (أيمن) طبعا.. (عمرو ينفخ فى ضيق) ما هى دى مشكلة الناس اللى مش فاهمة البورصة، الحوار معاهم مضيعة للوقت.
(ثم رافعا حاجبه الأيسر فى سخرية) يا بنى آدم السهم لازم بيريح شويه بعد ما تشتريه، زى ما أنت بتنام بعد الظهر عشان تصحى فايق. فهمت ولا لسه؟.. (وينسى أيمن أنه لا ينام الظهر ويقول فى سعادة شديدة) يا سلام يا ولاد وأنا اللى كنت فاهم إن السهم لما ينزل عشرة المية يبقى خسر، وأتاريه (بيعسّل) بعد الغدا زى البنى آدمين، عشان لما يصحى يشرب كباية شاى ويجرى على أكل عيشه. فعلا اللى مايعرفش بيقول عدس (وتدمع عيناه فى تأثر، ويهتف من أعماقه) أنت فعلا نعم الصديق.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/23582

a7med_Raslan
30-03-2010, 05:07 PM
آخر يوليو 2008
(أيمن) كويس إنك جيت.. السهم نزل ربع قيمته، أبيع وأوقف خسارة؟- (عمرو) إوعى.. دى حركات بيعملوها عشان اللى قلبهم خفيف زيك يبيعوا ويلموا الأسهم بتراب الفلوس- (أيمن مستوثقا) متأكد؟- (عمرو فى ثقة) طبعا.. دى خبرة عشر سنين فى البورصة - (أيمن فى سرور) روح يا شيخ الله يسترك.
أغسطس 2008
(أيمن فى تعاسة) السهم بقى بنص التمن- (عمرو فى استهتار) آه بسبب موضوع هشام طلعت وسوزان تميم- (أيمن حانقا) يعنى هو يحب وأنا يتخرب بيتى!- (عمرو فى ثقة) اثبت واوعى تفكر تبيع. كلها يومين والبورصة كلها تعلا تانى وسهمك معاهم - (أيمن سعيدا) تصدق إنى كنت حابيع! مش عارف من غيرك كنت حاعمل إيه؟
سبتمبر 2008
(أيمن حزينا) السهم بقى بربع التمن.. يا ريتنى بعت وقتها - (عمرو متهللا) مبروك يا أيمن.. ده وقت الشرا.. (أيمن مذهولا) مبروك! شرا!- (عمرو واثقا) إنت تشترى نفس السهم لغاية آخر مليم عندك وتعمل متوسط أسعار، وعند أول ارتفاع تبقى كسبت، فهمت؟- (أيمن فى منتهى الانبساط) تصدق إن الفكرة دى عمرها ما كانت تخطر ببالى!- (عمرو يفطس من الضحك) أنا أنقذتك من هلاك محقق. (أيمن وقد دمعت عيناه تأثرا) أوعدك إنى مش حاخلى معايا ولا مليم. حاشترى بيهم كلهم. إنت فعلا نعم الصديق.
أكتوبر 2008
(أيمن زائغ النظرات) أنا سمعت نصيحتك واشتريت تانى، والسهم بقى عشرة فى الميه من السعر اللى اشتريت بيه - (عمرو) ده بسبب الأزمة العالمية، لكن ما تقلقش، الثروات بتُصنع وقت الأزمات وأنت على وشك تجنى الثمار. (أيمن وقد استراح باله) يا سلام.. أنا سعيد جدا إنى حاجنى الثمار. تصدق إنى كنت فاكر إن بيتى اتخرب!- (عمرو يفطس من الضحك) مش قلت لك.. اللى ما بيفهمش فى البورصة يقول (يقاطعه أيمن بصوت عال وقد أفلتت أعصابه) عدس عدس عدس.
نوفمبر 2008
(أيمن فى سكرات الموت) أنا فلست. السهم بقى ببلاش. معدش يجيب حتى أكلة سمك. (عمرو فى لهجة الواعظ) ياما نصحتك ما تدخلش البورصة ما سمعتش كلامى.. ياما قلت لك البورصة مطحنة، ركبت راسك وأصريت، استفدت إيه دلوقت؟ ضيعت فلوسك - (أيمن يفغر فاه فى ذهول عاجزا عن النطق) - (عمرو فى تشف) معاك كام دلوقت؟- (أيمن وهو يغرغر) ولا مليم. بقيت على الحديدة.
(عمرو يجاهد كى يكتم ضحكته) بذمتك حد يدخل البورصة بكل اللى معاه؟، دلوقت ماقصادكش غير إنك تستلف - (أيمن وهو يطلع الروح) وهو فيه حد بيسلف حد؟- (عمرو غاضبا) جرى إيه يا أيمن؟. يا أخى الناس لبعضها( أيمن فى أمل) كده! طب سلفنى - (عمرو على الفور) افتكرت مشوار مهم. سلام.
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/23730

a7med_Raslan
04-04-2010, 02:58 AM
الاختلاف الحاد بين جمال البنا ومنتقديه هو فى حقيقته خلاف بين المدرسة العقلية والتقليدية، لو حللت عناصره لوجدته اختلافا فى الوسائل وليس خلافا فى الهدف.

فكلاهما عاشق لإسلامه مخلص لهذا الدين.

قد أختلف مع أسلوب التدين السائد حاليا من جهة الاهتمام المفرط بالشكليات، وغياب فقه الأولويات لكنى لا أشكك أبدا فى محبتهم وصدق طويتهم.

وقد لا أقتنع ببعض أطروحات البنا- مثل جواز التدخين فى نهار رمضان- التى أضرت بقبول الجمهور لأفكاره المهمة- لكنى أشاهد فى مجمل كتاباته اقتناعا عقليا حارا بالإسلام، وحبا صرفا لهذا الدين جعله يحتمل إهانات لا يستحقها بكل تأكيد، فهذا الشيخ الجليل ليس (مخرّفا) ولا (مخرّبا)، حاشا لله.

بل هو عقل صاف، وقلب متوهج يخفق بحب هذا الدين.

كلاهما محب لـ(ليلى)، كل على طريقته.

التقليديون كالأب الغيور، يغار على ابنته من النسمة ومن نظرات الجيران، فيطالبها بالتنقب وإغلاق الشبابيك.

ويخاف كل الخوف على أبنائه من الزلل والمهالك وحوادث الطريق.

فيطالبهم بالحذر وعدم المجازفة، والتمهل طويلا قبل عبور الطريق.

هكذا التقليديون: آباء محبون لا شك فى محبتهم، وما حرصهم الزائد إلا حب زائد وخوف زائد من التفريط فى الدين.

وجمال البنا- والمدرسة العقلية الإسلامية عموما- آباء محبون بنفس الدرجة، ولكن بنوع مختلف من الحب.

حب يزرع فى نفوس أبنائه المبادئ والمثل العليا ثم يتركهم للحياة، تصارعهم ويصارعونها، تكابدهم ويكابدونها، آملين أن تعصمهم مبادئ التوحيد ومكارم الأخلاق من زلل الطريق.

جمال البنا أب محب، لكنه يشجع ابنه على السفر وركوب المخاطر وعبور البحار.

ويرحب بالخطأ- من أجل التعلّم- فى طريق الصواب. يطالبه ألّا يهاب المجهول، بل يقتحمه غير خائف.

ولا يتجنب المسائل الشائكة، بل يحلّها غير واجف، لا يقول: «كان أبى»، بل يقول: «ها أنا ذا».

يشجعه أن يتعرف على الآخرين من ثقافات مختلفة، دون أن يعتبر اختلافه معهم خلافا معهم، بل يسلم بحقهم - وحقه - فى الاختيار.

المسألة هكذا: الذين يجدون راحتهم فى الاحتياط لدينهم، بعيدا عن أمواج البحر العالية ودواماته المخيفة يؤثرون المنهج التقليدى الآمن.

وأصحاب التفكير العقلى الحر (ولا حيلة لهم فى ذلك) تناسبهم حالة الحرية- مع تحمل التبعة- التى تقدمها لهم المدرسة العقلية (ومن ضمنها جمال البنا).

بالنسبة لى فقد لاحظت أننى أكون أقرب لاقتناع العقل واطمئنان القلب مع المدرسة العقلية (بشرط احترام الثوابت) لكنى لا أحمل الآخرين على اختيارى ولا حتى أشجعهم على ذلك، لأن أذواقهم مختلفة عن ذوقى وتركيبتهم غير تركيبتى، وما يناسبنى ربما لا يناسبهم.

المهم أن نحترم اختلافنا ولا نتبادل الاتهامات.

والقارئ الجيد لا يشعر بالصدمة التى يشعر بها القارئ العادى من أفكار جمال البنا.

لأنه قرأ اجتهادات تخالف المعتاد لأعلام من أمثلة الغزالى والعقاد وأبى زهرة، والتفاصيل فى مقالات لاحقة إن شاء الله.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/23911

a7med_Raslan
04-04-2010, 03:00 AM
تحتاج الطرقات إلى مصابيح إنارة، وتحتاج الأمم إلى أبطال قوميين، ونحتاج نحن – البشر العاديين – إلى مثل أعلى ينير لنا الدرب ويشحذ الهمم ويجعلنا نؤمن بأن الحياة ليست مجرد بالوعة قاذورات تزحف فيها الحشرات فى دبيب صامت.. حشرات بشرية تطيع غرائزها البدائية فتنهب وتفسد وتسرق.

أقولها بصراحة: زهقت من قراءة صحف المعارضة من كثرة ما يتسرب إلىَّ من روائح (مقرفة) محزنة، ولوهلة قررت أن أفر من هذه العتمة، وأستروح ذكرى رجل من زمان الرحمة، رجل كان يؤدى واجبه على قدر الاستطاعة، يؤديه فى أسرته وعمله وبين أقاربه.. المعدن الأصيل للشعب المصرى الذى لم ينفرط عقده- بفضل هؤلاء وحدهم- - رغم هجمة الفساد المنظمة، إنه أخى المرحوم ياسر الجندى مدرس أمراض النساء بكلية طب طنطا.

طفولته كانت عادية جداً، مجرد طفل شقى يفيض بالحيوية، يطارد القطط والسيارات، ويتسلق الأشجار، ولكن أحداً لا يطاوعه قلبه على معاقبة الطفل الجميل جداً ذى الابتسامة الساحرة.. صباه أيضاً لم يكن ينبئ بجوهره الثمين، مجرد شاب جامعى يأخذ الأمور بجدية ويستميت فى دراسة علومه الطبية، ثم كانت اللحظة الفاصلة فى حياته عندما تخرج فى كلية الطب بتفوق، وبدأ العمل كطبيب امتياز فى المستشفى الجامعى ليظهر المعدن الأصيل فى نفسه وروحه، وليعيد اكتشاف نفسه من جديد.

فوجئ بالفقر المدقع والمرض المذل فى المستشفى المجانى، فوجد نفسه تذوب رقة وإشفاقاً، وجد طريقه ورسالته، وكرّس حياته كاملة لهذا العمل النبيل.
حدث انقلاب شامل فى حياته، ولم يعد يعنيه سوى تخفيف آلام المرضى، وتفانى فى عمله، لا يذهب لبيته إلا مرة كل عدة أيام.

ثم تسلم بعدها عمله الجديد كطبيب مقيم فى قسم أمراض النساء والتوليد بالمستشفى الجامعى وتحمل مسؤوليته عن مريضاته، تفانى فى عمله لا ينام لحظة فى نوبتجيته التى تمتد ليومين وأحياناً ثلاثة.

إذا وجد تقصيراً من التمريض يقوم بمهامها، لا يأنف أن يحمل حذاء المريضة، وكم شهدته أروقة المستشفى يحمل على كتفه أنبوبة أكسجين ويصعد بها الدرج لاهثاً لأن العامل غير موجود والمريضة تموت.

يتبرع بدمه فى حالة وجود أى مريضة نازفة، لدرجة تبرعه بالدم خمس عشرة مرة فى عام واحد ولم يكن – كطبيب - غافلاً أنه يؤذى نفسه ولكن كان يطيش صوابه لحظة أن يرى مريضة نازفة توشك على الموت.

وكان بذله للمال لا يوصف، كل ميراثه عن أبيه وراتبه فى رحلة العمر تحول لشراء أدوية الفقراء، وبات يحرّم على نفسه الطعام الجيد أو الثياب اللائقة.. لربع قرن بعد تخرجه لم يذهب يوماً لمصيف أو يتنزه، كانت مشاهد الفقر والمرض تحاصره ولم يكن ليحترم نفسه لو أنه تساهل لحظة.. تحول العنبر المسؤول عنه إلى جنة صغيرة على حسابه الشخصى فابتاع له كل الرفاهيات من ماله ومضى فى طريقه يضىء ليل الآخرين كنجم هادٍ.

كان من أصحاب الفكرة الواحدة لم يرحم نفسه ولم يرحمه أحد، لم يتزوج ولم تكن له أى حياة سوى مع المرضى والمراجع الطبية، كان عالماً فى مجاله، تبحّر وتعمق فى تخصصه، فلم يكن لديه شاغل آخر.. وهدفه محدد: تقديم خدمة أفضل مؤمنا أن الطبيب – كالقاضى - يجب ألا يأخذ أجره من المريض وإلا فقد نزاهته، لذلك لم يفتتح عيادة خاصة قط فى حياته ولا دخل جيبه قرش واحد من مريضاته، بل كان يعطى – صحته وحياته وماله - بلا حدود.. تتحول كل مريضة إلى شغله الشاغل حتى يتم الله شفاءها أو يتوفاها الله.

كان مشغولاً باستمرار ولم يكن ممكناً أن يستدرجه أحد للحديث عن نفسه أو يدلى بآرائه فى السياسة أو يتحدث عن الكرة، أو يقبل أن يضيع لحظة واحدة فى غير العلم والعمل به.. أو يسمح لشىء بتشتيت انتباهه.

................

على هذا النحو مرت ليالى العمر.. جندياً فى معركة مستمرة، لا تنفك أساريره العابسة إلا مع مريضاته البائسات من قاع المجتمع، يقضى معهن أوقات فراغه القليلة متربعاً بجوارهن على السرير المعدنى الرخيص الأبيض، مستمعاً إلى مشاكلهن البسيطة.

وبفعل التعب وسهر الليالى، وإيذاء النفوس الصغيرة له، لم يكن عجيباً أن ينزلق بالتدريج فى هاوية الاكتئاب والإجهاد بعد ركض ربع قرن، خصوصاً أنه كان قليل الحظ فى حياته وتصادفه المشاكل أينما ذهب.. فمرة اكتشف وهو فى عريض الطريق ضياع ملف مريضة فطاش صوابه وعاد أدراجه دون أن يفكر فى النظر أمامه لتصدمه سيارة مسرعة ويقضى شهوراً عديدة يعانى العجز والألم دون أن ينسى- وهو فى غيبوبة الألم- أن يبرئ ساحة من صدمه.

ومرات يؤذيه بعض المراهقين وهو فى طريق عودته متأخراً من المستشفى وهو الكريم ابن الكرام، ومرة يتصادف انتحار فتاة أمامه وهو يسير فى الطريق ليتناثر مخها أشلاء على حذائه، وهو الرجل الرقيق الحس المرهف الوجدان، ومرات ومرات يتعرض للاضطهاد والقهر من أساتذة صغار النفوس.

حياة كاملة قضاها مجهداً من قلة النوم وإجهاد العمل ودسائس الأشرار، دون زواج أو أبناء أو ترفيه حتى ضاعت نضارة الشباب وبدأت الكهولة المعذبة، وارتسمت ملامح العذاب والاكتئاب والمرض على وجه الفارس النبيل، ليلزم الصمت تماماً، وتبدأ رحلة العزلة فلم يعد هناك أى شعاع نور فى حياته سوى حبه لأطفال العائلة وتكريس أوقات فراغه القليلة لهم.

.................

ثم جاء ذلك الصباح الحزين فى الأول من نوفمبر عام 2003
تأخر استيقاظه عن المعتاد ففتحوا الباب عليه فوجدوه منكفئاً على وجهه فى غيبوبة كاملة.. نزيف بالغ فى المخ، وظل فى غيبوبته أسبوعاً كاملاً حتى فاضت روحه الكريمة وقت صلاة الجمعة فى شهر رمضان المبارك.

فى هذا الأسبوع حدث الكثير، تذكر الكثيرون– بعد فوات الأوان- - أنهم ظلموه ولم ينصفوه وهو حى، تذكروا أنه كان يحيا بينهم رجل لم يطمع فى دنياهم، وبرغم ذلك شاركوا فى قذفه بالحجارة أو صمتوا على إيذائه.

فى أيام غيبوبته السبعة حل سلام روحى عجيب على ملامحه المتعبة، وكأن كل أيام عذابه الماضية لم تحدث أصلاً! إن الألم مهما كان عظيما فإنه ينتهى حين ينتهى، ويبقى الأجر إن شاء الله، كان جميلاً وقد نفض الغبار عن ملامحه المتعبة وعاد إلى رونقه وكأن المعركة لم تحدث أصلاً..

كنت أتأمله فأشعر وكأن كل آلام حياته لم تحدث على الإطلاقً.

مات الرجل وبموته نقص الجمال فى الأرض، وذهب إنسان فهم الدين على معناه الصحيح، عمل بإخلاص ورحمة بالمرضى والضعفاء.

اللهم ارحم عبدك ياسر الجندى وتقبله فى الصالحين.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/24272

a7med_Raslan
04-04-2010, 03:02 AM
■ المشهد الأول:

قصر منيف فى قطر صغير لا يكاد يظهر على الخريطة ــ الثرى العربى معتل المزاج لأنه لم ينم جيداً ــ (سكرتيره): سموك تعبان ليه؟ ــ (الثرى): صوت الطيارات الأمريكية فى القاعدة اللى جنبنا ما نيمتنيش طول الليل ــ (السكرتير): يمكن ناويين يضربوا العراق! ــ (الثرى): هو عاد فيه عراق! ده بقى مكانه (خرم) لو بصيت منه حتشوف الصين فى الناحية التانية ــ (السكرتير): جايز أفغانستان! ــ (الثرى): أفغانستان معدش فيها غير جبال وشوية معيز ــ (السكرتير): يبقى ما فاضلش غير إيران! ــ (الثرى): تبقى مصيبة، لأن إيران حتضرب القاعدة بتاعتهم عندنا مع أول صاروخ أمريكى حينزل عليهم. إف. إمتى يغوروا بقى؟

وفجأة يدوى صوت من ميكروفون خفى وراء لوحة بملايين الدولارات - (العم سام) بتقول إيه يا روح ...؟ - (مذعوراً): الزعيم! بأقول إنت الخير والبركة - ( العم سام) طب يللا إنزل القاهرة ونفذ اللى اتفقنا عليه، بس استهبل عليهم وأوعى تجيب سيرتى.

■ المشهد الثانى:

المبنى: موقع عالمى هو فخر الفكر الإسلامى المستنير - خلية نحل تضم مفكرين وباحثين وأدباء ــ حوارات شديدة العمق فى أروقة المبنى وخطط لمواجهة الغزو الثقافى الصهيونى ــ (الثرى فى غلاسة وهو يتجول فى المبنى مع مدير الموقع): أنتم يا مصاروه ما تبغون إلا الفلوس.

والله عال! وكمان سايبين شغلهم وقاعدين بيلعبوا ــ (المدير مصدوما): بيلعبوا؟ دول بيشتغلوا ــ (الثرى مستعبطا): هو ده مش مصنع البسطرمة بتاعى؟ ــ (المدير غاضباً): بسطرمة إيه؟ ده أعظم موقع إسلامى يتميز بالوسطية والفكر المستنير ــ (الثرى مستهبلاً): طب فرجنى على العمال بتوعى، أصلى زهقان وعاوز أتسلى ــ (المدير محتجاً): عمال! تتسلى! دول صفوة عقول مصر متجمعين هنا.
باحث جهبذ منهمك فى رسم الخريطة الفكرية- (الثرى): الولد ده بيكتب إيه؟ ــ (المدير باكيا): ولد! ده أهم خبير فى فكر الجماعات الإرهابية ــ (الثرى فى فرح): خلاص خليه يكتب قصص بوليسية، ولدى الصغير يبغاها! ــ (ملتفتاً إلى أديبة منهمكة فى الكتابة): وأنت يا حرمة بتكتبى إيه؟ ــ (فتقول الحرمة): حرمة فى عينك، أنا بارد على مشاكل الشباب. (الثرى فى سعادة شديدة): حياك الله، أبغاك تكتبين روايات عبير.

ثم يهرش رأسه قليلا ويقول: «وللا أقولكم؟، كلكم بره. إنتم مرفودين. هى جت معايا كده!. الموقع ده حجى (يقصد حقى، بتاعه يعنى) وأنا أبغاه، فلوسى وأنا حر فيها، حاديه للأولاد يلعبوا عليه أتارى. يللا ورونى عرض كتافكم».

يقترب شيخ وقور حزين يحمل على رأسه عمامة عمرها أكثر من ألف عام، وبين يديه سبحة الأجداد الكرام. فيتساءل الثرى: ومين ده كمان؟ ــ يقول السكرتير: ده أعظم فقيه فى العالم الإسلامى حالياً ــ فيرد الثرى: «إن شاالله يكون الليث بن سعد ولا حتى العز بن عبدالسلام. مرفود برضه».

■ المشهد الثالث

اعتصام ــ ثورة غاضبة ــ قلوب حزينة ــ مقالات تنعى وفاة أعظم موقع إسلامى - (الثرى يتصل بالعم سام) كله تمام يا عمنا، أيوه زى ما اتفقنا مجبتش سيرتك خالص، (صيّعت) عليهم ولبستهم السلطانية، أى خدمة يا زعيم.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/24386

قيصر الصقيع
06-04-2010, 10:24 PM
جاء البرادعى وهو لا يملك إلا «الفكرة»، وشوقاً شعبياً عارماً إلى التغيير، فى مقابل مصالح هائلة تبلغ عشرات المليارات، ومراكز قوى تشبه جبل الجليد العائم، نشاهد قمته ولا نعرف أى شىء عن جرمه الهائل المختفى تحت الماء. ومن البديهى أن أصحاب المصالح سوف يشنون حربا ضارية فى مواجهة فكرة التغيير التى يحملها البرادعى، مستخدمين كل أنواع الأسلحة، ومن ضمنها سلاح الدين. وقد بدأت الحرب الضروس بزعم علمانيته، وكأن النظام الحالى حامى حمى الإسلام!
لذلك أتمنى أن يأخذ البرادعى الحذر، فسوف يحاولون استدراجه لاصطياد عبارات يمكن تأويلها بأنه ضد الهوية الإسلامية لمصر، وضد المادة الثانية للدستور، وضد الحجاب. لذلك أتمنى ألا يستجيب لهذا الاستدراج، إذا أراد أن يقطع الطريق على خصوم يسيئون استخدام دين لا يعملون به، دون مراعاة لحرمته وتوقيره، لأنهم يعلمون جيدا أنهم إذا ألصقوا به صفة العلمانية انصرفت عنه كتلة الشعب وانتهت فرصته فى مشروع التغيير.
وإننى أتفهم أن الله خلقنا متفاوتين، فهناك الأقباط الذين لا يدينون بالإسلام وهناك من لا يحمل ودا للمادة الثانية من الدستور، ورغم ذلك أرجوهم أن يغلبوا مصلحة الوطن العليا ولا يحاولوا فتح هذه الملفات الشائكة، لأن مصلحتهم- ومصلحتنا- فى التغيير. فالتعصب الدينى لا يزدهر إلا إذا انعدم الأمل فى مستقبل أفضل، فيصبح الموت والحياة سواء.
ولقد أسعدنى وعيه الواضح بحساسية الشعب المصرى تجاه تعظيم الشعائر، كصلاته فى مسجد الحسين، وحضور قداس القيامة، هذه أشياء يجب أن يمارسها بتوسع، لأنها طبيعة الأرض التى يقيم عليها مشروعه ويأخذ بيدها إلى الحداثة، دائمة التطلع إلى السماء، يشهد على ذلك نخلها المنتصب لأعلى، ونيل نجاشى، أرغوله فى إيده، يسبح لسيده، كما كتب أحمد شوقى وغنّى عبدالوهاب.
مصر بلاد معجونة بالدين، تكرر ذكرها فى الكتب المقدسة، وتقاطعت معها جميع النبوات. لم تكن مصادفة أن يمر عليها معظم الأنبياء: إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى وأمه الصديقة، ويوصى بأهلها خيرا نبينا محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام. وما تكرر ذكرها فى القرآن الكريم إلا لشأنها العظيم، وصهر ونسب، ونبوءة صدّقتها الأحداث أنهم خير أجناد الأرض، وحقيقة أن مصر احتضنت آل البيت بعد أن عصف بهم الملك العضوض.
إذا كانت مصر جسدا فالدين روحه، وإذا كانت ثمرة فالدين سُكّرها، وإذا كانت زهرة فالدين عطرها. وانتزاع الدين من مصر كخلع الأظافر والأسنان، بل كنزع الروح من الجسد. هذا ما فهمه كل القادة العظام الذين نفذوا إلى «روح مصر» بصرف النظر عن نواياهم تجاهها، فهذا نابليون يرتدى العمامة ويتظاهر بالإسلام، وهذا المحتل الإنجليزى الماكر يحرص على عدم الاصطدام بالمقدسات.
لذلك أقول له: افترض سوء النية دائما فيمن يطلب رأيك فى هذه الملفات الشائكة، فسوء الظن يكون أحيانا من حسن الفطن، وكن فى منتهى الحذر عند الحديث عن الدين.



المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=250095&IssueID=1732)

قيصر الصقيع
08-04-2010, 12:31 AM
المسألة أكبر من البرادعى ومن ألف برادعى، إنه الزخم الذى تشهده مصر الآن ومرت به قبلها معظم المجتمعات الغربية التى تنعم الآن بالتقدم والرفاهية، ودفعت مقابله آلاما باهظة، مخاض الانتقال من مرحلة الحاكم نصف الإله إلى مرحلة الحاكم الإنسان. من الطبيعى جداً أن تصاحب المخاض آلام شديدة، ولكنه الألم العذب الذى يتبخر لحظة سماع صوت الوليد.
البشرية جربت أنواعا كثيرة من العلاقات بين الحاكم والمحكوم، ثم وجدت أن أقرب وسيلة للحصول على الحياة الكريمة هى الديمقراطية بما تشتمل عليه من انتخاب الحاكم من بين أكثر من مرشح، مع تداول سلطة يسمح بتغيير الحاكم غير الكفء وإخلاء مكانه للأكفأ، لأن مجىء حكام عادلين بغير هذه الطريقة - مثل عمر بن عبدالعزيز - يكون بمصادفة نادرة لا يُضمن تكرارها، والأكثر شيوعاً أن يأتى المستبدون. وحتى لو كان الحاكم كفئاً فيجب ألا يمكث أكثر من فترتين، لأن خسارة حاكم كفء أقل ضرراً من خسارة المنظومة كلها.
لذلك يُخطئ من يصوّر المسألة على أنها مجىء البرادعى لأنه جيد وذهاب مبارك لأنه سيئ. فلو جاء البرادعى بنفس الآلية التى جاء بها مبارك فنحن لم ننجز شيئا، لأننا لا نريد أن نستبدل رئيساً مطلقاً برئيس مطلق، ولا نريد أن نسمع أغنية فى مديح البرادعى بدلاً من «اخترناه» فى مديح مبارك، كما سمعناها بدلاً من «يا سادات يا حبيبنا» التى سمعناها بدورنا بدلا من «ناصر يا زعيم الحرية». صعب جدا أن نسمع فى أمريكا أغنية تقول «يا كلينتون يا حبيبنا»!.
هدفنا هو الانتقال من مرحلة الحاكم نصف الإله الذى لا يمكن تغييره ولا يُسأل عما يفعل، إلى الحاكم الموظف الذى يُمكن تغييره وتجب مساءلته. الهدف هو نزع الصفات شبه الإلهية منه ليعود واحداً من الناس، لأنه - ببساطة - يعيش من فلوسنا.
الحاكم - أياً كان اسمه - لم ينشئ بيزنس خاصاً به ويتحمل مخاطره، ولم يشتغل فى إيطاليا أو الخليج ويتجرع الغربة، ولم يرث عن أبيه وأجداده، وبالتالى فكل مليم ينفقه، وكل طعام يأكله، وكل بيت يسكنه هو من جيوب الشعب. وبالتالى من حق الشعب أن يحاسبه ويغيّره كما هو حادث فى كل العالم.
عبدالناصر والسادات ومبارك: كلهم حاكم واحد فى جوهرهم وإن اختلفت أسماؤهم، كلهم فوق المساءلة بحكم الأمر الواقع والصلاحيات الدستورية الواسعة لمنصب رئيس الجمهورية. لو جاء البرادعى بنفس صلاحيات مبارك فنحن لم نصنع شيئاً، حتى لو كان البرادعى جيداً، لأن الذى سيليه ربما يكون سيئاً. أما لو تغير الدستور وأصبح واضحاً فى عقول الناس أننا نبحث عن موظف بدرجة رئيس جمهورية، وليس عن ملهم أو زعيم فقد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق الصحيح، وقتها لن يكون مهما أن يكون هذا الموظف - بدرجة رئيس الجمهورية - اسمه البرادعى أو أى اسم آخر.

المصرى اليوم (http://www.alamelarab.com/NEWSPA/almasry-alyoum.htm)

قيصر الصقيع
09-04-2010, 06:13 PM
فى ذلك اليوم – يوم السكر – توفيت جدتى لأمى.
كنت حينذاك طفلا يناهز السابعة، وبرغم السنوات الطويلة فلم أزل أذكر كيف دق جرس الهاتف طويلا متصلا يحمل مصيبة مؤكدة. رفعت أمى سماعة الهاتف، وساد صمت كئيب ثم أجهشت بالبكاء.
نينة ماتت!
فى ذلك اليوم من أيام شهر أغسطس – شديد الإملال – جاءنى الخبر الحزين. بصراحة لم يكن حزينا جدا بالنسبة لى بقدر ما تملكنى الفزع من بكاء أمى. وانتابنى شعور مثير طرد السأم فورا، لم يكن خبرا عاديا، وهذا اليوم من أيام أغسطس صار مشحونا بجميع الاحتمالات، جريت نحو إخوتى أعلنهم الخبر، منفعلا وفخورا فى الوقت نفسه كونى انفردت بهذا الخبر الذى جعلنى محور الاهتمام.
قلت لهم بسرعة وأنا أبلع ريقى وألهث:
نينة ماتت وماما هتموّت نفسها من العياط!
هرعت أختى لمواساة أمى، وعانقها أخى الكبير أحمد، أما ياسر فقد وقف عن قرب متجهم الوجه يشعر بمسؤولية غامضة. وشرعت أراقبهم باهتمام لأعرف إن كان حزنهم حقيقيا أم مصطنعا مثلى!، عن نفسى كان حزنى - كعادة الأطفال - سطحيا مع كثير من الترقب. لابد أن عائلة أمى ستحضر كلها، وهذا يعنى لقائى مع أطفال العائلة، ومهما تظاهرنا بالحزن فسوف يكون مجالاً للعب. يجدر بى ألا أفكر فى هذا!، عيب أن أفكر فى هذا!، لكن المشكلة أننى بالفعل أفكر فى هذا!.
وفيما بعد - وكما توقعت - حضرت كل فروع الأسرة بأزهارها الصغيرة، وكانت هناك حكايات مشوقة: كل واحد منا – نحن الصغار - روى للآخر على مهل كيف عرف الخبر!، وبماذا شعر وقتها، وكيف استقبلت أمه الخبر؟، وما رد فعل والده بالتفصيل. أشياء كانت تبدو لنا أخطر ما فى العالم، هناك حيث اجتمعنا كعصافير صغار فى الشرفة الخلفية لمنزلى تتبادل اللعب والتغريد. كان هناك الكثير من الانفعال لأطفال لم يفهموا بعد حقيقة الموت.
■ ■ ■
بعد الخبر مباشرة، سمع أبى صوت التليفزيون العالى فأغلقه قائلا فى حزم:
التليفزيون ما يتفتحش يا ولاد اليومين دول.
لم أجد علاقة واضحة بين وفاة جدتى وحرمانى من برامج الأطفال. تضايقت جدا فغادرت الغرفة إلى المطبخ، وهناك كانت علبة السكر المعدنية فى متناول يدى. فى شرود وضعت قليلا منه فى فمى. لكن ياسر لكزنى مؤنبا:
عيب أوى تاكل سكر ونينة ماتت!.
وأمسك العلبة المعدنية فوضعها – بقامته الطويلة النامية - فوق رف عال، رف لا يمكن أن أصل إليه بقامتى القصيرة أبدا. وفهمت الوضع بسرعة: كان تعبير ياسر – صبى الحادية عشرة – عن الحداد أنه سيمنعنى من تناول السكر!.
يا للهول! لا برامج أطفال ولا سكر!، الآن اقتنعت بأن وفاة جدتى فعلا كارثة. لكنى واسيت نفسى أننى سأجد بعد قليل حيلة مناسبة، ياسر لن يظل فى المطبخ إلى الأبد!، ظللت أحوم طيلة النهار حول المطبخ الذى تحول إلى جزيرة قراصنة تحتوى الكنز. والكنز علبة معدنية مملوءة بالفرح!، لكن ياسر لم تلن له قناة، يبدو أنه – بالفعل – قرر أن يبقى فى المطبخ إلى الأبد، بعد أن حدد لحياته هدفا واضحا: منعى من تناول السكر!.
■ ■ ■
الساعات مرت بطيئة، وعبثا ما حاولت أن أنشغل بشىء آخر، الساعة الآن الخامسة بعد العصر موعد برنامج (فرافيرو) الذى اعتدت مشاهدته، الحياة قاسية جدا!، كلا، الحياة رائعة، ياسر غير موجود فى المطبخ الغارق فى عتمة العصارى. قلبى يدق كالطبول والعلبة اللامعة تنادينى، لكنها عالية جدا، لن أتمكن - بقامتى القصيرة - من الوصول إليها.
أين الكرسى الطويل المدهون باللون الأحمر!، يبدو أنهم استخدموه فى غرفة أخرى، لكن ذلك لم يكن ليمنعنى، فى خفة قرد مُدرب قفزت على حافة المنضدة، حرفها حاد وضيق، لكن أصابعى صغيرة ولينة. بحركات بهلوانية شديدة التعقيد، بارعة كنجم سيرك محترف، تمكنت من الإمساك بالعلبة، والهبوط بسلام إلى أرض المطبخ، سمعت فى ذهنى تصفيق المشاهدين الذين جنوا من الإعجاب بهذه القفزة البارعة المعقدة.
وقبل أن أنحنى لتصفيق المشاهدين وجدت ياسر أمامى. ناظرا لى فى صمت مخيف لعدة ثوان قبل أن ينزع العلبة من يدى، هازا رأسه فى أسف وذهول، وكأنه لم يكن يتصور - أبدا - أننى بهذه الخسة.
نينة ماتت وعاوز تاكل سكر!
لم أنبس بحرف، كان أكبر وأقوى، والأهم أنه أفلح – بإصراره – فى زرع إحساس الإثم فى قلبى. ماتت جدتى وأنا لا أفكر إلا فى اختلاس السكر، يا للعار، ويا لبشاعة ما أصنعه!، حتى الشياطين لا تفعل هذا يوم وفاة جدتها!.
انصرفت متدلى الكتفين شاعرا بالخزى، مصمما على الاعتراف لأمى حتى أتخفف من العبء الهائل، صارحتها منكس الرأس بالجريمة، ثم أردفت مؤكدا:
بس ما أكلتوش يا ماما والله العظيم!.
ولم يبد على أمى أنها سمعتنى، أو حتى اهتمت بما أقول. لكنى عاهدت نفسى – من قبيل التكفير – أن أتوقف عن أكل السكر. وداعا أيها السكر اللعين، وحتى عندما أكبر وأشرب الشاى سأشربه بدون سكر كما تفعل ماما، لا سكر إلى الأبد.
بعد قليل كنت قد تحللت من عهدى وغلبنى شيطانى، وعدت أحوم حول المطبخ تتملكنى الفكرة الواحدة، وفى كل مرة أجد ياسر واقفا عند الباب كديدبان مخلص.
■ ■ ■
كدت أجن من شدة الرغبة، وقد ألهب الحرمان خيالى، ونسيت أننى لم أكن أتناول السكر فى العادة أو أعبأ به، إذ كان السكر فى هذا الوقت من السبعينيات أصفر اللون ردىء الصناعة، وبالتأكيد لم أكن لأهتم به أو يشغل بالى.
وكانت النهاية الجميلة حينما انتظرت حتى أوغل الليل وسكنت الحركة تماما فى البيت، ونام الجميع بمن فيهم ياسر. رفعت الغطاء فى خفة عن جسدى الصغير، وتسللت إلى المطبخ حافى القدمين كيلا أوقظ أحدا.
وعلى ضوء البهو الخافت المتسلل كانت العلبة المعدنية تلمع فى الظلام كالجواهر. حمدا لله الكرسى العالى موجود فى مكانه هذه المرة، صعدت بسرعة ثم تسلقت الرف ممسكا بالحافة، زحزحت العلبة ثم تلقفتها بيدى، وبرشاقة بطل سيرك هبطت إلى الأرض دون أن أتزحزح خطوة واحدة، قفزة ماهرة جلبت لى تصفيقا جنونيا فى خيالى، لكن لم يكن عندى وقت للانحناء لأننى أمسكت بالعلبة، واغترفت السكر فى قبضتى ، وبسرعة جريت إلى سريرى الذى لم يزل دافئا، وتحت الغطاء – فى ثوان معدودات – كنت قد التهمت ألذ سكر فى حياتى!.
■ ■ ■
وتمضى الأيام، وأكبر، لم يعد أحد قادرا على منعى من تناول السكر إذا أردته، وبرغم ذلك تجدنى مستعدا أن أتنازل عن كل سكر العالم، فقط لو يعود ياسر!.

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=250448&IssueID=1735)

a7med_Raslan
13-04-2010, 05:39 PM
هذا مقال تمهيدى أتمنى أن تقرأه جيدا نظرا لأهميته البالغة. الأصل فى المصطلح أنه يختصر الوقت ويحمل معانى كثيرة فى كلمة واحدة بحيث لا تضطر لذكر التفاصيل فى كل مرة. لكن المشكلة نشأت حينما تحول المصطلح إلى عبء علينا، واشتدت الخصومات الفكرية - بلا مبرر موضوعى - بسبب عدم الدقة فى فهم المصطلح.

خذ عندك مثلا «الصوفية». ما الذى تقصده بهذا المصطلح؟، أهو التعمق فى الجانب الروحى بما يشتمل عليه من زهد وذكر وخلوة وتوهج قلبى ومقامات روحية، وكلها أشياء مطلوبة لا خلاف عليها؟. أم تقصد به الموالد والخرافات والتمسح بالأضرحة والتعلق بالقبور؟. لذلك أرجوك لا تقل «صوفية» وتصمت، حدد المعنى الذى تعنيه بالمصطلح أولا.

نفس الشىء ينطبق على «السلفية». يقولون إنها ليست مذهبا وإنما منهج فى فهم الدين بالطريقة التى فهمه بها خير القرون (أى القرون الثلاثة الأولى). ولكن من ناحية التطبيق: إذا كنت تعنى كيف نوحد الله ونصلى ونصوم ونحج فكلنا بهذا المعنى سلفيون. أما إذا كنت تعنى فهمهم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم فقد انتقلت - أثناء القرون الثلاثة الأولى - من العدالة والمساواة فى الخلافة الراشدة إلى مجازر آل البيت والملك العضوض والحروب الداخلية.

كذلك كان فهمهم للزواج مقصورا على التعدد، فهل نستلهم كل هذه المفاهيم أم مسموح لنا ببعض الانتقائية؟. وهل نخطئ حين نقول إن المجتمعات الديمقراطية أقرب إلى سلفية الخلفاء الراشدين، فيما مجتمعاتنا الإسلامية أقرب إلى سلفية الملك العضوض؟. لذلك أرجوك لا تقل «سلفية» وتصمت، حدد المعنى الذى تعنيه بالمصطلح أولا.

وماذا عن «العلمانية»؟، أهى اللادينية التى يجب أن نقاومها بكل وسيلة ممكنة، أم هى عدم تدخل الدين فى أمور الدولة بحيث يحق لها إباحة الخمور والبغاء والقمار، وهذه أيضا نرفضها، أم هى قاعدة «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» وبالتالى تصبح العلمانية مفهوما إسلاميا صرفا؟. لذلك أرجوك لا تقل «علمانية» وتصمت، حدد المعنى الذى تعنيه بالمصطلح أولا.

و«اليسار» من فضلك، أهو الانحياز للفقراء وبالتالى يصبح كل من هو ليس يساريا «معندوش دم». أم هو المادية الجدلية التى تعادى الدين بلا مبرر وبالتالى يجب أن نرفضها؟. لذلك أرجوك لا تقل «يسارية» وتصمت، حدد المعنى الذى تعنيه بالمصطلح أولا.

كذلك «التشيع»، أهو محبة آل البيت الخارقة والحزن على مظالمهم؟ (وكلنا بهذا المعنى شيعة)، أم جعل التاريخ الإسلامى مؤامرة مستمرة وتحويل الصحابة - الذين نشروا الإسلام - إلى شياطين فى سقر؟. لذلك أرجوك لا تقل «تشيع» وتصمت، حدد المعنى الذى تعنيه بالمصطلح أولا.

والخلاصة.. أنك لو دققت فى المصطلح لوجدت أن أغلب خصوماتنا غير حقيقية، وإنما هى ناشئة عن سوء الفهم، ذلك لأنك تقصد شيئا معينا بينما يقصد غيرك شيئا آخر مختلفا.


10/04/2010
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/25532

a7med_Raslan
13-04-2010, 05:42 PM
(يفسر بعض العلماء نشأة الكون بانفجار ذرة واحدة لا متناهية الكثافة، فيما يفسر الصوفية نشأته بالحب!)

..................

فى البدء كان الله، ولا شىء إلا الله، ولا أحد مع الله، متفردا بجلاله، منفردا بعظمته، مستعليا فى كبريائه، مستغنيا بذاته عمن سواه. قبل أن يُوجد كون، أو يُخلق زمان، أو يُعرف مكان، كان الله، ولا شىء إلا الله، ولا أحد مع الله.

كل الحكاية أنه أراد الخلق، وانصرفت مشيئته إلى الإحسان. كان كنزا مخفيا فأراد أن يُعرف. البداية كانت ذرة، متناهية فى الصغر، وحيدة منفردة.

عرفت أن الله تعالى سيتجلى عليها، فأصابتها رهبة وتهيُّب، وتملكها دوار الحب الأول، ودارت حول نفسها مرات.

كل الحكاية أنه تجلى عليها بجمال نوره ولألاء بهائه وفيض سطوعه، وعظمة وجوده، وعزة كينونته، وتفرد ربوبيته، انغمرت الذرة فى العشق الإلهى وراحت تذوب.

كل الحكاية أن العشق أدركها، شفافا كالبللور، ثقيلا كالرصاص، كثافة لا يتصورها عقل، هى كثافة الحب الأول.

ومن قلب الحب بدأ الانفجار ببلايين الانقسامات، وتولدت طاقة مهولة.

بدأت تتمدد وتنقسم، تتكاثر وتحتشد، تتركب وتنفك، تلتهب وتتجمد، تنشطر وتنفجر، ومن رحم الذرة العاشقة بدأ ميلاد الكون: مائة مليار مجرة، فى كل مجرة بلايين النجوم، وكواكب سيارة، ومذنبات عاشقة، وشهب ساطعة.

ووسط أعضاء الأسرة الكونية ، مجرة معتدلة الحجم تدعى طريق التبانة، على مسافة الثلثين من مركزها، هناك حيث تقل كثافة النجوم، يوجد نجم لطيف، يتأجج على بعد، اسمه الشمس، وحولها.. أفراد أسرتها..

تدور بأمانة..الثالث بعدا عنها كوكب لطيف اسمه: الأرض، يلاحقه القمر، كفصيل يتبع أمه.

...................

منذ بلايين السنين، عند النشأة الأولى، كانت الشمس ضخمة وباردة، وغير متوهجة، والأرض أكبر مائتى مرة مما نعرفها الآن، تغلفها الغازات، ثم بدأت التفاعلات النووية فى قلب الشمس.

الأرض: كوكبنا المخلوق بعناية إلهية، قوامها الحب واللطف، والرغبة فى العطاء، من الفضاء يبدو بديعا، مكتمل الألوان دائم التفرد، يميل للزرقة.

القارات لونها بنى، وكالماس تنعكس أشعة الشمس على الأسطح المائية.

القمر يدور حول الأرض، والأرض تسبح حول الشمس، والشمس تجرى عبر المجرة، يتعاقب الليل والنهار، وتولد الفصول الأربعة.

كوننا مخلوق بالحب، يعرف خالقه، يتوجه إليه بالعبادة، فى حالة تسبيح دائم، باللون والظل والرائحة، زهور الحدائق ورقصات العصافير، نقيق الضفادع ونداء الكروان.

التناسق العجيب فى عالم الجماد والأحياء، رقصات الذكور وقت التزاوج، سقوط الأوراق فى الغابات الاستوائية، دبيب الحشرات الزاحفة فى باطن الأرض، رحلة الضوء عبر المجرات.

لمن تغنى العصافير كل صباح؟ وماذا يقول خرير الماء الجارى بالزهور؟

وبم يبوح الياسمين فى الأمسيات السعيدة؟ ولمن ترقص النحلة تحت الشمس، ويتزين الطاووس ويرقص البجع؟

الكون مأنوس ساجد، متوجه بالحب لإله عظيم، بديهية الكون ينطقها بألف لسان، يكتبها بكل طريقة ممكنة، ونحن وحدنا الغافلون.


11/04/2010
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/25666

a7med_Raslan
13-04-2010, 05:43 PM
مازلت أذكرها، أذكر وجهها، أذكر بؤسها، مرضها وتجلّدها، ميليا فارس، أختى فى الإنسانية، شقيقة الألم، وبنت الوطن المنكوب بناسه، ولصوصه وحراسه.
لم أكن أعرف بوجودها حتى وضعتها الأقدار فى طريقى دون اختيار. كنت متأخراً عن مواعيدى، متعجلاً فى مغادرة المستشفى الجامعى، دون قصد دخلت غرفة الفحص فرأيتها جالسة على المقعد وهى تئن فى صوت منخفض، شىء ما جذبنى إليها، مغناطيس خفى شد كل مسامير قلبى، رحت أتأملها، جالسة على المقعد، تلهث فى طلب الهواء. وجهها داكن ممتقع، لوحة تشكيلية تجسد الألم البشرى، تمثالاً حياً للبؤس والشقاء.
سألتها عما تعانى، فأجابت بصوت لاهث تقطعه الأنات. كان واضحاً أنها تفضل الصمت، كل كلمة كانت تنتزع الألم من مكمنه ثم تجلدها به، حاولت الاستيضاح لكنها لزمت الصمت وراحت تئن. عرضت عليها أن أقوم بالكشف لكنها رفضت رفضاً قاطعاً، لا هى تقوى على مشى هذه الخطوات القليلة نحو سرير الكشف، ولا هى تستطيع أن ترقد فوقه، وأفضل ما أستطيع أن أفعله من أجلها أن أتركها فى شأنها!.
المشكلة أننى لم أقو على الانصراف، شاهدت فى ملامحها العجوز وجه أمى فى أيامها الأخيرة، وهى تئن وتتوجع، يائسة من الشفاء، منكفئة على ألم بلغ آخر حدود الاحتمال.
فى هذه الأثناء، وصل زوجها، فلاح يرتدى الجلباب البلدى ويبدو عليه الفقر المدقع، ويحمل أوراقاً بالية تصفحتها بسرعة فلم أفهم منها شيئاً. تقارير مكتوبة بخط اليد تؤكد وجود سرطان وأخرى تنفى وجوده، مع أشعة مقطعية ووصفات طبية.
كان الوقت يمضى وأنا أحاول أن أمسك بطرف الخيط دون جدوى، طبيبة الأمراض الجلدية تؤكد أن الحل يكمن فى معهد الأورام، ومعهد الأورام يُقسم أنها جلدية، الكل يؤكد أن الحالة ليست تخصصه، وهى لا تدرى أين تذهب!.
قنبلة الألم تتقاذفها الأيدى بعيداً عنها، لتستقر فى النهاية فى حجر المنكوبة. كان زحام الأطباء حولها مثل سوق الخضار، مع الكثير من الهرج والمرج ثم انفض السوق وأصبحت ميليا فارس وحدها.
..............
كان المستشفى الجامعى قد أقفر تقريباً، وبدأ الفراغ المخيف. ولم يعد أمام زوجها سوى أن يسوقها كالبهيمة الجريحة إلى قريتها البعيدة. مشهد كان مستحيل التصور، مطلوب من امرأة عجزت أن تسير بضع خطوات إلى سرير الكشف أن تسير مسافة الطريق الطويل بحثاً عن تاكسى، مطلوب منها أن تذهب إلى موقف الحافلات البعيد لينقلها إلى أقرب مركز، ومنه إلى قريتها البائسة، رحلة أعرف أنها مضطرة للقيام بها، ولكن بأى ثمن وأى ألم؟
ميليا فارس التى واجهت نهايتها وحدها قبل أن تموت وترتاح، فى وطن انشغل كل من فيه بأجندته الخاصة. وطن مصاب بسرطان فى الفساد، ودرن فى الضمير، وقصور فى الإخلاص، وضعف فى التراحم، وطن لا تستطيع أن تموت فيه بسلام، ولا يوجد أى ضمان أن تموت بلا ألم.


12/04/2010
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/25869

a7med_Raslan
13-04-2010, 05:46 PM
يقشعر بدنى كلما تذكرت هذه القصة!. واحدة من الأشياء الثمينة التى أدخرها فى قلبى لأخرجها وقت اللزوم، فأقول لنفسى إنها دليل قاطع على أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، نبى، وأن هذا الدين صحيح. ذلك أن المنطق الكامن خلفها غير بشرى بالمرة، منطق لا يقيم وزناً لحسابات الأرض، بل يتصل مباشرة بموازين السماء.
ولكى تفهم الحكاية ينبغى أن أضعك أولا فى «الجو»: ها هو الرسول يدعو قومه إلى دين جديد. تؤمن به قلة قليلة جداً فيما يحاربه الجميع. لمدة ثلاثة عشر عاماً يعرض نفسه على كل القبائل دون أن يستجيب أحد. يذهب إلى الطائف فيرجمونه بالحجارة، فى طريقه إلى مكة يدعو دعاءه الشهير الذى يفيض ألما وضراعة «إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته أمرى!.. إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى»، ثم لا يستطيع دخول مكة إلا فى جوار مشرك.
وفجأة يبدو نور فى الأفق حين تقبل قبائل يثرب نصرته وتدعوه للهجرة إليها، وهناك يلاقى حباً وكرامة من الأنصار، وكراهية سافرة من يهود المدينة الذين فقدوا وضعهم المعنوى - كأهل كتاب - بعد التفاف أهل المدينة حوله. وتبدأ الحرب النفسية بأساليب اليهود.
فى هذه الظروف يسرق رجل من الأنصار درع جاره، وحينما أوشك الأمر على الافتضاح أخفى الدرع فى بيت جاره اليهودى ليورطه، وأخبر قومه بذلك فتواطأوا معه وذهبوا للرسول طالبين تبرئة السارق الحقيقى وإدانة اليهودى. وكاد الأمر يتم على النحو الذى خططوا له لأن محمداً بشر لا يعرف الغيب.
وإذا بالسماء تتدخل ليس فقط بإعلام محمد بالحقيقة، بل بقرآن يُتلى إلى قيام الساعة، يصف هذا البيت من الأنصار بالخيانة «إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا»، ويبرئ اليهودى «وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا».
لم يول القرآن أى اهتمام للاعتبارات الأرضية التى تحكم علاقات البشر. لم يهتم بأنه يفضح بيتا من بيوت الأنصار الوحيدين الذين نصروا الرسول واحتضنوا الدعوة الوليدة، لم يهتم بأن المتهم من اليهود الذين تآمروا بكل وسيلة على خنق الدعوة. لم يهتم بأن تبرئة اليهودى سوف تُستغل فى الحرب النفسية ضد جماعة المسلمين ووصمهم بأنهم يسرقون بعضهم بعضاً ثم يتهمون يهودياً بريئاً.
كل هذا غير مهم، المهم هو إرساء قاعدة (العدل) التى يجب أن يتحلى بها أتباع هذا الدين، ليفهموا أن المرء لا يمكن أن يكون مسلماً وغير عادل فى الوقت نفسه، هذا تناقض أصيل فى تركيب المعانى يشبه أن تصف اللون بأنه أبيض وأسود، أو الطعم بأنه حلو ومالح.
بصراحة - ما تزعلوش منى - كلما سمعت شكوى الأقباط من تمييز يقع عليهم قفزت هذه القصة إلى ذاكرتى لتذكرنى بالذى صنعناه بديننا الجميل.

13/04/2010
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/25993

a7med_Raslan
23-04-2010, 09:58 AM
‏(أنا) إيه يا عم؟، ما شفتكش إمبارح!. (هو) آه صحيح، ‏أنا ما قلتلكش على اللى حصل‎.) (‎أنا) خير؟. (هو) ‏بص يا سيدى، إمبارح كنت معزوم أنا وأصحابى على ‏رحلة نيلية. كل‎ ‎واحد جاب مراته أو خطيبته وطلعنا ‏من جنب شيراتون القاهرة. (أنا فى سرى) فهمت قبل ‏ما‎ ‎يقول، أكيد قلبت بغم( ثم بصوت عال) وبعدين؟‎. ‎
‏(هو) كان الجو جميل جدا، شتائى لطيف والشمس ‏عاملة زى قرص الفضة والرحلة رومانسية‎ ‎جدا. (أنا ‏فى سرى) طبعا أنا متوقع النهاية، أكيد المركب اتقلب ‏بيهم (ثم بصوت عال‎) ‎كمل. (هو) والسحب بتلعب، ‏شويه ترسم صورة بطة أو فيل بزلومة أو طفلين ‏بيجروا ورا‎ ‎بعض.(أنا فى سرى) ما هى دايما بتبتدى ‏كده وبعدها تحصل مصيبة، أمال ليه لما بنضحك‎ ‎أوى ‏بنقول: اللهم اجعله خير!. ده إلهام جوه المصريين إن ‏الفرح مش من حقنا(ثم بصوت‎ ‎عال) وبعدين؟‎. ‎
‏(هو) خط سير المركب إنه يروح المعادى ويرجع ‏للزمالك. (أنا فى سرى) كده فهمت‎. ‎أكيد اللى فوق ‏رموا عليهم الزبالة من فوق الكوبرى، عموما ده أرحم ‏من حكاية التمساح‎ (‎ثم بصوت عال) هه وبعدين؟. (هو ‏مستاء) إنت مش معايا خالص. (أنا مبتسما) أصلى ‏افتكرت‎ ‎حكاية التمساح‎.‎
‏(هو فى دهشة) تمساح إيه؟ هو فيه تماسيح؟. (أنا ‏مقهقها) ماتاخدش فى بالك، دى‎ ‎حكاية قديمة نشرتها ‏الصحف من كام سنة، واحد خد البنت بتاعته وطلعوا ‏يتفسحوا فى‎ ‎النيل، طلع لهم تمساح عضّه لا مؤاخذة فى ‏مؤخرته ويظهر طعمها ماعجبوش فنفدوا بجلدهم‎. ‎أتارى التمساح كان فى قرية سياحية على النيل وبعدها ‏هرب (ثم فى نفاد صبر) كمل‎ ‎وبعدين‎. ‎
‏(هو محاولا أن يستعيد حماسته) النيل كان بصراحة ‏تحفة، لونه فضة، وريحته منعشة،‎ ‎وانعكاس الشمس ‏عليه زى الدهب وأم كلثوم قاعده تغنى (رافعا عقيرته ‏بالغناء) عطر إيه،‎ ‎ده العبير اللى فى إيديه يقول: إيديه ‏هى العبير. شعر إيه ده الكلام اللى فى عينيه‎ ‎خلى ‏أحلى كلام يغير. (مبتسما) يا سيدى على الحب، ‏وبعدين. (هو منهيا الحديث) بس‎ ‎انبسطنا وكان يوم ‏حلو أوى‎. ‎
‏(أنا مستحثا) وبعدين؟ (هو فى دهشة) ولا حاجة. (أنا) ‏يعنى فين المصيبة اللى‎ ‎حصلت؟. (هو مستغربا) ‏مصيبة إيه؟ ( أنا) إنت مش بتحكيلى الحكاية عشان ‏تقول لى إن فى‎ ‎الآخر تمساح عضك أو القارب انقلب ‏بيكم أو رموا عليكم زبالة أو صاحب المركب اعتدى‎ ‎عليكم‎!. ‎
‏(هو متضايقا) يا أخى فال الله ولا فالك، ولا حاجة من ‏دى حصلت. (أنا مستوثقا) إنت‎ ‎عاوز تقولى إنك قمت ‏برحلة رائعة مع أصدقاء ظراف زى مابيحصل فى ‏باقى بلاد العالم‎ ‎واستمتعتم بالطبيعة، وانتهت الرحلة ‏على خير؟. (هو مستغربا) إيه؟ غريبة دى!. و(أنا‎ ‎أضرب كفا على كف) غريبة بس، دى أغرب حاجة ‏سمعتها. أكيد القيامة حتقوم، استر‎ ‎يارب‎.‎


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/26242

a7med_Raslan
23-04-2010, 09:59 AM
يزعم أصدقائى أنهم مشغولون جدا لدرجة أنهم لا يستطيعون تدبير بضع دقائق من يومهم للجلوس فى الحديقة وسط الأشجار والزهور!. بالطبع أعرف أن الحقيقة غير ذلك، وإنما هو الكسل وعدم الاهتمام. عن نفسى أختنق إذا لم أقض وقتا كل يوم فى الحديقة، ولو لبضع دقائق. أغسل نفسى من غبار الحياة اليومية، من بؤس الصراع البشرى، من الركض خلف أحلام لا تتحقق.
فى الحديقة أشعر أننى ولدت لتوى من جديد. كل ما مر فى حياتى من آلام كان حلما مزعجا استيقظت منه الآن. الأشجار تشهق بالدهشة وتتطلع للسماء. الزهور أحبها بنفس الوهج الذى أحببت به أول فتاة فى حياتى. أسبح بحمد ربى كلما رأيت زهرة حتى انعقد فى ظنى أن الزهرة تسبيحة. مخلوق لم يعرف كيف يعبر عن حبه لربه فتجسد فى شكل زهرة، سجدت لخالقها باللون والرائحة، وصارت ابنة شرعية للحب.
فى الحديقة أشاهد العصافير تجرب المشى على الأرض، تقفز قفزات صغيرة متتالية، نحيلة فخورة مزهوة بنفسها، تُشهد العالم على شطارتها، تكاد تصرخ فى وجوهنا: اتركوا كتبكم، كفوا عن الكلام، انظروا إلى براعتى، أنا لا أطير فقط ولكنى أمشى أيضا. أبتسم فى حنان وأنا أشاهدها تجرب المشى وتتعثر كالأطفال، ومثل الأطفال أيضا تسأم اللعبة الجديدة فتطير فى السماء.
بعضها يطير بسرعات لا مبرر لها ويتوقف بفرملة مفاجئة، كما يفعل المراهقون بسياراتهم. أغلب الظن أن عواجيز العصافير ينظرون لهم فى ازدراء ويتحسرون على أيام زمان. أيام أن كانت العصافير الصغيرة تحترم نفسها وتذهب إلى المدرسة بالبدلة والطربوش!
ثم يعلو نشيد جماعى للعصافير لحظة الغروب بالضبط، تشكر خالقها على نعم الرزق والصحة والحياة. تنشد أناشيد الحمد والرضا. وتنخرط فى صلاة جماعية قبل أن تخلد إلى النوم فى انتظار الصباح الجديد.
............
فى الحديقة أعبد ربى بحب مخلوقاته. طالما فى الكون زهرة واحدة، عصفور واحد، شمس متوهجة وقمر مشرق ونجوم متلألئة، فالحياة جميلة وتستحق أن تُعاش. هناك أشعر أننى أخو الزهور والعصافير، شقيق النخيل والنجيل، ابن عم القمر والكواكب. كون متجانس شفاف رفيق. وحياة جميلة هى نعمة ربى.
اسمع: ما رأيك أن تذهب هذا اليوم إلى الحديقة؟



http://www.almasryalyoum.com/ar/node/26437

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:01 AM
بقلم : يكتب بدمع العين، بماء الذهب، بشجون عاشق قديم، برقة صوفى وخيال شاعر، هذا هو أديبنا الكبير الأستاذ «أحمد بهجت» الصحفى الشهير بالأهرام.

حينما كنت فى العشرين كان لكل صديق من أصدقائى نجمه المفضل «محمود الخطيب» أو «حسين فهمى» أو «عبدالحليم» حسب تباين مواهبهم واهتماماتهم، الأمر كان محسوما بالنسبة لى «أحمد بهجت» كان نجمى المفضل.. أبدأ صباحى بارتشاف فنجان الشاى المعطر بالنعناع وأنا أقرأ عموده اليومى (صندوق الدنيا)، فى هذا الوقت من الثمانينيات كان «أحمد بهجت» على أعتاب الخمسين، فى اكتمال رجولته يشع مرحاً وعشقاً صوفياً، صوفياً وساخراً، تلك هى خلطته السحرية التى لا تُقاوم.

كان كاتبى المفضل وكثيراً ما أضحكنى وأبكانى، لغته المجدولة من ذهب، وموضوعاته المنتزعة من صميم الحياة اليومية أحيانا كانت تخرج زفرة عاشق، وكانت له طريقته المدهشة فى الدمج بين ذكرياته وأفكاره، درس الكتابة الحميمة التى تعلمتها منه فيما بعد. كنتُ- من خلال مؤلفاته- أعرف كل شىء عنه: حبه للقطط والكلاب، أمه الحازمة ووالده الزاهد، جده الذى لا يسمح لشىء أن يعكر صفوه، عشقه لمكة ووقوعه فى هوى الكعبة، قصة حبه الأليمة لفتاة مسيحية أثناء مراهقته، ثم قصة حبه العظيمة التى كتب عنها فى الجزء الثانى من «مذكرات صائم»، فكانت صرخة روح وصلت لخالقها العظيم من خلال ألم عظيم.

بشكل ما كنت أعتبر نفسى ابنه الروحى الذى لم يلتقِ به أبداً، لذلك فعلت ما لم أتصور أن يفعله فتى حالم مثلى، الاتصال بجريدة الأهرام، رد علىّ صوت روتينى غير مبالٍ، وبالتأكيد لم يسمع تلك الطبول التى تتردد فى صدرى وأنا أسأله عن رقم هاتف «أحمد بهجت»، ببساطة أعطانى الرقم فوضعت السماعة، وأنا لا أكاد أصدق السهولة التى حصلت بها على رقم منزله.

كنا فى منتصف الثمانينيات والأشياء مازالت تحتفظ ببكارتها الأولى (على الأقل بالنسبة لى)، بأصابع مرتجفة رحت أدير ثقوب الهاتف المتسعة، فى ذلك الزمان كانت أجهزة الهاتف ضخمة سوداء بها ثقوب أشبه بدفة السفن، وكنت تشعر بأنك تقوم برحلة فى أعماق مجهولة حينما تطلب رقماً، لم تكن أجهزة الهاتف مجرد أزرار كحالها الآن.

وانساب صوت عميق مهذب، لا أذكر ماذا قلت له، كنت غير مصدق أننى أتحدث معه، أبديت إعجابى الشديد بكتابه الجديد «ثانية واحدة من الحب». تساءلت لماذا تشغله الصحافة عن القصة القصيرة، مغامراً باندثار أعماله فى صحف سيّارة، قلت إنه أقرب كاتب عربى لروح «تشيكوف» العظيم.

كان الرجل يصغى فى أدب، وما إن نطقت باسم «تشيكوف» حتى ظهر الاهتمام فى نبرات صوته، على كثرة ما أعرفه عنه لم أكن أعلم أنه عاشق قديم للأديب الروسى العبقرى، لدرجة أنه يضع صورته فوق مكتبه مجاورة لصورة أبيه. لذلك لم أصدق أذنى حينما دعانى إلى زيارة منزله محدداً العنوان بدقة بالغة تؤكد أنه يعنى ما يقوله. وأغلقت الاتصال غير مصدق دعوته. أزور «أحمد بهجت» فى بيته؟! هل سمعتم عن شىء كهذا؟!

كنت فى سن الأحلام مفعماً بالآمال الكبيرة، تحلّق روحى فى فضاء واسع، وأنحنى كى لا أصطدم بالسماء السابعة، مشروع صوفى ونسيج عاشق، هذا ما كنتُ وقتها حين دلفت إلى مسكنه، البناية هادئة وعند المدخل مرآة عريضة وأعمال تشكيلية، طرقت الباب بيد مرتجفة فسمعت نباحاً مخيفاً متصلاً ملأنى رعباً، ثم حركة خفيفة لا تكاد تسمع خلف الباب الذى انفتح ليظهر خلفه رجل فى بداية الخمسينيات ذو قامة متوسطة وبنيان عريض ولحية بيضاء، رجل اسمه «أحمد بهجت».

ذكرت اسمى فلم يبدُ لى أنه تذكرنى لكنه أوسع لى الطريق فى صمت، مدخل قصير ثم قاعة متسعة مجلدة بالكامل بالخشب ليتحول البيت كله إلى مكتبة عملاقة تشتمل على آلاف الكتب، فى المقدمة مكتب خشبى عتيق عليه أكوام من الأوراق البيضاء وأقلام رصاص كثيرة وهاتف وأباجورة.

جاء فى صمت ورحب بى فى بساطة مستأذنا فى إنهاء المقال، ولبثت أرقبه وهو يكتب شاعراً بنشوة روحية مدهشة، ودار الحديث بيننا فى يسر وكأننى أعرفه طيلة العمر (والحقيقة أن الأمر كذلك)، ولاحظت أنه يريد أن يسمع أكثر مما يريد أن يتكلم، وبدا لى مدهشا أن الرجل الذى يقرأ له المثقفون من صفوة مصر رقيق مجامل مع فتى فى عمر أبنائه لا يملك إلا قميصه وأحلامه.

بعد قليل توافد أصدقاؤه تباعاً وتبين أنه معتاد الكتابة وسط مجالس الأصدقاء، وبرغم كثرة الأصدقاء لم يفقد اهتمامه بى، مرت ساعات الليل سريعة وأنا أرجو أن تطول، أهدانى كتابه القيم (أنبياء الله)، ثم كان عشاء دسم، خدمنا فيه بنفسه وحرص -بكرم حقيقى صادق – على أن يجعلنا نملأ الأطباق كلما نفدت بطعامه الشهى الملىء بالتوابل، وحينما حان موعد عودتى إلى طنطا انزعج من سفرى ليلا وعرض علىّ أن أنام عنده حتى الصباح.

وإننى لأتساءل الآن -بعد خمس وعشرين سنة كاملة- عن سر تلك الحفاوة غير المبررة، خصوصا أنها لم تكن المرة الوحيدة، بل زيارات كثيرة متكررة على مر عدة أعوام بعدها، ما الذى يدفعه للاهتمام بشاب متحمس لمجرد أنه يريد ذلك؟ خصوصاً وقد كانت حماستى تدفعنى لما أخجل الآن من تذكره، إيقاظه فى أوقات غير ملائمة برنين الهاتف الطويل، وزيارات طويلة متكررة، تصادف بعضها مع مجيئه من سفر طويل.

فيما بعد تبينت السبب: إنه «ابن ناس» لا أكثر، رجل ربته أسرته جيدا ويفهم معنى الضيافة حتى لو كان الضيف مجرد فتى فى عمر أبنائه، رجل من تلك القلة النادرة: باطنه كظاهره، كلاهما أبيض جميل.

ومرت الأيام تلو الأيام. كبرت وفهمت أن اقتحامى خلوته على هذا النحو المتكرر لم يكن عملاً لائقاً لمجرد أن الرجل لا يستطيع إلا أن يرحب بضيوفه. شعرت بشىء غير أخلاقى فيما كنت أفعله وقررت أن تعود علاقتى به على النحو القديم: كاتب وقارئ، نجم ومعجب.. هذه هى العلاقة الصحيحة والصحية معا.

والآن ماذا أقول بعد كل هذه الذكريات الحميمة المرهقة!؟ لقد اقتربت من جو حميم تمنيت أن أعيشه، وأضعت سنوات كثيرة فى أحلام أردتُها، تمنيت أن أصبح مثله دون أن أملك مواهبه ـ بالذات أسلوبه المجدول من ذهب ـ واليوم أتمنى لو لم أكن قد قطعت هذا الطريق، لا أعتقد أن هناك كاتباً تمنى أن يرث ابنه مهنته، القلم لا يكتب بمداد الحبر بل بدم القلب وبالتأكيد فسنه لا يحتك ببياض الورق فحسب بل بشغاف القلب أيضاً.

وبعد كل شىء ورغم كل شىء مازال لـ«أحمد بهجت» مكانه ومكانته: مكان فى القلب حيث تُسقى الذكريات بالدم، ومكانة الأب الروحى مهما مرت بى الأيام.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/35414

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:03 AM
(مع القفزات المتتالية فى أسعار اللحوم، لن يكون مستبعدا أبدا أن يتحول اللحم بعد عشرين عاما إلى أثر ثقافى، نأخذ إليه أولادنا للفرجة والمشاهدة).

المشهد الأول: القاهرة عام 2030. ليل داخلى. غرفة النوم، الأنوار مطفأة، سعد يرقد على ظهره محملقا فى السقف. (سعاد تسأله بصوت خافت): إنت ما نمتش ليه؟- ( سعد يقول وهو يتنهد): بفكّر فى ابننا سعيد- (نبرة حنين فى صوت الأم): فاكر أيام الخطوبة كنا دايما نحلم بيه!-( الأب يقول بلهجة عاطفية مؤثرة): يا حبيبى يا ابنى!- ( الأم تسرح فى الماضى البعيد) سميناه سعيد عشان ناويين نسعده- (الأب الحنون): يا حبيبى يا ابنى- (الأم تكمل) واتعاهدنا إننا مش حنحرمه من حاجة أبدا- (الأب الممل): يا حبيبى يا ابنى (ثم ينتفض جالسا) بكرة حافرجه على معالم مصر الثقافية عشان يفهم ويكبر ويتعلم- (الزوجان معا): يا حبيبى يا ابنى.

المشهد الثانى: (الأب يوقظ ابنه من النوم) سعيد. اصحى يا سعيد- (الابن بطريقة الأطفال المسرسعة): سيبونى. عاوز أنام- (الأب يهز ابنه) اصحى. حنخرج نتفسح نلف مصر من إسكندرية لأسوان عشان أفرجك على معالم بلدك- (سعيد يقف على السرير ويلف يده الصغيرة حول عنق باباه الغليظ، ويقول بطريقة الأطفال فى الأفلام العربى): يا حبيبى يا بابا- إنت أحسن بابا فى الدنيا.. إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذى لا يحدث أبدا فى عالم الواقع، حيث لا يُشكر الآباء أبدا إلا بعد أن يموتوا- سعاد تدمع عيناها فى تأثر.

المشهد الثالث: (سعد يمسك بيد سعيد وهما يتأملان بحر الإسكندرية): دى يا حبيبى إسكندرية اللى بناها عمو الإسكندر الأكبر سنة 332 قبل الميلاد، فيها مكتبة الإسكندرية وقلعة قايتباى.

المشهد الرابع: وده يا حبيبى الهرم الأكبر، بناه جدو خوفو من أربعتلاف وخمسميت سنة ومحدش فاهم بناه إزاى.

المشهد الخامس: وده السد العالى اللى بناه أونكل عبدالناصر عشان يوفر لنا الميه والكهرباء ويحمى مصر من فيضان النيل.

المشهد السادس: ودى معابد فيلة اللى كانت حتغرق من السد فقصتها اليونسكو ولزقتها بالسلوتيب والأوهو واللبان.

المشهد السابع: وده يا حبيبى (بصوت متهدج) متحف اللحم المصرى!

شايف البتاعة الحمرا اللى متعلقة فى الفاترينة دى، هى دى اللحمة. زمان كانت موجودة فى محال الجزارة وبعدها انقرضت. أنا بصراحة ما شفتش لكن سمعت إنها لما بتتحط على النار بتغمق وتطلع ريحة حلوة. بس ده مش أكيد.

المشهد الأخير: (الاثنان يعودان إلى البيت. سعاد تنتظر أمام الباب وهى تبكى. سعيد ينفلت من يد والده ليرتمى فى أحضان أمه وهو يهتف): أنا مبسوط أوى يا ماما عشان دخلت متحف اللحم المصرى.


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/35516

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:06 AM
أنتم تعرفون اتصالى بالكائنات الخفية والرجال القادمين من الغد!. لذلك لا تندهشوا إذا حكيت لكم الذى سيحدث فى مصر عام 2011.

كلام فى سرك: البرادعى أصبح الرئيس الجديد لمصر. تفاصيل حدوث ذلك ليست موضوعنا الآن. مهمتى فى هذا المقال أن أحكى لكم تفاصيل الحدث، الفرحة التى عمّت الجميع، وآمالهم المنعقدة بالرخاء القادم مع مجىء البرادعى.

وبينما كان البرادعى يعقد اجتماعه الأول بعد تسلم السلطة كانت جموع الشعب محتشدة حول مكان الاجتماع. وكما يحدث فى مثل هذه الظروف فقد سرت البهجة من نفس لنفس، وتصاعد سقف الأمنيات إلى عنان السماء.

هناك كلام عن فيلا وسيارة ويخت لكل مواطن، وهناك من يزعم أن البيبسى سيتدفق فى مواسير المياه، ولن يكون عليك - حين تستيقظ من نوم العصر - إلا أن تفتح الحنفية وتملأ الأكواب.

وهناك من يحلف بأغلظ الأيمان أن الفول سينقرض، والطعمية ستدخل المتحف المصرى، ليحل محلهما الروستو والكباب.

وهناك من يناقش ما الذى يجب أن نفعله حينما تتوالى طلبات الهجرة على مصر من مواطنى كندا والسويد والإمارات باعتبار الرخاء القادم.

فى قاعة الاجتماعات كان البرادعى يقول لمعاونيه: - بسم الله الرحمن الرحيم، فى اجتماعنا الأول بارحب بيكم مجموعة من صفوة أبناء مصر، وأهم شىء لازم يكون واضح لنا التوصيف الحقيقى لعلاقتنا بالشعب: إحنا مش سادة له، إحنا بنشتغل عند الشعب اللى بيدفع لنا المرتبات.

- طبعا طبعا (قالها الجميع وهم فى حالة من التفاؤل والابتهاج فيما عدا كبير معاونيه الذى بدا عليه الوجوم والإطراق).

- ثانيا أنا اتعودت اشتغل مع فريق. فهمّتكم معايا وربنا يوفقنا إن شاء الله.

- إن شاء الله (أصوات متداخلة تنبض بالحرارة واللهفة فيما عدا كبير معاونيه الذى لزم الصمت).

- ثالثا لابد من الصراحة والوضوح. والشعب يعرف الحقائق، يعنى بصراحة أنا قلقان من التفاؤل غير المبرر. أنا مش ساحر ولا أعرف أعمل معجزات.

لكن الشعب قادر بالإرادة والتضحية على كل شىء. وعشان كده أنا كلّفت مدير مكتبى يطّلع على الأرقام الحقيقية للدين الداخلى والخارجى وأصول البلد والمؤشرات الاقتصادية وكل التقارير اللى تخص البلد. (متلفتا حوله) هو فين بصحيح؟ أنا بقالى يومين ما شفتوش!

- (كبير معاونيه مترددا) الحقيقة.. بصراحة.. هو دلوقت فى المستشفى.

- (البرادعى منزعجا) خير! حصل إيه؟

- (محرجا) الحقيقة.. بصراحة.. (مخاطبا نفسه بصوت هامس) أقولها إزاى يا ربى؟. (مستجمعا شجاعته) الراجل أول ما قرا الورق وعرف حقيقة أوضاع البلد جاتله صدمة عصبية وقعد يصرخ ويغنى، فدخلناه عنبر المجاذيب!

ترى ما هى حقيقة الأوضاع المفزعة التى عرفها مدير مكتب البرادعى وأصابته بالجنون؟. يؤسفنى - لأن مساحة المقال انتهت - أنك مضطر للانتظار للغد يا عزيزى القارئ.

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:07 AM
الوضع كالتالى: الاجتماع الأول للبرادعى بعد أن أصبح الرئيس الجديد لمصر، وفيه يعرف أن مدير مكتبه أصيب بالجنون حينما اطلع على الأوضاع الحقيقية لمصر.

(البرادعى مندهشا) يا ساتر يا رب. يا ترى إيه المكتوب فى الورق عشان يحصل له كده؟!. هاتوه حالا.

(بعد ساعتين يدخل مدير مكتبه وقد وضع طاسة على رأسه بالمقلوب، وأمسك غصن شجرة وراح يغنى) العتبة قزاز والسلم نايلو فى نايلو

(البرادعى مذهولا) إيه اللى جرالك؟! ده إنت كنت سيد العاقلين. إنت قريت إيه فى التقارير؟!

(بمجرد أن يذكر كلمة التقارير يخرج منه صراخ حاد وقد عاودته الحالة العصبية مع حالة هياج رهيب، وراح يغنى بسرعة شديدة وكأنه يغطى على ذكريات عصيبة) العتبة قزاز والسلم نايلو فى نايلو.

(البرادعى منزعجا) يا ساتر يا رب. هى الحالة سوده كده!. (محدثا نفسه) إثبت يا برادعى. مهما كان حجم المشكلة فبالإدارة الجيدة نقدر نتخطى العقبات. رجعوه المستشفى تانى وهاتوا التقارير.

(كبير مساعده يحمل كوب ماء ويدس قرصا فى فمه) خد إبلع الأول الحبة المهدئة دى، وربنا يعينك على اللى حتقراه (يضع الورقة الأولى أمام عينه) ده الرقم الحقيقى للدين الخارجى.

(يحملق فى الرقم صامتا لعدة دقائق، ثم ينتفض من مقعده صارخا) يا نهار إسود!

(يضع الورقة الثانية أمامه) وده رقم الدين الداخلى (ينهار على مقعده مذهولا) يا نهار إسود!

(وهو يقدم له ورقة تلو الأخرى والبرادعى يقوم ويجلس) ودى أصول البلد اللى باعوها لنفسهم، ودى الفلوس اللى خرجت من البلد، وده عدد مرضى الفشل الكلوى فى مصر، ودول مرضى السرطان، ودول مرضى فيروس سى، والعيال اللى عندهم أنيميا، دول الناس اللى بينتحروا كل سنة، ودول عندهم اكتئاب، وده سعر الغاز اللى باعوه لإسرائيل، ودول عدد الفقرا، وده متوسط دخل المواطن، ودى إنتاجيته، وده عدد حوادث الطرق، ودى أعداد المدمنين، ودول اللى ما اتجوزوش، ودول اللى مش حيتجوزوا، وده عدد الزواج العرفى والأطفال مجهولى النسب، وده عدد أطفال الشوارع، ودول....

- (البرادعى يصرخ مقاطعا) كفاية... كفاية، ثم يردد بلا انقطاع «أنا اللى جبت ده كله لنفسى، يا ريتنى قعدت فى فيينّا كافى خيرى شرى، وما فكرت أعمل إصلاح ولا وافقت أبقى رئيس».

أما فريق المعاونين فقد راحوا ينشدون بصوت جماعى: العتبة قزاز والسلم نايلو فى نايلو.

ترى ما الذى سيحدث بعدها؟ وما هى الاقتراحات التى ستُطرح لحل مشاكل مصر؟! غدا ستعرف كل شىء إن شاء الله.



http://www.almasryalyoum.com/ar/node/35909

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:09 AM
(راحت السكرة وجاءت الفكرة. البرادعى تبين له بعد معرفة الحقائق أن الخرق أكبر من الرتق وحل مشاكل مصر فوق طاقته شخصيا، بل فوق قدرة الجميع).

- (البرادعى بعد فترة تأمل): الإنسان الأمين لازم يكون صادق مع نفسه. الحقيقة أنى لما وافقت أنى أقود التغيير مكنتش متصور أن حالنا بهذا السوء، وبأمانة أنا مش شايف أمامنا غير حل واحد.

- (الجميع فى صوت واحد) إيه؟.

- (منكسرا) إننا نروح بربطة المعلم نستسمح الرئيس مبارك ونبوس راسه ونطلب منه يرجع يحكمنا تانى.

- (استنكار رهيب) معقولة! الكلام ده يطلع منك انت (وعبارات من هذا القبيل).

- ( محدثا نفسه) بس لو أعرف كانوا بيدفعوا المرتبات منين؟

- (الخبير الاقتصادى) المسألة سهلة خالص. من بيع أصول البلد وأموال المعاشات. من رأس المال نفسه. زى بقال اشترى قرص جبن رومى وبدل ما يبيعه ويشترى تانى ويصرف من فائض الربح، كل يوم يروح بيته واخد معاه ربع كيلو. يوم بعد يوم القرص خلص ومعدش باقى ولا حتة.

- ( البرادعى مبتسما) يعنى احنا قرص جبن رومى؟

- (الخبير الاقتصادى فى جدية دون أن يفطن إلى النكتة) آه.

- (وابتسامته تتسع) وما سابوش ولا حتة؟

- ( يهز رأسه فى أسف) ولا (فرفوتة) واحدة. كلوها كلها.

- ( يهرش رأسه) ما دام المسألة كده يبقى نعرض المشكلة على الشعب ونفكر كلنا.

تتناقل وكالات الأخبار المأزق الذى وقعت فيه مصر وطرح الحقائق أمام الشعب للبحث عن مخرج للأزمة، وتتوالى الاقتراحات:

(يتقدم يوسف بطرس غالى مبتسما فى خبث): المسألة سهلة خالص، سيبهم لى وأنا أعصرهم لك زى اللمونة- ( ويقول محمد إبراهيم سليمان): خلينا زى أيام زمان الحلوة.

نخصص أراضى ونبيعها لنفسنا- ( ويقول عز حالما) مالهاش غير حل واحد، نرفع سعر الحديد-(ويكتب القط): أحسن حاجة نصدر طشة الملوخية- (ويطالب نواب مجلس الشعب): نرجع العلاج على نفقة الدولة- (ويفتكس القمنى): نبنى كعبة فى سيناء ونخطف الحجاج من السعودية.

(ويقول واحد ناصح) طب إيه رأيكم نرمى جتتنا على السعودية ولا ليبيا، ونعمل معاهم وحدة عشان يصرفوا علينا!- (فيرد واحد أنصح) السعودية عمرها ماحترضى، دى لو طالت تحط البحر المتوسط مكان البحر الأحمر كانت عملت. أما ليبيا حتوافق على طول بس حنصحى الصبح نلاقى النيل فى طرابلس.

وهنا تخطر على بالى فكرة جهنمية لحل مشاكل مصر. (غدا المفاجأة الرهيبة).




http://www.almasryalyoum.com/ar/node/36122

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:11 AM
الوضع كالتالى: (النخبة السياسية فى مصر لا تدرى ‏كيف تحل مشاكلها المزمنة. أتقدم‎ ‎أنا باقتراح لئيم. ‏أقترب من أذن البرادعى هامسا له وأنا أعض بأسنانى ‏على شفتى‎ ‎السفلى غامزا بعين واحدة‎):‎

‎(‎أقول له فى خبث): أنا عندى الحل. أعلن الحرب على ‏ألمانيا - (البرادعى منتفضا من‎ ‎مقعده): إيه؟ بتقول ‏إيه؟ إنت اتجننت!- (أنا مهدئا): طب نحسبها بالراحة. ‏إنت مش زرت‎ ‎ألمانيا قبل كده؟ - (قال البرادعى): ‏طبعا - (أنا فى مكر): حلوين ولا مش حلوين؟‎ - ‎‎(‎البرادعى فى حنين): زى الفل - (أنا فى إغراء): ‏وجدعان وبتوع شغل وعندهم مبادئ‎ ‎وأخلاق؟ - ‏‏(مرتابا): إنت عاوز توصل لإيه بالظبط؟

‎(‎أقول فى ثقة): شوف يا سيدى. إحنا حنعلن الحرب ‏عليهم. طبعا همّا حيستغربوا جدا‎ ‎ومش حيردوا علينا. ‏بس إحنا حنفضل نستفزهم بكل طريقة ممكنة لغاية ما ‏يتورطوا‎ ‎ويحاربونا ويدخلوا مصر بقواتهم - ‏‏(البرادعى مقاطعا): طب ما هم حيغلبونا يا‎ ‎فالح‎!‎

‎(‎مبتسما فى إشفاق): ومين قال أصلا إننا حنقاوم. ‏بالعكس إحنا حناخدهم بالأحضان،‎ ‎ونقول لهم إنتم بقيتوا ‏قوة احتلال. وبحكم مبادئ القانون الدولى إنتم مسؤولين ‏عنا‎ ‎مسؤولية كاملة، فتحملوا مسؤولياتكم يا حلوين، ‏أكلنا وشربنا وسجايرنا عليكم. وإنت‎ ‎عارف بقى ‏الألمان ونزاهة الألمان‎!‎

‎(‎البرادعى مأخوذا): إنت بتقول إيه؟ أنا رجل قانون ‏ومستحيل أوافق على التهريج ده‎ - (‎أنا موسوسا له): ‏اسمع كلامى ومش حتندم - (البرادعى محتدا): بدل ‏رمى الجتت ده‎ ‎اشتغلوا واعملوا ألمانيا فى مصر - ( ‏اعتراض جماعى): ياه لسه حنشتغل ونصحى الصبح‎ ‎بدرى (الجميع متوسلين): أرجوك يا ريس. وافق يا ‏ريس. دى ألمانيا يا ريس. المارلبورو‎ ‎مترمّى على ‏الأرض، واليورو مش لاقى اللى يوطى ياخده‎.‎

‎(‎البرادعى مترددا): أنا طول عمرى بانادى ‏بالديمقراطية، ومضطر أذعن لإرادة الشعب‎. ‎بس ‏بأقولكم أهه: أنا مش موافق ومش مقتنع - هييييييييييه ‏‏(الجميع يصفق فى حماس جنونى‎ ‎ويتبادلون التهانى ‏والقبلات‎)‎

‎......................‎

سيناريو الأحداث: مصر تعلن الحرب فجأة على ألمانيا ‏‏- وكالات الأنباء تتناقل‏‎ ‎الخبر - ألمانيا مش فاهمة ‏حاجة- سفراء الدول الكبرى يطلبون إيضاحات. ‏تسريبات بأن‎ ‎مصر (مدكنة) قنبلة نووية من أيام ما ‏كان البرادعى مدير الوكالة النووية. الفضائيات‎ ‎تسترزق - شعبان عبدالرحيم يؤلف أغنية: «أنا ‏مبحبش ألمانيا عشان هتلر جبان. ولما‎ ‎نخلص عليها ‏حنحارب اليابان. وهييييييييييييه‎».‎

مصر تتوعد الألمان فى حال حدوث مواجهة، وتؤكد ‏أن الألمان لا يقبلون التحدى‎ ‎لعلمهم بصلابة المعدن ‏المصرى، وتتساءل فى تهكم: آل جنس آرى آل!. ‏الألمان متضايقين‎ ‎لكن برضه مش فاهمين حاجة ‏وساكتين‎.‎

يسألوننى: ما العمل يا فالح وألمانيا ترفض التورط فى ‏الحرب؟!. فأقول فى ثقة‎: ‎عندى حل بسيط وعبقرى ‏يضمن استدراجهم للمصيدة الجهنمية التى تُسمى ‏مصر. غدا تعرف‎ ‎الحل العبقرى‎.‎


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/36353

a7med_Raslan
23-04-2010, 10:13 AM
والحل العبقرى الذى تفتق عنه ذهنى هو خطف مجموعة من السياح الألمان. هذه المرة جن جنونهم فقد كان الاستفزاز فوق طاقتهم باعتبار ما يكنون من احترام لقيمة الإنسان الآرى. العالم لاحظ تغيرات مريبة: ارتفع نداء الرايخ فوق الجميع، جميع الرجال أطلقوا شواربهم بطريقة هتلر الشهيرة، خطوة الأوز العسكرية عادت من جديد. النظرة المتعصبة المجنونة التى تصنف الأجناس الأخرى إلى حشرات مؤذية تجب إبادتها أو حيوانات مسالمة للجر والحلب.
باختصار ظهر العرق النازى المختبئ خلف الجلود. وبدأ العالم يتحسب من المارد الألمانى الغافل الذى أيقظناه عنوة.
كنت أتوقع أن يتم الإنزال فى صحراء العلمين من قبيل الحنين. بالفعل حلقت موجات متتابعة من الطائرات الألمانية فوق الساحل الشمالى، وعاد روميل ثعلب الصحراء يُبعث من جديد. لكن مونتجمرى لم يكن فى انتظارهم هذه المرة وإنما «أبوالليف»!!.
خطتى كانت تقوم على تحطيم أعصابهم بسماع أغنية واحدة مكررة ليل نهار. فى اليقظة والمنام، أثناء الأكل وعند دخولهم الحمام، حتى الإذاعة توقفت برامجها ولم تعد تذيع إلا «أنا مش خرونج». نشرت سماعات عملاقة فى كل مكان. حسب الخطة كان المفروض أن يصلوا للقاهرة بعد تحطيم المقاومة خلال خمس ساعات. طبعا لم تكن هناك مقاومة أصلا وإنما أحاط بهم شباب مارينا(الله يحرسهم) لدعوتهم إلى الحفل الغنائى الذى يقيمه أبوالليف وهو يلعب البنج بونج ويده مربوطة بالحبال. وقفوا مبهورين فى ساحات مارينا يستمعون للأغنية:
«أنا مش خرونج، لا أنا كينج كونج، ده وأنا رابط إيدى بالعب بينج بونج»
■ ■ ■
مرت ساعات وساعات، والقيادة الألمانية تضرب أسداسا فى أخماس لانقطاع أخبار جنودهم، فقرروا إرسال دفعة ثانية على أن يكون الإنزال هذه المرة فى القاهرة. وبالطبع كان أول ما صافح أسماعهم عندما لامست أقدامهم الأرض هو «أنا مش خرونج».
قبل أن يفهموا ما يحدث وجدوا أنفسهم محاصرين بالشحاذين وأطفال الشوارع والمعتصمين على رصيف مجلس الشعب، قهرتهم «القاهرة» التى لا تُقهر، فجلسوا على المقاهى يحاولون فهم ما يحدث فى هذا الكوكب العجيب الذى يُدعى مصر.
وفوج بعد فوج، يطاردهم أبوالليف، مؤكدا أنه مش خرونج، حتى ظهرت أعراض مرض «الخرونج» وصار الجندى الآرى بشاربه الهتلرى يستيقظ من عز النوم صارخا «أنا مش خرونج».


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/36576

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:04 PM
الحب: ما أروعه الحب: ما أقساه

بقلم د. أيمن الجندى

السلام النفسى لا أجده إلا فى رحاب اللون الأخضر.. حينما أجلس فى الحديقة يدهشنى كل هذا الجمال الكونى من حولى.. هذه الكائنات الرقيقة التى تُسمى الزهور، درجات اللون الأخضر التى لا تحصيها العين، صفاء السماء الزرقاء، طفولة السحب البيضاء، شقاوة العصافير وطيرانها فى أوضاع متهورة لا يمكن أن يكون القصد منها إلا (اللعب)!،
هبات العطر الربانى تحملها النسائم اللعوب.
لكن هذا الصباح لم يدم السلام طويلا، هناك فى موضعى المختار حيث اعتدت الجلوس فى ظل شجرة مثقلة بزهور الربيع سمعت زمجرة غاضبة وفحيحاً مخيفاً وأقداماً غاشمة تتسابق. وفى لمح البصر شاهدت قطة تتسلق تلك الشجرة المزهرة فى خفة ورشاقة بينما توقف عند جذعها قطان لم يصعدا خلفها.
كان انزعاجى بالغا من تلك المطاردة القاسية خصوصا عندما (بخ) أحد القطين فى وجه الآخر، ولم يكتف بذلك بل أنشب أظافره فى وجهه. القط لم يبادله الاعتداء وإنما وقف متنمرا متحديا مُصدِرا ذلك الفحيح المخيف. ووقف الخصمان تحت الشجرة المفعمة بالحب والجمال كَنِدين عنيدين يقيس كل منهما قوة الآخر. وبدا نوع من توازن القوى بينهما فلاذ كل منهما بالصمت المترقب.
..........................
وأوجعنى قلبى وأنا أفكر أن ما يحدث أيضا فى عالم الحيوان يحدث أيضا فى عالم الإنسان، نفس القسوة والمطاردة المستميتة والرغبة فى إيلام الآخرين. السلام تجده فى عالم النبات فحسب، الطمأنينة والسكينة والسكون، لذلك لا عجب ألا أشعر بالأنس إلا فى رحاب اللون الأخضر.
لكن القطة الوادعة كانت ترقد على الأغصان فى هدوء واسترخاء عجيبين. بدت لى تلك الطمأنينة مستغربة من قطة مُطاردة منذ دقائق معدودات.. على كل حال فقد سكن قلبى قليلا وذكَّرت نفسى أن الطبيعة تصلح نفسها بنفسها فلا داعى لإيلام نفسى بالأفكار المحزنة.
عجيب حقا سلوك القطط هذه الأيام! عدوانية بشكل عجيب يخالف طبيعتها المسالمة المعتادة، والدليل هو ما حدث بالأمس أيضا، نفس الفحيح الغاضب الذى أفزعنى إلى حد جعلنى أبتعد بالمقعد تماما عن مخالب تلك القطط المتوحشة المسعورة. يجب تنبيه رجال الأمن حرصا على سلامة الأطفال لأن ال...
أخ ....
يا لى من أبله! ضربت بيدى على جبهتى، لقد فهمت الآن سر هذا السلوك العجيب: إنه نداء الطبيعة! موسم الحب يا أحمق!
...............................
ابتسمت فى خاطرى وقد بدأ الأمر يروق لى. نظرت فى فضول إلى القطة المسترخية على أغصان الشجرة المثقلة بالزهور التى تحولت - فى لمحة بصر - إلى مهد الغرام ووطن العشق والعشاق.
القطة كانت جميلة بشكل محير، جمال يصعب وصفه، بل يمكننى القول دون مبالغة إنها كانت أجمل أنثى رأيتها فى حياتى. يعكس وجهها وداعة لا علاقة لها بالكوكب الأرضى الملوث بالدماء، ملامحها رقيقة جدا وعيونها خضراء وصافية.. «مقطقطة» لو كنت تفهم هذا التعبير.
وبالتأكيد تستحق ذلك الصراع الدامى بين الذكور أسفل الشجرة.
وكأنها لاحظت نظراتى المتعاطفة، فراحت تنظر لى فى وداعة وكأنها تستنجد بى من تلك الذكور المتحمسة التى رفعت رأسها فى نهم مفضوح مبتذل. لا شك أن شيئا كهذا يحدث فى عالم البشر، تراقبه الملائكة وترثى لنا!
وبعد الكثير من الصبر والانتظار الملول، قفز أحد القطين إلى الشجرة خلف الحسناء اللعوب. خصمه لم يحاول منعه وإنما ظل ينظر إليه رافعاً الرأس فى ثبات. بدا لى واضحا أن الجرىء يوشك أن يفوز بقلب الحسناء، لا بد أن حوارا صاخبا بلغة القطط حدث بينهما.. أشياء تشبه ما يحدث فى عالم البشر:
- «أنا أقوى منك وأغنى! جاهز من مجاميعه، وعندى شقة تمليك، وإذا لم تنصرف الآن ضربتك علقة!».
القط الجرىء الذى تسلق الشجرة وقف برهة عند ملتقى الغصون بالجذع، أما الحسناء فتمددت فى استرخاء على الغصن وكأنها لا تلاحظ من الأساس تلك المطاردة الغرامية التى تدور من أجلها.
تشجع القط بصمتها فصعد قليلا وهو يموء متوسلا فتسلقت الحسناء إلى غصن أعلى فى رشاقة ودلال، ثم جلس كلاهما فى صمت مترقب. وبدأت أشعر أن الحسناء غير مستاءة من تلك المطاردة المستميتة كما تحاول التظاهر بهذا.
وربما لو كف عن مطاردتها لاستاءت جدا ولأسقط فى يدها، لكنها مثل أى أنثى لا تستطيع أن تمنح نفسها بسهولة.. قوانين الطبيعة المحكمة تأبى ذلك.. من حقها بعض الدلال فى مواسم الحب.. لابد من النظرات الطويلة المشحونة بالمعانى، والبسمات المختلسة تتبعها الكلمات المعسولة.. تلك هى طقوس الغزل فى كل زمان ومكان.
.......................
ومر الكثير من الوقت، وانساب الجرىء نحوها فى هدوء محتلا موقعاً استراتيجياً لا تستطيع الحسناء منه الهبوط دون المرور به، فانسحبت إلى قمة الشجرة عند آخر غصن من غصونها، وبدأت تموء فى احتجاج حقيقى:
- أف.. هو اسمه إيه ده؟
- عاشق يا جميل
- سم كده!!
وبرشاقة بالغة - لا تُصدق - قفزت إلى غصن بعيد فى الطرف الآخر من الشجرة، وبدا لى بوضوح أن الذكر لا ينوى اقتحامها بحال. وتكشف لى قانون آخر مرهف من قوانين الطبيعة المحكمة.. لا عنف فى الحب ولا اغتصاب.. لابد من الرضا فى نهاية الأمر، ولابد من الصبر أيضا، الكثير منه.
يحدث ذلك فى عالم البشر. تبدأ الأنثى خائفة من الذكر وتوصد أمامه كل الأبواب.. بعد وقت طويل أو قصير توارب له بابا.. تفتح له نافذة.. تشعر بحاجتها إلى وجوده.. تعتاد عليه.. وقتها فقط يفوز بالجائزة الكبرى: قلب الحسناء.
..........................
كان القط مازال محتلا موقعه الاستراتيجى، قالت الحسناء - وكأنها مضطرة – ذلك السؤال الأنثوى الخالد: «إنت عاوز منى إيه؟»
فابتسم القط ابتسامة وغد عريق مدرب على مثل هذه المواقف، وقد أيقن قرب سقوط الثمرة فى يده، وقال ما معناه: «القرب يا جميل»
قالت الحسناء فى مكر أنثوى: «ياه! إنت فاجأتنى! كلم بابا».
قال فى إغراء: «عندى شقة سوبر لوكس وشبكة ألماظ».
دارت الحسناء ابتسامتها فاستطرد قائلا: «والفرح فى شيراتون! قاعة الياسمين. والمطرب سعد الصغير». ثم همس مدندنا فى أذنيها: «العنب العنب العنب».
واستمرت المفاوضات بينهما تتخللها نظرات وابتسامات، وبدا واضحا أن كليهما قد نسى تماما وجود القط المسكين الذى راح يرقب هذا كله فى صمت مقهور من موقعه تحت الشجرة، حزينا بائسا عاجزا عن الانصراف.
.................
كانت الحسناء تتسكع على الأغصان المثقلة بالزهور سعيدة بالدلال مزهوة بتقاتل العشاق، أما أنا فرحت أهتف من أعماق قلبى:
الحب: ما أروعه!
الحب: ما أقساه!

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:18 PM
هو فقيه زمانه وإمام عصره، العملاق الذى تعلمت حبه قبل أن أقرأ له حرفاً واحداً، منذ أن كنت أسمع أمى تفتخر بأنها تلقت العلم على يديه فى حقوق القاهرة. وصفه جلال أمين - فى سيرته الذاتية - بأنه واحد من أعظم علماء الشريعة الإسلامية الذين عرفتهم مصر فى العصر الحديث، ويصعب تصور أن يأتى مثله فى المستقبل المنظور.
عن العلامة محمد أبوزهرة أتكلم.. ولد فى المحلة الكبرى عام ١٨٩٨، حفظ القرآن الكريم فى الكتّاب ثم انتقل إلى المسجد الأحمدى فى طنطا، وظهرت عليه آيات النبوغ والجدية واحترام النفس، ثم انتقل إلى مدرسة القضاء الشرعى، فكان أول المتقدمين فيها، بعدها حصل على العالمية ثم نال معادلة دار العلوم، واختير للتدريس فى كلية أصول الدين، بعدها عهدت إليه كلية الحقوق بتدريس الشريعة الإسلامية، التى شهدت أخصب فترات حياته العلمية، حتى صار رئيسا للقسم ثم وكيلا للكلية.
كتب مؤلفات كثيرة أهمها ترجمة ثمانية من أعلام الإسلام الكبار(الأئمة الأربعة للسنة أبوحنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل، والإمامين اللذين ينتسب إليهما الشيعة جعفر الصادق وزيد بن على، بالإضافة لمجدد المذهب الظاهرى ابن حزم، وابن تيمية)، محللا كل مذهب بعقلية فقيه فذ، وفى كل مرة يكتب بحب، وكأنه يكتب عن مذهبه المفضل.
والحقيقة أن المرء لتدهشه حالة الخصوبة التى كانت عليها مصر فى أربعينيات القرن الماضى. كان العقاد يكتب عبقرياته ويضع الأساس لصرح فكرى هائل، وكان أحمد أمين يؤرخ للحياة العقلية فى الإسلام، وكان أبوزهرة يكتب أسفاره الضخمة- وهو فى عنفوان رجولته وازدهاره العلمى فى حقوق القاهرة- فى صومعته المتواضعة.. يمسك المحبرة ويملأ القلم بحبر أسود وبخطه النضيد يكتب هذه الكتب. أيام الماضى الجميل، زمن العمالقة، قاهرة الأربعينيات بعماراتها العالية وشرفاتها الواسعة وشوارعها المغسولة.
لماذا تقهقرنا هكذا، وتدهور بنا الحال إلى هذا الحد! كان الزمان يجود بقامات العمالقة، تتكون شخصيتهم العلمية على مهل، مثل قهوة محوجة تنضج على لهب «سبرتاية»، بعدها يفوح عبيرها الجميل ليفعم مصر كلها. كانوا يأكلون الخبز بالفقر، وينفقون نهارهم فى العلم والتعلم وليلهم فى الذكر والعبادة.. لا كبعض دعاة هذه الأيام، المليونيرات الجدد الذين سلقوا البيض، وحولوا القهوة إلى نسكافيه والدين إلى بيزنس! والبعض الآخر أدهى وأمرّ: يظن أنه امتلك الحقيقة المطلقة والإسلام الصحيح، ويخرج- بخفة - تيارات معتبرة من أهل القبلة لرأى فقهى محدود.
مات شيخنا الجليل عام ١٩٧٤، كالعادة لم يعد يذكره أحد إلا أهل التخصص، هذا ليس غريباً على مصر، التى تهمل عشاقها وتأكل أبناءها، لكنه ليس موضوعنا الآن، السؤال المهم: لماذا احتل الإمام محمد أبوزهرة هذه المكانة العالية رغم وجوده فى عصر العمالقة بين أقران كالجبال؟! (أحاول الإجابة غدا إن شاء الله).


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=252495&IssueID=1751

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:23 PM
كان الإمام محمد أبوزهرة إذا بحث مسألة بحثها بتجرّد، بهدف الوصول للحقيقة. قد يبدو هذا أمراً طبيعياً لا يستحق الإشادة لكنه - فى مسائل العقيدة الحساسة - يحتاج إلى شجاعة مهولة ونزاهة بالغة. لم يقبل الإمام لنفسه أن يبدأ البحث وهو يعرف مسبقا النتيجة التى ينوى الوصول إليها، وينحصر دوره فى ابتكار المبررات.
بعكس غيره، كانت الفروق فى ذهنه واضحة بين ما هو مقدس وما ليس بمقدس، بين الإسلام كعقيدة وبين تصرفات المسلمين. من حسن حظنا وحظه أنه ترعرع فى العصر الليبرالى لمصر، وإلا لاستحال عليه أن يترك لنا اجتهادات تفيض بالصدق والصراحة، أو لاضطر أن يخوض - فى سبيلها - معارك مريرة تستنزف جهده وتستنفد وقته.
وسأضرب مثالا بفتنة «خلق القرآن» التى استقر فى أذهاننا أنها من أصل العقيدة، كون القرآن الكريم قديماً غير مخلوق. هذه الفتنة التى صمد لها ابن حنبل فى مواجهة الخليفة العباسى الجائر الذى اعتنق مذهب المعتزلة، وأصر على حمل الناس على رأيهم. عُذب وأُوذى الإمام ابن حنبل فى سبيلها، وكان صموده - حتى رفع الله البلاء- من مآثره الكبرى. هكذا قرأت طيلة عمرى حتى صار الأمر عندى أشبه بالمسلّمات، لذلك لم أصدق عينىّ حينما قرأت لأبى زهرة ما يلى:
«من جهة الاحتياط للدين وصونه عن المقالات الفلسفية ومتاهات القول ليس لنا إلا أن نحمد موقف الإمام أحمد بن حنبل لأنه كان لا يريد الخوض فى القضية لا سلبا ولا إيجابا، بل كان متوقفا لا يبت برأيه بل إنه يرى أن هذا من المسائل التى لا يجمل للمسلم الخوض بها لأنه لم يؤثر عن السلف كلام فى هذا، ولكن إذا نظرت من وجهة الحكم فى القضية من حيث كون القرآن مخلوقا أو غير مخلوق فإن الأدلة التى ساقها ابن أبى دؤاد فى تلك الكتب، والعقل والبداهة، تحملنا على الحكم للمعتزلة بصحة نظرهم» (أى بأن القرآن مخلوق وليس بقديم).
ثم ساق الأدلة التى دفعته للاعتقاد بصواب المعتزلة فى هذا الأمر، وتفصيلها لا يتسع له المقام هنا، ثم قال: «وإن سلمنا للمعتزلة بصواب نظرهم فى هذه القضية، فهل نسلم لهم مسلكهم فى إنزال الأذى بمخالفيهم وأن يمتحنوا الضمائر ويكشفوا السرائر! إن ذلك هو موضع الانتقاد». انتهى كلام أبى زهرة.
وأنا إذ أسوق هذا المثل لا أقصد على الإطلاق فتح باب موضوع تجاوزه الزمان ولا يعنى القارئ العادى فى شىء، ولا يجب أن يناقشه غير المتخصصين، بل لا يهمنى إن كان رأيه صواباً أو خطأ، المهم أنه أعلن اجتهاده فى زمان لم يكن يضيق بالمجتهدين.
على أن الأمر لم يكن دائماً وردياً حتى فى هذا العصر الجميل، والدليل ما حدث فى ليبيا ورواه لنا القرضاوى بعد ذلك! (غداً البقية إن شاء الله).

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=252599&IssueID=1752

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:26 PM
يقول القرضاوى فى مذكراته تحت عنوان (أبوزهرة يفجر قنبلة): فى هذه الندوة (ندوة التشريع الإسلامى المنعقدة فى مدينة البيضاء فى ليبيا عام ١٩٧٢) فجر الشيخ أبوزهرة قنبلة فقهية، هيّجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما فاجأهم برأيه الجديد. وقصة ذلك: أن الشيخ وقف فى المؤتمر، وقال: إنى كتمت رأيًا فقهيًّا فى نفسى من عشرين سنة وآن لى أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله تعالى، ويسألنى: لماذا كتمت ما لديك من علم، ولم تبينه للناس؟ هذا الرأى يتعلق بقضية «الرجم» للمحصن فى حد الزنى.
فرأيى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول فى أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد فى سورة النور. قال الشيخ: ولى على ذلك أدلة ثلاثة:
الأول: أن الله تعالى قال: «.... فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب» [النساء: ٢٥]، والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب فى الآية هو المذكور فى سورة النور: «وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين» [النور: ٢].
والثانى: ما رواه البخارى فى جامعه الصحيح عن عبدالله بن أوفى أنه سئل عن الرجم. هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدرى. فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التى نسختها.
الثالث: أن الحديث الذى اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقى حكمه أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان فى صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق.
يقول القرضاوى وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور، وقام من قام منهم، ورد عليه بما هو مذكور فى كتب الفقه حول هذه الأدلة. ولكن الشيخ ثبت على رأيه.
يقول القرضاوى معقبا: توقفت طويلا عند قول الشيخ أبى زهرة عن رأيه إنه كتمه فى نفسه عشرين عاما، ولم يعلنه فى درس أو محاضرة أو كتاب أو مقالة؟ لقد فعل ذلك خشية هياج العامة عليه، وتوجيه سهام التشهير والتجريح إليه، كما حدث له فى هذه الندوة. وقلت فى نفسى: كم من آراء واجتهادات جديدة وجريئة تبقى حبيسة فى صدور أصحابها، حتى تموت معهم، ولم يسمع بها أحد، ولم ينقلها أحد عنهم!!
ولذلك حين تحدثت عن معالم وضوابط الاجتهاد المعاصر، جعلت منها: أن نفسح صدورنا للمخطئ فى اجتهاده، فبهذا يحيا الاجتهاد ويزدهر، والمجتهد بشر غير معصوم، فمن حقه - بل الواجب عليه - أن يجتهد ويتحرى، ولا يلزمه أن يكون الصواب معه دائمًا، وما دامت صدورنا تضيق بالرأى المخالف للجمهور، فلن ينمو الاجتهاد، ولن يؤتى ثمراته.
على أن ما يحسبه بعض الناس خطأ قد يكن هو الصواب بعينه، خصوصًا إذا تغير المكان والزمان.


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=252715&IssueID=1753

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:28 PM
ثلاث مدارس: سلفية وصوفية وعقلية. المدرسة السلفية تركز على النص والانقياد للدليل، والمدرسة الصوفية تهتم بالقلوب والروحانيات، والمدرسة العقلية تركز على المرامى والغايات.
ثلاث مدارس تقع بينها الحقيقة، لا تستأثر بها مدرسة دون الأخرى، لذلك نحتاجها متجاورة.. نريدها جنبا إلى جنب، لأن الله تعالى خلقنا متفاوتين، طرائق شتى فى الهداية والتأثر والوجدان. القرآن نص مقدس تتفاعل معه النفوس حسب مواهبها واهتماماتها فتنشأ اتجاهات. تتجمع هذه الاتجاهات وتحتشد فتصنع - مع توالى العصور - مدارس.
من يهتمون بالدليل ووجوب الاحتياط لدينهم يجدون راحتهم مع المدرسة السلفية، أما من يميلون إلى التعمق فى الجانب الروحى للأشياء، ويشعرون بحاجتهم للخلوة والسكينة، فيميلون بالفطرة إلى المدرسة الصوفية، وهناك نخبة - أقل عددا - لا تجد خلاصها إلا فى المدرسة العقلية التى تنظر للمرامى والغايات..
هؤلاء الذين يقرؤون القرآن الكريم فتلفت أنظارهم آيات مثل «أفلا تتفكرون»، «أفلا تعقلون». كانت المدرسة العقلية هى الوحيدة القادرة على تلبية احتياجات نُخب لا حيلة لها فى التفكير النقدى، ولولا وجود هذه المدرسة لربما نبذت الدين كله. صحيح أنهم نسبة قليلة فى الشرق بسبب تدنى نظام التعليم عندنا، لكن هذا لا ينفى أهمية الاعتناء بهم، فكلنا خلق الله وكلنا عياله، وكلنا بحاجة إلى هدايته ورحمته. المشكلة أن المدرسة السلفية كثيرا ما تصطدم بالمدرستين الصوفية والعقلية، تضيق بهما، وتُضيّق عليهما، وتشنع عليهما. من أجل هذا يشفق كثيرون من عواقب التمدد الحالى للمدرسة السلفية فى المجتمع المصرى، المعروف سابقا بالتعدد،
وبعد أن كان يُصدّر السماحة والرؤى المتنوعة صار مستوردا لمنهج واحد لا يمت بصلة لطبيعة الأرض وتراكمها الثقافى عبر العصور. نبتة غريبة ربما تكون نافعة فى بيئتها الأصلية لأنها نتاج هذه الأرض، لكنها حينما تزرع قسرا فى تربة مغايرة تكون ثمارها مُرة فى مجتمعنا الذى انحدرت أخلاقياته رغم الصحوة الدينية.
ورغم ما صارت تحظى به المدرسة السلفية من شعبية طارئة عندنا فهناك من المخلصين من يرى أنها وإن كانت حقا فإنها ليست الحق الوحيد، وأن الحقيقة أوسع بكثير من طرح المدرسة السلفية، وأنه لا يكفى أن نكون معتنقين لفكرة معينة لكى يقتنع بها الآخر، وأن ما نظنه صوابا واحدا يحتمل التعددية،
وأن ترتيب النصوص المقدسة بطريقة معينة قد يُغيّر الحكم تماما، وأن الوسيط ضيق الأفق أو غير المؤتمن هو أصل المشكلة، وأن الاختلاف هو القاعدة والرأى الواحد يصيب المجتمع بالجمود، وأن المعلوم من الدين بالضرورة أو ما يُكفّر المرء بعدم اعتناقه قليل جدا، وأن الأصل فى الأمور السعة. هذه كلها رؤوس مواضيع يستحق كل منها مقالا منفردا إن شاء الله.


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=252857&IssueID=1754

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:29 PM
ثلاث مدارس: سلفية وصوفية وعقلية. المدرسة السلفية تركز على النص والانقياد للدليل، والمدرسة الصوفية تهتم بالقلوب والروحانيات، والمدرسة العقلية تركز على المرامى والغايات.
ثلاث مدارس تقع بينها الحقيقة، لا تستأثر بها مدرسة دون الأخرى، لذلك نحتاجها متجاورة.. نريدها جنبا إلى جنب، لأن الله تعالى خلقنا متفاوتين، طرائق شتى فى الهداية والتأثر والوجدان. القرآن نص مقدس تتفاعل معه النفوس حسب مواهبها واهتماماتها فتنشأ اتجاهات. تتجمع هذه الاتجاهات وتحتشد فتصنع - مع توالى العصور - مدارس.
من يهتمون بالدليل ووجوب الاحتياط لدينهم يجدون راحتهم مع المدرسة السلفية، أما من يميلون إلى التعمق فى الجانب الروحى للأشياء، ويشعرون بحاجتهم للخلوة والسكينة، فيميلون بالفطرة إلى المدرسة الصوفية، وهناك نخبة - أقل عددا - لا تجد خلاصها إلا فى المدرسة العقلية التى تنظر للمرامى والغايات..
هؤلاء الذين يقرؤون القرآن الكريم فتلفت أنظارهم آيات مثل «أفلا تتفكرون»، «أفلا تعقلون». كانت المدرسة العقلية هى الوحيدة القادرة على تلبية احتياجات نُخب لا حيلة لها فى التفكير النقدى، ولولا وجود هذه المدرسة لربما نبذت الدين كله. صحيح أنهم نسبة قليلة فى الشرق بسبب تدنى نظام التعليم عندنا، لكن هذا لا ينفى أهمية الاعتناء بهم، فكلنا خلق الله وكلنا عياله، وكلنا بحاجة إلى هدايته ورحمته. المشكلة أن المدرسة السلفية كثيرا ما تصطدم بالمدرستين الصوفية والعقلية، تضيق بهما، وتُضيّق عليهما، وتشنع عليهما. من أجل هذا يشفق كثيرون من عواقب التمدد الحالى للمدرسة السلفية فى المجتمع المصرى، المعروف سابقا بالتعدد،
وبعد أن كان يُصدّر السماحة والرؤى المتنوعة صار مستوردا لمنهج واحد لا يمت بصلة لطبيعة الأرض وتراكمها الثقافى عبر العصور. نبتة غريبة ربما تكون نافعة فى بيئتها الأصلية لأنها نتاج هذه الأرض، لكنها حينما تزرع قسرا فى تربة مغايرة تكون ثمارها مُرة فى مجتمعنا الذى انحدرت أخلاقياته رغم الصحوة الدينية.
ورغم ما صارت تحظى به المدرسة السلفية من شعبية طارئة عندنا فهناك من المخلصين من يرى أنها وإن كانت حقا فإنها ليست الحق الوحيد، وأن الحقيقة أوسع بكثير من طرح المدرسة السلفية، وأنه لا يكفى أن نكون معتنقين لفكرة معينة لكى يقتنع بها الآخر، وأن ما نظنه صوابا واحدا يحتمل التعددية،
وأن ترتيب النصوص المقدسة بطريقة معينة قد يُغيّر الحكم تماما، وأن الوسيط ضيق الأفق أو غير المؤتمن هو أصل المشكلة، وأن الاختلاف هو القاعدة والرأى الواحد يصيب المجتمع بالجمود، وأن المعلوم من الدين بالضرورة أو ما يُكفّر المرء بعدم اعتناقه قليل جدا، وأن الأصل فى الأمور السعة. هذه كلها رؤوس مواضيع يستحق كل منها مقالا منفردا إن شاء الله.


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=252857&IssueID=1754

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:32 PM
لا أقصد بالهجوم من ينتقده بشكل منهجى، فهؤلاء لهم كل الحق فى نقده، طالما أنه خرج بأفكاره إلى الرأى العام، خصوصا وهو يؤكد أن آراء الأئمة السابقين قابلة للنقد، وبالتالى فآراؤه - من باب أولى - أكثر قابلية للنقد.
المقال يتحدث فقط عن الذين يبدو فى تعليقاتهم البغض الشديد، فهو الهادم المخرف، وهو المنافق، والبعض أكد ردته، فيما تنبأ آخرون بمستقره فى قعر جهنم. هذه التعليقات (العاطفية) التى تتجاوز أفكار الرجل لتتكهن بمصيره وتشكك فى نواياه، فى حين أنه مطلوب منا مناقشة أفكاره دون تجريح شخصيته.
فى هذا المقال أحاول فهم تلك الحالة الطارئة على المجتمع المصرى من ضيق الصدر ونفى الآخر، والتى جعلتنا غير مستعدين لسماع أى رأى يخالف المعتاد. فى اعتقادى أن المسؤولية مشتركة بين الطرفين. جمال البنا لم يراع عصره. لم يتلطف أو يتدرج فى عرض أفكاره، حتى لا يحدث الصد والنفور.
هو مفكر ينتمى إلى المدرسة العقلية الإسلامية، وهى مدرسة بلغت أوجها فى أربعينيات القرن الماضى على يد العقاد الذى كان منتبها - بعكس جمال البنا - إلى الفارق الدقيق بين المفكر والفقيه. من حق المفكر أن يبدى رأيه فى الدين من حيث هو مكون ثقافى، لكن هذا لا يعطيه الحق فى الفتوى والفصل بين الحلال والحرام.
وفى حين كتب العقاد معظم مؤلفاته فى الفكر الإسلامى دون أن يدخل- ولو لمرة واحدة- فى مساحة الفتوى، فإن معظم مشاكل جمال البنا جاءت من دخوله منطقة الفتوى، كعدم فرضية الحجاب أو جواز التدخين فى نهار رمضان.
وبرغم وجاهة طرحه أن التدخين لم يكن موجودا فى عصر النبى، فإن التدخين - من حيث كونه مُفطرا أم لا - مسألة لم يكن له أن يحسمها إلا بعد الرجوع لأطباء الصدر الذين أجروا أبحاثا على التدخين، ليقرروا: هل يترتب على تدخين السجائر دخول شىء فى الجوف أم لا؟.
وبسبب تردى أحوال التعليم عندنا وغياب الملكة النقدية فإنهم يكرهون من يهدد استقرارهم النفسى ولو بدعوى التجديد. هم يقبلون الدين حسب الفهم الشائع لعصرهم، ولا يفرقون بين ما يمكن وما لا يمكن الخلاف فيه. لذلك لم يعتبروا آراءه اجتهادا يحتمل الصواب والخطأ، بل اعتبروها حربا علمانية لهدم الدين.
قال صديقى فى عفوية مدهشة: «كنت أحب سماعه لأنه يجدد (دماغى)، وحين تكرر دخوله فى المناطق الشائكة كرهت سماعه خشية أن (يلخبطنى) وأنا لا أملك أدوات التأكد مما يقول».


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=252956&IssueID=1755

الأمل في الغد
02-05-2010, 05:35 PM
حينما كنت طفلاً كنت أزوره كل مساء، صداقة عجيبة ولكن حقيقية نشأت بينى وبين جارى العجوز الأعزب الذى تملأ التجاعيد وجهه. أجلس معه فى الشرفة المتسعة. يسقط ليل الصيف الساحر، ومع النسائم الرحيمة تبدأ حكاياته.
ذات مساء طلب منى أن أُحضر له كوب ماء، فتحت الصنبور وملأت الكوب حتى حافته ثم عدت إليه، جلسنا بجوار سور الشرفة نرقب قبة السماء بنجومها الزاهرة، وفجأة أمسك بالكوب، وسكب منه قطرة صغيرة على يده النحيلة المجعدة، ثم قال بصوت عميق:
■ هل تعرف أى رحلة قطعتها تلك القطرة من الماء لتصل إلى هذا الكوب؟
- لم أرد لأننى كنت لا أعرف، ولأن الرهبة تملكتنى من رنين صوته العميق وسط السكون المهيمن. غزتنى قشعريرة وأنا أتأمل تجاعيد وجهه وعينيه الباهتتين. ثم نكّس رأسه وكأنه يسجد، وغرق فى صمت طويل.
...........................
أنا أصل الحياة! هل تعرفون من أنا؟. أنا العناق المقدس بين ذرة أكسجين وذرتى هيدروجين. عرفت كل شىء وسافرت فى كل مكان. ترقرقت مع الأنهار، تزحلقت فوق أمواج البحار، تسللت إلى باطن الأرض فعرفت أسرارها، تدفقت فى شرايين البشر ففهمت أفكارهم ولامست أحلامهم، ثم سئمت الكوكب الأرضى فتبخرت فى الهواء. طرت كالعصافير، حلقت كالنسور، وقعت فى غرام الشمس، ارتفعت حيث السحب، ثم يجذبنى الحنين إلى كوكب الأرض فى رحلة أبدية مستمرة.
هذه المرة هبطت فوق أدغال أفريقيا. فوق قمة جبل عال كان تجسدى. تحولت مرة أخرى إلى الحالة السائلة. انسبت إلى أسفل. فى نعومة انزلقت حتى أصبحت قطرة فى نهر (كاجيرا). اسم صعب ولكن ما أهمية الأسماء!. رحلة كثيرا ما قطعتها وسط مروج إفريقيا الخضراء.نظرت للقطرة المجاورة فوجدتها خائفة ومذعورة. سألتنى : أين يذهب هذا النهر؟. ابتسمت فى تشجيع وقلت: إلى أحضان أمنا الكبرى، بحيرة فيكتوريا، حيث تحلق الطيور وتغفو التماسيح وتستحم أفراس النهر.
سألتنى عن عمرى، قلت: منذ ميلاد الكون. قالت فى خوف: أنا ولدت بالأمس فقط ولا أعرف شيئا عن هذا العالم. سألتها وأنا أرتجف: هل تبقين معى؟، فأومأت بالإيجاب. أمسكت يدها فلم تمانع. قلت فى رقة: لقد اقتربت أمنا المقدسة بحيرة فيكتوريا، البحيرة العملاقة التى يبدأ عندها النيل رحلته الطويلة حتى البحر. وقفنا معا نرقب المياه وهى ترغى وتزبد، وآلاف الأسماك تثب كأقواس فضية، والقرود تتصايح والغزلان تتأمل المشهد بعيون متسعة. نظرت إليها فوقع حبها فى قلبى، همست: أحبك، ترقرقت من الخجل، قلت تتزوجيننى فردت بابتسامة.
نواصل الرحلة معا جنبا إلى جنب. الرذاذ يتطاير فى ملحمة مرعبة عند الشلال. الطبيعة فى ذروة سطوتها، صرخت وسط الهدير: «تشبثى بى جيدا وإلا تفقدينى». صرخت هى الأخرى: «لن نفترق أبدا. أنت لى وأنا لك». نهبط فى مجرى متسع، أنتهز الفرصة فأخطف قبلة. تتنهد فأذوب.
ينتهى الشلال فأجدها بجانبى، وتقول: «هذا النهر لا يُقهر أبدا»، فأهمس لها: «وكذلك الحب».
...............
ننساب سويا فى رشاقة، يحشر النيل العملاق نفسه حشرًا ليدخل بحيرة (ألبرت) الضيقة المالحة ثم يخرج منها عذبا سلسبيلا. تقول حبيبتى: هذه معجزة الحب!. يخرج النهر من البحيرة هادئا ليدخل البحيرة الثالثة (إدوارد). يتحول بعدها إلى مستنقعات راكدة. تضيع ملامحه ويتحول إلى عدد لا حصر له من القنوات، وعلى مدى البصر أعشاب كثيفة تحركها الرياح. تخاف حبيبتى فأقول لها أغمضى عينيك وفكرى فى ذكرياتنا الجميلة ومستقبلنا الأجمل.
تبتسم راضية وتمسك ظهرى فأجدف كملاح ماهر. طيلة الليل أجدف وحين تشرق الشمس نشاهد جنة الله فى الأرض. الفردوس الذى غفل عنه الزمان. جنة الطيور فى جزر النهر، تقضى طيور الشمال المهاجرة الشتاء فى انتظار الربيع وحولها الطيور الأفريقية تمارس حياتها فى هدوء، لا تعايشها ولا تقاتلها. الكل يحيا فى سلام وعزلة. تفتح صغيرتى عينيها وتنظر فى افتتان ثم تهمس لى «أنت أجمل ما فى الكون».
تلوح الخرطوم على مرمى البصر ليتم الزواج المقدس بين النيل الأبيض والأزرق النابع من مرتفعات الحبشة. يتلوى النيل الذى عذبه الشوق إلى مصر، يطوى آلاف الأميال جامحا معربدا حتى يدرك بلاد النوبة، يدور رأسه من ترجيع ناى، من أنشودة حزينة، من شيخ ذابل العينين يعلم حفيده درس العشق الأول.
تتعاقب المدن: أسوان، الأقصر، قنا، سوهاج، أسيوط، المنيا، معابد الأقصر والكرنك، تقول حبيبتى ضاحكة: رحلة شهر عسل خيالية ومجانية كذلك. نمر على فتيات ضاحكات يسبحن فى النهر وعجوز يحاول صيد الأسماك فى العصارى، تأملنا القمر وهو يستقر فى قاع النيل، ويشهر ضوءه فى وجه الظلام المتربص بالأعماق.
تقترب القاهرة: مدينة الألف مئذنة والقباب الفضية لقلعة صلاح الدين تتوهج فى ضوء الشمس وترمق النيل الحليوة الأسمر. ومن مذياع عتيق ينساب صوت المطرب العبقرى «النيل نجاشى، حليوه أسمر، أرغوله فى إيده، يسبح لسيده، حياة بلادنا، يارب زيده».
أرنو إلى الشمال، حيث البحر الأزرق، لكن قوة شفط جبارة جذبتنى. أصرخ فى جنون وأتشبث بحبيبتى. يبتعد مجرى النهر عنى فلا أملك اللحاق به وأتجه مقهورا نحو أماكن ضيقة. اختفت الشمس البهيجة وأتسرب فى أنابيب طويلة مظلمة، قلت فى أسف: يبدو أننا لن نكمل رحلتنا حتى البحر، قالت المهم أن نبقى معا. أنت.. أنت البحر!.
انتهت الرحلة وبقينا صامتين نلهث ونحاول أن نسترد أنفاسنا. فجأة وجدت قوة تدفعنى إلى الهبوط. أمسكت بيد حبيبتى بقوة وأنا أشاهد القطرات أمامى تنزلق إلى أسفل. إلى كوب يحمله طفل ويملؤه حتى الحافة. كنت القطرة الأخيرة لحظى العاثر.
أغلق الطفل الصنبور بقوة. حاولت جذب نفسى إلى الداخل مرة أخرى لكن جاذبية الأرض كانت أقوى منى. حاولت أن أجذبها معى لكننى لم أتمكن. الطفل يحملنى ويبتعد، وهى تصرخ: لا تتركنى. فأصرخ فى جنون: سنلتقى حتما.
سأبحث عنك لملايين السنين القادمة وسط كل قطرات العالم. سأجوب كل البحار، وأسبح فى كل الأنهار، وأفتش عنك فى باطن الأرض وفى جوف كل مخلوق حى لن أنساك أبدا.
كان الطفل يحملنى ويبتعد دون أن يسمع صراخى. كوب الماء يهتز وقبة السماء تظهر مرة أخرى حتى استقر الكوب فى يد معروقة مرتجفة. نظرت إلى النجوم الزاهرة وتنهدت. مال الكوب قليلا فانزلقت على يده النحيلة. ثم سمعت صوتا عميقا وسط الصمت المهيمن يقول للطفل المأخوذ:
■ هل تعرف أى رحلة قطعتها تلك القطرة من الماء لتصل إلى هذا الكوب؟.


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=253113&IssueID=1756

الأمل في الغد
06-05-2010, 12:52 AM
وجدته فجأة أمامى، كائناً شفافاً رقراقاً حزيناً. على الفور أدركت أننى فى حضور مخلوق غير بشرى، ليس شيطانا ولا ملاكا، لا توجد عليه مسحة شر، ولا تشرق فيه هالة نور. لكن- بصرف النظر عن المسميات- فقد أحسست بأننى فى حضرة مخلوق حزين.
(قلت: داخلا فى الموضوع مباشرة) إنت مين؟- (قال فى أدب): أنا شبح- (قلت على الفور فى استمتاع) يا سلام! كويس جداً، من زمان وأنا نفسى أقابل شبح وأدردش معاه- (قال ممتعضاً) أنا مش جاى أدردش. أنا عاوزك فى موضوع مهم- (قلت متوسلا) أرجوك.. دى فرصة مش حتتكرر تانى، كلمنى عن نفسك، إنتم ملايكة ولا شياطين؟ جن ولا أرواح ميتين؟.
(قال الشبح وهو يسرح فى ملكوت الله) إحنا مش أى حاجة من دول، إحنا خلق من خلق الله الهايمين فى الكون الواسع. (قلت بسذاجة) ياه! هو الكون ده مش بتاعنا لوحدنا!- (قال وهو يكتم ضحكة) الكون يضج بالحياة، وفى كل شبر حواليكم كائنات خفية ماتعرفوش عنها حاجة. (قلت فى خشوع) سبحان الله- (فقال فى خشوع أشد) كون عظيم يدل على اللى خلقه- (قلت وقد استهوانى الحديث) كلامك حلو، كمل- (قال فى رصانة) غرور الإنسان بيهيأ له إن اللى مش شايفه أو سامعه أو حاسه غير موجود. طبعاً ده مش حقيقى. مشكلة الإنسان إن معرفته محدودة بحواسه، ولو عندكم حواس أكتر كنتم عرفتم أكتر. تخيل لو كنتم محرومين من حاسة السمع كنتم حتصدقوا إن فيه حاجة اسمها صوت!
(قلت وأنا أتنهد) كلمنى عن الكون؟ - (قال فى غموض) أى كون فيهم؟- (قلت فى ذهول): هو فيه أكتر من كون؟- (قال ساهما) الله أعلم، محدش يعرف. الكبر والصغر مسألة نسبية، يعنى ممكن تكون الشمس والنجوم والأرض الواسعة دى مجرد ذرات فى جسد مخلوق عملاق خرافى الأبعاد.
وبالعكس ممكن تكون إنت «كون» بالنسبة لمخلوقات صغيرة جداً مستحيل تشوفها أو تشعر بوجودها، بتعيش وتموت ماتعرفش عنك حاجة ولا أنت عارف عنها حاجة. ممكن يكون داخلك حياة كاملة فيها ناطحات سحب وناس ماشيين على الأرض وطيارات، بس حجمهم ضئيل جداً، لا يمكن تشوفه. الله أعلم، ملكوت بيدبره سيده، إحنا نعرف منين؟- (قلت وقد اقشعر جسدى من الفكرة)، سبحان الله العظيم.
(قال وقد تحول فجأة من الرومانسية إلى السوقية الشديدة): دلوقت ندخل فى الموضوع اللى أنا جايلك عشانه، أنا عاوزك تكتب عن معاناة الأشباح المصرية. إحنا طالع عين أبونا فى (أم) البلد دى، وبصراحة كده دى مش أصول.
يا للهول! حتى أشباح مصر تعانى إلى هذا الحد!- قلت فى فضول: أرجوك كلمنى عن مشاكلكم. (غدا تعرف المأساة).


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=253569&IssueID=1760

الأمل في الغد
06-05-2010, 12:58 AM
(قال الشبح فجأة): أنا عاوزك تكتب عن معاناة الأشباح المصرية. إحنا طالع عين أبونا فى أم البلد دى، وبصراحة كده دى مش أصول - (قلت محاولا أن أكتم ضحكتى): إيه اللى مزعلك كده؟ دى مصر أم الدنيا برضه، والشبح المصرى عم الأشباح - (قال فى جدية تامة) كلامك كان صح لغاية فترة قريبة، كانت كل الأشباح الأجنبية بتحسد أشباح مصر على الخير اللى هى فيه. (قلت): وإيه اللى تغير؟
(قال فى بؤس شديد): أنتم اللى اتغيرتم - (قلت مستغربا): إزاى؟ - (رد فى أسى): إحنا كائنات بنميل للهدوء والمسالمة وعشان كده بنفضّل نعيش فى الأماكن البعيدة. فيلا قديمة، قصر مهجور. دلوقت مش لاقيين خرم إبره نسكن فيه. حتى المقابر اتملت بنى آدمين، زمان كانت الشقة اللى بيحصل فيها جريمة قتل ما بتتسكنش، دلوقت القتيل يندبح، يغسلوا الأرض بالميه والصابون، والناس تسكن على طول. اضطرونا نسكن الشوارع، مع أنها دوشه ليل ونهار. قلنا نروح دورات المياه برغم ريحتها المقرفة، لقيناها مليانة أطفال الشوارع. طب نروح فين؟
(قلت وأنا أهرش رأسى مفكرا): ياه، أنتم فعلا فى مشكلة. مكنتش أتصور إن مصر حتضيق حتى على الأشباح!- (قال فى حسرة): إحنا كائنات طويلة العمر، بنعيش تقريبا تلتميت سنة. أنا اتولدت بتوقيتكم سنة ١٧٥٠، يعنى فاضل لى أربعين سنة وأموت. بصراحة مش قادر أستوعب التدهور اللى حل بمصر. لما أفتكر كانت إيه وبقت إيه مصدقش أنها نفس البلد!. مصر اللى كانت جنة ورحمة وسلام!. والدنيا رايقة، ومليانة عذوبة وصفاء. والدنيا براح، الأشباح الصغيرة تلعب استغماية من كفر الشيخ للقناطر، تجرى ورا بعضها، كل فين وفين على ما تشوف بنى آدمين، معقولة دى مصر اللى معدش فيها خرم إبره؟– (قلت مستمتعا):
يا بختك يا سيدى، على الأقل شفتلك يومين – (قال دامعا): ما تفكرنيش بمصر القرن التاسع عشر!، أيام محمد على والخديو إسماعيل. البيوت الواسعة والمشربيات المزخرفة والعوامات على النيل، الخير والطرب والسماحة، والمزارع الخضرا والأرض الطيبة، والنيل شايل طميه والخير الكتير، وحتى فى النصف الأول من القرن العشرين، كانت الميادين واسعة والشوارع مغسولة بالميه والصابون. (قلت وأنا أتنهد): يا خسارتك يا مصر.
(قال وهو يبكى): وأى خسارة!، الله يكون فى عون الأجيال الجديدة من الأشباح اللى مستنياها أيام سوده. دى كل الأشباح دلوقت مقدمة على فيزة هجرة وواقفين طوابير. عن نفسى أنا نهايتى قربت، بس كنت أتمنى أعيش الأربعين سنة اللى باقيين لى من شيخوختى فى راحة وهدوء، مش أتمرمط على آخر عمرى وأتبهدل وأتهان.
أرجوك اكتب لهم يصلحوا البلد شوية، إذا مكنش عشان خاطر البنى آدمين، فعشان خاطر الغلابة، أشباح مصر المساكين.


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=253701&IssueID=1761

الأمل في الغد
07-05-2010, 11:47 AM
لماذا ترتفع الأيدى بالدعاء؟ لماذا نلوح بها حين الوداع؟ لماذا تتكور عند الغضب؟ وتتدلى وقت اليأس؟ وترتجف من اللهفة؟ لماذا تمتد يد الغريق طالبا النجاة؟ ولماذا يتشبث الطفل الخائف بيد أبيه؟ ولماذا ندفع بها الشر المقبل؟
■ ■ ■
يد واحدة هى كل ما يريد...
كان الدرب يحتشد بالبشر وكان الهواء شحيحا، فليكن.. إنه يختنق. يتخبط فى الحشد كالأعمى. لكن هذا خير من تلك الوحدة التى يستشعرها بين جدران أربعة هى مدينته المحاصرة. جدران أربعة هى بيته الصامت. جدران أربعة هى صدره الصاخب. جدران أربعة هى قلبه الخافق.
إلى الدرب كانت غايته.....
كان الدرب مزدحما ولكن يدا واحدة هى كل ما يعنيه من هذا الكون. كف تحتوى كفه. أنامل تعانق أنامله. لاريب أنه فى هذا الحشد الهائل، فى ذلك الكون المخيف، توجد يد مثل يده، تستشعر الوحشة، تهاب المجهول، تتوق لدفء كف صديق، ترتجف من الوجد والحيرة، تنقبض وتنبسط، تتكور وتتدلى، ترتفع وتنخفض، لا يمكن أن يكون وحده فى هذا العالم!.
هرة عمياء هو، هرة تتخبط فى الطرقات المعادية، يستعبدها الوجد، ويعذبها مذاق اللبن الضائع، وتفعمها رائحة أمها الغائبة، لكنها تهتدى بالغريزة، وتعرف أنها ستصل، حتما ستصل.

ا فى الأصل يدا واحدة، ولكن الفراق كان امتحانا له حتى يدرك النعمة القصوى ليد صديق، كان بحاجة إلى آلام تطول قبل أن يدرك ما الذى تعنيه قبضة واحدة تشتمل على كل ما فى الكون من فرح.
■ ■ ■
يد واحدة هى كل ما يريد. وكان ما يريد. أخيرا وجدها...
اليد التى كان يتوق إليها بكل عذابه، يد تبدو له مألوفة وكأنه يعرفها منذ بدء الخليقة، اليد الوحيدة التى تطلعت إليه من بين آلاف الأيادى. كف تحتوى كفه، أنامل تعانق أنامله، تحكى له كل آلامه الماضية، وتغفر له كل خطاياه المقبلة.
يد لها كل لهفته، تعانق كفه فى جنون، تتمرغ فيها، تقبلها، تذرف الدمع الغزير. هرة عمياء تلعق أمها الغائبة فى جنون، تتمرغ فى أحضانها. تمزقها بالقبلات وهى راضية.
■ ■ ■
كانت هناك..
اليد التى انتظرها طول عمره.
تتعذب مثله..
ترتجف من الوجد واللهفة..
تنقبض وتنبسط..
تتكور وتتدلى..
ترتفع وتنخفض..
لكنها- برغم ذلك- لم تكن هى التى ينتظرها!
لأنها..
لم تكن..
سوى..
يده الأخرى!!


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=253834&IssueID=1762

الأمل في الغد
07-05-2010, 11:58 AM
الحق أقول لكم: حينما تعطل ذلك (المنبه) انقبض قلبى كثيراً
هو ليس ثميناً إن كنتم تظنون ذلك. ضخم أكثر من المألوف فى منبهات هذه الأيام. عاطل عن الأناقة، ولكنه آلة جيدة صنعها اليابانيون حينما كانوا يملكون الوقت والبال الرائق لصنع هذه الأشياء، قبل أن يزحف الصينيون كطوفان أصفر يجتاح اليابسة ثم ينحسر عن مصنوعات لا حصر لها كلها زهيدة الثمن لكنها قليلة الجودة فى نفس الوقت. وكان معنى شرائك ساعة يابانية فى هذا الزمن المبارك أنها ستظل تدق لخمسين سنة مقبلة على الأقل.
حقيقة لا أذكر متى ظهر ذلك المنبه فى عالمى!. ولكنه بالتأكيد كان موجودا فى المرحلة الإعدادية لأننى كنت أستيقظ على صوته الرنان الكفيل بإيقاظ الموتى كل صباح، وكنت أحيانا أستخدمه فى مشاجراتى مع إخوتى الكبار وكان للأمانة سلاحاً فعالاً يثير الرهبة فى النفوس ويحسم المعارك!. وحينما كنت أغضب كنت أجد نظرات إخوتى الكبار تتوقف بصورة تلقائية حول ذلك المنبه العجيب فى قلق.
مستدير الشكل، ضخم جداً، تسبح عقاربه الفضية المفرطحة عبر خلفية من ميناء أخضر اللون.. أقول أخضر اللون لأنى لا أجد وصفاً آخر وإنما هو مزيج من اللون الأخضر والأزرق والأرجوانى.. لمحة خاطفة ربما رأيتها ذات يوم فى البحر فى مهرجان الألوان الكونى الذى تقيمه الشمس قبيل الغروب.
هذه العقارب الفضية المفرطحة كانت واثقة من نفسها بشكل واضح. لقد قطعت نفس الطريق الدائرى ملايين المرات فلم يعد شيئاً غريباً عنها أو يثير دهشتها، ولكنها لا تمنحك أبداً إيحاء الملل، ثمة جدية فى أطرافها الفسفورية التى كانت من ملامح الغرفة المظلمة حينما أستيقظ من النوم لسبب أو لآخر فألمح تلك الأطراف الفسفورية فى سعيها الدؤوب حول اللون المدهش، يمنحنى هذا شعوراً بالسكينة والاطمئنان، الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، والشمس تدور حول مركز المجرة، والليل يعقبه نهار.
نواميس الطبيعة لم يتغير منها شىء. لا تشغل بالك يا أيمن، الأمور تحت السيطرة وهاووووووم، لا أذكر متى كنت كل مرة أنزلق إلى عالم النوم الساحر.
وقرب انتهاء المرحلة الثانوية بدأت أتغير، مشاعر المراهقة المضطربة وتدفق الهرمونات المقلقة جعلت نومى أصعب، وكيف أنام وضجيج الأفكار يلازمنى؟! وأسوأ منه ضجيج العقارب الدؤوب، وإذا كان ضجيج الأفكار قدراً لا حيلة لى فيه فضجيج المنبه يمكن تلافيه بوضع وسادة على أذنى، والحيلة تفلح مرة ولا تفلح مرات، ولذلك فقد وضعته غير آسف خارج الغرفة، ولكن صوته كان - كضربات القدر- يصلنى مهما فعلت، وبدأت أتعمد الإهمال أثناء التعامل معه ولكن هيهات! فى كل مرة يسقط على الأرض بصوت رنان، وأظن أننى تخلصت منه، أجد الوجه اليابانى يحتشد خلف عش الغراب الهيروشيمى لينهض من جديد.
ونسيته، طيلة السنين نسيته، أو هكذا بدا لى، لأنه حينما حدثت المعجزة وتعطل فطنت لذلك فوراً.. كان دائما موجوداً فى أعماق اللاوعى، وحينما توقف عن العمل بعد كل هذه السنين أدركت أننى لم أنسه أبداً، كنت ألاحظه دون أن أشعر أو أتعمد، ولذلك انتبهت إلى تعطله على الفور رغم أننى وضعته فى ركن بعيد.
أمسكته بيدى ثم رحت أهزه كما نفعل بقلب مريض توقف فجأة، وتحرك قليلاً ثم همد تماماً.
■ ■ ■
لست أول من انتبه للعلاقة بين الساعة والقلب، كلاهما يدق، كلاهما يعمل بلا تعب، وكلاهما يقف فجأة دون أى توقع مسبق، وغالبا ما تفشل محاولات إعادتهما للحياة.. الساعة الجيدة تظل جيدة حتى يتم فتحها، بعدها لا تظل كذلك، والقلب أيضا.
وفعلت ما لم أكن أتصور أننى سأفعله، حملت المنبه فى حرص إلى محل إصلاحات قديم، كان الرجل عجوزاً مرتجف اليدين، لكنه استقبلنى بابتسامة ودودة.
بالطبع لم يعد أحد يقوم بإصلاح منبه قديم بعد أن صارت المنبهات الصينية الجديدة ببضعة جنيهات، بلاستيكية لعوب لامعة ولكنها رديئة وغير متقنة.. العجوز- هو الآخر- لم يبد دهشة وإنما راح يتفحصه بود، ولمعت عيناه ببريق خاطف، وتصورت فى نفسى أنه يرمق صورته فى المرآة.
- منبه جميل ، قالها فى إعجاب وبصوت مرتجف
أمنت على كلامه ورحت أرمقه فى رهبة.. كان يمسك بقلبى دون أن يعرف.. أعرف أنّ القلوب حينما تعطب لا يمكن إصلاحها أبداً.. هذه هى خبرة أيامى.. ولكن! الحياة جميلة رغم كل شىء: هذا ما أؤمن به، ما زال من المؤسف أن أفقدها الآن..
■ ■ ■
وانشغل العجوز عنى بفعل عشرات الأشياء، يفك أشياء ويطرح أشياء، ويضع الزيت فى أشياء، ويمسك أشياء بملقاط دقيق جداً.. يفعل كل ذلك بود واضح.. يصنعه لأنه يروق له، يصنعه لأنه يحبه!
راح يتمتم بشىء عن الآلات المتقنة والأيام الجميلة، وبدا واضحاً أنه نسى وجودى تماما، ورحت أنا أشاهد قلبى مطروحاً على المنضدة الخشبية القديمة.. هنا ذكرياتى فى المدرسة الإعدادية.. أول فتاة أحببتها. جميلة وخجولة ولونت أيامى بحمرة وجنتيها، هذا الجزء الذى لا يكسوه الصدأ هو تلك الليالى الخيالية الشبيهة بالأحلام التى التفت فيها الأمة المصرية حول المذياع فى شهر رمضان وأبناؤها فى الجبهة يأخذون بالثأر ويغسلون العار، ويزرعون فى قلوبنا الجريحة أوراق النعناع.
أما هذه فدقة قلبى وأنا أسهر الليل لأستذكر دروس الفيزياء المستعصية فى الصف الثانى الثانوى حينما دهمنى المذياع بأغنية «ضى القناديل»، كنت أسمعها لأول مرة وأنا أذوب.. أذوب وأنتشر مع ضوء القناديل الكليلة العاشقة.
هذا الترس هو يوم التحاقى بالجامعة وصدرى يزدحم بأحلامى، أضع قدمى حيث يقع طرفى، وأحنى رأسى كيلا تصطدم بالسماء السابعة، وحيثما خطوت ينبت الورد، أما هذا الجزء التالف فهو ذلك السهم ينغرس فى قلبى وأنا أرمق النيل يلتوى ويبتعد من زجاج الطائرة المضبب بأنفاسى وهى تقلنى بعيداً عن أرض الوطن حتى صار مجرد خط أزرق شاحب، رسمه طفل حالم فى كراسة الرسم.
نعم، الحياة جميلة جداً ومن المؤسف أننا لا نفطن لذلك فى الوقت المناسب!
■ ■ ■
وابتسم العجوز ابتسامة مشرقة وهو يمسح المنبه فى إعزاز.. كنت غائبا عن الوعى فلم أشاهده وهو يعيد تجميع أجزاء القلب المهشم، ويمنحه لى فى أريحية نادرة.
نظرت للعقارب الفسفورية التى عرفت معجزة الموت والحياة لمهرجان الألوان الحافل على شرف الشمس، لعمرى كله خلف الغطاء الزجاجى، لسنوات جديدة منحتها لى الحياة.
وفى ضوء الصباح البهيج بدا لى الطريق لا نهاية له.. الشمس تفترش الطرقات وتفترش قلبى كذلك، فلماذا.. لماذا لا أغنى؟!


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=254028&IssueID=1763

a7med_Raslan
16-05-2010, 03:11 AM
حدث ذلك منذ خمسة عشر عاماً (آه ما أسرع مرور الأيام!). فى ‏ذروة زحام القاهرة، الساعة الثانية ظهراً، والشمس تشعل الحرائق ‏فى الرؤوس، والسيارات تتكدس وتتلاحم. يومها استوقفت «تاكسى» ‏بمعجزة، وبمجرد أن جلست صدمتنى هيئة السائق: جبل آدمى ‏يغوص فى المقعد، شديد الغمقة والسمار، بملامح بلطجى متمرس ‏على الإجرام، وفانلة ضيقة تحدد ملامح الجسد العملاق، ومن ‏الأكمام القصيرة يبرز ساعدان لم أر مثيلهما قط، مفتول العضلات ‏إلى درجة تفوق تصوراتى عن أبطال كمال الأجسام الأشداء. ‏باختصار كان رجلا استثنائياً مخيفاً.‏

ما هى إلا لحظات حتى وجدت السيارة التى تسبقنا يقودها صاحبها ‏بطريقة عجيبة متهورة، وفجأة تأكدت أن سيارتنا ستصطدم بها، وفى ‏لمح البصر ضغط السائق العملاق على الفرامل بقوة فتوقفت السيارة ‏بصوت حاد واندفعنا نحن إلى الأمام وخرج السائق من السيارة مثل ‏وحش أسطورى يفرد قامته المرعبة ليتفقد سيارته.‏

فى المقابل، خرج سائق السيارة الأولى وكان قصيراً نحيفاً فى حجم ‏الضيف أحمد الله يرحمه. وراح هو الآخر يتفقد سيارته. ‏

وقلت فى نفسى: ربنا يستر.. جبل العضلات هذا لن يفوت فرصة ‏كهذه لممارسة السطوة، زمان كانت القوة العضلية هى القانون، ومثل ‏هذا الجبل الآدمى كان سيصبح زعيم العشيرة. اليوم أصبحت معايير ‏القوة أكثر تعقيداً من قوة عضلية بدائية، وبرغم ذلك ظل للقوة البدنية ‏قانونها الخاص.‏

وبينما أنا أتوقع بدء المذبحة حدث الشىء العجيب الذى يصعب ‏تصديقه، راح هذا الرجل الضئيل يصرخ فى وجه الوحش المرعب ‏ويسبه بأقذع الألفاظ، تجمدت فى مقعدى وتمتمت ببيت الشعر الذى ‏صاغه المتنبى لأمثال هذه المواقف: (لكل داء دواء يُستطب به.. إلا ‏الحماقة أعيت من يداويها).‏

وهل توجد إلا الحماقة تفسر تهور الرجل الضئيل!. إنه مخطئ ‏ووقح، وسيارته قديمة لا توحى إطلاقا بأنه مهم، وحكاية الشخصيات ‏المهمة فى مصر قد فقدت تأثيرها بعد أن ادعاها الكل، لقد رأيت ‏بنفسى رجالاً يضربون رجل المرور ضرباً مبرحاً فى وسط المدينة ‏الساعة الثالثة عصراً، وهم يعلمون أن رقم سيارتهم قد تم التقاطه!.‏

نحن فى بلد تعداده ثمانون مليونا كلهم مهمون فيما عداى!. بل إن ‏رجالاً يقفون فى طابور العيش بالبيجامة يتشاجرون مع البائع قائلين ‏جملتهم الخالدة: (إنت مش عارف أنا مين؟).‏

لكن المدهش أن المذبحة التى توقعتها لم تحدث والسبب أغرب من ‏أن يُروى، يجب أن تشاهده بنفسك لتصدق: استمع العملاق إلى ‏سباب الرجل الضئيل دون أن ينطق وإنما راح وجهه يحتقن ويزداد ‏سواداً مسيطراً على أعصابه بقوة خارقة، ثم طيّب خاطره بكلمات ‏من قبيل (حقك عليا) و(أنا آسف) و(ربنا ستر).‏

وهكذا مر الوقت.. الضئيل يتمادى والعملاق يعتذر له على خطأ ‏وهمى لم يرتكبه، ثم ركب سيارتنا وانصرف فى صمت!‏

ولوهلة لم أستطع النطق، شعرت بأننى أمام لغز من ألغاز الكون، ‏واحد من تلك الأسئلة الخالدة التى لا يمكن أن تحصل على جواب ‏مرضٍ لها أبدا، أسئلة من قبيل: أين تذهب الفصول الأربعة؟ هل كان ‏الفنان المصرى الذى نحت تمثال نفرتيتى واقعاً فى غرام الملكة ‏الجميلة؟ ما سر الثقوب السوداء؟ بماذا سأشعر وقت الموت؟

السؤال هو: لماذا سكت عن إهانات لم يكن – بالتأكيد – يستحقها؟ ‏لماذا لم يضربه خصوصا وهى فرصة سانحة أن يضرب - بضمير ‏مستريح - رجلاً وقحاً مكابراً يستحق ما هو أكثر من الضرب؟ ‏كيف يفلت فرصة يريح بها أعصابه المرهقة من طرقات القاهرة ‏المصابة بانسداد مزمن؟

كان أمامى لغز ستفلت منى إجابته إلى الأبد إذا لم أسأله.. ما الحكاية ‏يا جبل العضلات الآدمى؟ يا كابوس الرجال الذين ليسوا مثلك؟ ما ‏الحكاية يا عم؟

هكذا سألت الرجل فأجاب بالحرف الواحد (مازلت أذكر نبرته بعد ‏كل هذه السنين): اسمع يا بك، لقد كنت أغضب سابقاً وغضبى ‏مرعب لو شاهدته (وأنا أصدقه فى هذا دون حاجة أن أراه). ‏واستطرد العملاق قائلاً بنبرة يخالطها الحنين: لطالما أتعب الشيخ ‏‏(صالح الجعفرى) نفسه معنا حتى بح صوته، وأمثال هذه المواقف ‏هى التى تحدد هل كان تعبه معنا فى محله أم لا؟

ثم التفت نحوى بوجهه الأسود المخيف قائلاً:‏

‏- أعرف أنه مخطئ كما تقول، ولكن إهمال المرء تركه.‏

ولم يتكلم بعدها كلمة واحدة ولم أستطع أنا أن أنطق، غزتنى ‏قشعريرة وأنا أستعيد كلمته: إهمال المرء تركه!. رباه. كم هى كلمة ‏حكيمة!. ولكن كيف ومتى تسللت الحكمة إلى كتلة العضلات تلك؟

لكن شيئاً واحداً أدركته على الفور: المفتاح الحقيقى لتفسير هذا ‏الموقف العجيب هو الشيخ صالح الجعفرى، ولم أكن سمعت هذا ‏الاسم من قبل.‏

الشيخ صالح الجعفرى!‏

سألت أهل الحب فقالوا: شيخ جليل من أهل الصعيد جاور فى ‏الأزهر، صاحب مدرسة صوفية تقوم على الحب، له أروع المدائح ‏فى حب النبى، صلى الله عليه وسلم، هل تعرف مذاق السكر فى ‏أفواه الأطفال؟ (هكذا قالوا لى). حينما تسمع مدائحه تشعر بنفس ‏الشىء!.‏

وقال أهل الحب: من كان مريداً للشيخ صالح الجعفرى فلا تستغرب ‏منه ذلك السلوك الحضارى الذى لن يسلكه أساتذة الجامعة الأمريكية.‏

وقالوا: أبناء الشيخ الجعفرى الروحيون قد ذاقوا الحب، ومن ذاق ‏الحب عرف التسامح.‏

وسألت فقيها بارعا فامتعض وجهه لذكر الاسم وقال: مبتدع!.‏

قال مقطباً: لطالما تودد لنا ونحن نطلب العلم فى الأزهر فكنا ‏نتجاهله كما ينبغى للعاقل أن يُعرض عن أصحاب البدع.‏

حكيت الحكاية فقال: وهل يصلح هذا كدليل على المشروعية؟ هناك ‏من يفعل أكثر من هذا وهو غير مؤمن بالله أصلاً.. فهل يعنى ذلك ‏أنه على صواب؟

وأفحمنى منطق الفقيه فسكتُّ.‏

كنت وقتها على أعتاب هذا العالم الغامض الزاخر بأسرار الروح، ‏‏(عالم الصوفية)، وكنت بحاجة إلى عشر سنوات أخرى لأفهم حقيقة ‏الخلاف القديم بين الفقهاء والصوفية: الفقهاء يسألون عن الدليل، ‏فيرد الصوفية (من ذاق عرف).‏

الآن عرفت أن الأمر لا يعدو حوارا بين رجلين يقولان نفس الشىء ‏ولكن بطريقة مختلفة. «قيس» العاشق المتيم يتحدث بلغة القلب ‏وإشارات الروح، وأبوليلى الوقور يتحدث عن التكافؤ الاجتماعى ‏ومصلحة الأولاد. وكلاهما صادق فى حبه لليلى، كلٌ بطريقته.‏

كنت بحاجة إلى عمر بكامله لأتعلم ثقافة الاختلاف وأتقبلها كما أتقبل ‏اختلاف الليل والنهار، فليس الآخر بمخطئ لمجرد أنه آخر ولكنها ‏مشارب وأذواق.‏

الشيخ صالح الجعفرى..‏

ويبقى للشيخ الجليل فضل التربية الروحية لكتلة من العضلات كانت ‏يمكن أن تتحول إلى وبال على المجتمع، واستمر أثر تلك القدوة باقيا ‏بعد وفاته بعشرين عاماً.‏

رحم الله الشيخ صالح الجعفرى.‏




http://www.almasryalyoum.com/ar/node/41341

الأمل في الغد
17-05-2010, 12:56 PM
سبحان مغيّر الأحوال. هذه المرة كان الشبح سعيداً كطفل أطلق لأمانيه العنان. وبعد أن كان منطفئا متدلى الكتفين كبطوط حزين، بدا اليوم منتعشا يتألق بالفرحة والسعادة. عانقنى بمجرد أن شاهدنى ثم قبلنى وهو يقول لى: أنا فرحان، فرحان أوى. أنا اتشهرت، وكل ده بفضلك - (قلت فى فضول) إزاى؟
احكيلى بالتفصيل - (قال والسعادة تنط من عينيه): مش حتصدق اللى حصل، أنا بقيت بطل قومى بين الأشباح. لما اتنشر حوارك معايا والأشباح عرفوا إنى اتصلت بعالم البشر حصل حراك اجتماعى وجدل سياسى وسط النخبة فى عالم الأشباح - (قلت فاغرا فمى فى دهشة): إيه الكلام الكبير ده؟ ما انت كنت بتتكلم زيينا! - (قال وهو فخر): معلش.. أنا وضعى اتغير فى المجتمع وبقيت شخصية مرموقة ولازم أقول كلام كبير - (قلت فى عطف): ماشى يا ابوالأشباح، ربنا يسعدك.
(قال وهو يبكى من السعادة): إنت مش متصور أنا كنت إيه وبقيت إيه؟. بعد ما كنت فى نظر الأجيال الجديدة مجرد عجوز ممل بيحكى ذكريات مستفزة عن القصور الفاضية والفيلل المهجورة، بقيت فجأة نجم مجتمع خصوصا بعد ما طلعت فى برنامج «الشابحة مساء» وحكيت إنك... - ( قلت مقاطعا): تقصد العاشرة؟ - ( قال مؤكداً): الشابحة مساء يا أخى، بتاع منى الشبحى - (قلت ضاحكا وأنا أضرب كفا على كف): والله العظيم دى حكاية!. إنتم عندكم كمان منى الشاذلى؟ - (قال مصححاً): الشبحى. انطقوها صح بقى - (قلت مبتسما): لأ الشاذلى بقى وكبرت معايا - (قال فى عناد الأطفال): الشبحى، دى عيلة كبيرة معروفة عندنا. إنت إيه فهمك فى عائلات الأشباح؟!
المهم أخوك خد راحته فى الكلام. أبديت دهشتى من تأخر اتصالنا مع عالم البشر، وقلت - على لسانك طبعا!! - إنكم بتحبونا وعاوزين تحسنوا العلاقات مع شعب الأشباح الصديق - ( قلت وأنا أكركر من الضحك): آه يا نصاب!. كمل - (قال فى شقاوة): الحوار عمل ضجة لما اتنشر فى جريدة «الشبحى اليوم» – (قلت وعيناى تدمعان من الضحك): قلت إيه وحياة أبوك؟ «الشبحى اليوم»؟ - (قال فى فخر): دى بتوزع نار عندنا- (قلت وأنا أمسح دموع الضحك): يخرب عقلك، كمل.
(ناظراً نحوى فى حذر): بصراحة أنا اتورطت فى حاجة وورطتك معايا- (قلت فى قلق): خير؟ - (قال وهو ينكس رأسه): بصراحة أنا أخدتنى الجلالة، وقلت - لا مؤاخذة ما تزعلش منى - إنك من كتر انبهارك بيا توسلت ليا إنى أتنازل وأتكرم وأقبل الترشح لمنصب رئيس الجمهورية!.
قلت وأنا أضع يدى على رأسى: يخرب بيتك. إنت اتجننت يا شبح؟. رئيس الجمهورية مرة واحدة! - (قال فى جدية): طب اسمع منى الأول وبعدها احكم. غدا تعرفون ما قاله الشبح.


http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=254150

الأمل في الغد
17-05-2010, 01:09 PM
«قلت له مندفعا»: رئيس جمهورية مرة واحدة! بالذمة ده كلام! على آخر الزمن يحكمنا شبح!- «قال وهو ينظر لى نظرة ذات مغزى»: قل لى الأول هو إمتى ما حكمكوش شبح؟- «قلت مصعوقا من المفاجأة»: أنت تقصد أن.. - «قال مقاطعا»: ما تفهمنيش غلط، أنا ما اقصدش إن حكامكم أشباح من جنسنا، لا دول بنى آدمين زيكم، بس اتحولوا لأشباح.
«قلت وقد دار رأسى»: أنا مش فاهم حاجة.. أنت فعلا لخبطتنى - «قال فى هدوء»: فى البداية الحاكم بيكون زيكم، واحد منكم، ركب الأتوبيس، أكل فول وطعمية، داخ السبع دوخات فى المصالح الحكومية، شعر باليأس والخوف والغضب، وعرف برضه المتع البسيطة اللى بتخلى حياتكم محتملة، ذاق حلاوة البطيخ الساقع فى ليالى الصيف، اتفرج على مطر الشتاء من ورا شباك، عرف نعمة الفضفضة مع صديق بيرتاح له، اتفرج على فيلم حلو، إنسان زى باقى البشر بس أصبح حاكم.
فى الأول بتكون أمنياته طيبة تجاه الناس. الحكام مش ملايكة ولا شياطين، بشر بيتصارع داخلهم الخير والشر والأبيض والأسود. لكن أول ما يمسك السلطة ويحكم خيوطها ويتربع على الكرسى، يبتدى اللى حواليه يقنعوه إن فيه مخاطر أمنية ولابد من الاحتياطات، مش عشانه يا عينى، عشان خاطر مصر!، يقنعوه إنه - بالاستمرار فى الحكم- بيضحى براحته من أجل الشعب، يا مسكين أنت ما بتدوقش طشة الملوخية، ولا تقدر تمشى فى الشارع زى باقى الناس. الله يكون فى عونك يا ريس يا مضحى يا حبيب الشعب - «قلت مقاطعا»: بجد الكلام ده بيحصل؟- «نظر لى فى دهشة وقال لى»: والشبح بيشوف الناس ويسمعهم من غير ما يحسوا بيه ولا لأ؟- «قلت ضاحكا»: طبعا أمال حيبقى شبح إزاى!- «فقال فى عتاب»: طب بتسأل ليه؟
«ثم مستطردا»: مش حاطول عليك، طبعا الكلام اللى بيقولوه هجص وريحة النفاق فايحة منه، لكنه عاوز يصدقه، فيسيطر عليه الهاجس الأمنى، وتبدأ رحلة العزلة عن باقى الشعب ويتحول إلى شبح.
«قلت فى ذكاء»: آه فهمت، أنت تقصد المعنى الرمزى - «قال فى جدية»: رمزى ولا عضوى؟
النتيجة واحدة. هو الشبح إيه غير مخلوق غير مرئى!.
لما الحاكم ينعزل عن شعبه لا تقدر تشوفه ولا تقابله، يبقى شبح ولا مش شبح؟ «قلت فى تسليم»: يبقى شبح ونص.
«قال فى بساطة»: خلاص مادام شبح بشبح يبقى مش أحسن تأخذوا الشبح الأصلى؟- «قلت فى ذكاء»: أكيد الأصلى دايما أحسن من التقليد- «قال فى خطورة»: وفيه حاجة أخطر بكتير من كل اللى قلته. «غدا المفاجأة الرهيبة».

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=254230&IssueID=1765

الأمل في الغد
17-05-2010, 01:19 PM
(قلت فى قلق) إنت لخبطتنى على الآخر يا شبح، حتقول إيه تانى؟- (قال وهو يعطينى ورقة) خد جاوب على الأسئلة دى - (قلت فى احتجاج) تانى! هو أنا مش حاخلص بقى من سيرة الامتحانات، طب أنا حاحكيلك حاجة تضحك أوى: واحد صاحبى سقطوه فى امتحان الدكتوراه ست مرات، فى كل مرة يسقط فيها كان بيحمل هم المرواح للبيت عشان ابنه الصغير حيقول له: ييييه، إنت سقطت تانى يا بابا!،
بذمتك مش حاجة تفطس من الضحك!- (قال فى جدية) بايخة. ياللا جاوب- (مغلوبا على أمرى) هات يا سيدى الورقة أمرى لله (ثم مبتهجا) والله إنت شبح عسل، يا ريت كل الأشباح زيك. ده امتحان سهل خالص وأكيد حاجيب عشرة من عشرة. السؤال الأول مين بيحكم مصر؟،
طبعا مبارك. السؤال التانى: مين بيحكم أمريكا؟ طبعا أوباما. السؤال التالت: مين.. - (قال الشبح مقاطعا) كل أجوبتك غلط، هات الورقة( ثم ممسكا بقلم أحمر) صفر من عشرة، وكمان كحكة.
(قلت وقد بدأت أشعر بالخطر) إيه اللخبطة دى بقى؟- (قال فى هدوء شبحى مخيف) الحاكم، أى حاكم فى الدنيا، هو رمز للشرعية، فكرة، صورة بتتعلق ورا المكاتب، لكنه فى نهاية الأمر مجرد إنسان له قدرات محدودة، لا بيطير ولاٍ بيعرف الغيب. الحاكم الحقيقى هو القوى صاحبة المصالح، بترسم الخطط وتكتب القوانين لمصلحتها وتوجّه الرأى العام فى خفاء.
مصر كعكة بآلاف المليارات، أراض مالهاش حصر، مصانع قطاع عام، بترول، غاز، شركات تصدير واستيراد، تفتكر مصالح بهذا الحجم حيسيبوها للصدفة؟- (قلت مذهولا) لأ طبعا.. بس مين هما؟- (قال هامسا) مستحيل تعرفهم، لأنهم مش مجرد أسماء، دول أكبر من كده: سياسات، ريح بيحرك العَلَم فى اتجاهات معينة.
لهم علامات بتتكّرر: أهمها إنك عمرك ما شفتهم ولا سمعت عنهم، لأنهم أصلا مش عاوزين يتعرفوا، ويفضلوا يبقوا خلف ستار- (قلت فى تلقائية) يبقوا أشباح- (مبتسما فى تقدير) دلوقت فهمت أنا ليه قلت لك إنكم دايما بيحكمكم أشباح!
(قلت فى ارتباك) تصدق إنك لخبطتنى، أنا حاسس دلوقت إنى إنسان ضئيل أمام قوى عاتية لا قبل لى بمقاومتها، فقاعة صابون منفوخة على الفاضى.
بجد إنت سودت الدنيا فى عينى يا شبح - (قال الشبح فى رثاء) دايما البشر بيفضلوا الأكاذيب على مواجهة الحقيقة - (فقلت وأنا أتنهد) لإننا مانقدرش نعيش بدون أمل.
نموت وإحنا لسه على قيد الحياة (ثم متسائلا) يعنى إنت عايز تقول إن مفيش فايدة؟- (قال فى قوة) لأ فيه فايدة ونص، أمال أنا جاى ليه؟
إنت مش متصور المزايا اللى حتحصلوا عليها لو انتخبتونى رئيس للجمهورية. (ترى ما هى هذه المزايا؟ انتظروا المقال القادم إن شاء الله).

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=254362&IssueID=1766

الأمل في الغد
18-05-2010, 11:11 PM
«سألته فى فضول» وإيه هى المزايا اللى حنستفيدها لو بقيت رئيس الجمهورية؟ - «قال فى هدوء» إنى ما انخدعش ( ثم وهو يناولنى صورة راقصة مشهورة بمغامراتها الساخنة) عارف مين دى؟ - «مبتسما فى خبث» وهو فى حد فى مصر مايعرفهاش - «قال فى جدية» وإيه رأيك فيها؟- «قلت مندهشا» حيكون إيه؟ رقّاصة فهى ترقص راقصة!.
«قال مخرجا صورة صحفى شهير» طب وده؟- «هتفت على الفور» ده رئيس تحرير إحدى الصحف القومية - «قال فى اهتمام» حتعمل إيه لو شفته؟- «قلت فى حماسة» يا سلام! حاسلم عليه وأتصور جنبه عشان أتمنظر على أصحابى.
«قال فى هدوء» يعنى أفهم من كلامك إنك بتحترم رئيس التحرير أكتر من الراقصة؟- «قلت فى دهشة» وإيه اللى جاب المثقف للراقصة!- «قال فى هدوء» ولو قلت لك إن الراقصة أشرف منه ألف مرة!، لدرجة إنى أستحى أحط الاتنين فى مجال المقارنة - «قلت وأنا أخبط بيدى على رأسى» إنت حتجننى يا شبح!.
«قال فى جدية» لازم تفهم إن الدعارة الفكرية أخطر مليون مرة من الدعارة الجسدية، وأخطر من الاتنين فقهاء السلطان. الراقصة تعتبر قديسة بالمقارنة لهما، فخطيئة الراقصة فردية وأثرها على أخلاقيات الشعوب قليل، أما كتاب السلطة وفقهاء السلطان فجريمتهم فى حق الشعب كله، لأنهم يزينون للحاكم الظلم والاستبداد - «قلت وقد فغرت فمى» إنت بتتكلم بالفصحى يا شبح! - «قال فى غضب» من كتر قرفى.
أنا عشت كتير وشفت المتزلفين والمنافقين وحاشية السلطان. كلهم لهم نفس الوجه الشهوانى والعينين الفاجرة، البطن اللى مابتشبعش، والقلب اللى مابيخشعش.
واقفين بين إيدين الحاكم كأنهم فى صلاة. لو قال لهم اسجدوا حيسجدوا، والحقيقة إنهم بيسجدوا لأنفسهم ومطامعهم الضيقة. وأول ما يموت الحاكم يهرولوا على الحاكم الجديد ليرفعوا له الصلاة.
«قلت فى تهيب» أعوذ بالله. اللهم لا تجعلنى منهم «ثم فى فضول» بس تفتكر يا شبح إن الحاكم بياكل من الأونطة؟ - «فقال على الفور» طبعا لا، هو فاهمهم وبيحتقرهم، بس للأسف مايقدرش يستغنى عنهم - «سألته فى دهشة» ليه؟
ما دام عارف إنهم مش بيحبوه لشخصه - «قال فى أسف» إنت مش فاهم النفس البشرية. الحاكم - زى أى إنسان - فيه الذرة التى تجلى الله عليها لحظة أخذ العهد، نقطة النور اللى عاوزه تتحول لشمس، لكن الاستقامة صعبة وتكاليفها متعبة.
وعشان يتوازن نفسيا بيفضل أن يكون جنبه أراذل الخلق عشان يحس إنه - بالمقارنة لهم - أحسن منهم. أما الناس المحترمة فيقدرهم ويبجلهم، لكن مايستحملش قربهم، والدليل اللى حصل بين مبارك والشيخ الغزالى - «قلت فى فضول» لازم تحكيلى الحكاية بالتفصيل.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=254494&IssueID=1767

الأمل في الغد
18-05-2010, 11:22 PM
(قلت للشبح فى فضول) إنت قلت إن الميزة الأولى لك - لو رشحناك رئيس للجمهورية- إنك مش حتتخدع فى المنافقين لأنك شايفهم وكاشفهم، طيب إيه الميزة التانية يا شبح؟..
(قال الشبح فى حنين) إنى عارف قيمة الجوهرة اللى اسمها مصر أكتر من أى واحد فيكم.. (قلت ساخرا) جوهرة فى الوحل!..
(قال فى غضب شديد) اسكت. قطع لسان اللى يقول كده. (ثم اغرورقت عيناه بالدموع، وهتف) مصر حتفضل غالية عليا!
فى البداية هممت أن أتمادى فى المزاح وقد خُيل إلى أنه يمزح، لكننى حين شاهدت دموعه المنهمرة وملامحه الحزينة أدركت على الفور أنه صادق، جاد فى عواطفه الوطنية.
انتابتنى قشعريرة وقد فطنت إلى حقيقة مروعة: لقد صرنا غير مستعدين أن نصدق من يعلن حبه لمصر، إما أنه يمزح أو أنه (يشتغلنا). (قلت له فى خشوع) ياه، بتحب مصر للدرجة دى!.. (قال فى بساطة) طبعا مش بلدى!
(ثم فى جدية) حب الوطن موضوع يطول الحديث فى أسبابه، وإن كان يكفيك سبب واحد: هو ده المكان الوحيد فى العالم اللى لعبت فيه – فى غفلة الطفولة- من أول ما تصحى لغاية ما تنام، وهو برضه المكان الوحيد اللى يرضيك تدفن فيه.
(قلت محاولا استفزازه) هل تعتقد أن رجال النظام الحالى يحبون مصر؟..
(قال فى وضوح) من نكد الزمان أن يتولى أمثال هؤلاء قيادة بلد فى عبقرية جغرافيا وعظمة تاريخ مصر.. (فغرت فمى فى دهشة) ياه!، ده إنت بتقول كلام كبير أوى.
(قال الشبح فى حزن) تقدر تفسر لى ليه كل القادة الاستراتيجيين فى العالم كانت مصر نصب أعينهم! الإسكندر الأكبر، بونابرت، والإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس. أنا اتولدت سنة ١٧٥٠، وشفت مصر على مدى قرنين ونصف القرن، وأؤكد لك أنها تستحق أن تكون أفضل من كده بكتير. أنتم تمتلكون كل مقومات الحياة الكريمة: جو معتدل، طبيعة صديقة، إرث حضارى، جينات رائعة، تراكم ثقافى، أنا لو حاولت أحصى عدد الموهوبين فى مصر مش حاعرف: علماء وأدباء وفنانون.
ثروة مش موجودة فى أى بلد. كلهم جاءوا فى ظروف معاكسة. تخيل لو كان الجو المحيط بيساعدهم ويبرز مواهبهم!..
(قلت وقد اعتصرتنى الحسرة) كانت مصر بقت جنة.. (قال فى ثقة) المصرى يروح الخليج يطلع ابنه الأول، يروح أمريكا يتفوق وينبغ، تقدر تفسر كده غير إن معدن المصرى أصيل؟
(سألته فى فضول) طب إيه تفسيرك للضياع اللى إحنا فيه دلوقت؟.. (قال الشبح فى هدوء) تفسيرى إن اللى ماسكين البلد بيتصرفوا فيها وكإنهم سارقينها.
وياريتهم بيبيعوها بتمنها!، دول عاملين زى اللى سرق جوهرة تمنها مليون جنيه ورايحين يبيعوها بخمسين جنيه.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=255171&IssueID=1772

الأمل في الغد
18-05-2010, 11:27 PM
(صوت سعيد كله فرحة وابتهاج): جوجو، اصحى يا جوجو - (صمت، جوجو لا يرد) - (الصوت يعاود الإلحاح) ياللا يا حبيبى، اصحى يا كسلان- (صوت مكتوم من خلف جدار) مين بينادى؟- (الصوت فى سعادة فائقة) بطل دلع يا حبيبى واسمع كلام ماما- (فى دهشة) ماما مين؟- (الصوت المبتهج) أنا ماما يا حبيبى - (فى شك) أمال الست اللى أنا عايش جواها تبقى مين؟-
(وهى تكتم ضحكة) دى ماما الصغيرة، أنا ماما الكبيرة، مامتكم كلكم (ثم بصوت مسرحى) أنا ماما الحياة. (فى ملل) وعاوزه إيه يا ماما الحياة؟ مصحيانى بدرى ليه؟
ده أنا لسه نايم من اتنين وعشرين ساعة بس - (الحياة فى إغراء) عندى خبر حلو أوى - (فى فضول يمازجه الشك) خبر إيه؟- (الحياة فى ابتهاج شديد) خلاص يا سيدى التسعة أشهر اللى حتقعدهم فى بطن ماما خلصوا وحتنزل الدنيا - (فى ارتياب) أنزل أعمل إيه؟ أنا مبسوط هنا- (فى إغراء) يا عبيط. حد يفضل فى المكان الضيق ده ويسيب الدنيا الواسعة اللى حينبسط فيها- (فى شك) حانبسط إزاى؟
(تعد على أصابعها) بص يا سيدى، أول حاجة حيكون لك اسم- (مقاطعا) طب ما أنا ليا اسم. مش لسه بتقوليلى يا جوجو!- ( ضاحكة) يا عبيط، جوجو ده دلع الجنين، أى جنين باقوله يا جوجو. جوجو الفيل، جوجو العصفورة، جوجو الإنسان، لكن لما تنزل من بطن ماما الصغيرة حيبقى لك اسم بتاعك بس- (فى فضول) اسم زى إيه؟-
(تراجع الأوراق بين يديها) حسب المكان والزمان، وثقافة ماما وبابا، وذكرياتهم الحلوة والوحشة. يعنى لو اتولدت فى الصعيد الجوانى ممكن تبقى هريدى - (صارخا) مش نازل- (تعاود الاطلاع على الورق) طب ماتزعلش تحب أبوالليف!- (فى غضب) لا طبعا. أنا مش خرونج.
(تطالع الورق) طيب تامر- (فى فضول) هو أبويا اسمه إيه؟- (ضاحكة) حسنى - (فى فرح) أنا كل مرة باشوفك فيها بابقى نفسىآآآآ
(الصوت فى نفاد صبر) ياللا انزل وبلاش دلع - (فى تصميم) استنى بس لما أعرف أنا نازل الأول أعمل إيه فى الحياة؟- (فى إغراء) حتاكل مم- (مقاطعا) عادى!
دى مش ميزة، ما هى ماما بتاكل وتهضم وأنا بيوصلنى الأكل على الجاهز( ثم متسائلا) وبعد الأكل حيحصل إيه - (تقول ضاحكة) حيكون إيه يعنى؟
حتعمل ببيى طبعا- (يقول باسما) من الجهة دى اطمنى، أول ما أحب أعمل ببيى باغمض عينى وأعمل نفسى مش واخد بالى وهوب. مسكينة يا ماما. ترى هل ستفلح ماما الحياة فى إقناع جوجو بالنزول. غدا المفاجأة الرهيبة.


http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=255301&IssueID=1773

الأمل في الغد
18-05-2010, 11:33 PM
(جوجو فى رجاء) ماما الحياة، أنا عاوز أعرف الحقيقة وما تخدعينيش، وتقوليلى العيوب قبل المزايا فى العالم الجديد - (الحياة فى حيرة) طبعا يا حبيبى الحياة لا تخلو من المتاعب - (فى توجس) إزاى؟ - (فى إحراج) يعنى حتمرض وبابا يجيب الدوا ويمكن تاخد حقنة فى (البوبّو) - (باكيا) آه يا (بوبّوهى) يا نا، وإيه كمان؟ -
(وهى تدارى بسمة) ولما تكبر حتروح المدرسة - (فى فضول) إيه المدرسة دى؟ - (ضاحكة) بتاعة كده بتصحى لها من ستة الصبح، تدخل مبنى زى السجن، تفضل فيه ست ساعات، لو ما عملتش الواجب تضربك المدرّسة، ولو عملته يضربوك العيال - (ساخرا) الله يطمنك - (مبتسمة) ما هو مش على طول ضرب، فى الفسحة حتلعب كورة - (مندهشا) إيه الكورة دى! -
(ساخرة) بتاعة منفوخة ومدورة تجرى وراها لغاية ما ينقطع نفسك، وفى الآخر تشوط - (فى ملل) طيب ما أنا باشوط فى بطن ماما بعزم قوتى، تحبى أوريكى؟
(فى رثاء) لأ اوعى. مسكينة يا ماما (ثم فى إغراء) ولما تكبر يا عم حتحب بنات وتتجوز - (فى فضول) يعنى إيه بنات؟ - (ضاحكة) مخلوقات جميلة شعرها طويل وبشرتها ناعمة وكلامها حلو - (فى رضا) لو كده يبقى ماشى، والبنات دول حاعمل معاهم إيه؟ -
(الحياة تكركر من الضحك) ما ينفعش أقول لك عشان الرقابة حتحذفها - (يفطس هو الآخر فى الضحك) طيب أنا نازل أشوف الموضوع ده - (الحياة محرجة) بس للأمانة لازم أقولك إن المسألة مش بالبساطة دى - (فى فضول) إزاى؟ -
(فى إشفاق) قبل الجواز لازم تجيب شقة - (فى دهشة) طيب ما اجيب شقة، إيه المشكلة؟- (ضاحكة من سذاجته) الشقة غالية - (فى فضول) بكام؟ - (مقهقهة) من نص مليون لمليون - (فى قلق) ومرتبى حيبقى كام؟ - (فى يأس) لو ذاكرت وتعبت وتخرجت فى الجامعة مرتبك بكتيره خمسميت جنيه - (ضاحكا) الشقة بنص مليون ومرتبى خمسميت جنيه! - (تكركر من الضحك) آه - (حيموت من الضحك) وعاوزانى أنزل! - (تفطس من الضحك) أيوه - (فى جدية مفاجئة) إنتى بتتكلمى جد ولا بتهزرى؟! -
(الحياة فى حزن) للأسف باتكلم جد - (فى رعب) الكلام ده لا ينطبق على أى مكان فى العالم إلا فى حتة واحدة بس - (الحياة تتساءل فى دهشة) فين؟ - (صارخا ومولولا) يا حظك الأغبر يا جوجو! يا مصيبتك السودة يا جوجو!. معنى كده إنى حاتولد فى مصر!.
(اتعظ يا مؤمن! سمعة مصر المتدهورة وصلت للأجنة فى بطون أمهاتهم. كيف عرف جوجو أحوالنا المتردية، وهو - لا مؤاخذة فى الكلمة - لسه فى بطن امه، انتظر غدا المفاجأة الرهيبة).

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=255444&IssueID=1774

الأمل في الغد
19-05-2010, 10:52 AM
(ماما الحياة فى فضول) قل لى يا جوجو أزاى عرفت حكاية مصر؟- (قال هامسا فى خطورة) الكبار ما يعرفوش إن فيه لغة سرية بيتكلمها الجنين فى بطن أمه- (الحياة مأخوذة بالمفاجأة) يا خبر! يعنى أنتم بتكلموا بعض!- (وهو يكتم ضحكة) يووه!
بنتخانق ونتصالح ونعرف الأغانى الجديدة (ثم متفاخرا) ده أنا معلق عشر بنات فى بطون ماماتهم- (ماما الحياة ضاحكة) آه يا عفريت وعامل نفسك مش عارف البنات!- (جوجو فى زهو) محسوبك بلا فخر مقطع السمكة وديلها- (الحياة تفطس من الضحك) واضح (ثم فى فضول) بس مين بيحكى لكم أحوال مصر؟
(جوجو مفسرا) احنا متفقين أن اللى ينزل الأول يحكيلنا اللى بيحصل بره. أصل المولود بيفضل فاكر اللغة السرية لغاية ما يتعلم كلام الكبار، بعدها ينساها على طول- (فى فضول) طيب اللى اتولدوا قبلكم قالوا لكم إيه؟- (وهو يقلب شفتيه فى يأس) والله كل اللى نزلوا فى مصر مش مبسوطين وعاوزين يرجعوا تانى لبطن ماماتهم. عندك رشا مثلا قالت لى امبارح أوعى تنزل، الأوضاع عندنا وحشة، ونصحتنى أفضل هناك- (فى دهشة) رشا مين؟- (فى لا مبالاة) دى حاجة طيارى كده.
بنت كنت معلقها فى بطن أمها، بس نزلت قبلي- (فى غيظ) يا بن الإيه؟ وقالت لك إيه كمان؟- (وهو يضرب كفا على كف) قالت لى إن الأوضاع فى مصر راكدة، وبتقاوم التغيير- (الحياة وهى تتنهد) للأسف دى الحقيقة- (جوجو يتساءل فى فضول) وانت راضية عن كده يا أمى؟- (الحياة فى حزن) طبعا لأ لإنه ضد إرادة الحياة- (جوجو يتساءل فى فضول) وإيه هى إرادة الحياة؟-
(الحياة تقول فى ثقة) التغيير هو كلمة الطبيعة، مولود جديد، جيل جديد، دم جديد، قيادة جديدة. الطبيعة ما بتغلطش لكن الإنسان بيغلط، الميه لما بتركد بتفسد، والنهر لو ما جريش ما يتشربش منه، خلايا الجسم بتجدد نفسها. الفصول الأربعة بتتعاقب، والثمر له مواسم، والزرع بيموت ويرجع للحياة. الشمس بتشرق وتغرب، والقمر بتتغير منازله، بعد المحاق بدر، وبعد البدر محاق.
الطبيعة بتشاور لنا على الطريق من طرف خفي، وبتلهمنا نعمل إيه. عمرك شفت أسد عجوز بيقود قطيع الأسود؟- (فتساءل جوجو) طب لو افترضنا إن الأسد العجوز مش راضى يسيب؟- (قالت الحياة فى كياسة) القطيع مش حيسمح له.
حيقول له شكرا يا جدو الأسد، أديت دورك ودافعت عن العرين، دلوقت جه الوقت ترتاح وتترك القيادة لغيرك من أجل مصلحة القطيع- (جوجو فى لماضة) طب لو فرضنا إنه (زرجن) ومرضيش يسيب؟- (قالت الحياة مبتسمة) يحصل اللى جرى عندكم، يتحول قطيع الأسود لقطيع قرود.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=255566&IssueID=1775

الأمل في الغد
21-05-2010, 05:12 PM
١- سؤال الحلوى:
حينما أجلستنى أمى على مائدة الطعام وسط نظرات الترحيب من أبى والارتياب من إخوتى، وضعت أمى أمامى إناء من الحليب وطلبت منى أن أشربه بالكامل، وحينما اعترضت قال أبى فى حزم إننى يجب أن أبدأ به طعامى.. بدأت أتذوقه فوجدته دافئا وحميميا وله رائحة أمى. شربته بأكمله وطلبت المزيد.
مددت يدى إلى طبق الحلوى، ولكن أبى طقطق بلسانه محذرا أن الحلوى هى نهاية الطعام وليست بدايته. تذمرت وتعالى صراخى لكن أبى أخبرنى أنه لا جدوى من الصراخ وأننى يجب أن أتناول نصيبى من الخبز. مددت يدا مترددة إلى طبق الخبز فلم أجده رديئا كما كنت أتوقع، بل كان يحمل أمل من زرعه وفرحة من حصده وعافية من طحنه وعرق من خبزه.
وانتهيت من الخبز فقالوا إن اللحم طعام الأقوياء، وإننى كبرت ويجب أن أصبح فى هذه الدنيا القاسية كالوحوش. وددت أن أقول لهم إننى لست وحشا، وأن الحلوى وحدها هى ما أريد، لكنى كنت تعلمت الدرس وأدركت أنه لا جدوى من الاحتجاج.
بالكاد استطعت أن أبلع طبق الخضروات!. كان مقززا جدا برغم أن أسنانى المتساقطة لم تكن تقوى على سواه.
وفجأة- وبدون سابق إنذار- وجدت من يجذبنى من كمى بعيدا عن مائدة الطعام، صرخت وتعالى احتجاجى:
- والحلوى؟ ولكنى لم أنل نصيبى بعد من الحلوى؟
.......................
٢- سؤال الحلم:
كنت نائما حينما لمحت وجهها الصبوح يبتسم لى وكيف أنسى ملمس الوجه وهو يقبلنى ويدللنى بأعذب الكلمات. ابتسمت فى ترحيب فمنحتنى حميمية اللبن وحرير الملمس ودفء الأحضان. لم أعرف اسمها وكيف يتسنى لى وأنا النائم أن أعرفه!، لكنه كان لا بد ساحرا ككل شىء فيها.
ويبدو أن نعاسى العميق قد تأرجح على حافة الوعى فإذا بى ألمح وجوها صغارا منشغلة بالمرح ولا بد أن مرحهم كان جميلا إلى الحد الذى دفعنى أنا النائم إلى أن أشارك فيه.
تبدلت وجوه وغابت وجوه، لم أدر كيف اتسع فضاء غرفتى لها جميعا. ثم جاء الوجه الجميل الذى يشبه الوجه الأول. مغمض العينين رحت أستمتع بملمس الحرير وعذوبة التدليل ودفء الأحضان. وراح النعاس يتسرب رويدا والوجوه تختفى تباعا ونور باهر يتسرب إلى غرفتى فأفتح عينى لأجد الغرفة خاوية تماما.
رحت أتجول فى الغرفة الخاوية وأتساءل هل كانت حياتى كلها حلما؟

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=255713&IssueID=1776

الأمل في الغد
21-05-2010, 05:18 PM
فى البدء بدا الأمر شبيها بحلم. كان ليل الشتاء قد سقط مبكرا كعادته، وثمة لذعة برودة مُحببة فى الهواء، وبينما كنت أسير فى طريقى لمنزلى حملت نسائم الليل أصداء غناء جماعى تصاحبه أوركسترا كاملة فتوقفت مستطلعا، وبدا واضحا أن الغناء ينبعث من المبنى العتيق لقصر الثقافة.
مضيت إلى القاعة فوجدت ما يقرب من أربعين فتى وفتاة يصدحون وقوفا بأغنية لأم كلثوم طالما اعتبرتها من أجمل ما غنت: طقطوقة «مادام تحب بتنكر ليه». كتبها الشاعر العاشق أحمد رامى، ولحنها المتيم المقهور محمد القصبجى، فلا عجب أن بدت الأغنية أقرب لتنهيدة.
كان القصبجى يحب أم كلثوم فى صمت، ويشاهد الاستلطاف المتبادل بينها وبين شاعرها أحمد رامى، وكان يعرف أيضا أن شكله لن يسعفه فى منافسة الحب!. لم يكن أمامه سوى أن يستخدم سلاحه الوحيد: عبقريته. دارت بين الشاعر والملحن منافسة صامتة على القلب الثمين، أراد العاشق المقهور أن (يصعقها) بروعة ألحانه، المقدمة كانت هجوما مباغتا بأنغام لا يمكن تصديقها، تبوح بما لا يستطيع البوح به.
الغناء كان من أجمل ما يكون، أقولها بثقة عاشق قديم للطرب الشرقى الأصيل، كانت القاعة تموج بالأنغام الشجية، وكنت فى حال من النشوة والعجب.. النشوة بفعل تلك الكيمياء المجهولة التى نسميها الفن وتأثيرها الغامض على الروح.
أما العجب فلأننى من رواد قصر الثقافة المنتظمين لترددى على المكتبة العامة، ناهيك عن أن المبنى يقع فى طريقى لمنزلى فكيف ومتى حدثت تلك النهضة الموسيقية التى لا أدرى لها تفسيرا!.
دارت هذه الخواطر فى ذهنى كلمحة خاطفة، ومضيت أنظر حولى محاولا العثور على إجابات لأسئلتى الحائرة، القاعة كانت متواضعة جدا، الأرضية من البلاط القديم باهت اللون، والجدران كالحة مشققة، والكراسى الخشبية عتيقة تعود إلى دهر مضى، والمكان برمته ينتمى لعالم المبانى الحكومية المتداعية التى نشعت جدرانها وسقط سقفها منذ ثلاثين عاما.






ملابس الفتيات كانت متواضعة إلى حد يوجع قلبك كلما فكرت أن أخوانك من بنى البشر يقضون رحلة حياتهم على الكفاف دون أمل فى مستقبل أفضل اللهم إلا قطعة لحم فى الأعياد. وثياب الفتيان لم تكن أفضل حالا بل إن بعضهم كان يرتدى الجلباب البلدى!. وبالتأكيد لا يزيد ما فى جيوبهم عن ثمن الميكروباص الذى سيعودون به لمنازلهم فى نهاية الأمسية. باختصار جو عام من البؤس والعوز يتناقض – بشدة – مع ذلك المحتوى الفنى شديد الثراء الذى تموج به الأنغام الشجية فى فناء القاعة.
تأمل العازفين قتلنى، عازف الكمان عجوز يناهز الثمانين، نحيف إلى حد الهزال، مندمج فى سحر موسيقاه، كمانه أبأس منه، قديم ومسحور!. باقى العازفين على نفس الشاكلة، نفس الملابس البسيطة والملامح الجادة.
وقتها بدا الأمر كلغز غير قابل للتفسير حتى وقعت عيناى على المايسترو فعلمت – بالإلهام وحده – أنه مفتاح السر: عملاق، عريض المنكبين، شديد الجاذبية، له لحية بيضاء ونظرة متوهجة، يقف مسيطرا بنظراته وحركات يديه على أعضاء الفرقة الموسيقية الواقعين كلية تحت تأثيره، أسد.. لو كنت تفهم الهالة المغناطيسية التى تنبعث من عيون أسد. فيما بعد عرفت أن اسمه «سارى دويدار»، ينادونه بالدكتور.. تفخيما له وتعظيما لشأنه.
فيما بعد عرفت عنه الكثير.. هو الرجل الخمسينى الجاد الذى وهب نفسه للفن الذى أحبه وأخلص له. مثله فى ذلك مثل باقى أفراد الفرقة الموسيقية المغمورة، كلهم ارتضوا حياة الفقر العفيف لأنهم يمارسون ما يحترمونه ويروق لهم: ألا وهو الحفاظ على الهوية الفنية المصرية.
يخطئ من يظن أن الأمر لهو أو تسلية، فالموسيقى كأى لغة مكتوبة فى العالم لها قواعدها الصارمة التى تحتاج دراسة شاقة من أجل فهمها وممارستها، وقد شهدت بنفسى جلسات التدريب المنهكة وثورة الأستاذ العارمة على تلاميذه الذين يحتملون شتائمه بحب واضح، وسمعت بأذنى اللعنات التى يصبها على رؤوسهم حينما يخطئون فيما يراه هو بديهيا وواضحا.
الأمر ببساطة أنهم يحبونه ويحترمونه، لذلك كانوا بين يديه قطعة من الصلصال الطرى يشكله كيفما يشاء، فاستطاع - بأمر الحب الذى لا يُرد سلطانه - أن يحول البؤس إلى شهد صاف كما يخرج اللبن من بين فرث ودم، ويشغل أوقات شباب فى عمر المراهقة كان مصيرهم المحتوم الجلوس على المقاهى أو ما هو أسوأ.
وأيا ما كان رأيك فى الغناء، حسب خلفيتك الثقافية والدينية، وحسب نصيبك أيضا من كيمياء الفن، وما إذا كانت عصاه السحرية قد لامست روحك أم لا، فإنك فى كل الأحوال تشعر أنك أمام شىء جاد لا خلاعة فيه ولا سطحية، عمل يُؤخذ بنفس الجدية التى يدق بها النجار شاكوشه، أو استماع طبيب لدقات قلب مريضه، نفس ملامح الانهماك والتركيز. أما المقابل فهو لا شىء من الناحية المادية ولكنه الكثير جدا من احترام الذات والإيمان بأهمية ما تقوم به.
أنا لا أستهين أبدا بالتراث الفنى المصرى، على العكس أؤمن أن ما يصنع الهوية هو مئات التفاصيل الحياتية الدقيقة، ومنها بلاشك الأغانى التى سمعناها مصادفة من الراديو أثناء حياتنا العادية فعلقت بذاكرتنا دون أن ندرى، تتجمع سويا وتغزل ثوب المواطنة على مقاسك بالضبط، ثوبا لا تراه العين أبدا إلا وقت مفارقة الوطن لتكتشف فى دهشة بالغة أنك مصرى شديد الانتماء للهوية المصرية.
فى وقت ما تكدست الزهور فى الحديقة المصرية، كان يصعب أن تحدد مطربك – أو ملحنك - المفضل، لأنه كان لديك عشرة على الأقل يستحقون المركز الأول، وكان تأثير تلك النهضة عارما على المحيط العربى من حولنا، أو ما يمكن أن ندعوه (القوة الناعمة) لمصر.
كانت أم كلثوم تغنى لعمالقة شعراء الفصحى والعامية، وكان الإسكافى يُصلح نعلك وهو يسمع أغنية «الأطلال» فيطرب لها، فارتفع الذوق العام للمجتمع كله. ثم تغير الزمان وصارت الغلبة للأغنية الهابطة والكلمة الركيكة واللحن الصاخب، صاروا نجوم المجتمع الجدد الذين ينالون الثروة والتكريم الذى لم ينل قطرة منه رجل كالأستاذ سارى قدّم – ولايزال - شيئا حقيقيا له طعم ولون ورائحة، وهدف واسم وأسلوب.
أستاذ سارى – كما يجب أن نعلم – ليس الوحيد من هذا الطراز.. فى كل أنحاء مصر يوجد الكثيرون من أمثاله يختلفون فى الطول والعرض، ويتشابهون فى الإيمان بقيمة عملهم والإخلاص له، ويتشابهون أيضا فى الفقر العفيف!. يرفضون العزف فى الملاهى الليلية لأن فطرتهم السليمة تنفر منه، ولأنهم يؤمنون بأهمية الحفاظ على تراثنا المصرى المستباح بالطول والعرض.
وردة بيضاء له – ولكل أمثاله - مع حبى واحترامى.. عالما أنهم لا يطمعون فى شىء آخر من هذه الدنيا المحيرة!.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=255860&IssueID=1777



تم تعديل اللون بواسطتي ..

Hey Ma

a7med_Raslan
24-05-2010, 05:21 PM
هذا المقال ليس على النقاب وإن بدا كذلك، وإنما هو على شىء أهم وأخطر: معاركنا- ولكل أمة معارك- متى وكيف نخوضها؟

من المدهش أن الشيخ محمد الغزالى خاض معارك تبدو- فى المنظور الضيق- متناقضة، ولكنها متناسقة فى المنظور الواسع الكبير. الغزالى الذى وقف- مع أستاذه أبى زهرة- كأسدين هصورين فى عصر عبدالناصر لتأكيد الهوية الإسلامية لمصر ووجوب الحجاب الشرعى هو نفسه الغزالى الذى خاض أتون معركة أشد مع مروجى النقاب. معركة يعرف العالمون ببواطن الأمور مبلغ ضراوتها، لكنه برغم الحزن، وظروفه الشخصية المؤلمة بعد وفاة رفيقة الدرب، خاض معركته الأخيرة فى سبيل الفهم الصحيح للدين.

حينما اعتبر الغزالى ارتداء النقاب قضاء مبرما على الدعوة الإسلامية بأوروبا لم يكن حاضرا ليشهد ما يحدث فى أوروبا الآن. كل الحكاية أنه- مثل أى إنسان مخلص- كان يرى بنور الله. علامة الإنسان العظيم أن يترك لنا علامات تبقى بعد رحيله، فنارا للسفن التائهة. وعلامة المفكر العظيم أن يرى النهايات من نذر البدايات، ولا يحوجنا أن نكتوى بالنار كى نعرف خاصية الإحراق. وعلامة الفقيه العظيم أن يزن بميزان الذهب الفارق بين الحقيقى والمزيف، فلا يستنفد طاقتنا فى معارك غير ضرورية، فإذا حان الجد خضنا معاركنا الحقيقية بعقل حاضر وقلب جسور.

حينما حذر الغزالى من ارتداء النقاب بأوروبا لم يكن النواب البلجيكيون قد صوتوا ضد النقاب، ولم تكن فرنسا قد منعته، ولم تكن الشرطة الفرنسية قد غرّمت امرأة مسلمة لقيادتها سيارتها بالنقاب. ولم تكن صحفية فرنسية قد ارتدت النقاب لمدة 5 أيام وانطلقت فى شوارع باريس لتكتب تجربتها الشخصية وتقول إنه غير عملى، ويدفع للانغلاق.

ما كان أغنانا عن هذا كله لو أصغينا للغزالى حين قال إن الأوروبيين يعرفون ملابس الفضيلة فى أزياء الراهبات القريبة إلى الحجاب الشرعى، أما إخفاء الأيدى فى القفازات والوجه وراء النقب وجعل المرأة شبحا معزولا عن الدنيا فذلك ما لم يأمر به الدين. والنقاب فى نهاية الأمر رأى لم تجنح إليه كثرة الفقهاء والمفسرين والمحدثين.

حينما ثار رجل فى وجهه معتبرا رأيه خطأ قال الغزالى بهدوء: «لست وحدى الملوم، فإن كبار المفسرين سبقونى إلى هذا الخطأ‏،‏ كما سبقنى إليه رواة عشرة من الأحاديث الصحاح‏،‏ وشاركنى فى خطئى أيضا أئمة المذاهب الأربعة‏. قال الرجل فى دهشة‏:‏ ماذا تقول‏؟ أهؤلاء جميعا يفتون بأن وجه المرأة وصوتها ليسا بعورة؟ قلت‏:‏ نعم‏!‏ ولكنكم تؤثرون التقاليد السائدة وتتشبثون بآراء غير ثابتة‏»

مكتوب على الحقيقة أن تقع بين النقيضين: الإفراط والتفريط، ومكتوب على حراس الحقيقة أن يخوضوا المعركتين: معركة مع المتنصلين من الدين تحت دعوى التمدين، ومعركة أشد مع مروجى الفهم الضيق للدين تحت دعوى المحافظة.

وكان الغزالى فارس المعركتين.


المصري اليوم
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/43147

a7med_Raslan
24-05-2010, 05:22 PM
كانت تقود سيارتها وهى تبكى...

لطالما اعتادت القيادة بسرعات عالية كلما تأزمت الأمور. تحاول أن تفرغ شحنة الغضب والحزن والقهر. الشوارع مظلمة والمطر ينهمر فى جنون على زجاج السيارة وينهمر من عينيها كذلك.

تسير وكأنها تطير، المهم أن تبتعد عن البيت وعن «ممدوح» وعن الدنيا كلها، وتبتعد عن النقود كذلك.

لماذا يهتمون بالنقود بهذه الصورة المروعة؟ تحاول أن تفهم وتفشل دائما فى الفهم. هل تستطيع النقود أن تمنحها وجهاً جميلاً؟ أو نوماً هادئاً؟ أو صباحاً ملؤه الرضا؟ أو اهتماما تستحقه لذاتها دون التركة اللعينة التى آلت إليها؟ أو طفولة سعيدة خالية من العُقَد؟ أو بيتا يملؤه الحب بدلاً من الفيلا العتيقة المقبضة التى عاشت فيها سنى طفولتها مع أب غريب الأطوار وأم خائفة؟

نقود! لماذا يهتمون بالنقود؟

لم تحاول أن تحصى أملاكها، أو تعرف مقدار التركة التى آلت إليها بعد وفاة والديها. كانت تعرف أنه مبلغ جسيم ولكنها لم تشعر بالفرح أو بأى تغيير جذرى فى حياتها، هى تقريباً لا تأكل، ولا تشعر بشهية للطعام. يشهد على ذلك قوامها النحيل الخالى من الاستدارة ومفاتن الأنوثة، ولا تهتم بالحلى والثياب الجديدة. غير معقول أن تتنزه وحدها!

نقود! لماذا يهتمون بالنقود؟

حينما ظهر ممدوح فى حياتها أربكها وغيّر خططها، كانت قد وطنت نفسها على البقاء بلا زواج. فكرة أن يتزوجها رجل لأجل مالها كانت تقتلها. وكان طمعهم يفضحهم، عاجزين عن الصبر والحذر. ممدوح لم يبد أى اهتمام بثرائها. حاولت أن تهرب منه ولكنه أصر، فاستسلمت له وهى تتمنى أن تخيب هواجسها.

وجهه الحقيقى ظهر بعد الزواج بشهور. حدسها الداخلى كان يخبرها بأن تعلقه بها مفتعل، وأجمل من أن يكون حقيقيا. تبينت أنه محترف زواج بالنساء الوحيدات الثريات من طرازها. كانت ترتجف من الحزن والمهانة والغضب، وترتجف أيضاً لأنها تحبه وترغب فيه. لم تدر ماذا تصنع بنفسها فغادرت البيت إلى متنفسها الوحيد: القيادة بسرعات عالية.

وفجأة دق الهاتف المحمول وهى على أقصى سرعة، ترددت فى الرد ثم فتحته بأصابع مرتجفة، تسرب صوت ممدوح ضعيفا خافتا حتى أوشكت ألا تسمعه. قال فى صوت متحشرج: «أنا أموت. سامحينى، أنا أحبك» ثم صرخة واهنة وانقطع الخط.

راحت تبكى، تصرخ، ترتجف، تتوسل إليه أن يرد عليها، تخبره بأنها تحبه وغفرت له. ثم أدارت المقود بأقصى سرعة فى الاتجاه العكسى، يجب أن تلحق به لتنقذه.. يجب أن.. ثم صوت اصطدام شنيع وفرامل مفاجئة.

■ ■ ■

وضع ممدوح السماعة وهو يبتسم فى رضا. غالبا ستتسبب مكالمته فى حادثة مع اضطراب أعصابها وقيادتها المسرعة فى ليلة ممطرة. أما إذا عادت سالمة- وهذا ما لا يتوقعه- فما أسهل أن يمثّل دور الزوج المريض الذى عادت إليه الروح حين عادت زوجته!


المصري اليوم
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/43395

a7med_Raslan
24-05-2010, 05:31 PM
عجوز فى الثمانين، نحيلة كغصن يابس، مجعدة كثمرة ذابلة، فى كل تجعيدة حكاية، وفى كل حكاية وجع. عيناها باهتتان تنظران إلى بعيد، إلى عالم أفضل، لا يركلون فيه الفقراء من المهد إلى اللحد.

ثوبها سواد الليل، قلبها أشجار شوك، حزنها قيعان بحر. فى عمرها المديد، وبؤسها الشديد مات ابنها الوحيد الذى كان يقوم برعايتها والإنفاق عليها.. هكذا حكت لى تلك السيدة المحسنة متوسطة العمر التى أحضرتها إلى المستشفى لأقوم بالكشف عليها.

- فقدت ابنها الوحيد؟

أومأت المرأة المحجبة فى صمت. شرعت أتأملها فوجدتها مستورة الحال، بينة الرضا، على أهبة الاستعداد.

- ومن ينفق عليها؟، سألتها فى صوت خافت.

- كلنا، الحمد لله. أهل الحى، الجيران.

وصمتُ فلم يعد شىء يقال. وعدت أنظر للعجوز من جديد، وقد تحرك فى قلبى شىء.

عجوز فى الثمانين، بائسة شديدة البؤس، حملت أحزان البشر منذ عهد نوح إلى اليوم. مات ابنها كما يموت الفقراء. مات فى قهر وصمت، وإهمال ولا مبالاة. مات دون أن يتعاطف معها إلا جيرانها من أهل الوفاء. فما أبعد البون بين أحزان الأغنياء والفقراء!

آه أيها الموت، كم نحن بحاجة إليك! نحتاجك كى نفهم ونعتبر، ونفتح قلوبنا لرسائلك.

تقول رسائلك إن كلنا سواسية، والناس أقرب إلى بعضهم البعض مما يظنون. آه أيها الموت كنا بحاجة إليك كى نفلت من أسر الزينة، وهذيان القوة، وحجاب التلفت. نوقن أنه فوق الكبير كبير، وفوق العظيم عظيم. كنا بحاجة لهزات عنيفة كى نفيق، ورسائل مكتوبة بالخط الكبير.

أذكر حينما مات السادات أننى كنت فى مقتبل العمر. لم أصدق وقتها أن الرئيس يموت.

وأنه لحم ودم، وجسد فانٍ، مآله التحلل. مازلت أذكر حيرتى البلهاء حينما نزلت إلى الشارع فوجدت الناس يمشون وكأنما لم يحدث شىء.

ظلت السحب بيضاء والورود حمراء والسماء زرقاء! لثلاثة أيام امتلأت الصحف بإعلانات العزاء. فى اليوم الرابع بدأت تظهر إعلانات التهانى للرئيس المقبل.

إعلانات بليغة حارقة تُلخّص الحياة: مات الملك يحيا الملك. قبل أن تبرد جثته كانوا يكتبون اللافتات ويدبجون المقالات ويخططون الصفقات.

وحتى سميره المفضل وكاتبه المدلل، كتب قبل مرور أسبوع واحد أنه لم يكن متزنا فى أيامه الأخيرة. فعرفت رغم حداثة سنى أنها دنيا خسيسة ليس لها عهد أمان.

العزاء للأغنياء، ودموع الفقراء لا يراها إلا خالقها. لا أحد يكتب عن عجوز فقدت مورد رزقها حين فقدت ابنها الوحيد، فقط أبناء الرؤساء تدبج من أجلهم المقالات، وتقطع عند وفاتهم الإذاعات.

ويبقى الفقراء الشرفاء، ملح الأرض، أصحاب الحزن الحقيقى، المهمّشون المبعدون، المدعوون ساعة الحزن، المنسيون ساعة الفرح، المنهوبون طيلة الوقت. والمالكون القادمون – إن شاء الله - لمملكة السماء.

المصري اليوم
http://www.almasryalyoum.com/ar/node/43692

قيصر الصقيع
29-05-2010, 12:22 PM
كان دائما ما يقول لنفسه: «أليس مدهشا أننا- بعد كل هذه الرحلة التى قطعناها معا- لم يصارح أحدنا الآخر بكلمة واحدة!». لكنه كان يعلم أنه يدّخرها، لحظة المصارحة التى تتوج الحب، مثلما يدخر الطفل قطعة الحلوى المفضلة لآخر النهار!.
كان كلاهما يستمتع بالوقت، باكتشاف المناطق المجهولة فى ذات الآخر، بالماضى المحجوب قبل أن يلتقيا. كان يعذبه بعض الشيء أنه لم يعرفها فى أيام الصبا. ويخامره– حينما كانت تحكى عن تلك المرحلة- إحساس غامض بأنه قد خدع! فاته الشيء الكثير حين لم يكن معها فى هذا الوقت.
التقيا معا فى قطار الحياة. لقاؤهما الأول كاد يدعوه صدفة، لولا أن الأيام علمته أنه لا وجود للصدفة فى هذه الدنيا. أقدارنا يسيّرها قانون غامض، لا ينقص من إحكامه أننا لا نعرف الكثير عنه.
فى اليوم الأول لم يلاحظها، فى اليوم الثانى عرف بوجودها، فى اليوم الثالث شwعر بالألفة لملامحها وكأنه يعرفها طول العمر. رؤيتها جعلت صباحه عيدا. غامر بالابتسام حين وجدها تنظر إليه نظرة غريبة طويلة غامضة، وكأنها تعرفه طيلة عمرها. فكر أن يسألها إن كانت تعرفه، لكنه استشعر المهابة وخشى مغبة الإحراج. فى الصباح التالى بادرته بالتحية، سألها عن وجهتها بعد أسبوع. تبادلا الهاتف بعد شهر. لم يتعجل أحدهما اللحظة القادمة. سألت الشمس الزهرة: «هل تحبيننى؟»، قالت الزهرة فى حياء: «وجودك ينير حياتى».
كان لها طابعها الجذاب المحير. عيناها اللامعتان اللتان تشع منهما اللهفة، وابتسامتها التى تشرق منها الشمس. أصبح مألوفا أن يقضيا اليوم معا. سألت الشمس الزهرة: «وما علامة حبك؟»، ردت الزهرة: «إننى أدير وجهى حيثما ذهبت!».
حينما شاهد صورتها القديمة ارتسم على وجهه ألم مفاجئ، وكأنه يتحسر على فوات حظه. راح ينقل نظره بين صورتها وبينها محاولا أن يعثر على الخيط الغامض الذى يربط بينهما. لماذا تبدو الصور القديمة كأنها روح اكتسبت وجودا ماديا يمكن أن تحسه وتلمسه!. آه لو كان ممكنا أن يعبر الأزمنة ويعيش معها أيام البراءة الأولى!.
فى كل صباح يطلب صورها القديمة، ويستزيد من ذكرياتها، حتى أصبح فى قلب الصورة، وعرف تقريبا كل شىء عنها. أين كانت تذهب وهى صغيرة، طقوس الصباح عندها، طريقها الذى كانت تسلكه للمدرسة. سألها يوما وهو جاد: ترى لو تقابلنا ونحن صغار هل كنت ستحبيننى؟. ابتسمت ولم ترد. إحساس غامض راوده أنها تخفى عنه سرا. كانا يجلسان فى مقعدين متجاورين ويأمل أن يظلا كذلك فى قطار الحياة، لولا الشعور المحير بسر تحجبه عنه، وتبتسم بغموض كلما سألها عنه.
وفجأة خطر بباله خاطر مذهل: أتراها تعرفه من قبل؟ هل التقيا فى زمان آخر؟ شاهدها وشاهدته! لماذا بدت ملامحها مألوفة منذ اللحظة الأولى؟! ولماذا تقبلت وجوده فى حياتها كقدر، كشيء مفروغ منه؟!
كان القطار يهتز بعنف، وكانت تبتسم ابتسامتها الغامضة، أحس بدوار مفاجئ، وعيه ينسحب تدريجيا، حاول أن يستنجد بها، لكن ملامحها اكتسبت غرابة قبل أن يفقد الوعى.
.............
انتبه فوجد نفسه فى مكان آخر. اختفى القطار كأن لم يكن. قام مشوش العقل لينظر فى المرآة فشاهد وجهه القديم منذ عشرين عاما، حين كان طالبا فى المدرسة الإعدادية.
عاد إلى بيته القديم، زمانه القديم، لا يدرى كيف!. آخر ما كان يذكره أنه كان فى القطار معها، حين اعتراه شعور غامض أنه يعرفها منذ عهد بعيد. أوشك أن يصرخ، أو يضحك، أو يبكى، أو يفعل أى شىء ليكسر حالة الذهول. تسلل من الغرفة فى بطء، وجد أمه فى المطبخ تعد الطعام، مذياع المدرسة مفتوح على الأغنية القديمة «بالسلامة يا حبيبى بالسلامة». مرت به أمه وهى تحمل الطعام وتؤنبه على تأخره على المدرسة. أحس بدوار فاستند إلى الحائط المجاور. وجلس يمضغ الإفطار فى ذهول.
ارتدى ملابسه بسرعة، وجد حقيبته مرتبة ومُعدة سلفاً. خرج إلى الطريق فصافحه نسيم الصباح البارد، وأسراب الظباء فى مدرسة البنات يضممن حقائبهن إلى صدورهن، الوجوه النضرة والعيون اللامعة والقامات الرشيقة، وقلبه يتواثب فى صدره حين يفكر فيها. إنها الآن فى طريقها إلى المدرسة، تمشى مع صديقتها كما أخبرته. وجدها بالضبط كما شاهدها فى الصور القديمة، تعقص شعرها، تحمل حقيبتها التى تحتوى شرائط ملونة وأقراص نعناع. خفق قلبه فى عنف. سيتحدث إليها حالا، ويخبرها أنه فارسها القادم من المستقبل، الرجل الذى ستحبه بعد عشرين عاما.
امتلأ قلبه باللهفة، أحس بلذة المغامرة. شعر بسعادة غامرة، ولكن كيف يقدم لها نفسه وبماذا يخبرها؟، وهى لا تعرف شيئا عن القصة، كزهرة لا تعرف بهجة الضوء قبل شروق الشمس!.
كانت تسير فى طريقها غير ملتفتة إليه. ناداها باسمها فالتفت فى دهشة. ناداها بالاسم الذى تدللها بها جدتها فذهلت، أخبرها عن أقراص النعناع فى حقيبتها فتوقفت، أنشد أشعارها القديمة فارتبكت. راح يلاحقها وهو يتوسل إليها أن تسمعه، فلديه ما يقوله لها.
الشارع كله يتفرج عليهم، صديقتها تكتم ضحكتها دون جدوى، هى تحاول أن تبدى استياءها، وهو يحكى القصة فى يأس، يخبرها أنهما سيلتقيان بعد عشرين سنة. صاحبتها تتلكأ فى فضول وتحاول أن تسمع الحكاية، وهى تشدها مبدية الغضب، ثم انسلت بسرعة من بوابة المدرسة. حزنت الشمس يوما فسألتها الزهرة عما أحزنها؟، سألت الشمس بحرقة: «هل يمكن أن يأتى يوم ولا تعرفيننى؟». قالت فى دهشة: «وهل كفت الزهور يوما عن عشق الشمس!»
المدرسة تغلق أبوابها فى بطء. وقف يائساً وسط الطريق لا يدرى أين يذهب. ارتبك فى زحام الأزمنة، اشتبك ماضيه بالمستقبل وأمسه بالغد. لكنه صمم على المغامرة، تسلق سور المدرسة بسرعة، قطف وردة بيضاء لها عروق صفراء من حديقتها، لونها مثل ابتسامة الشمس، كصفاء آدم قبل الخطيئة الأولى، مثل أسنان طفل أسمر، مثل موج البحر يغمر الرمل.
وفجأة وجدها أمامه ترنو بعينين مأخوذتين. فتش عن صوته فلم يجده، عن قدميه ليقترب منها، تقدمت منه كالمسحورة، أعطاها الوردة، قبل أن يتكلم وجد المكان يدور به، يتصبب عرقاً، يخترق الأزمنة، يغيب عن الوعى.
.......................
حينما استيقظ على اهتزاز القطار وجدها تهمس له: « لماذا تأخرت؟ لقد انتظرتك طويلا»، ثم أخرجت وردته البيضاء القديمة فى صمت وقدمتها إليه، لم يكن ممكنا أن يخطئ فيها، هى هى بابتسامة الشمس، تحسسها فوجدها محتفظة بنضارتها الأولى رغم مرور السنين.
سألت الزهرة الشمس: «كم مرّ علينا من العمر؟». قالت الشمس فى ثقة: «عمرنا يوم واحد، عشناه كله للحب».


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=256721&IssueID=1784)

الأمل في الغد
30-05-2010, 10:56 AM
جالسا فى الحديقة، مستمتعا بهدنة مؤقتة من متاعب الحياة. الغصون تهتز فى رقة، والفراشات تحلق بمغناطيس خفى فوق الزهور، والعصارة الخضراء تصعد فى لحاء الشجر عكس قانون الجاذبية. والعشب يمتص قبلات الشمس فى شراهة، والعصافير منهمكة فى الطيران. لذلك استغربت حينما وجدت من ينادينى باسمى: «بس، أيمن».
تلفت حولى فلم أجد إلا قطة، وفراشات تحاول إقناع الزهور بشىء، ونحلة تطن على وشك الانقضاض، فقلت لنفسى إننى أتوهم.
وفجأة عاد الصوت ينادينى ولكن بنفاد صبر: «يا أيمن». نظرت حولى فلم أجد إلا القطة ترفع ذيلها وتنظر نحوى فى غضب، فقلت لنفسى ضاحكا: « يا إما اتجننت.. يا القطة بتكلمنى». وجدتها تقول فى ضيق: «أيوه باكلمك، ما أنفعش!»، قلت مداهنا ومحاولا أن أمتص غضبها «إزاى؟ ده إنت ست الكل، هو إحنا لنا بركة غيرك»، هزت جسدها فى دلال مضحك وقالت «آه، باحسب!».
قلت فى فضول: «بس شكلك متضايقة أوى يا قطة ومش طايقه نفسك»، قالت وهى تموء فى احتجاج: «زعلانة من البرادعى»، قلت فى ذهول: «يا خبر! إنت كمان تعرفى البرادعى!».
(قالت القطة فى بساطة) طبعا. مش أنا عايشة فى البلد دى، وأحوالها تهمنى زيكم بالضبط!. كل المخلوقات- بما فيها القطط- بتتأثر سلبا أو إيجابا بحال البلد اللى عايشه فيه، هل حياة القطة الفرنسية زى حياة القطة المصرية؟- (قلت متحيرا) يا ترى إيه الفرق؟- (قالت فى غيظ) فرق السما والأرض.
فى الوقت اللى فيه القطط الفرنسية بتاكل سمك وتشرب لبن وتتفسح بين الجناين، القطط المصرية عايشه فى الزبالة مش لاقيه أكل. إذا كنتم نسيتم شكل السمك يبقى إحنا حنعرفه!،
والحليب طبعا أنساه. أنا أصلا باسمع عنه وعمرى ما شفته، حتى رجلين الفراخ بتشتروها بالكيلو، طب نعمل إيه؟ ناكل بعض!– (قلت وقد هزتنى المأساة) لا حول ولا قوة إلا بالله.
الله يكون فى عونكم- (قالت القطة وهى تكاد تبكى) وعيالكم بيضربونا بالطوب وساعات يخلعوا عيننا. يا ظلمة ده نص قطط مصر ماشيين بعاهات. حظنا الأغبر خلانا نتولد فى مصر، وعشان كده تنفسنا الصعداء لما جه البرادعى وطالب بالتغيير.
قلنا لما حال الناس يتحسن أحوالنا حتتحسن، لكن الموضوع نام والناس نسيته واللى بينادوا بالتغيير اتخانقوا مع بعض؟ بالذمة ده كلام!- (قلت وأنا فى نص هدومى) والله حاجة تكسف.
(قالت القطة فى وضوح) قول للبرادعى، الشعب مش سلبى ولا جبان. كل الحكاية إنه عاوز دليل مادى إنك بتحبه ومستعد تتحمل الأذى عشانه، ومش حتتركه فى منتصف الطريق.
ندوات النخب ماتنفعش، شغل البهوات راح وقته. عاوز تبقى سعد زغلول إعمل زى سعد زغلول والتحم بالشعب، وقتها الشعب حيفتديك بروحه، والقطط كمان.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=256975&IssueID=1786

الأمل في الغد
31-05-2010, 11:40 PM
شىء فوق العقل والخيال، ويستفز الأغنياء قبل الفقراء. سوف يتوقف التاريخ طويلا عند هذا الخبر الذى يصلح عنوانا لعصر، يبرزه ويلخصه ويظهر أبلغ ما فيه.
فى الوقت الذى تمتلئ فيه الشوارع بالمجارى، ويقضى ملايين البشر رحلة حياتهم دون أن يعرفوا طعم اللحم إلا فى الأعياد، متكدسين فى عشوائيات بدور مياه مشتركة، يعانون البطالة وأمراض سوء التغذية، دون تعليم حقيقى أو رعاية صحية أو أبسط حق من حقوق البشر،
فى الوقت الذى تُفرق فيه الشرطة بالقوة الجبرية المعتصمين من أجل عشرة جنيهات إضافية، فى الوقت الذى شحت فيه الرحمة وانعدم الضمير وجُرفت ثروات الشعب بالمليارات، ورخصت قيمة الإنسان حتى أصبح معظم الشعب يعيش تحت خط الفقر.
ويُباع البلد هكذا عينى عينك، أراضى، مصانع، احتكارات. فى الوقت الذى يحدث فيه هذا كله يدفع رجل واحد من أجل امرأة واحدة سبعمائة وخمسين مليون دولار. فيا رب ارحمنا برحمتك حين تتساءل - دون أن يُجيبنا أحد - عن السياسة الضريبية التى سمحت بتراكم كل هذه الأموال، أم أن العدالة الاجتماعية كائن خرافى كالعنقاء والخل الوفى، أم أنه لا يحق لنا - باعتبارنا عبيدا - أن نسأل هذا السؤال؟!
.....................
بمحض المصادفة، كنت أقرأ كتاب «مارى أنطوانيت» لكاتبى النمسوى المفضل «استيفان زوفايج». والكتابة عن مارى أنطوانيت تعنى تحليل أسباب الثورة الفرنسية التى أشعلتها ثورة الفقراء. فهل نحن بعيدون حقا عن ثورة الفقراء؟! هم صابرون الآن، ولكن إلى متى يدوم الصبر والامتثال؟!
ثورة الفقراء حينما تحدث تكون مرعبة، ويدفع ثمنها الأبرياء. المؤسف أنها لا تطال – غالبا - من تسبب فى حرمانهم من الحياة الكريمة. الثورة الفرنسية – كمثال - كانت وبالا على الأبرياء. ورغم شعاراتها الجميلة المبهرة، فقد أقام الدهماء من أنفسهم قضاةً على أبرياء أُخذوا بمجرد الظن أو المزاج العام. وإذا حدث أى اضطرار يُعد دليلاً للإدانة فيحكم عليه بالإعدام! كم من برىء تم إعدامه طعنًا بالخناجر والسيوف ثم تنزع ملابسه وتلقى جثته فوق أكوام الأجساد!
.....................
نعم، للأسف ثورة الجياع حينما تحدث لن تطال المتسببين فيها، المعزولين عن الفقراء طيلة الوقت، لا يرونهم ولا يشعرون بهم، وفى زمن الاضطرابات سيكونون فى مأمن بفضل إجراءات أمن صارمة، حتى تحملهم طائراتهم إلى الشاطئ الآخر من البحر، ولكن سيكون ضحاياها- للأسف - أنا وأنت، الإنسان المسالم الذى لا علاقة له بالمأساة.
كان بوّدى أن أناشدهم أن يتعقلوا ويكفوا عن استفزازنا بعطاياهم الأسطورية، كان بوّدى أن أقول لهم: حرام، أو أُحفزهم على البحث عن عدالة ضائعة، كان بوّدى أن أذكرهم بيوم آتٍ لا ريب فيه للحساب. لكنى سأكون ساذجا لو فعلت هذا، لا فائدة من مخاطبة ضمائر ميتة أو البحث- فى زمن الجنون- عن عقلاء.
فليرحمنا الله برحمته حين يثور الفقراء.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=257138&IssueID=1787

الأمل في الغد
03-06-2010, 12:00 PM
لماذا يا دنيا تبدئين بالأمل، وتنتهين بالألم؟ تمنحيننا وجوها غضة، وقلوبا نضرة، وآمالا لا نهاية لها، حتى إذا ملأنا أيدينا بالنجوم لم نجد إلا قبض الهواء، ووجوها مغضنة، وقلوبا مثخنة، وخيبة أمل لا حدود لها.
أحمد أمين: مؤرخ الحياة العقلية الإسلامية، صاحب الموسوعة الخالدة (فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام)، الرجل الحازم الذى أخذ الحياة مأخذ الجد، ولم يجد متعة حقيقية إلا فى القراءة والكتابة، صاحب الحس الأخلاقى القوى، الذى يزن الحياة بميزان الضمير: يرفض منصبًا خطيرًا إذا اعتقد أنه ليس أهلا له، ويستقيل من وظيفة رفيعة لدى أى اعتداء طفيف على كرامته، ولا يرقّى موظفًا إلا إذا كان جديرا بالترقية.
هذا الرجل دائم التساؤل عن الموقف الأخلاقى الصحيح، كما وصفه جلال أمين فى سيرته الذاتية «ماذا علمتنى الحياة»: قليل الاحتفال بالمال، لا يهتم بالمظاهر الفارغة، منشغل بما هو أهم، استقر فى ذهنه أن يُكرّس حياته لعمل عظيم فى نزعة متأصلة نحو الإصلاح.
رجل هكذا، تصدى وحده لعمل يحتاج جامعة كاملة: تأريخ جوانب الحياة العقلية والفكرية والاجتماعية للحضارة الإسلامية منذ ظهور الإسلام حتى القرن الرابع الهجرى.
كان ملء السمع والبصر، الهاتف لا ينقطع عن الرنين، والصحف لا تكف عن نشر مقالاته، والأدباء يشيدون بتفرده، وفجأة تغير الزمان، استغرق فى التأليف والترجمة ونسى أن يتطلع إلى المرآة.
لم يشهد الشعر الأبيض وهو يغزو هامته، ولا نضارة وجهه وهى تنسحب، ولا التجاعيد تُعلن شيخوخته. فجأة انحنى الظهر، وكَلَّ البصر، وكفّ الهاتف عن الرنين، وامتلأت رفوف مكتبته بأصناف أدوية لم يعد قادرًا على تمييز أسمائها.
دار الكوكب الأرضى عدة مرات، أصدقاء الأمس أصبحوا فى ذمة الله، خيّم الحزن وفترت الحماسة وهيمن الاكتئاب، ولم يعد هناك شىء قادر على إبهاجه، لا الثناء يسعده ولا الجوائز تبهجه ولا التكريم يعنيه، ما أبعد البون بين البدايات والنهايات!
يعترف جلال أمين فى نهاية كتاب «ماذا علمتنى الحياة» بهذه الصورة المؤلمة التى تثقل ضميره ولم يتمكن من نسيانها: والده العجوز يجلس فى الصالة المعتمة، وحده تماما، دون أن يكون مشغولاً بشىء، لا قراءة ولا كتابة ولا استماع لراديو، وقد رجع هو (أى جلال أمين) من مشاهدة فيلم سينمائى مع بعض أصدقائه، فيلقى على أبيه التحية بسرعة وهو متجه إلى غرفته، فيما يحاول أبوه استبقاءه، هربا من وحشته، وشوقا إلى الحديث فى أى موضوع، يسأله عن اسم الفيلم فيجيب فى اختصار، وأبوه يأمل فى العكس. ثم يذهب بسرعة إلى غرفته، غافلا عن حزنه الكبير، وقلبه الكسير ووحدته الموحشة.
دين سيسدده الأبناء فيما بعد، حينما تنعكس الآية، ويصبح صغار اليوم كبار الغد، وتدير له الدنيا وجها منحته فى البدايات، وصرفته فى النهايات.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=257200&IssueID=1788

الأمل في الغد
05-06-2010, 01:20 PM
حينما سمعت الخبر شعرت بما شعرتم به كلكم من الحزن والغضب وقلة الحيلة والإحساس بالهوان.. لكن فى وسط الظلام السائد كانت هناك نقطة نور تُعلن عن نفسها، بقية شمعة تقاوم الرياح الهوجاء، نقطة عطر يفوح أريجها، شعاع أمل ينير الدنيا بأسرها، يقول إن إسرائيل لم تقصف فى الحقيقة إلا نفسها،
حينما دوّى أزيز الرصاص كان إعلاناً فى نفس الوقت أنها لا تملك إلا القوة، والقوة بغير غطاء أخلاقى محكوم عليها بالفشل، لأن الله خلقنا بشراً لا وحوشاً، والإنسان ينزع بفطرته إلى الخير والحق والجمال، وإلا فلماذا يتعاطف آلاف الشرفاء من جميع أنحاء العالم مع حصار غزة، ويُقتل فى سبيلها شهداء من كل جنس ودين؟.
القوة وحدها بلطجة، وحتى بلطجى الحارة يتمتع بمهابة مؤقتة، ثم تزول قوته مع توالى الأيام.. لماذا ذاب التتار - رغم انتصارهم العسكرى- فى حضارة المسلمين؟.. لأنهم كانوا القوة المجردة دون بُعد أخلاقى. هزمتهم الحضارة الإسلامية، هزمهم الشعر والحب والفنون، هزمهم الشعراء والفقهاء والعشاق، وهذا ليس كلاماً إنشائياً يستهدف هدهدة القلوب المتعبة، بل كلمة التاريخ يعلنها فى كل مناسبة.
يقول التاريخ إن إسرائيل إلى زوال، مثلما ذهب الحكم العنصرى فى جنوب أفريقيا، ومثلما زالت الممالك الصليبية فى فلسطين. فى البدء كان الطمع فى كنوز الشرق تحت ستار الدين، بعدها بدأت جحافل الأوربيين تتوالى على شواطئ الزيتون، وبعد الكثير من المحاولات الفاشلة وخيانات الولاة بدأت الملاحم الكبرى لتحرير الأراضى المقدسة من دنس الغزاة، دام هذا الوضع قرنين كاملين، أجيال عديدة تعاقبت وهم لا يعرفون إلا العيش فى ظل الاحتلال، أحفاد فى إثر أجداد تصوروا أن يدوم الحال إلى الأبد، ثم زالت الممالك الصليبية، وعادت فلسطين للحب والزيتون والسلام.
إسرائيل ستذهب حين تذهب مصالح من أوجدها، وهذا سيحدث خلال عقود إن شاء الله.. هذه ليست دعوى للتخاذل، وإنما دعوة للصبر والاستبشار، وإذا كنا الآن نتمرغ فى وحل الهزيمة، فتاريخ الأمم لا يقاس بالسنين، والأرض تقاتل مع أصحابها، تتكلم بلغتهم، وتحتضن رفات أجدادهم، ونحن المنتصرون ولو بعد حين.
فلا تجلدوا أنفسكم بإحساسكم بالذنب، فالله يعلم ما فى قلوبكم، ولو فتح الحكام باب الجهاد للبى على الفور عشرات الملايين، فالعار على الحكّام الذين تواطأوا على الحصار، ولو كان المعبر مفتوحا لما كانت هناك حاجة لتلك السفن، وبالتالى ما أُريقت هذه الدماء، فهم مشاركون فى الغرم، وسيقفون أمام الله عاجلا ليقدموا كشف الحساب.
أما الذين استشهدوا فى عرض البحر، فقد نالوا أفضل نهاية ممكنة، عاشوا أحرارا وماتوا أبراراً، ولو عاشوا بضع سنين أخرى، فأين المفر من الموت المقدور على جميع الكائنات؟
إسرائيل فى الحقيقة لم تقتلهم، وإنما كتبت لهم شهادة بديمومة بالحياة.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=257771&IssueID=1792

الأمل في الغد
08-06-2010, 11:14 AM
(قالت القطة فى قلق): وبعدين؟ الوقت أَزَف، ومش باين أى إمكانية تغيير. (قلت فى انبساط وراحة بال) يا قطة إنت مستعجلة على أيه! اللى ما يحصلش النهاردة يحصل بكره، ورانا إيه؟- (قالت فى حقد عميق) هى دى مشكلة مصر!
كل واحد بيدور على نفسه. لو كنت عايش فى العشوائيات زى الناس الغلابة، أو فى الزبالة زى القطط كانت الساعة مرت عليك بسنين- (قلت فى دهشة) يا قطة خليكى معقولة. إنت عاوزه تحمّلى النظام الحالى مسؤولية القطط كمان؟- (قالت فى ذكاء) وليه لأ؟ مش سيدنا عمر بن الخطاب قال لو عثرت دابة بالعراق لخشيت أن يُسأل عنها عمر- (قلت فى خشوع) رضى الله عنه. كان مثال الحاكم العادل الذى يُضرب بعدله الأمثال، وده يُؤكّد نظريتى إن العدل فى الدنيا قليل.
(قالت القطة فى تصميم) الكلام معاك مضيعة للوقت، قوم بينا على البرادعى أنا حاكلمه بنفسى- (قلت مذهولا وأنا أتبعها) يا قطة بطلى تهور، حنقابل البرادعى مرة واحدة! البرادعى زعيم كبير ووقته مشغول- (قالت القطة دون أن تلتفت نحوي) البرادعى مخلوق من لحم ودم مصيره الموت والتحلل. إنتم اللى بتصنعوا الطغاة بتقديسكم للبشر، أنا خايفة لو مسك الحكم تفسدوه- ( قلت ضاحكا) إنت بتقولى فيها!، أراهنك إنهم حيعملوله أغنية بتقول: «يا برادعى يا حبيبنا، جايزة نوبل بقت فى جيبنا»- ( طوحت القطة ذيلها فى وجهى وقالت فى ازدراء) منافقين!
(بمجرد أن قابلت القطة البرادعى حتى قالت له مؤنبة) ممكن أعرف إنت فين؟- (قال البرادعى فى ضيق) بيضيقوا عليا، حتى الفضائيات بتتجاهلنى- (قالت القطة فى فخر) ولا يهمك، حاطلعك فى الفضائية بتاعتنا: صوت القطط الحر، (ثم فى لهجة غاضبة) وبتسافر كتير ليه؟- (قال البرادعى وقد فوجئ بالهجوم المباغت) ارتباطات دولية سابقة- (قالت القطة فى غضب) ما ينفعش، لازم تتواصل مع الناس ليل نهار، تُشعرهم أنك واحد منهم، عايش مشاكلهم لحظة بلحظة- (قلت مقاطعا) يا قطة لازم تكون خطواتنا محسوبة وبالعقل- (قالت القطة فى غضب) اسكت خالص.
التردد بتسموه عقل، والجبن حذر، وقبول الأمر الواقع حكمة. أنا عاوزاك تقرا سيرة سعد زغلول كويس، لأن ده الزعيم الوحيد اللى التف الشعب حوله بكل فئاته، مسلمين ومسيحيين، تجّار وموظفين، لو تردد سعد زغلول أو خاف من قوة الاحتلال ماكنش بقى زعيم. الزعامة ما بتحصلش بالعقل والخطوات المحسوبة، الزعامة ثقة بالنفس وثقة بالشعب وعدالة القضية مع جزء تهور ومجازفة واقتحام للأخطار.
اسمع يا برادعى كلام القطط تكسب، لو انصلح حال البلد على أيديك حيُكتب لك أجر فى كل نَسَمة عايشة، مش بس البشر، القطط والحيوانات.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=258088&IssueID=1795

الأمل في الغد
09-06-2010, 10:52 AM
معظم الناس - مسلمين ومسيحيين - متعاطفون مع المنطق التالى: الزواج والطلاق من شؤون الكنيسة، حدده الكتاب المقدس فلماذا يتدخل القضاء فى العقائد الدينية؟ هل يقبل المسلمون أن يحكم القضاء بما يتعارض مع شريعتهم، خصوصا فى المسائل الحساسة التى تتعلق بالنسب والأعراض؟ هل تقبل- أيها المسلم- أن يسمح القضاء بزواج المسلمة فى فترة العدة؟! إذا كانت ثمة مشكلة فقد صنعها القضاء بتدخله فيما لا يعنيه، وشريعة الله أولى بالاتباع من شريعة البشر، وطاعة الله مقدمة على طاعة القضاء.
وجهة النظر الأخرى تؤكد أن المحكمة لم تتدخل فى الشرائع المسيحية، ولا تطوعت بدس أنفها فيما يخص الكنيسة، بل كانت مجبرة على نظر الدعوى التى رفعها مسيحى مُتضرر مما يراه إجحاف الكنيسة به. والكنيسة - مع وافر الاحترام لها - ليست فوق القانون، لأنها - ببساطة - يديرها بشر غير معصومين.
وما تمارسه الكنيسة من سلطات إنما خولها لها القانون لتسيير الأمور ورعاية أحوال المسيحيين، والقضاء من واجبه أن يراقب المسؤول الدينى - فى حالة الشكوى- ليتأكد من عدم تجاوزه صلاحياته، ذلك أننا نعيش فى دولة واحدة يحكمها قانون، وهذا ليس تدخلا فى العقيدة المسيحية ولكن إعلاء لقيمها العظيمة.
المحكمة لم تصدر هذا الحكم لأنها مسلمة، أو غير مقتنعة بعدالة الشريعة المسيحية أو ترغب فى تحديها، فالقاضى أصلا ليس سلطة تشريعية، بل ينفذ القانون الموجود مسبقا، الذى هو فى هذه الحالة لائحة الأحوال الشخصية للأقباط التى أجازت مادتها ٦٩ زواج المطلقين.
وقد رأى القاضى - من الأوراق المعروضة أمامه- أن الكنيسة تعاملت بشكل مختلف مع طرفين لهما نفس المركز القانونى حين منحت المطلقة- ولم تمنح المطلق- تصريح الزواج. القاضى اقتنع بأن هناك ظلما حاق بالطرف المتضرر، والزواج وتكوين الأسرة حق دستورى يعلو فوق كل الحقوق، إذا تم حجبه فقد يدفعه للرذيلة ويعود بالضرر على المجتمع.
وقد أوضح نيافة البابا فى حديثه المنشور بالأهرام أن لائحة الأحوال الشخصية هى أصل المشكلة حيث وضعها علمانيون مسيحيون على غير رضا من رجال الدين. هذا معناه أن القاضى لم يكن أمامه أى خيار غير تنفيذ القانون، ولو أصدر أى حكم آخر لكان معناه أنه - كنوع من المجاملة للكنيسة- يخالف القانون.
...........
والسبب الذى دفعنى للكتابة فى هذا الموضوع الشائك أننى لا أستطيع أن أنتقد التشدد الإسلامى ثم أغمض عينى عن التشدد المسيحى. لكى يحترم الكاتب قراءه- ويحترم نفسه قبل أى شىء آخر- فإنه يجب أن يحكمه منطق واحد مؤمنا أنه لا أحد يعلو فوق سلطة القانون.
إنه ليعز علينا هذا الصدام المؤسف بين المؤسستين العظيمتين، ولكن إذا تجاهلت الكنيسة الموقرة الأحكام القضائية، فلن يستطيع أحد أن يمس مقام البابا المصون بسوء، ولكن لن يكون لكلامنا مصداقية إذا انتقدنا التشدد الإسلامى بعدها أو طالبنا بالدولة المدنية.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=257869&IssueID=1793

الأمل في الغد
09-06-2010, 11:04 AM
«وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» (١٧٢ الأعراف).
...............
أيام البراءة الأولى فى الجنة، أزمنة السلام والصفاء. أحيانا أتذكر هذه الأيام بوضوح عجيب، وكأنى أعيشها الآن، وأحيانا يكتنفها الضباب.
الذى أذكره أننى كنت ذرة فى صلب أبى آدم، عليه السلام. لم تكن عندى حواس كالتى امتلكتها على الأرض، ولكنى كنت أنغمر فى إحساس أبى آدم بالحب، ثمة موسيقى داخلية لا يمكن وصفها، أو كتابتها فى أى نوتة موسيقية، خليط من تسبيح الملائكة وغناء الطيور وانسكاب الجداول واهتزاز الأوراق الخضراء. كنت أشعر بما يعترى أبى من دهشة، وابتسامات متبادلة مع الملائكة، واكتشاف آفاق جديدة فى حب الله.
الهواء اللطيف المعبأ بالروائح الذكية، والشمس الرقيقة ترسل قبلاتها كل صباح، وكل مساء يأتى بنصيبه من السمر واللطف والمؤانسة. لم أشعر بالوحشة قط، كنت مغمورا فى الرضا، ومن حولى - فى صلب آدم- البشرية كلها، ذرات لا يمكن إحصاؤها هى كل البشر، أزيز كأزيز النحل شجى مُستعذب، وقصص حب خالية من أكدار الأرض، وصداقات لا تشوبها المصلحة، تعارفنا فى عالم الذر، وتبادلنا العهود ألا يخون أحدنا الآخر حينما نلبس ثوبنا البشرى وننبثق فى لحم ودم.
وفجأة جاءنا الأمر الجليل بالصمت، عرفنا أن الله الجليل سيتجلى علينا ليأخذ منا العهد!.
.................
الصمت ران لأزمنة، ونسينا كل شىء. كنا نحاول أن نستوعب الحقيقة المذهلة: الله الجليل العظيم سيتجلى علينا، وكل واحد فينا ينظم كلمات حب وقصائد عشق ودعاء خشوع ينوى أن يرفعه إلى الحضرة الإلهية وهو ساجد.
وصدر الأمر بالخروج من صلب آدم، ملايين ملايين البشر من كل لون وجنس، خرجت يتملكها الخشوع والصمت.
لم تُخلق الكلمات أصلا للتعبير عما شعرنا به. حتى البكاء لم أبك، كل ما أذكره أننى سجدت، ثم فى السجود سجدت، وفى سجود السجود سجدت، ذبت، تبخرت.
جاءنى الأمر أن أرفع رأسى ليأخذ الله منى العهد، سألنى ربى: «ألست بربكم؟»، أدهشنى السؤال جدا، وهممت أن أقول: «وهل يوجد غيرك يا رب العالمين؟!»، لكنى تذرعت بالأدب وقلت: «بلى شهدنا» ثم سكت.
وفجأة سمعت التفسير الإلهى لسؤال اعتبرت إجابته بديهية «أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين».
وقتها ارتجفت، أصابنى الذعر، أمعقول أن يحدث هذا؟ حينما أهبطُ إلى الأرض، وأكتسى باللحم والدم، وتحجبنى الأهواء الغليظة سأحب كل شىء إلا الله، وأفكر فى كل شىء إلا الله، وأطلب من كل أحد إلا الله، وأخاف من الجميع إلا الله!.
....................
«إلهى، أنا الفقير فى غناى، فكيف لا أكون فقيرا فى فقرى!؟. إلهى، منى ما يليق بلؤمى ومنك ما
يليق بكرمك».

http://www.almasry-alyoum.com/nsection.aspx?SectionID=363&IssueID=1796

a7med_Raslan
11-06-2010, 01:06 AM
كانت فيروز تغنى: «بيقولوا الحب يقتل الوقت، ويقولوا الوقت يقتل الحب»، وكان يستمع إليها دون أن يعرف أنه على بعد خطوات من نفس السؤال!
..........
زمان، فى تلك الأيام القلقة التى تلى مرحلة المراهقة، لم يعد يدرى ما عراه! أهو تدفق الهرمونات يلهب روحه؟، أم كان قلما ليد جبارة تكتب به أشعارها الغامضة؟
كل شىء تغير. فجأة تملكته مشاعر غامضة تلهمه بالحنين إلى شىء لا يعرفه. يتألم ولا يعرف لماذا يتألم، ويحب ولا يدرى من يحب! ويشعر برغبة حارقة فى البكاء.
أقل نسمة هواء تؤذيه، وأشياء غامضة تحيره: لماذا صار يستنشق رائحة الليل فى وضح النهار! ويخالط نسيم الفجر الدخان وكأن قلبه يحترق! ولماذا يتعثر فى غموض الأنوثة بعد أن كانت الفتيات مادة صالحة للضرب!
ما الذى جعله يعزف عن لعب الكرة، وقراءة القصص المصورة، ويُغيّر أفكاره فى اليوم والليلة عشرات المرات؟! بالأمس كان بحارا يكتشف جزر السندباد. أمس الأول كان مخترعا يحصل على جائزة نوبل. غدا سيكون شاعرا، يرسم للحب خرائط جديدة يهتدى من بعده العاشقون.
ومن أين له أن يعلم أنه على بعد خطوات من هذا الشىء السحرى الذى يسمونه الحب الأول، يعرفه مع جارته فى المصيف.
..........
الإسكندرية، شاطئ الحب والهوى، وهواء البحر يُطيّر قلبه وينفخ ملابسه، والسحب البيضاء تنقش رموزا فى قلب الليل تُومئ إلى قصته القادمة.
نحيلة، رقيقة، ساحرة. بالنسبة له لم تكن مجرد فتاة، بل مظهر للكون الغامض، المُمعن فى غموضه، يحاول من خلالها أن يعثر على إجابات لأسئلة تحيره عن الحب والزمن!،
إذا كنا نحب فلماذا نكبر؟ وإذا كنا نكبر فلماذا نحب؟. وإذا كان الحب يقتل الوقت فلماذا لا نستميت فى التمسك به؟ وإذا كان الوقت يقتل الحب فلماذا أيضا لا نستميت؟ وكيف يصمد الحب أمام جبروت الزمان؟
فى اللقاء الأول، أقبلت تحيى شقيقته بعد غياب صيف كامل، قطتان صغيرتان على مقاعد الحديقة الخوص الملونة، جلست على مقربة منه ولم يشعر بشىء سوى توق إلى الإصغاء!
فى اللقاء الثانى جلست على المقعد المجاور، وحيّته بألفة صديق قديم. لم تكتب السحب القصيدة بوضوح، لكن نُذر الحب كانت واضحة.

فى اللقاء الثالث، قرأ قصيدة السحاب. كانت السحب تكتب اسمها بوضوح كامل. كان على مقربة منها، ومن السر فى آن واحد. أوغل الليل وشَعر بنفسه تشف، وقلبه يفرغ ويمتلئ. وكلما رفع يده امتلأ كمه بالكواكب!
كان يذوب فى أثير الليل الغامض، والنجوم تنحدر فى قلبه كاللآلئ. وكلما أمعن فى الصمت امتلأت روحه بالمعانى.
ثم ذهبت، ولم تبق منها إلا ذكرى تتحدى الموت والسنين، وظلت فيروز تغنى للحب والوقت، وظل السؤال الحائر بلا إجابة مقنعة: «كيف يصمد الحب أمام جبروت الزمان؟».


http://www.almasryalyoum.com/ar/node/47948

الأمل في الغد
12-06-2010, 06:11 PM
فى الأزمنة السحيقة قبل أن يبدأ عدّ السنين وقبل أن يوجد البشر أنفسهم على سطح الأرض، كانت ثمة فراشة رقيقة تحلق فوق الغابة الخضراء، وحينما حطت على جذع إحدى الأشجار الصنوبرية أحست بمادة لزجة كثيفة تلتصق بها وتغمرها وتشدها بقسوة إلى جذع الشجرة، لم تكن تدرى أنها التصقت بمادة صمغية، راحت تتلوى دون جدوى، وحينما أدركت أنها ستقضى نحبها كانت ثمة نظرة حالمة تتشكل فيها معبأة بالحنين إلى العشب الأخضر والورد الأحمر والسماء الزرقاء وماض حبيب يتلون بأجمل ألوان الطيف.
حينما أبصرها للمرة الأولى وقعت تعويذة السحر: شخصت عيناه وتسمرت قدماه ثم تبعها كالمسحور. لا يدرى لماذا قفزت صورة جده لخاطره منذ أول لحظة؟ تتوسط الجدار وكأنها تتوسل إليه ألا ينساه أبداً. كان مريضاً فى أيامه الأخيرة. شاحب الوجه مرهف الملامح. فى عينيه تعبير حاول - لردح من الزمان - اقتناصه. الأرجح أنه كان يموت ويعلم أنه يموت، وإلا فما سر تلك النظرة العميقة التى تتجاوز الكاميرا بل والعالم أجمع؟
دلفت السيدة إلى أحد محال الملابس النسائية فمضى خلفها متظاهراً بمشاهدة الفاترينة ووجيب قلبه يشتد. ربما لم يرها من قبل، ربما لا يعرف اسمها، ولكنه يعرفها حق المعرفة، معرفة تفوق الرؤية والمشاهدة.. ولكن متى وأين؟
غادرت المحل فتتبعها، راحت تتسكع وتتأمل واجهات المحال التجارية، لم يتصور نفسه يتبع سيدة قط؟ لم يكن سريع التأثر بالنساء ولا عرف ذلك الشىء الذى يسمونه الحب. ربما حذرا من كلمات متناثرة سمعها عن مصير جده الراحل الذى قضى نحبه عشقاً قبل أن يتم الثلاثين.
لم يتحدث أحد صراحةً حرصاً على مشاعر الجدة الموغلة فى الصمت، ولكنها كلمات متناثرة رسخت فى ذاكرته. قِيل إن جده عشق امرأة أخرى. وقِيل إنها كانت ساحرة وإلا فما تفسير هيامه الحزين بامرأة مستحيلة؟ يضيع، يذبل رويداً كشجرة أعلنت رغبتها الصريحة فى الموت، باكياً بين يدى زوجته كلما شاهد انكسارها، ولكن لماذا يتذكره الآن؟
وفكّر كيف يبرر تتبعه إياها لو رآه أحد - وهو الرجل الوقور - فى هذا الموقف المشين؟ سيقول إنه يعرفها منذ عهد بعيد. وجهها منقوش كالوشم على روحه، وشم يستحيل إزالته، لو رأتها الطيور الجارحة لهجرت الصيد ولزمت التغريد، ولو رآها السندباد لأحرق سفنه.
يتذكر - ودقات قلبه تتسارع – صورة وجدها فى كتاب سميك يخص جده، صورة مخبأة بعناية لامرأة لا يعرف اسمها، كانت ترتدى أزياء هذه الأيام ولاريب أنها كانت أنيقة بمقاييس الأربعينيات، تأمل وجهها طويلاً، كانت عيناها متسعتين بشكل مدهش، ورغم سحر النظرة فقد كان هناك ظلٌ من قسوة، ربما نقلت شفتاها المزمومتان إيحاءً بالحزم، مع تلك الخصلة المتهدلة على جبينها فى إهمال متعمد، بشكل غامض أحس بأن هذه المرأة حبيبة جده وقاتلته.
وانتبه من خواطره حينما خرجت تحمل لفافة كبيرة أنيقة فى يديها. وانتابه القلق حين أدرك أنها توشك أن تُفلت منه.. هل يحادثها؟ إنه لم يجسر من قبل على مخاطبة سيدة لا يعرفها، والأهم ماذا يريد منها بالتحديد؟
كانت الشمس تغمر الطرقات، والمارة يتجاوزونه مسرعين إلى غاياتهم المجهولة، هو وحده يستشعر الحيرة الموحشة والقلق القاتل.
لم يحاول أبداً أن يعلن اكتشافه لصورة حبيبة جده. بشكل ما اعتبرها سره الصغير المشترك مع جده الذى لم يره أبداً، وأسعده أن يجمعهما شىء. أحيانا كان يغلبه الحنين فيقوم بإنزال صورة جده الحالمة من قلب الجدار ويضعها بجوار حبيبته القاسية.
مرة تجاسر وأخرجها من إطارها، أمسكها فى عناية بيده اليمنى وباليد الأخرى أمسك صورتها، بحرص وضعهما متقابلتين واحتال لتتلامس الشفتان، كان واثقاً أنه يتوهم، ولكن ملامح جده ازدادت رهافة وبروزا، وعكست عيناه صفاءً مشعاً، وخُيل إليه أنه يتنهد!. تملكه الفضول مدققاً فى صورتها التى لم تتغير سماتها.. النظرة المشوبة بقسوة، الشفتان المزمومتان بحزم، وخصلة الشعر المتهدلة فى إهمال متعمد.
تفتح باب سيارتها، تضع اللفافة على المقعد المجاور، توشك أن تذهب كسحابة عابرة أمطرت ومضت، صبت العشق على الأرض السجينة وتحررت من طاقة مجهولة.
يذكر أنه كان يقود سيارته ذات صباح شتائى ممطر، وبرغم المطر المنهمر لمح - بطرف عينه - شجرة برتقال مثمرة فتوقف، لم يكن قد رأى برتقالاً من قبل إلا لدى الفاكهى، خرج من سيارته وراح يتأمل ثمرات البرتقال البكر مغسولة، براقة، عاشقة. بدا له المشهد غير أرضى ومعجزاً، واستنشق رائحة الخلق الأولى.. ترى لماذا يتذكر هذا المشهد الآن؟
يتذكره لأن ما يفعله معجزة بمقاييس رجل خجول مثله. يقف جوار نافذة السيارة حيث تجلس فى مقعد القيادة. تعبث بحقيبتها الأنيقة. تهم بوضع المفتاح حين تلاحظه، ترفع إليه عينين متسائلتين فتربكه النظرة، يبتلع خجله ويتمتم بصوت مرتبك:
- أرجو المعذرة.
- هل تعرفنى؟ قالت فى صوت واثق.
- أعرفك؟ نعم أعرفك. وجهك شاهدته مراراً، قبل أن تولدى يا ليلى (لماذا قال هذا الاسم؟). حينما كنت جنيناً بلا ملامح يتخلق فى رحم أمك كنت أعرفك، شاهدتك على معابد الفراعنة، ورأيتك تبتسمين فى غموض فى لوحة الجيوكندا.
رمقته فى اهتمام حذر وقالت مرة أخرى:
- لم تجاوبنى، هل تعرفنى؟
ليلى (الآن عرفت اسمها). أيتها السحابة العابرة التى لا تعبأ بعشق البرتقال السجين. أعرف العينين القاسيتين، والشفاه المضمومة على حزم، والخصلة المتأرجحة فى إهمال متعمد. وأعرف أيضاً أنك ساحرة وإلا فكيف غادرت صورة قديمة لتتجسدى امرأة من جديد؟ ولماذا يشحب وجهى الآن شحوب جدى فى أيامه الأخيرة؟
تمالك نفسه بصعوبة وابتسم كالمعتذر:
- آسف.. يبدو أننى أخطأت.
رمقته فى ثبات وهو يبتعد، أدارت مقود سيارتها، حررت فرامل اليد، داست برقة على محرك السرعة، انسابت السيارة فى نعومة وهى تنظر إليه نظرة أخيرة، ثم ابتسمت فى غموض.
مضى يتجول فى الطرقات كالمخمور، يخشى أن يصارح نفسه بالحقيقة المذهلة. كانت المرأة التى زلزلت كيانه وتبعها مأخوذاً تشبه حبيبة جده إلى حد مروع، إلى الحد الذى يخشى أن يقول: إنها هى!!.
يعرف الآن نهاية القصة لأنه شاهدها من قبل. لقد أورثه جده ذلك الحنين الفائق لها وأورثه أيضاً حظه العاثر.
كانت الشمس توشك على الغروب وفريق العمل يتأهب لمغادرة الموقع حينما هتف عالم الآثار مبهوراً وهو يلوح بقطعة نادرة من الكهرمان اكتشفها لتوه تشتمل على فراشة قديمة موغلة فى القدم تحجرت منذ ملايين السنين، ولكن العهود الغابرة لم تنل من نظرة حنين تتحدى الموت، تتحدى السنين.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=258472&IssueID=1798

الأمل في الغد
12-06-2010, 06:17 PM
هرج ومرج، وحشود أمنية كثيفة تحاول السيطرة على حرائق الغضب المشتعلة فى نفوس المحامين، الصدام المؤسف بين حراس الحقيقة وسدنة العدالة، الذى اُستخدمت فيه الشتائم والصفعات والشلاليت!. مبنى المحكمة يغوص فى التعاسة كشمس تُعلن حزنها النهائى قبل الغروب. وميزان العدالة المحفور على الجدار يجاهد كى يغادر الحائط ويرحل عن مصر كلها ملتحقا بالسماء.
الانفعال مسيطر على الجميع، والغضب حية سامة تُسقم البدن وتُسمم الروح. وأنا أترنح من فرط الحزن فى طريقى إلى قاعة المحكمة كى أدلى بشهادتى. أقف فى منتصف القاعة، أحاول أن أتكلم، لكن الكل يتكلم ولا أحد يسمعنى. أحاول أن أصرخ، لكن الكل يصرخ ولا أحد يسمعنى. أحاول أن أبكى، لكن الكل يبكى ولا أحد يسمعنى.
مصر كلها هنا، فى قاعة المحكمة، تبكى وتصرخ وتتألم، ولا أحد يسمع شكوانا إلا خالقنا. والرحمة جدار أصم عبثا ما نطرقه، غرفة مقفلة لا ينفذ منها ريح ولا ضوء ولا صوت!.
.....................
سيدى القاضى، أنا حاضر اليوم عن العدالة الغائبة فى بلد أهدت العالم يوما معنى «الضمير». المسألة أكبر بكثير من اعتداء محام على قاض، أو إعادة الهيبة إلى رجال القضاء. حينما انهالت اللكمات فى حصن العدالة كان ذلك إيذانا بأن فكرة العدالة فى مصر توشك على الاحتضار. وأننا ندرك فى أعماق (لا وعينا الجمعي) أننا لن نحصل على حقوقنا إلا بأيدينا (لو استطعنا) أو نتظاهر بالامتثال وقلوبنا تضمر الحقد العميق.
أنا لا أدافع عن الخطأ، ولكن العدالة الجزئية قد تصبح أسوأ من الظلم، لأنها ترتدى الأقنعة المزيفة وتتظاهر بأنها الحقيقة، وتمسك بتلابيب الجناة المزيفين تاركة الجانى الحقيقى طليقا خارج سلطة القانون.
المتهم الحقيقى فى قضيتنا هو الغضب الكامن فى الصدور، غضب أشعله غياب العدالة الاجتماعية فى مجتمعنا الكبير. يقولون إن العدالة مفهوم أخلاقى يقوم على الحق والأخلاق والعقل والقانون. أين العقل فيما يحدث فى مصر من تكوين الثروات الخرافية فى بضع سنين؟
وامتلاك البعض مليارات فيما لا يجد معظم الشعب القوت؟ وبيع الغاز والأراضى والقطاع العام لهم بالبخس، وإصدار قوانين تعصف بالفقراء من أجل التنافس بينهم فى ترتيب الأثرياء!، مع أن المسألة لا تعدو شهوة أرقام! إذن ما الذى يشتريه الثلاثون مليارا ويعجز عن شرائه العشرون!؟
يا حضرة القاضى الحرائق لا تشتعل وحدها دون عود ثقاب ومادة قابلة للاشتعال. فلا تحصروا القضية فى نطاقها الضيق، وتلفّوا المشنقة حول عود الثقاب!. المتهم الحقيقى هو من أغرقوا مصر كلها بالمادة القابلة للاشتعال. لا يمكن أن تصل الأمور إلى هذا الحد إلا لو كان وكيل النيابة غاضبا والمحامى غاضبا والقضاة غاضبين وجموع المحامين غاضبين.
مصر كلها غاضبة يا سيدى القاضى، فابحثوا عمن أغضبها وحاسبوه.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=258614&IssueID=1799

الأمل في الغد
13-06-2010, 05:39 PM
حاولت مرارا أن أفسر شعور (الانكسار) المزمن الذى يلازمنى، أو أُغيّر من طباعى، ثم اكتشفت- مع مرور العمر- أنه من العبث أن أحاول أن أكون «أنا» آخر، وأنّ الطبع يغلب التطبع، وأنّ تصرفاتنا الظاهرة فى الحياة تعود لتفاعلات نفسية عميقة سبّبتها خبرات معينة مررنا بها فى مرحلة الطفولة،
بالإضافة لصفات وراثية لم تتقدم أدوات العلم حتى اليوم لتفسيرها، ولتكتشف لماذا - رغم ثبات عامل البيئة - ينشأ هذا الفتى عنيفا متمردا فيما يتصف أخوه بالوداعة! لكن المؤكد أنه لا يوجد شىء - على المستوى الشخصى والإنسانى - يُوصد أبواب قلبى أمام رجل أو امرأة مثل التعالى والاستكبار.
هل تعرف هذا النمط من السيدات المتعاليات، اللاتى يعتبرن «مارينا» (بقت بيئة وبتلم!)، ويأنفن من ملامسة ثيابهن لملابس البسيطات!. هل تعرف هذا النوع من الرجال أصحاب الملامح المتعالية المستغرقة فى العزلة، والنظرات الثلجية المستكبرة، التى ترنو إلى إخوانهم من بنى البشر، وكأنها تبصق عليهم!!.
هل تشعر مثلى بالرثاء نحوهم؟، ليس فقط لأن الكبرياء رذيلة، وإنما لأن الكبرياء الإنسانى يستحيل أن يستند على أسس حقيقية. لو كان مصدره القوة، فالقوة مستعارة مصيرها الاضمحلال، أو السلطة فالسلطة، مؤقتة ستذهب مع تغير الأحوال، أو الثراء فحتما سيزول حين ينضب المال، أو الحسب والنسب، ففى سلسلة أجدادنا - لا ريب - القاتل واللص والمحتال. وهب أن كل هذه الأسباب مجتمعة بقيت للمتكبر، فهل من مفر من الموت الآتى بلا إمهال؟
الموت يسخر من الكبرياء الإنسانى ويكشفه على حقيقته ويعريه. ولو كان المتكبر يعرف دروس الطب الشرعى عن التغيرات التى تحدث فى أجساد الموتى لانخلع من كبريائه، كما ينخلع الحذاء.
تقول دروس الطب الشرعى إن أجسادنا ستكتسب نفس حرارة الغرفة لأنها جماد!. وعضلاتنا ستتصلب ثم ترتخى، وتتلون جلودنا بالجلطات المتناثرة، وتتكاثر البكتيريا فى أمعائنا وستفرز إنزيمات مذيبة للبروتينات تهضم أنسجتنا وتسبب الروائح الكريهة، وستخرج رغوة سوداء من شفاهنا وتجحظ عيوننا ويخرج اللسان بسبب ضغط الغازات، ثم ينفجر البطن وتسقط الأحشاء الداخلية المتعفنة إلى التراب، توطئة لأن نتحول إلى هيكل عظمى خلال ٦ شهور إلى سنة. أليس من المضحك لكائن مآله هكذا أن يتعالى ويتكبر؟
المتكبر إنسان مخدوع، لا يُقدّر الأمور على نحوها الصحيح، ولذلك كانت صفة الكبرياء من الصفات الأكثر ذماً فى القرآن. المتكبر الوحيد عن حق هو الله جل جلاله، الذى وصف نفسه بالمتكبر (وله الكبرياء فى السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم). ولكن كبرياءه سبحانه وتعالى- بعكس أى كبرياء آخر- يستند إلى قوة ذاتية غير مستعارة، حقيقية دائمة لا تزول ولا تحول.
والحديث عن الكبرياء ليس منقطع الصلة بأحوالنا المعاصرة المتعثرة. فى اعتقادى أن القارئ اللبيب سوف يفسّر به الكثير والكثير مما يحدث فى مصر الآن.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=258736&IssueID=1800

الأمل في الغد
15-06-2010, 06:21 PM
العالم من حولنا يتغير، يتشكل ويعيد تكوينه، يلهث خلف الأفكار المتغيرة والفلسفات المُحيّرة، ونحن كما نحن، سعداء بالسكينة، قانعين بالطمأنينة، آمنين من تقلبات السنين. حارتنا هى هى، سلمها الأجداد للأبناء كما سيسلمها الأبناء للأحفاد. حارتنا التى شغلت العالم، أدهشته، حيرته.. حارتنا.. حارة العجائب.
يحاولون أن يفهموا كيف استطاعت حارتنا أن تجمع العجائب كلها: الحضارة والدعارة، البراءة والدناءة، الوداعة والبشاعة، رحمة الفجر وعتمة الليل، الزهور والأشواك. يحاولون أن يفهموا سر سعادتنا رغم أيامنا الصعبة وليالينا الطويلة. مع أن التفسير قريب جدا: نحن مهما طال الليل فى انتظار الفجر، وحينما تصهر الشمس رؤوسنا ننتظر النسمات الرحيمة. وعدونا أنها ستأتى حتما إذا لم يلامس الشك قلوبنا، وواصلنا الصبر والخضوع والامتثال.
..............
حارتنا مشهورة فى العالم كله بعظمتها الغابرة. يأتون إلينا كى يشاهدوا (تل الجماجم). يندهشون من أجدادنا الذين تطوعوا بالموت ليصنعوا من جماجمهم تلاً يصعد فوقه (سيدنا) ليلتحق بالسماء! يدهشهم أننا مازلنا حتى اليوم نعتز بتقاليدنا العريقة فى الصبر والطاعة والامتثال، وأننا نستلهم الطبيعة فى ترتيب الطبقات. مثل طبقات الأرض المتراكبة. عندنا الحرافيش فى أدنى السلم، فوقهم العمال وأصحاب الحرف، فالوجهاء، ثم يقبع (سيدنا) فى أعلى القمة منفردا بعظمته يحيطه الحراس.
لا دور لنا فى اختيار (سيدنا) الذى تصطفيه السماء. فى البدء يكون واحدا منا دون أن نعرف أنه المختار من النجوم. ينعزل فى جناحه، تحل به الروح المقدسة، بعدها يُولد من جديد. يسمع ما لا نسمع ويرى ما لا نراه ولا ينطق إلا الحكمة، ودورنا أن نسمع ونؤمن ونطيع، وحذار أن نسأل أو نكف عن الإيمان.
نسمع أحيانا بعض الكلام الفارغ عن تداول السلطة. مشكلتهم أنهم لا يصدقون أننا ننعم بالسكينة فيما يلهث العالم وراء أوهام العدالة.
عدالة! ما معنى العدالة؟! نحن جربنا الحرافيش حين تحولوا إلى (سيدنا والحرس والوجهاء) فوجدناهم يصنعون نفس الأشياء. فعرفنا أن فى حارتنا شيئاً يغرى كل سيد بالقوة ويحبب إلينا الصبر والخضوع والامتثال.
...................
وأحيانا يحدث بعض الشغب بين الحرافيش، وتعلو النبابيت وتتبادل اللعنات. أحيانا ينقسم الحرافيش عندنا إلى قبائل، يجمعهم البؤس وتفرقهم الروح القبلية. لذلك يحدث بينهم بعض الغيرة والمشاحنات تتطور إلى معارك طاحنة وحروب أهلية. يمضغون الكراهية، يتبادلون السباب، يتفاضلون فيما بينهم، و(سيدنا) يتفرج عليهم حتى إذا سئم المشاهدة أمرهم بالهدوء والسلام.
يقول بعض الخبثاء إن المعارك تأتى على هوى سيدنا، يتعجبون أننا نتقاتل فيما بيننا بدلا من أن نوحد صفوفنا، يزعمون أن الحرس يباركها، وربما يُمهّد لها، حتى لا يتحد الحرافيش فيما بينهم ويطرحون أسئلة محرجة عن سلطة سيدنا وبطش الحرس وثروة الوجهاء.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259030&IssueID=1802

الأمل في الغد
16-06-2010, 10:56 PM
لن تفهمه أبداً إلا إذا عرفت القصة كلها. وإلا فما فمعنى أن يتعلق رجل جاوز الأربعين بصورة فتاة أجنبية منتزعة من مجلة ملونة!.
لن تفهمه إلا لو كنت تسكن بيته الضيق المكون من غرفة واحدة. لن تفهمه إلا لو كان جيبك خاوياً وحاضرك مُعدما ومستقبلك مظلماً. لن تفهمه إلا لو كانت لك قامته النحيلة القصيرة، وملابسه غير المهندمة ووجهه العليل الشاحب، وقصص حب فاشلة كلها من طرف واحد، وحضوره الباهت مع النساء.
لذلك لم يكن مستغرباً أن يقضى معظم وقته فى خيالات محمومة مع صور نساء جميلات منتزعة من مجلات أجنبية مصقولة. أحياناً كانت تنتابه ثورة غير مفهومة فيمزق الملصقات وينخرط فى بكاء عميق. لكنه سرعان ما يعاود اللصق فى استسلام من يعلم أن الورق الملون مجاله الوحيد.
ولكن لماذا تعلق بهذا الشكل الجنونى بهذه الصورة بالذات؟. صحيح أن الفتاة جميلة حقاً بعينيها اللامعتين وابتسامتها المشرقة. صحيح أن كادر تصويرها أبرز أجمل ملامحها وأضفى قرطها الطويل عليها دلالاً لا يقاوم، صحيح أن فستانها الأحمر جعلها تبدو كزهرة، لكن هذا كله لا يفسر حالة الذهول التى انتابته حين شاهد صورتها لأول مرة.
وقف يحدق فيها لدقائق. يكاد يقسم أنه شاهدها فى عالم آخر، وعاش معها حياة أجمل من هذا بكثير. تبدل حاله منذ هذه الليلة. نزع صور كل النساء الأخريات، وراح ينفق الساعات فى تأملها ثم يغمض عينيه ويدمن الأحلام.
يتحول إلى الرجل الذى تمنى أن يكونه: بهى الطلعة، نضر الوجه، رياضى القوام. يقود سيارة حمراء بلون فستانها المشرق، ينطلقان فى شوارع ملؤها المدى الأخضر، ليس بها مجارى أو قمامة، أو مطبات وزحام.
كان ممكناً أن يستمر الأمر على هذا النحو ناعماً بسعادة لا تضر أحداً، لولا أنه شاهد فستاناً أحمر فى واجهة محل يشبه فستانها بالذات. اشتراه بلا تردد ووضعه تحت صورتها التى تتوسط الجدار.
والذى حدث بعدها لا يصدقه عقل، عاد ذات مساء فوجد الصورة فارغة منها، كل شىء موجود فى الخلفية باستثنائها هى، وباستثناء الفستان!. آه لو كان لديه صديق واحد يستوثق منه أن عينيه لا تخدعانه!. أتراه يهذى أم أن المشاعر التى يصطخب بها صدره بثت فى الصورة الحياة!. غادرت الإطار وارتدت الفستان الأحمر، ولعلها تبحث عنه فى شوارع المدينة الآن.
أنفق الليل فى بحث محموم أشبه بالهذيان. وأخيراً فى ساعة متأخرة شاهدها بفستانها الأحمر وقرطها الطويل يتأرجح فى دلال. وفجأة حدثت المعجزة: قامته النحيلة تحولت إلى ما يشتهيه بالضبط: بهى الطلعة، نضر الوجه، رياضى القوام. تأبطت ذراعه فى ثقة إلى السيارة الحمراء التى ظهرت أمامه فجأة، وما لبثا أن انطلقا فى شوارع واسعة يحدها المدى الأخضر مستشعرا سعادة لم يعرفها إلا فى عالم الأحلام.

http://www.rewayatnet.net/forum/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=812722

الأمل في الغد
17-06-2010, 09:06 PM
هذا المقال ليس ثناء على أبى، ولكنه تحية لجيل كامل أوشك أن يُسلم وديعته ويلحق بجوار رب كريم. جيل أبى الذى كان يأكل الخبز بالرضا والتعب بالصبر والمحن بالدعاء.
كان أبى رحمه الله قاضيا، ولم يكن ممكنا وقتها أن تسمع عن استغلال النفوذ أو إعلان الصفة أو التعالى والكبرياء. ولم يكن هذا خُلقاً خاصاً به بل سمت عام لجيل كامل يمشى على الأرض هونا وينكب ساجداً لخالقه بالقلب قبل الجبين.
كانت نقودهم قليلة وقلوبهم كبيرة، وبرغم وعورة الطريق كانت خطاهم متسعة وأحلامهم تلامس السماء. أحلام خاصة برفعة الوطن، وأحلام عامة بسعادة البشرية، وأحلام حميمة بتوفيق الأبناء. هذا الجيل الذى امتلك لحسن حظه هدفا إنسانياً ومشروعاً قومياً ورسالة اجتماعية، آباء بكل معنى الكلمة، يُكرّسون حياتهم من أجل أُسرهم الصغيرة، ويلزمون بيوتهم لمتابعة الأبناء.
كانوا وقتها فى نفس أعمارنا الآن، فما أبعد البون بين رجال ورجال!. كانوا يمسكون الكتاب بقوة، ويتحملون المسؤولية منذ نعومة أظفارهم ويطاولون بقاماتهم الجبال. تُحيطهم الهيبة، تحبهم زوجاتهم، يحترمهم أبناؤهم، يجللهم الوقار.
وبرغم رواتبهم الصغيرة لم يكن وارداً أن يُهملوا فى أعمالهم أو تسمع حكاية «على أد فلوسهم»، بل كانوا يعملون بجدية ويؤدى كل واحد واجبه فى صمت واقتدار. يعيشون بالمتاح وبرغم بساطته لا يشعرون بالحرمان.
أما نحن الأطفال فرغم جيوبنا المفلسة وألعابنا القليلة فقد كنا سعداء. وكانت للندرة مفعولها السحرى، وكان مذاق الشيكولاتة يبقى فى أفواهنا لأسبوع كامل وطعم البنبون النادلر يصنع الصباح، أما الذهاب للسينما فضرب من الأحلام!.
كانت لأبسط الأشياء فرحة لا يمكن تصورها وكنا نصنع ألعابنا من أبسط الأشياء. نلعب الكرة الشراب، نتسلق أشجار المانجو، نبتكر عالما خاصا بنا من الخيال. عالما نكون فيه قراصنة وملوكا وعشاقا وزعماء. ولم يكن واحد منا يقبل أن يصبح أقل من رئيس جمهورية أو عالما حائزاً على جائزة نوبل، أو - فى أسوأ الظروف - رائد فضاء.
حينما أتأمل - بصفتى شاهداً لعصرين – الفارق بين رضا الماضى وسخط الحاضر أجد أن السبب يتلخص فى كلمة واحدة هو غياب العدالة الاجتماعية عن مجتمعنا الآن.
رضا الماضى كان مبرره أن الجميع كانوا يعيشون فى مستويات متقاربة. كان أطفال العمارة التى أقطن بها - رغم تفاوت دخول آبائهم - يلبسون نفس الثياب ويأكلون نفس الطعام ويلعبون نفس الألعاب.
الفروق بين الطبقات لم تكن ملحوظة، والعدالة الاجتماعية مثلت ثقافة عامة لمجتمع لم يكن قد عرف السعار الاستهلاكى بعد. وساعد على نشر «ثقافة الرضا» غياب المظاهر المستفزة والتفاخر الاجتماعى والميديا التى ألهبت النفوس فيما بعد بالحرمان.
تحية إلى جيل عرف الرضا وإن لم يعرف النقود الكثيرة، وامتلك الكرامة وإن لم يمتلك العمارة، وأسعده الحظ برؤية مصر الحقيقية قبل أن يغزوها التتار.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259210&IssueID=1804

الأمل في الغد
21-06-2010, 11:07 AM
كانت المدينة تقترب، والفرحة تعمر الصدور. أخيرا ابتسمت الدنيا، وتحقق أول نصر. حينما خرج الرسول إلى بدر لم يكن خارجا لحرب، وإنما لتتبع قافلة من قوافل قريش ليسترد المنهوب من مال المسلمين. وفجأة، أطبق العدو بالفرسان والرماة، معركة غير متكافئة فى العدة والعتاد. كان الرسول يعرف أن مصير الدعوة سيتحدد خلال ساعات، لم يكن يبالى بالموت بل بدعوة التوحيد، بأن تُهدم الأوثان، ويُعبد الله فى الأرض، ويُعلن الجمال نصره النهائى.
راح يتأمل جيشه القليل وأصحابه الضعفاء المتعبين. كانوا كما عهدهم: بسطاء فقراء، عابدين زاهدين. وفى المقابل صناديد قريش مستكبرين فى الأرض، مكتنزين، تبدو على وجوههم النعمة. يصحبون الخمر والمعازف والقيان استعداداً للنصر القادم المؤكد.
اعتصرته الشفقة وهو ينظم صفوفهم، ويدعو لهم، ويوصيهم بالاستبسال، ويذكرهم بمملكة السماء. ثم انصرف إلى عريشه ليخلو إلى ربه باكيا متضرعا، مُلحّا فى الدعاء، وصديقه الصدّيق يتوسل إليه أن يرأف بنفسه، فإن ربه منجزه ما وعده. وكان النصر، حدثت المعجزة، وتغلبت القلة القليلة على المتخمين الطغاة، انتصر الجوع على الشبع، والأسمال على الأردية، والمشاة على الفرسان. يتأمل الرسول مصارع المستكبرين، الذين توهموا أنهم يملكون الأرض، ويقدرون على خنق الدعوة، فإذا بهم جثثا فى القليب.
يعود والرضا يملأ أركان قلبه الكبير، تراوده ذكريات كثيرة: صورته وهو يدعوهم إلى الله فيهزأون به، أعوام الحصار على قبيلته حتى تضوروا جوعاً، صورته وهو يعرض نفسه على أهل الطائف فيشتمونه ويرشقونه بالحجارة، صورته وهو يخرج من مكة مُطاردا ليختبئ فى الغار، صورته وهو يقطع الصحراء الشاسعة باحثا عن الحماية، كم كان صراعا مريرا!، والأسوأ أنه لا مبرر له. ويدخل المدينة المنورة، وفى لحظة النصر والرضا، إذا به يسمع الخبر: ماتت ابنته رقية.
أى شجن أحسّ به والقوم يساوون التراب فوق قبر ابنته! وأختها فاطمة تبكى على القبر وتنتحب، والرسول يمسح دموعها ويواسيها وهو أحوج الناس إلى المواساة. أى مشاعر متضاربة بين الفرحة والحزن، والنصر والثكل، والقائد والأب! لا يريد أن يفسد فرح أتباعه، وقلبه ينزف دما. والذكريات تتوالى على قلبه الحزين. موت أبيه وهو فى بطن أمه.
ثم لوعة فقد الأم التى لازمته حتى ختام العمر، ثم وفاة جده الذى رباه، ثم أطفاله الذكور الواحد بعد الآخر، والمشركون يشمتون به، ويدعونه بالأبتر. ثم عام الحزن حين ماتت خديجة، الزوجة والصديقة والحبيبة، ومن بعده عمه، مصدر الحماية،
ثم ها هى ابنته رقية تموت فى لحظة النصر، يغرق الدمع عينيه الحساستين، والصحابة خاشعون بين يديه، لا يعلمون أن النبوة فيض من حزن، وأنه أب أرحم من كل أب. فى الأعوام القادمة، سوف يتكرر الفقد ويتكرر الصبر. ويبقى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عزاء لكل من ذاق مرارة الفقد وموت الأحبة.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259619&IssueID=1807

الأمل في الغد
21-06-2010, 11:11 AM
■ وجدتها فجأة أمامى وهى تبكى، ناعمة، ساحرة، مطبوعة بالجلال الملكى. بشىء من الإلهام عرفتها، مارى أنطوانيت، الملكة التى حملت عبء تناقضات التاريخ.
■ اقتربت منها فى رهبة، وأعطيتها منديلى لتمسح دموعها، تناولته فى رشاقة وشكرتنى فى عذوبة. فقلت لها فى تهيب: «مولاتى.. لماذا تبكين؟».
■ ردت فى حزن عميق: «أبكى على حالى، أندب حظى، أرثى لنفسى، لقد تبين لى الآن أننى ظٌلمت ظلما بيّنا»، قلت مهدئا من روعها: «ياه، مازلت تذكرين يا مولاتى أحداث الثورة الفرنسية وقد مر عليها زمن طويل». قالت فى أسى «أنت لا تفهم، كنت تصالحت مع أقدارى، ونسيت ما حاق بى من أذى، ثم الذى حدث عندكم فى مصر جعلنى أشعر بالظلم الشديد».
■ قلت وقد دار رأسى: «معذرة يا مولاتى، أنا لا أفهم. ما علاقة مصر بالثورة الفرنسية؟». قالت فى أسى! «سوف أشرح لك كل شىء بالتفصيل».
■ أرجعت الجميلة رأسها إلى الوراء وكأنها تتذكر: «كنت فى الرابعة عشرة من عمرى حين تزوجت ولى عهد فرنسا، صغيرة، جميلة، مرحة، وفى الوقت نفسه مليئة بالخفة والنزق وعدم التقدير.
اتهمنى التاريخ كثيراً باللامبالاة والتهور، قالوا إننى كنت مسرفة وتدخلت فى شؤون السياسة، لكن التاريخ كثيرا ما يكون غير عادل، ويطلق الأحكام بأثر رجعى، وينسى أننى كنت ابنة عصرى، ولم يخطر على بالى أبداً سوى أن الله خلقنى ملكة، وأن من حقى أن أحيا كالملوك!
■ حينما قامت الثورة لم أعترف بها لحظة، واعتبرتها تُكرّس للفوضى وتخالف إرادة الرب. لذلك كنت مصممة أن أموت كملكة، حتى لو أعدمونى بطريقة بشعة جداً، أدانونى بعد محاكمة صورية، اقتادونى فى عربة مكشوفة دارت فى شوارع باريس، رمونى بالأوساخ، قصوا شعرى، ثم أطاحوا برأسى بـ(الجيلوتين).
■ حينما تخلصت من ردائى الأرضى، وشاهدت الأمور على حقيقتها أدركت أننى كنت مخطئة وأنانية، وأنه خلف الفوضى الحالية يكمن ميلاد عصر جديد. لم أفطن وقتها إلى قيم العدالة والحرية والمساواة القادمة، كنتُ والثوّار كلانا يظلم الآخر ويُضخّم عيوبه ويتغاضى عن مزاياه. فبدأت أتصالح مع أقدارى: لا أجلد نفسى بتأنيب الذات، وفى الوقت نفسه شعرت بالرثاء لحالهم حينما هامت روحى فى مساكنهم وشاهدت مدى البؤس الذى يعيشون فيه.
هكذا مر قرنان من الزمان وأنا فى صفاء نفسى لم أعرفه فى حياتى الأرضية، حتى شاهدت عندكم فى مصر ألوانا من الفساد يجعل كل ما قالوه عنى «لعب عيال»، فضحونى لأننى أنفقت على تشييد قصرى مليونا وربع وعندكم يهدرون المليارات. مفارقات جعلتنى أشعر بالرثاء لذاتى وبالظلم الشديد: لماذا قطعوا عنقى برغم أننى لم أفعل عُشر ما يحدث عندكم من فساد وتبذير!».
■ ■ ■
ثم فجأة وجدتها تقول لى فى لهجة غير ملكية بالمرة: «أنا راسى طارت أونطه يا جدعان».

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259713&IssueID=1808

الأمل في الغد
21-06-2010, 11:12 AM
■ وجدتها فجأة أمامى وهى تبكى، ناعمة، ساحرة، مطبوعة بالجلال الملكى. بشىء من الإلهام عرفتها، مارى أنطوانيت، الملكة التى حملت عبء تناقضات التاريخ.
■ اقتربت منها فى رهبة، وأعطيتها منديلى لتمسح دموعها، تناولته فى رشاقة وشكرتنى فى عذوبة. فقلت لها فى تهيب: «مولاتى.. لماذا تبكين؟».
■ ردت فى حزن عميق: «أبكى على حالى، أندب حظى، أرثى لنفسى، لقد تبين لى الآن أننى ظٌلمت ظلما بيّنا»، قلت مهدئا من روعها: «ياه، مازلت تذكرين يا مولاتى أحداث الثورة الفرنسية وقد مر عليها زمن طويل». قالت فى أسى «أنت لا تفهم، كنت تصالحت مع أقدارى، ونسيت ما حاق بى من أذى، ثم الذى حدث عندكم فى مصر جعلنى أشعر بالظلم الشديد».
■ قلت وقد دار رأسى: «معذرة يا مولاتى، أنا لا أفهم. ما علاقة مصر بالثورة الفرنسية؟». قالت فى أسى! «سوف أشرح لك كل شىء بالتفصيل».
■ أرجعت الجميلة رأسها إلى الوراء وكأنها تتذكر: «كنت فى الرابعة عشرة من عمرى حين تزوجت ولى عهد فرنسا، صغيرة، جميلة، مرحة، وفى الوقت نفسه مليئة بالخفة والنزق وعدم التقدير.
اتهمنى التاريخ كثيراً باللامبالاة والتهور، قالوا إننى كنت مسرفة وتدخلت فى شؤون السياسة، لكن التاريخ كثيرا ما يكون غير عادل، ويطلق الأحكام بأثر رجعى، وينسى أننى كنت ابنة عصرى، ولم يخطر على بالى أبداً سوى أن الله خلقنى ملكة، وأن من حقى أن أحيا كالملوك!
■ حينما قامت الثورة لم أعترف بها لحظة، واعتبرتها تُكرّس للفوضى وتخالف إرادة الرب. لذلك كنت مصممة أن أموت كملكة، حتى لو أعدمونى بطريقة بشعة جداً، أدانونى بعد محاكمة صورية، اقتادونى فى عربة مكشوفة دارت فى شوارع باريس، رمونى بالأوساخ، قصوا شعرى، ثم أطاحوا برأسى بـ(الجيلوتين).
■ حينما تخلصت من ردائى الأرضى، وشاهدت الأمور على حقيقتها أدركت أننى كنت مخطئة وأنانية، وأنه خلف الفوضى الحالية يكمن ميلاد عصر جديد. لم أفطن وقتها إلى قيم العدالة والحرية والمساواة القادمة، كنتُ والثوّار كلانا يظلم الآخر ويُضخّم عيوبه ويتغاضى عن مزاياه. فبدأت أتصالح مع أقدارى: لا أجلد نفسى بتأنيب الذات، وفى الوقت نفسه شعرت بالرثاء لحالهم حينما هامت روحى فى مساكنهم وشاهدت مدى البؤس الذى يعيشون فيه.
هكذا مر قرنان من الزمان وأنا فى صفاء نفسى لم أعرفه فى حياتى الأرضية، حتى شاهدت عندكم فى مصر ألوانا من الفساد يجعل كل ما قالوه عنى «لعب عيال»، فضحونى لأننى أنفقت على تشييد قصرى مليونا وربع وعندكم يهدرون المليارات. مفارقات جعلتنى أشعر بالرثاء لذاتى وبالظلم الشديد: لماذا قطعوا عنقى برغم أننى لم أفعل عُشر ما يحدث عندكم من فساد وتبذير!».
■ ■ ■
ثم فجأة وجدتها تقول لى فى لهجة غير ملكية بالمرة: «أنا راسى طارت أونطه يا جدعان».

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259713&IssueID=1808

الأمل في الغد
26-06-2010, 12:02 AM
جاءنى الشبح بعد غياب طويل متهلل الوجه، منتظرا منى أن آخده بالحضن. لكنى قابلته ببرود جعله يجلس منهارا على الكرسى - (قال فى إحباط): إيه المقابلة الزفت دى؟- (قلت فى صراحة) اسمع يا شبح، إنت بتخلينى أكتب فى مقالاتى كلام خطير وشكلك حتودينى فى داهية - (ضحك الشبح وقال فى شقاوة) إنت من الأحرار يا أيمن - (قلت ساخطا) بلا أحرار بلا ثوار. أنا مش عاوز مشاكل ومن فضلك سيبنى فى حالى - (قال الشبح ساخرا) أنا فاهمك كويس، إنت زى معظم المصريين مستنيين حد يجيب لكم الديمقراطية لحد عندكم - (قلت فى أمل) يا سلام لو أمريكا تضغط على النظام وتخليه يبطل ديكتاتورية!
(قال الشبح فى وضوح) الدول، خصوصا الإمبراطوريات الكبرى، مش مؤسسات خيرية، عشان تعطى الشعوب الكسلانة حقوقا لم يدفعوا ثمنها - (قلت فى حيرة) بس أمريكا أحيانا بتضغط! - (قال الشبح فى ثقة) ده شغل سياسة، أمريكا بتلعب على ورقة الديمقراطية عشان تاخد من النظام مكاسب تانية، والحكومة فاهمة ده كويس- (قلت متذاكيا) طب إسمع يا شبح، ماتخليكم جدعان، وتجيبوا لنا الديمقراطية بطريقتكم الشبحية - (قال الشبح فى دهشة) إزاى؟- (قلت فى رجاء) أنتم متواجدون فى اللجان الانتخابية من غير ما حد يشوفكم، وتقدروا تخلوا الانتخابات نزيهة رغم أنف الحكومة.
(قال الشبح فى هدوء) تكونش فاكر إن الديمقراطية هى مجرد انتخابات نزيهة؟- (قلت فى حيرة) طبعا، أمال إيه؟- (قال الشبح وكأنه يُلّقى درسا) الديمقراطية أكبر بكتير من حاكم يفرض انتخابات نزيهة، لأن ممكن الحاكم اللى بعده ينكص ويتراجع. المجتمع لا يمكن يكون «ديمقراطى» إلا لو كان تداول السلطة بيمثل ثقافة مجتمع وقيمة أخلاقية لا يُسمح بالمساس بها. لو سألت مواطناً إنجليزياً عن احتمال تزوير الانتخابات عنده حيفتكرك يا بتستظرف يا مجنون، لإن التزوير مش وارد فى ثقافتهم، فهمت!- (قلت محبطا) بالشكل ده لسه بدرى علينا أوى!
(ثم متوسلا) إسمع يا شبح، فيه موضوع محيرنى جدا، أنا أعرف إن أوروبا كانت استبدادية زينا، صح؟- (قال الشبح فى هدوء) وأكتر - (قلت والحيرة تقتلنى) هل معقول إن حكامهم تنازلوا عن سلطاتهم المطلقة بالبساطة دى وقبلوا بتداول السلطة؟- (قال الشبح وهو يضحك) ومين قال لك إنهم قبلوا!، ولادة الديمقراطية حصلت عندهم بتضحيات كبيرة. أربعة قرون من الصراعات الدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كانت نارا مولعة لكنهم خرجوا منها زى الذهب بعد امتحانه.
(قلت له فى رجاء) أرجوك إحكيلى اللى حصل فى أوروبا بالتفصيل - (قال الشبح وهو يضع رجلا على رجل) طيب اطلب لى ساندويتشين كفتة وحاجة ساقعة عشان أحكيلك بمزاج. (غدا تعرفون كيف أصبحت أوروبا ديمقراطية).

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259846&IssueID=1809

الأمل في الغد
26-06-2010, 12:06 AM
(سألنى الشبح فجأة) تعرف دلتا النيل إتكونت إزاى؟ - (قلت فى فخر) طبعاً. أمال إيه؟ ده أنا مثقف وأعجبك، من تراكم الطمى المقبل من جبال الحبشة - (فعاود الشبح التساؤل) والحكاية دى حصلت بين يوم وليلة؟ - (قلت فى ثقة) لأ طبعاً. دى عملية تراكمية استغرقت وقتاً طويلاً.
(قال الشبح فى جدية) آهى ديمقراطية أوروبا حصلت بنفس الطريقة، عملية تراكمية عبر قرون طويلة نتيجة تطورات سياسية وفلسفية واقتصادية واجتماعية - (سألته فى فضول) إزاى؟ - (قال الشبح مفسراً) فى الأول كان نظام حكم مطلق وإقطاعيات مسؤول عنها حاكم، واقتصاد معتمد على الزراعة، وكنيسة لها سلطات رهيبة. حاجات كتير حصلت مع بعض، الاحتكاك مع الشرق المسلم الأكثر تقدماً. ابتدأ عصر النهضة ومن بعده عصر التنوير. الناس بدأت تسأل وتفكر وتعترض على سلطات الكنيسة، والمجتمع اتنقل من الزراعة للصناعة.
طبعاً أصحاب السلطة السياسية والدينية ماسكتوش، بدأ القمع والحرق والتكفير. لكن البذرة كبرت وماحدش يقدر يقلعها لغاية ما حصلت ثورة فى إنجلترا عام ١٦٤٩ والأهم من الثورة الفلاسفة والمفكرون. (هوبز) و(لوك) كتبوا كتب خلوا الناس يتساءلوا عن الحقوق والحريات العامة والمواطنة وحدود الكنيسة ومفهوم الإيمان - (قلت مستعجباً) بقى المفكرين لهم دور كبير بالشكل ده؟ - (قال الشبح) فى تاريخ البشرية دائماً تسبق الفكرة الفعل، مستحيل تحصل حضارة دون التمهيد لها من قبل المفكرين - (قلت وأنا أتذكر الجماعة بتوعنا) يبقى العوض على الله فينا (ثم بصوت عال) المهم وبعدين؟
(قال الشبح) المسائل ظلت ما بين شد وجذب لغاية ما قامت الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩، وجهوا الضربة القاضية للحكم الفردى ومهدوا الطريق للديمقراطية. فى القرن العشرين حصلت انتكاسات للديمقراطية بسبب الحروب العالمية، لكنها انتشرت بعد كده فى صورة موجات شملت مناطق بأكملها، دلوقت ستين فى المئة من حكومات العالم ديمقراطية - (قلت وأنا أتنهد) عقبالنا يا رب (ثم فى رجاء) ممكن تقولى إيه المقصود بالديمقراطية بس وحياتك بلاش كلام كبير.
(قال الشبح فى بساطة) الديمقراطية يعنى نظام مؤسسات، يعنى تداول سلمى للسلطة يحصل بشكل تكرارى على أساس الانتخابات. يعنى حقوق الإنسان مولودة معاه مش هبة من دولة ولا حاكم، يعنى حق المواطنة وسيادة القانون، يعنى أحزاب بتمارس النشاط السياسى،
يعنى حماية حقوق الأقليّات والأفراد، يعنى، (قلت مقاطعاً) طب تفتكر الصورة الوردية دى قابلة للتحقيق؟ (قال الشبح فى ثقة) تحصل ونص، بس لازم تدفعوا التمن اللى دفعته الأمم التانية - (قلت فى قلق) تمن زى إيه؟ - (قال الشبح فى خبث) إنت مستعد تستحمل الأذى والسجن والبهدلة؟ - (قلت بشكل قاطع) لأ طبعاً، أنا باشجع بس - (قال الشبح فى احتقار) إذا كنتم كلكم مشجعين، أمال فين اللعيبة؟!

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=259943&IssueID=1810

الأمل في الغد
26-06-2010, 12:10 AM
تحل هذه الأيام ذكرى أجمل وأرق قصة وفاء زوجى يندر تكرارها فى هذا الزمان. بطلة هذه القصة الناعمة هى « ممتاز محل» - التى حانت ذكرى وفاتها- مع زوجها «شاه جهان».
شىء ما فى هذه القصة جعلها تتحدى الزمان. يتغنى بها طاغور، تتناقلها الأجيال، يزورها ملايين العشاق. وحتى اليوم يحرص العرسان الجُدد فى الهند على عقد قرانهم فى ضريحها الشهير «تاج محل»، الذى أقامه لها زوجها الإمبراطور شاه جهان وفاء لذكراها، بعد أن مزقته أحزان الفراق.
كانت البشرية بحاجة إلى هذا النموذج النادر ولذلك خلدته. «ممتاز محل»، أجمل امرأة فى الهند، والتى تجمع بين الرقة واللطف، والجمال والدلال. كل هذا لا شىء بجوار روحها العذبة وقلبها الكبير. لم يكن «شاه جهان» يعرف - حين رآها لأول مرة - أنه على موعد مع الحب، والمقاتل العنيد الذى أخضع الهند بأسرها توشك أن تهزمه عينان صافيتان، وشفتان مضمومتان كزهرة اللوتس تمنحانه الحب وعذب القبلات .
فى ذلك الزمن البكر كانت الهند قارة لا تعرف إلا الحب والقتال، وكان الأمير شاه جهان قد سئم الانتصارات، وكلما أمره والده السلطان بإخضاع المناطق المتمردة عاد بأهازيج النصر، وحتى مؤامرات القصور لم تهز قلبه الشجاع.
مثل الأفلام المصرية القديمة كانت هناك زوجة أب شريرة تحارب زواج الحبيبين وتُوغر قلب والده الإمبراطور عليه. امرأة تحمل فى قلبها كل غل العالم، وكلما سمعت عن نصر جديد له تراجعت فرصة ابنها فى وراثة العرش. ظلت تحارب الحب الوليد بكل وسيلة، خصوصا أن ابنها كان مولعا– من طرف واحد – بهذه الفتاة. لكن الحب انتصر فى النهاية، حينما أعلن الإمبراطور الأب موافقته على الزواج لم تكن الهند بأسرها، بجبالها وسهولها، بمعابدها وأسرارها، تعادل فرحتهما بهذا الزواج.
منذ ذلك الحين صنعا أسطورة الزوجين العاشقين. لم يفترقا فى سفر أو إقامة، أو سلام أو قتال. كانت مُلهمته ورفيقة دربه، وبرغم الأهوال والاضطرابات، ودسائس زوجة الأب الشريرة التى أوغرت عليه قلب أبيه، ولفّقت تهمة الخيانة لها، ظلت ممتاز محل بجوار زوجها وبين أحضانه، قصة حب دامت العمر كله، أميرة فى مقام امرأة، وإمبراطورة بدرجة زوجة، وحبيبة ورفيقة درب. لم يفتر حبهما مع السنوات، بل ظل يكرر صورتها فى أطفال كثيرين يحملون عذوبة أمهم وشجاعة أبيهم.
وحينما جاءت النهاية المحتومة لكل أبناء الفناء، وماتت أجمل امرأة فى الهند، لحظتها أحس زوجها بأن قلبه يموت وهو حى، وقطرة من دموعه تكفى لتحويل نهر «الجانج» إلى ملح أجاج. سلواه الوحيدة كانت فى بناء «تاج محل»، وفاء لذكراها، لم يكن ضريحا لامرأة بل معبدا للحب، ولم يكن مطعما بالمرمر والأحجار الكريمة بل بشغاف روح ونياط قلب، وقمر سكن الحجارة البيضاء إلى الأبد، وقصة حب تتحدى الموت وتتحدى الزمان.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=260062&IssueID=1811

الأمل في الغد
26-06-2010, 12:13 AM
مازلت أذكر هذه الليلة جيدا، كنت أتجول فى محطة الرمل، حيث التاريخ المهيمن والبنايات العريقة، وهواء البحر يُطيّرنى، ورائحة العشب واليود تصلنى من بعيد مختلطة بروائح الحوانيت العتيقة المتناثرة فى كل مكان.
كانت ليلة من ليالى يناير الممطرة، وقد بدأت محطة الرمل تخلو من روادها، وفجأة وجدت نفسى أمام إعلان خجول عن فيلم «شقة مصر الجديدة»، وكأنهم يعرفون أن هذا الفيلم لن يقصده إلا من يعرف قيمته. هؤلاء الذين يتتبعون خطى مخرج عبقرى اسمه محمد خان.
دخلت السينما على الفور، أُطفئت الأنوار وسطعت شمس داخلى، وأشرق قمر وتلألأت نجوم. بعينين متسعتين مبهورتين رحت أرمق الشاشة الفضية المسحورة. يتقن محمد خان لغة العيون ويعرف أسرارها، وأتقن أنا بدورى الدهشة والاندماج.
للفيلم رسالة محددة: حياتنا العادية والذى يدور فيها.. كثير من الغبار، كثير من الضجيج، صفقات بائسة نخسرها باستمرار، وعالم نحلم بتركه، وعالم نحلم بالانتقال إليه، سخافات عمل، دسائس زملاء، سيارة ترغب فى اقتنائها، إجازة تخطط للاستمتاع بها، مباهاة بقريب أو مسؤول كبير. هكذا تمر حياتنا بلا قيمة حقيقية، ونحن نعرف فى قرارة أنفسنا أن كل هذه الأشياء لا تُشبع جوعنا العاطفى. مُحتم أن تأتى اللحظة التى يخلو فيها الإنسان إلى نفسه، ويتساءل عن حقيقته، ويصارح نفسه بأنه بحاجة إلى الحب الحقيقى، وأنه وحيد.. وحيد.. وحيد.
والحب هنا اسمه «تهانى»، مدرّسة الموسيقى الحسناء فى مدرسة البنات. من بين الأغنيات تختار تلك الأغنية الرقيقة الحالمة، الرومانسية الخيالية «أنا قلبى دليلى». وفيما يشبه السحر، تأمر معلمة الموسيقى البنات الحالمات بإغماض أعينهن، وبصوت هامس كالأحلام، يفوح بعبير الصبوة، ويخاطب الأعماق البعيدة، تُخبرهنّ بأصل الحكاية: «كان الإنسان فى بادئ الأمر شيئا واحدا يحتوى السالب والموجب، الرجل والمرأة، وحينما انفصلا ظل كل جزء منهما يبحث عن نصفه الآخر مستميتا فى الوصول إلى وحدة الذات».
كانت الأنغام الناعمة تنساب، وصوتها الشبيه بصوت ليلى مراد الملائكى ينتشر فى أرجاء قاعة الموسيقى، ومن بين وجوه الصبايا الناعمة عينان متوهجتان لصبية فى الرابعة عشرة اسمها «نجوى».
صداقة عميقة - رغم فارق السن- انعقدت بين الحالمتين: معلمة الموسيقى «تهانى» والطالبة الصغيرة «نجوى». وفى غمرة إيمانهما بالحب نسيت كلتاهما أشياء مهمة، نسيتا أنهما فى مدرسة بنات فى صعيد مصر المحافظ إلى حد الجمود، نسيتا أن ما يتعلق بالأنثى لا يعرفون فيه المزاح، نسيتا أنها مدرسة راهبات متحفظة حيث التقاليد الصارمة فى تربية البنات، مديرة المدرسة رأت أنها تفتح ثغرة فى وعى البنات فى مجتمع محافظ لم يرسل بناته للمدرسة من أجل تعليمهن أغانى الحب!.
طردوا «تهانى» من المدرسة، من مدينة المنيا، من الصعيد كله، عادت إلى القاهرة وسط دموع طالباتها التى جفت بسرعة فيما عدا دموع صديقتها الصغيرة نجوى. جدول من دموع الحب ظل متدفقا للأبد يجمع بين الحالمتين رغم بُعد المسافات.
وتمضى السنون، ولا تنقطع الصلة بين تهانى ونجوى، بطريقة رومانسية فريدة تناسب شخصيتهما. يهديان الأغانى لبعضهما البعض عبر البرنامج الإذاعى الشهير «ما يطلبه المستمعون».
والخلاصة أن تهانى ظلت رمزا للحب فى قلوب تلميذاتها، بما حفرت فيهن- والقلب غض أخضر- من علامة لا تزول. لكن البنات بطبيعتهن عمليات. الحب شىء معنوى رائع ربما يأتى وربما لا يأتى. أما الأمومة وأمان الزوج وألفة البيت فأشياء فى متناول اليد لا تتركها إلا (بلهاء) مثل نجوى التى رفضت كل عروض الزواج حتى بلغت الثامنة والعشرين. والسبب أنها تنتظر الحب الحقيقى الذى آمنت به منذ أن أغمضت عينيها على حلم تهانى.
وتمر الأيام وتصبح نجوى معلمة فى نفس المدرسة التى كانت تدرس بها، وتلتحق برحلة المدرسة المسافرة للقاهرة. هى فى الحقيقة تذهب للقاهرة لأول مرة فى حياتها، والسبب أنها تخطط للذهاب لتهانى ليس شوقا إليها فحسب، وإنما للاطمئنان عليها بعد أن انقطعت أخبارها طيلة عام كامل، لم تعد ترد على رسائلها، لم تعد تهدى الأغنيات إليها.
هناك أيضا أسئلة كثيرة تود أن تسألها لتهانى، تريد أن تستوثق منها هل الحب موجود فعلا ويستحق عناء الانتظار؟ هل كانت على حق حين ترددت فى قبول الطبيب «اللقطة» الذى لا تشعر نحوه بالقبول، أم تنتظر فارسها المجهول إلى الأبد، نصفها الآخر الذى يكمل معها الذرة لتعود واحدة كما خلقها الله؟
الصبية الخجولة المرتبكة، الرومانسية الحالمة، المترددة والواثقة فى الحب فى الوقت نفسه تطأ القاهرة لأول مرة. تذهب إلى منزل صديقتها فى مصر الجديدة لتعرف الخبر: اختفت تهانى فى ظروف غامضة منذ عام (متزامنا مع انقطاع خطاباتها). مالك المنزل - الذى كان يحبها فى صمت- لم يطاوعه قلبه على إخلاء شقتها، ولذلك اكتفى بتكديس أثاثها فى نصف المنزل وتأجير النصف الآخر لشاب أعزب يدعى يحيى.
كان البون شاسعا بين نجوى ويحيى حينما دقت بابه فى ارتباك عذراء صعيدية. «يحيى» يعيش حياته بالطول والعرض ولا يؤمن بالحب ولا يعترف بوجود شىء غير الجاذبية بين الرجل والأنثى. مثل صديقته التى يجمعهما الفراش وإيمان قاطع بأن الحب وهم صنعه خيال الإنسان. مجتمع القاهرة لا وقت لديه للحب وسط هذا الضجيج، وحتى صاحب المنزل الذى أحب تهانى عمرا كاملا كفر به وتزوج زواجا تقليديا.
وسط هذا الجو تأتى المؤمنة بالحب بملابسها المحتشمة وملامحها المرهفة وعينيها الحالمتين لتفرض إيمانها بالحب على هذا الواقع الكئيب. المقاتلة العنيدة تواصل البحث عن تهانى والبحث عن الحب الحقيقى فى الوقت نفسه. يستغرقها البحث حتى يفوتها قطار الصعيد وتجد نفسها وحيدة فى القاهرة.
وكأن القدر يُصر على أن تقوم الخجولة عديمة الحيلة برسالة مفادها «الحب هو ما يصنع للحياة معنى». نجوى الرهيفة المنهكة تطرق أبواب القلوب فى خجل وكأنها تملك اللمسة السحرية - المستمدة من تهانى - التى تغير حياة كل (الكافرين) بالحب إلى حياة كلها إيمان.
صاعقة الحب تصيبهم جميعا: صاحب المنزل العجوز يستعيد ذكرياته القديمة ويصبح فى حالة حب، يحيى يترك عشيقته ويقع فى غرام نجوى، وحتى صديقتها فى المنيا ترى فى الطبيب ما لم تشاهده نجوى وتتزوجه. فى النهاية تعرف أخبار تهانى التى تقضى شهر العسل، الحالمة بالحب عثرت على الحب الحقيقى وأجابت بشكل عملى على السؤال الحائر: «نعم، الحب موجود فعلا ويستحق عناء الانتظار».
باختصار، يؤكد الفيلم أن الحب الحقيقى هو الشىء الوحيد فى العالم الذى يحقق وحدة الذات، ولذلك عليك أن تبحث عنه باستماتة، وإذا وجدته فإياك.. إياك أن تُفرط فيه.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=260149&IssueID=1812

الأمل في الغد
26-06-2010, 06:43 PM
(ظهر أمامى فجأة قائلاً دون مقدمات) حرام عليكم يا ظلمة، يا عالم يا مفتريين- (قلت مأخوذا بالمفاجأة) هو إيه ده؟ بيطلعوا منين دول؟ (ثم فى غيظ) إنت مين يا جدع؟ مش تقدم نفسك الأول!- (قال وهو يقلب شفته السفلى) أنا مصاص دماء مسكين!.
(قلت مستغربا) جديدة دى! مصاص دماء مسكين!- (قال فى مسكنة) لما تفهم المشكلة حتعرف إنى أغلب من الغلب- (قلت وأنا أضرب كفاً على كف) أما والله دى حكاية! حتى مصاصو الدماء فى مصر مش مرتاحين (ثم بصوت عال) اسمع يا أخينا، أنا صحيح كلمت القطط، وقابلت أشباحاً، وزارنى ناس من المستقبل، لكن بصراحة دى أول مرة أقابل مصاص دماء- (قال وهو يشد على يدى) أنا برضه سمعت عنك سمع خير. بيقولوا دمك خفيف. تسمح لى أدوقه من فضلك؟- (قلت وأنا أغلق زرار الياقة) لأ طبعا ما أسمحش يا خفيف.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=260286&IssueID=1813
(ثم فى فضول) إنت مصاص دماء بجد؟- (قال فى ملل) يييه كل واحد يسأل السؤال ده!- (قلت متملقا) يا أخى خليك صبور، إحنا ما بنشوفش كل يوم مصاص دماء- (قال مغتاظا) يا سلام! أمال حكومتكم بتعمل إيه؟ - (قلت مصدقا) آه صحيح، دول مالهمش شغلانة غير يمصوا دمنا- (فأردف متهكما) والناموس بيمص دم ولا بيتعشى زبادى؟- (قلت ضاحكا وقد أعجبتنى الفكرة) طبعا بيتعشى زبادى.
(قال الشبح فى نفاد صبر) ممكن نتكلم فى المفيد؟- (قلت على الفور) اتفضل يا مصاص، اعرض مشكلتك- (قال وهو «يجعّر») جعان. عايش على لحم بطنى بقالى أسبوع.
(قلت مندهشا) ليه؟ الناس عندها فقر دم؟- (قال مصححاً) الناس ما بقاش عندها دم أصلا- (قلت مستفهما) تقصد نقص حديد؟- (قال فى ازدراء) أقصد نقص مروءة.
(قلت وقد ارتبكت تماما) إنت لخبطتنى. مش فاهم حاجة- (قال فى غيظ) مش إنتم بتقولوا على اللى مش جدع إنه معندوش دم- (قلت فى دهشة) آه- (قال فى حدة) أهو كلكم مش جدعان- (قلت محاولا تهدئته) ليه بس يا مصاص؟ زعلان مننا ليه؟- (قال وهو يلوح بالجريدة فى وجهى) عشان سايبين البلد تتنهب وساكتين. قريت حكم المحكمة الإدارية بإلغاء عقد مدينتى، صفقة واحدة ضيعت ١٤٧ مليار جنيه، شوف كام صفقة زيها!؟
لما كل واحد يطنش ويقول ياللا نفسى، تبقوا جدعان ولا مش جدعان؟ عندكم دم ولا معندكوش؟- (قلت فى خزى) بصراحة مش جدعان ومعندناش دم- ( قال وهو يندب حظه) عرفت بقى إنى فى مشكلة. لما ما يبقاش فيه دم فى البلد تقدر تقول لى المصاص اللى زى حالاتى حياكل منين؟!

a7med_Raslan
01-07-2010, 10:43 PM
شاهدته يمر من جوارى، روحاً شفافة هائمة تسيل فى الأثير. رحت أرقبه مذهولاً وهو يعلو فى السماء كغيمة مسافرة. ثم توقف فى منتصف المسافة بين السماء والأرض، وكأنه يترقرق فى مكانه، ينظر إلى الأرض فيحتقن وجهه ويعلوه الكدر. ثم يرنو إلى السماء فيرق ويصفو، مثل بريق الماس المتألق، مشعا بكل ألوان قوس قزح.

وقفت مأخوذا أراقبه. أُلوّح له حتى يأتى نحوى، فيما ثلاثة أطياف شفافة أخرى يستعجلونه كى يلحق بهم. بدا متردداً بينى وبينهم ثم هبط فى هدوء فبدأت أتحدث معه.

(قلت فى تهيب) من أنت؟ وكيف تطير؟- (قال فى هدوء) أنا روح مغادرة - (سألته) هل أنت حزين لمفارقة الأرض؟ - (قال فى رقة) أنا سعيد باللحاق بالسماء - (قلت) ما اسمك؟ - (قال) أى الأسماء تقصد؟ - (قلت فى دهشة) هل لك أكثر من اسم؟- (قال) اسمى فى الصحف شهيد الثانوية العامة، واسمى فى السماء شهيد الظلم - (قلت وقد بدأت أفهم) أنت المراقب الذى مات بسبب الحر فى مراقبة امتحانات الثانوية العامة؟- (قال) وهؤلاء الذين يلوّحون لى هم رفاقى الثلاثة الذين ماتوا قبلى فى المراقبة يستعجلوننى كى ألحق بالسماء- (قلت) حادث مؤسف- (قال فى غضب) بل جريمة كاملة.

(قلت فى استغراب) ماذا تعنى؟-(قال فى ضيق) يسوقوننا كالعبيد لننام فى فناء المدرسة على فرش قذرة بينما فى كل دول العالم يهيئون لهم الأماكن اللائقة - (قلت فى حزن) يتذرعون بضعف الإمكانيات- (قال مستطردا) مقابل مادى تافه لا يفى بالسفر ولا الطعام- (عدت أقول) يقولون إن قلة مواردنا هى السبب- (قال) المرضى لا يقبلون اعتذارهم، ونراقب فى جو لا يطاق، غرف بلا تهوية تشبه حمامات الساونا، بلا مراوح ولا تكييف- (قلت) لا نملك الموارد اللازمة لشراء أجهزة التكييف- (قال ساخرا) الفلاح يحرص على جاموسته أكثر مما يحرصون علينا، فهل هذا أيضا ضعف إمكانيات؟

يا أخى مصر ليست بلدا فقير الموارد، وإلا ما وجدوا ما ينهبونه كل هذه السنين. وهب أن ذلك حقيقى فلماذا لا تخرج حجة ضعف الموارد إلا حين يتعلق الأمر بنا؟ أما حين يتعلق الأمر بهم فتسمح الميزانية وتتدفق المليارات.

نحن مستعدون أن نحيا فقراء بشرط أن يقاسمونا ضيق المعيشة. أما أن يعيشوا فى الرغد ونموت نحن من النكد فهذا لا يرضى الله.

(قلت محاولا التخفيف عنه) على كل حال لن يضيع حقك، قرأت أنهم قدموا بلاغا ضد وزيرى التعليم والصحة ورئيس الوزراء- (قال فى وضوح) حقى سآخذه أمام محكمة الآخرة، لكنى لن أكتفى بمخاصمة هؤلاء، وإنما سأختصم قبلهم من وضعهم فى هذا المكان.


http://bit.ly/cGIHxv

a7med_Raslan
01-07-2010, 10:46 PM
(ملحوظة: كل الحوار الذى يدور فى هذه القصة ليس بلغة البشر المألوفة وإنما بنوع خاص جدا من تبادل الأفكار).

وضعت الأم طفلها على السرير، أحكمت الغطاء حوله، قبلته برفق ثم أغمضت عينيها وما لبث تنفسها أن انتظم. على أن طفلها لم يكن قد نام بعد، فتح عينيه ودار برأسه وكأنه ينتظر شيئاً ما.

وما مر القليل إلا وملأت الأطياف الغرفة فابتسم لها مرحباً. قال أحد الأطياف فى حنان:

- يا صغيرى. هذه الليلة ليست كسائر الليالى. إنها ليلة الوداع.

قال الصغير: لست أفهم. أى وداع؟

- سوف نكف عن المجىء إليك بعد هذه الليلة.

تكدر وجه الصغير وتساءل - ولم؟

- لقد أوشكت أن تتعلم لغة البشر وسوف تبدأ النطق عما قليل. ستبدأ بنطق أحب الأسماء إليك (ماما)، ثم الطعام الذى سترمز له بـ(المم)، وهكذا حتى تتعلم باقى الأسماء.

- ولماذا يمنعكم تعلمى الأسماء من زيارتى؟

- نحن نزور الصغار الذين لا يستطيعون إفشاء سر وجودنا للكبار.

- عجباً ألا يعرف الكبار بوجودكم؟

- إنهم لا يعرفون.

- ولماذا لا يستطيعون رؤيتكم مثلما أراكم الآن؟

- لأن نفوسهم تعكّرت وفطرتهم فسدت إلى الحد الذى يحجبهم عن رؤيتنا.

- ولكنى لا أستطيع الحياة دونكم.

- لا تحزن. سوف تلعب كثيراً مع الأطفال الآخرين.

- هل توجد وسيلة تجعلنى أراكم بعد ذلك؟

- حينما تكبر وتتعلم الصواب والخطأ. إذا استطعت أن تسمو بروحك وتكون شفافاً وتتقرب إلى الله بالإحسان فى خلقه، ستكون وقتها خيرا ًمنا وربما جئنا نحن كى نراك.

- هذا سهل جداً.

- تقول هذا لأنك لم تعرف عنف الغرائز البشرية وكدر الطين.

- سأفعل كل ما فى وسعى من أجل أن أراكم.

- الجميع قال هذا من قبل!

- ماذا تقصدون؟

- كل الناس رأونا قبل أن يتعلموا الكلام، وكلهم أحزنهم الفراق مثلما أحزنك، وأبدوا نفس تصميمك لكنهم لم يفلحوا.

- لكنى سأفلح وسترون.

- ونحن نتمنى لك النجاح. والآن دعنا نحتفل بهذه الليلة. فإنها ليلة الوداع.

- ( قال الطفل فى إصرار) بل إلى لقاء.

بعد ثلاثين عاماً من هذا الحوار صار هذا الطفل أبا لوليد صغير يبتسم أحياناً فى غموض.. قال لزوجته متأملاً:

- ألاحظ أحيانا أنه يبتسم لشىء لا أراه. أتمنى أن أعرف لمن يبتسم؟


http://bit.ly/9MFqfw

a7med_Raslan
01-07-2010, 10:47 PM
الليل عميق وساكن، والصحراء المظلمة تحبس أنفاسها، والنجوم لامعة ومنتشرة، والقمر ينظر فى فضول وكأنه لا يصدق ما يراه. شيماء تصعد على الكرسى المتهالك، تلُفّ الأنشوطة حول عنقها فى صمت، الأنشوطة مربوطة من طرفها الآخر فى جذع نخلة وحيدة فى الصحراء الممتدة. ومن بعيد تلوح قمة الهرم الأكبر غارقا فى العزلة، ووجه أبو الهول الغامض، لماذا لم يحذرك أبوالهول ولو بكلمة واحدة؟ أم تراه يعرف - من تجاربه الكثيرة - أن البشر مساقون إلى أقدارهم المحتومة؟!

لماذا يا شيماء تثقين بسهولة فى غرباء لم تعرفيهم إلا من أسبوع واحد؟، ولا تعرفى لهم أصلا ولا فصلا. لماذا لم تلاحظى أزياءهم الغريبة وملامحهم المريبة، وحقيقة أنهم لا يظهرون إلا ليلا؟.. هل تذكرين لقاءك الأول بهم؟.. كان يكتنفهم الغموض وكأنهم يخفون سرا ما. وأثارك هذا الجو الغامض بشدة. كنت مستعدة للانبهار لكل ما يبدو غريبا، ولذلك أطعتهم كالمسحورة. عزوت غموضهم لغرابة أطوار الفنانين. والفنان مغفور له كل شىء!

حينما شاهدت كاميراتهم الحديثة، ورطنوا أمامك ببضعة مصطلحات فنية، عطلت الجزء الحذر من عقلك الذى كان يستحلفك أن تبتعدى، نفذت أوامرهم دون تردد، حتى لو كان الأمر أن تمثلى مشهد «شنق»!. فى الحقيقة هم لم يطلبوا منك وإنما أنت التى طلبت، حينما أخبروك بأنهم يبحثون عن وجه مصرى جديد يشارك فى بطولة فيلم أجنبى مثير، تستحوذ فيه على البطلة روح فرعونية قديمة، تتلبس بها وتدفعها للانتحار، جن جنونك كى تأخذى الفرصة وتكونى هذا الوجه الجديد.

فلنكن صرحاء. حينما ظهروا فى حياتك كنت متمردة على واقعك، على أبيك المقيم فى الخليج، على أمك التى لا تعبأ إلا باقتناء الأشياء الثمينة، على المجتمع المخملى المحبوس فى زجاج. صممت على العودة لمصر التى تموج بالحياة. فى الجامعة جربت كل شىء، التدخين الذى لم يرق لك ولكن أضفى عليك سمة الفتاة المتحررة، الأقراص المخدرة، سحابة الدخان الأزرق، الرقص حتى الفجر. ثم ظهر الأصدقاء الجدد، الفنانون غريبو الأطوار الذين تعرفت بهم، ومنتهى آمالك أن يسمحوا لك بالاقتراب.

وأخيرا جاء اليوم المشهود، وها أنت ذا تمثلين المشهد فى الصحراء، فى الليل العميق، الأنشوطة تلتف حول عنقك، تضيق رويدا، تحاولين أن تطمئنى نفسك، عبثا ما تبحثين فى عيونهم عن شىء مُطمئن، عن بسمة مشجعة، عن نظرة رقيقة. الأنشوطة تحز فى عنقك. الليل يقول لك كفى. النجوم تقول لك كفى، القمر يقول لك كفى، حتى أبو الهول نطق! وقال كفى. الأنشوطة تغوص فى عنقك، وهواء الصحراء يهمس فى أذنك بشىء لا تريدين أن تصدقيه، يخبرك بأن هذا المشهد ليس تمثيليا.

وحتى اللحظة الأخيرة لم تكن شيماء مستعدة لأن تصدق أن هذه اللقطة حقيقية.



http://bit.ly/dtNrva

a7med_Raslan
01-07-2010, 10:47 PM
1- وجه الزعيم

يتخلق من الغيب. يخرج من رحم الظلام. يتأرجح بين الظلمة والنور. يُبعث من جديد.

وجد نفسه فى مكان مجهول. لم يعرف متى جاء! أو كيف جاء! أو لماذا جاء!. غاب فى جهل مرهق. يبحث عن طرف الخيط بلا جدوى. عن أول حرف من حروف الأبجدية.

لا يذكر اسمه، لا يذكر شكله، لا يذكر ماضيه. خرج من الغرفة المغلقة فوجد رجالا تبدو عليهم الصرامة. مجرد النظر إليهم يُخيف. انتابه شك مقلق حينما أحاطوا به. سار فساروا فى جمع واحد خلفه، فتح أحدهم الباب الخلفى لسيارة فارهة فركب.

تحركت السيارة فى ظلام المدينة فراح يتملل فى مقعده الوثير. لم يزعجه الغموض الذى ران على الموقف كله بقدر ما أزعجه جهله بنفسه. من هو؟ أين هو؟ تشاغل بالنظر من خلال النافذة إلى المدينة الهادئة الناعسة، فلاحظ صورا كثيرة معلقة فى كل الميادين لوجه عجوز يحاول أن يبتسم فى مودة ولكنه عاجز عن الابتسام. لمن هذا الوجه يا ترى الذى يعلقون صوره فى كل الميادين؟

■ ■ ■

توقفت السيارة فهبط منها. أدهشته النظرات الخاشعة فى العيون. وجد أمامه ممرا سار فيه فلم يتبعه أحد. دلف إلى غرفة واسعة ذات رياش فاخر. جلس على مقعد وثير. استولى عليه النعاس ليحلم أحلاما غامضة. استيقظ على تعب مفاجئ وذكرى مبهمة. تطلع إلى مرآة مصقولة فوجد الصورة المنعكسة أمامه هى لنفس الوجه المعلقة صوره فى كل الميادين!!

■ ■ ■

2- وجه مجهول يملأ عالمى

متى شاهدته!، أين شاهدته، كيف شاهدته!، كلها أمور لا علم لى بها، أنا المستغرق فى عالمى الخاص، الهائم فى مملكة الروح. ومن أين لى أن أعلم أن هذا الوجه سيستحوذ تدريجيا على عالمى كله، دون أن يفصح عن اسمه، أو يشير إلى ذاته، أو يعرفنى بكينونته.

لابد أننى شاهدته كثيرا جدا وانطبعت صورته فى عقلى الباطن، حتى لم يعد هناك مفر أن ينتبه إليه عقلى الظاهر. حيثما ذهبت أراه. فى كل مكان أراه. عند باب البيت، فى المتجر القريب. لو وقفت فى الطابور أشاهده واقفا أمامى، أو ذهبت إلى مطعم أجده جالسا على المائدة المجاورة.

ما سره المغلق وطلسمه العجيب؟ لماذا وجدته واقفا فى خلفية صورى القديمة؟ شاهدا على عقد زواجى؟ مُوقّعا على شهادة تخرجى؟ وكلما استيقظت من نومى وجدته جوار سريرى؟ أو وقفت فى الشرفة شاهدته ينتظرنى عند انحناء الدروب؟

أسرار! كم فى الكون من أسئلة لا نعرف إجابتها، وألغاز لا ندرى حلها. أتراه زميلا فى المدرسة الابتدائية؟ أم جارا قديما منسيا؟. هل هو ابنى أو أبى؟ أخى أو عمى؟. أم هو (أنا) آخر انفصل عنى، ثم راح يتبعنى باحثا عن وحدة الذات.


http://bit.ly/dDer5Z

الأمل في الغد
19-07-2010, 02:14 AM
بلطيم..
جبال النرجس، التلال الرملية المزروعة بالتين والعنب الأسود، يغسل أقدامها البحر المنبسط، فتجود بعناقيد من العنب الأسود، لها فى فمها مذاق العسل.
العودة إلى بلطيم. هناك حيث عرفت الدهشة وأدركتها اللهفة وأجادت الابتسام. هناك حيث تعلمت المشى وحاكت الأسماك وحسدت الطيور. هناك حيث رأت نفسها قصيرة أمام النخل، ضئيلة أمام البحر، صغيرة أمام السماء.
بلطيم: العشش الخشبية التى طالما استأجرها والدها الحبيب طيلة عطلة الصيف، ورائحة البحر المنعشة المشبعة بالود واليود وأعشاب البحر، وطعم الأمواج المالحة التى تتسلل إلى فمها وهى تضرب وجهها بعنف، برفق، بحب.
■ ■ ■ ■
قال سفروت (اسمه الحقيقى مصطفى) هامساً فى أذن شقيقته مرمر (اسمها الحقيقى مريم).
- أصغى إلىّ ولا تنطقى بحرف، فإنهم يراقبوننا. هناك مغامرة قد لا نخرج منها أحياء، سوف نتسلل إلى الشاطئ بعد أن يغفو الجميع.
اتسعت عيناها دهشة، كانت حينذاك مجرد طفلة فى السابعة من عمرها. قالت فى انفعال مكتوم:
- أحقا؟
أشار سفروت– الذى يكبرها بعام- محذرا، وهمس فى خطورة:
-سوف ندمر العصابة الشريرة تدميرا تاما، تذكرى موعدنا بعد منتصف الليل.
لم يكن أى منهما يعرف منتصف الليل بالتحديد ولا حتى شقيقهما الأكبر ميشو (اسمه الحقيقى محمد) الذى يكبرها بعامين. بمجرد استيلاء مملكة الظلام على صفحة السماء، تسللوا جميعا خارج العشة، وكان الموج يفضى بأسراره العجيبة إلى الشاطئ المهجور، ولم تكن مرمر تعرف طلاسم هذه اللغة المجهولة بعد.
كان قلبها ينبض بعنف يفوق وشوشة البحر وهى تخوض وسط الظلام الكثيف مع شقيقيها ميشو وسفروت، اللذين كانا يشهران أسلحة نارية قاتلة عبارة عن عصا مقشة، وشرعا يطلقان الرصاص فى جميع الأنحاء، ومن الخلف كانت مرمر تحمى المؤخرة.
هتف ميشو بلهجة عسكرية ممدودة: تقدموا.
وابتلع الظلام أجسادهم الصغيرة، وكما يحدث دائما فى كل مغامرة أسفرت المعركة عن تدمير تام لأعدائهم الأشرار، وما لبثوا أن تسللوا إلى العشة الخشبية وهم يتنهدون فى ارتياح.
تهامسوا قليلاً على الأسرة الصغيرة، وكانت مرمر أول من راح فى سبات عميق.
■ ■ ■ ■
مرة أخرى تعود.
بعد عشرين عاما على هذه المغامرة، عادت مريم مع زوجها، ظلت تزين له الذهاب إلى بلطيم. ترقرق الدمع فى عينيها وهى ترسم له الشاطئ الممتد يبوح بأسراره لقاطنى العشش الخشبية المتناثرة كالزهور البرية، وجبال النرجس والبحر الساجى تحتها، وكروم العنب السوداء كاللآلئ النادرة تخرج من محار الحب والألم.
لوحة فريدة قوامها لون البحر الأزرق والعنب الأسود والدم الأحمر والدمع لا لون له، هُيئ لزوجها أنه سيمضى قدما صوب الفردوس المفقود.
■ ■ ■ ■
قال سفروت وهو يضع القوقعة البحرية على أذنيها الصغيرتين
- هل تسمعين يا مرمر وشوشة البحر؟
أصغت فى إمعان. كان يهمس إليها بلغته المجهولة ذات المقاطع المنتظمة بصورة تدعوها إلى الإصغاء، لكنها لا تلبث أن تسأم الإنصات فتمضى لتشيّد قصرها الصغير من الرمال. أحضرت بعضا من ماء البحر فى إناء بلاستيكى أزرق ثم أضافت الماء إلى الرمال، ثم أعدت الحديقة الأمامية ورشقت بعض الأصداف فى موضع الزهور، وحفرت بيدها الصغيرة موضع حمام السباحة الأنيق. ثم ارتدت بضع خطوات إلى الوراء لتتأمل فى إعجاب قصرها المشيد الذى لم تهنأ به طويلا إذ اندفعت موجة شقية فى تهور فدكت القصر الجميل.
وكأى طفلة عاقلة لم تعمد إلى البكاء، وإنما مضت تعدو خلف شقيقها سفروت بجسدها الصغير الذى تحول بأكمله إلى لون الشيكولاته من جراء التعرض لأشعة الشمس الحارقة على الشاطئ طيلة النهار، ومضت أمواج البحر تمسح بسرعة فائقة آثار قدميها الصغيرتين.
■ ■ ■ ■
بلطيم..
شاطئ الأحلام لم يكن كذلك فى عينى زوجها. هو فى رأيه أقرب إلى البساطة، ولقد غررت به زوجته حينما رسمت لوحة لذلك المصيف الهادئ، لم يكن له وجود إلا فى خيالها. كان يمكنه قضاء هذه الأيام فى أحد الشواطئ الحديثة. تمنى لو يصارحها بخيبة أمله إلا أن نظرة واحدة إلى وجهها الأبيض الشاحب وعينيها المترقرقتين ألزمته الصمت.
كانت تعانق بنظراتها المدلهة الشاطئ الرملى والأمواج البيضاء والبحر الممتد وجبال النرجس، وتجهد عينيها تفتش فى رمال الشاطئ عن آثار قديمة لأقدام صغيرة.. صغيرة.
■ ■ ■ ■
قال ميشو وهو يلوح بورقة صغيرة مبتلة:
- لقد حُسم الأمر نهائيا، وغدونا أثرياء.
قالت له: كيف؟
- هذه خريطة كنز عثرت عليها فى زجاجة قديمة.
قال ميشو وهو يقرأ خريطة الكنز: عشر خطوات ابتداء من الباب الخلفى للعشة.
وهرول مسرعاً حتى أتم الخطوات العشر، ثم أردف: خمس خطوات إلى اليمين ثم نبدأ الحفر.
وبرز فجأة الحارس العجوز ملوحا بعصا خشبية غليظة، صرخ سفروت محذرا، فأفلتت الأرانب الصغيرة التى لوحها الشمس من مخالب الذئب العجوز.
ترى ألم يزل الكنز مخبوءاً بعد عشرين عاما؟
■ ■ ■ ■
قالت لزوجها ذات أصيل: أوحشتنى كروم العنب السوداء. فلنمض إلى جبال النرجس.
ومضى معها مذعنا، تغوص قدماه فى الرمال وتؤلمه الحشائش الضارة وقطع الزجاج المكسور.
جبال النرجس الحبيبة.
منذ عشرين عاما كانوا يفترشون الرمال جميعا (العائلة بأسرها)، وما يلبث المزارعون البسطاء أن يهرعوا إليهم حاملين سلالا صغيرة مليئة بثمرات العنب الأسود اللذيذة المشهورة زراعتها فى هذه الأنحاء، يغسلونها بماء يجلبونه من طلمبة قديمة يديرها الأطفال بأيديهم ثم يلتهمونها فى شهية.
جبال النرجس هنا، الطلمبة القديمة لم تزل فى موضعها، ثمرات العنب السوداء حتما سيجلبها المزارعون البسطاء فى السلال الصغيرة. الفارق الوحيد بين الأمس واليوم هو عشرون عاما مرت كليلة واحدة.
أدارت مريم وجهها لكيلا يرى زوجها دموعها الغزيرة. تفتش هى من خلال غلالة الدموع عن طفلة صغيرة تدعى مرمر كانت تلهو فى هذه الأنحاء.
تغير كل شىء، كل شىء.
توفى والدها الحبيب فجأة، واتسع الجرح فى قلوب الجميع. وعرفت الطلسم الغائب للغة البحر المجهولة منذ بدء الخليقة وهو يردد ذات المقاطع الصوتية المتشابهة: كان يسأل عن الأحبة الغائبين!!
قالت لزوجها فى أمل: سوف يأتى المزارعون البسطاء بسلال العنب الأسود مثلما كان يحدث زمان.
وبالفعل اقترب رجل عجوز مغضّن الوجه يحمل سلة صغيرة خرجت لتوها من الماضى الحبيب، ناشدته بعينها أن يقترب فاقترب.
نقد زوجها البائع ثمن السلة وأزاح الغطاء ثم هتف به فى خشونة
-ما هذا يا رجل؟ إنه لا يؤكل.
أومأ الرجل فى تسليم: إن موسم العنب قد انقضى يا سيدى!!
فأشاح بوجهه فى ملل. انصرف الرجل، والتقطت مريم بعض ثمرات العنب السوداء، وما لبثت أن أدركت كل شىء. كانت حقا ذابلة.
بلطيم..
بلطيم ..
آه يا بلطيم.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261027&IssueID=1819

الأمل في الغد
19-07-2010, 02:25 AM
تذكرنى حرارة يوليو بسخونة هذه الأحداث، بدموع تنهمر من عيون الشرق، بطبول الحرب ونفخ النفير، بزرقة البحر المتوسط والأشرعة تطويه طياً، بسحر الليالى الشرقية تداعب أخيلة الفرنسيس، بلهفة الغرب فى اقتحام المجهول، بالنهضة الكامنة فى قلب شعب، بإرادة الحياة تنفجر فى قلوب الأوروبيين.
فى مثل هذه الأيام من شهر يوليو عام ١٧٩٨ كان بدء الملاحم الكبرى بين الشرق والغرب. فى أول يوليو وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى ميناء الإسكندرية. فى الثانى من يوليو نجحت فى احتلال المدينة. فى الثالث من يوليو زحفت الحملة نحو القاهرة، فى الواحد والعشرين من يوليو هزموا المماليك. ٢٤ يوليو دخلوا العاصمة التاريخية للشرق، القاهرة بأزهرها العريق وقبابها العريقة، بأهراماتها العتيقة وأبى الهول، حارس التاريخ.
لم تكن المسافة بيننا وبينهم تقدر بالأميال، بل بالزمان، بقرون تتسع فى كل عام، بالفارق المهول بين مارد نائم ومارد يستيقظ. بفوران النفوس، بوهج الأدباء والعلماء والمفكرين. بشعب أراد الحياة وقدر لابد أن يستجيب.
كنا هنا وكانوا هناك. كانت التفاحة تقع على رأس نيوتن فيكتشف قانون الجاذبية، وديكارت يؤسس المنهج العلمى النقدى، وروسو يؤكد إرادة الشعوب، ودافنشى يستلهم غموض الكون فى ابتسامة الجيوكاندا، والمقصلة تطيح برأس لويس السادس عشر وتطيح معها بالحق الإلهى للملوك، والدهماء يستولون على الشارع توطئة لفوضى خلاقة ستعيد تشكيل العالم، للحرية والعدل والمواساة. و«نابليون»، الضابط الكورسيكى، يتأهب لغزو العالم القديم. وعلى الجانب الآخر، مماليك لا يحسنون سوى المؤامرات الصغيرة وخلع السلاطين، يقهقهون على «هبل» الفرنجة الخرعين، الذين سول لهم الغرور مقارعة المماليك الجدعان!.
لم يعرفوا أن الزمان تغير وجاء زمن العلم، والمدفع والبارود، والحرب المنظمة والخطط العسكرية. القمقم المسحور فض خاتمه، معلناً عن خروج جنى العلم، يسبقه الدخان الأزرق ويتلوه التقدم المثير. الطغاة الصغار لم يعرفوا أن سفن نابليون تقترب، تمخر البحر الأزرق واللجج البيضاء. عما قليل ستمطرهم بالقنابل فيصرخون فى سجع لطيف، وهم يموتون: «يا سلام من هذه الآلام!».
سيفر المماليك، ويتلقى الشرق صفعته الكبرى. ويضطر إلى مجابهة الواقع بلا تزويق. لم يأت نابليون حاملاً الأمل لشعوب كسالى. بل جاء غازياً، مؤسساً لإمبراطورية، لكن كما يحدث دائما، تختفى الأمور فى أضدادها، ويسفر وجه الشر عن خير كثير. جاءت المطبعة وجاء العلماء. وبدأ المشروع الحضارى فى «وصف مصر»، وتعثر جندى فى حجر رشيد ليفك شامبليون طلاسم الحضارة الفرعونية.
بالتفاعل، ولقاء الضد بالضد، واستنهاض الهمم استعاد الشعب إرادته، اكتشف أنه حى كأروع ما تكون الحياة. أعوام قليلة ويتسلم «محمد على» الحكم ليبدأ عصر النهضة الجديد. كل هذا سيحدث فيما بعد. المهم أنه فى هذه الأيام من شهر يوليو كانت سفن نابليون تلقى مراسيها على شواطئ الإسكندرية، إيذانا بالملاحم الكبرى وإعلان بدء عصر جديد.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261218&IssueID=1821

الأمل في الغد
19-07-2010, 02:33 AM
حينما سألنى الشبح عما إذا كنت مستعدا لاحتمال البهدلة من أجل الديمقراطية، وقلت إننى أشجع فقط، انفجر الشبح فى الضحك. (قلت فى غيظ) بتضحك على إيه؟- (قال وهو يمسح دموع الضحك) عليك طبعا، أنا كنت عارف من الأول إنكم «كلمنجية».
(قلت مستغربا) إزاى؟- (قال) هل معقول أن المستفيدين من الوضع الحالى حيسيبوا العز والفلوس ببساطة عشان خاطر عيونكم؟- ( قلت على الفور) لأ طبعا- (قال) هل يمكن أن تحصل على شىء من غير ما تدفع تمنه؟- (عدت أقول) برضه مستحيل.
(أردف الشبح قائلاً) لو كل واحد انتظر التانى يتحرك حتفضلوا قاعدين إلى الأبد- (قلت مدافعا عن نفسى) بس أنا كبرت ومفروض الشباب هم اللى يتحركوا، لأنهم بيدافعوا عن مستقبلهم- (قال الشبح وهو يعاود الضحك) حجج (قرعة). لو كنت شابا كنت قلت إن الكبار هم اللى مفروض يتحركوا لأنهم سبب المأساة. كل واحد بيرمى على التانى. تعرف إنى لما باقرا تعليقات القراء باموت من الضحك.
(قلت باسما) إزاى؟- (قال والشقاوة تقفز من عينيه) تلاقى تعليق ثورى بيقول: «كفى خضوعا، كفى انهزاما، كفى سلبية، كونوا شجعانا وقولوا لا للذين سلبوكم الحق فى الحياة الكريمة». تعليقات يا جدع لو قريتها تتخض، تقولش عرابى على سعد زغلول على جيفارا كلهم مع بعض، وفى الآخر تلاقيه مش كاتب اسمه!!.. طب لما إنت خايف تحط اسمك عامل عنتر ليه؟
(قلت مدافعا) بس مش كلنا كلمنجية، فيه كتّاب معارضة شجعان- (قال على الفور) ولا شجعان ولا حاجة، معظمهم بيسترزقوا.
(قلت مصدوما) حرام عليك يا شبح، دول بينتقدوا النظام بقسوة- (قال فى جدية) طالما عارفين إن النظام سامح بالانتقاد ومش حيئذيهم تبقى مش بطولة. البطولة كانت زمان، وقت اللى كان بيتكلم بيبهدلوه. والدليل إنهم ما انتقدوش إلا بعد ما تبين بالتجربة العملية إنه مش حيحصلهم حاجة.
(ثم وهو يغمز بعينه) تصدق إن المعارضة بقت مربحة أكتر من تأييد النظام! لأنهم بيكتبوا اللى الناس عاوزة تقراه وبالتالى بتزيد المبيعات.
- (سألته فى دهشة) معقولة كلهم بيسترزقوا؟- (قال على الفور) لأ طبعا فيه ناس محترمة- (قلت فى حيرة) طيب نعرفهم من بعض إزاى؟- (قال فى جدية) شوف مين بيسترزق ومين بيدفع التمن، تعرف النائحة الثكلى من المستأجرة.
لكن المشكلة الأكبر إن المعارضة بقت بتصب فى مصلحة النظام-(قلت مستغربا) إزاى؟- (قال الشبح فى بساطة) لأن الناس (بتفش) غلّها، والنظام بياخد سمعة الديمقراطية لأنه بيسمح بالانتقاد- (قلت مذهولا) يعنى النظام مبسوط بالشتيمة؟- (قال على الفور) جداً. طالما لا تؤدى إلى فعل. شعارهم هو «لكم الكلام ولنا الأفعال».

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261350&IssueID=1822

الأمل في الغد
19-07-2010, 02:41 AM
يُحكى أنه كانت هناك أرض عند ملتقى القارات والتقاء الحضارات، تُدعى «أرض الأساطير». أرض فيها السحر والخيال، والسرور والجمال. سكّانها نصفهم شعراء ونصفهم عشاق، عُبَّاد وعلماء. بنوا الحضارة والمجد، والمسلات والأهرامات. والمعابد الضخمة والمنمنمات الدقيقة. روضوا النهر وسادوا البحر، وبسطوا سيطرتهم على كل البلدان.
ويُحكى أن الكوكب الأرضى دار حول نفسه مرات. تعاقبت السنون وتتابعت الأعوام، وأصبح للأجداد أحفاد يعشقون الكلام، تركوا مشقة الفعل واحترفوا تحريك اللسان. تدهور تراث الأجداد العظام، وتغير الحال وفسد الزمان. وفيما ارتقت كل الأمم من حولهم، ضاقت معايشهم وساءت أحوالهم وامتلأت طرقاتهم بالقذارة والزحام.
تأقلموا مع القبح وخاصموا الجمال. ولم يعد لهم سلوى غير جلد الذات والشكوى من قهر الولاة. كانوا يجدون لذة عظيمة فى الكلام عن مظالم الحكام. لأن كل مظلمة كانت تمدهم بمادة لا تنتهى للحديث، والسمر فى مجالس الكلام.
ويُحكى أن العالم استيقظ يوما فلم يجدهم موجودين. اختفى الثمانون مليونا فجأة عن العيان. احتار العلماء فى فهم الظاهرة واختلف السحرة والمنجمون. كيف يمكن أن يختفى شعب بأكمله فى غمضة عين؟!. لم يعرفوا أبدا أن هذا الشعب تحول إلى شعب من الأشباح. يرون الناس ولا يرونهم، ولم يضايقهم هذا لأنهم كانوا من قبل قد خاصموا الفعل وامتهنوا الكلام.
والذى حدث بعدها أن موقعا فى عبقرية «أرض الأساطير» كان يستحيل أن يُترك فارغا، خصوصا وهو يتمتع بموارد كثيرة وخيرات ممدودة. فهناك نهر وبحران، وطقس معتدل، وأرض خصبة، وثروات مدفونة، والأهم من ذلك كله: تاريخ البشرية كله ونصف آثار العالم. تقاتلت جيوش، وبدت نذر الحرب العالمية بما سيتبعها حتما من فناء للبشرية. فى النهاية كفوا عن القتال وبدأت المفاوضات.
كان هناك شعب من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يدعى «أمة الألمان». هذه الأمة أخذت حياتها بالعمل والجدية، وابتعدت عن المظاهر الكاذبة والأطماع الإمبراطورية، وبالتالى كان لديها فائض أموال تستطيع أن تُرضى بها الدول الطامعة فى «أرض الأساطير».
حينما استوطنوا الأرض أدهشتهم البيوت المتهالكة والطرقات البدائية، رأوا أن المدن ميؤوس من إصلاحها فأزالوها على الفور، واستبقوا فقط الآثار التاريخية. بنوا مدنهم الجديدة فوق الصحراء المجاورة وتركوا الأراضى الخصبة للزراعة. بعدها استداروا للنهر العظيم فأزالوا الحشائش وأقاموا السدود وشيدوا المشاريع عند أعالى النهر ليكسبوا ود بلاد المنبع.
وبرغم اعتزازهم القديم بلغتهم الأم، فإنهم التزموا بتعلم لغة البلاد المحيطة ليذوبوا فى محيطها الكبير. تزاوجوا مع البلاد المجاورة لينشأ نسل جديد مختلط له (بشرة سمراء وعيون زرقاء) لا يكفون عن العمل. أما السكان الأصليون، الذين تحولوا إلى شعب من الأشباح، فقد كانوا يشاهدون هذا كله فى استمتاع عظيم، إذ أمدهم بمادة لا تنتهى من الكلام وجلد الذات الذى لا يُفضى إلى أفعال.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261496&IssueID=1823

الأمل في الغد
19-07-2010, 02:42 AM
يُحكى أنه كانت هناك أرض عند ملتقى القارات والتقاء الحضارات، تُدعى «أرض الأساطير». أرض فيها السحر والخيال، والسرور والجمال. سكّانها نصفهم شعراء ونصفهم عشاق، عُبَّاد وعلماء. بنوا الحضارة والمجد، والمسلات والأهرامات. والمعابد الضخمة والمنمنمات الدقيقة. روضوا النهر وسادوا البحر، وبسطوا سيطرتهم على كل البلدان.
ويُحكى أن الكوكب الأرضى دار حول نفسه مرات. تعاقبت السنون وتتابعت الأعوام، وأصبح للأجداد أحفاد يعشقون الكلام، تركوا مشقة الفعل واحترفوا تحريك اللسان. تدهور تراث الأجداد العظام، وتغير الحال وفسد الزمان. وفيما ارتقت كل الأمم من حولهم، ضاقت معايشهم وساءت أحوالهم وامتلأت طرقاتهم بالقذارة والزحام.
تأقلموا مع القبح وخاصموا الجمال. ولم يعد لهم سلوى غير جلد الذات والشكوى من قهر الولاة. كانوا يجدون لذة عظيمة فى الكلام عن مظالم الحكام. لأن كل مظلمة كانت تمدهم بمادة لا تنتهى للحديث، والسمر فى مجالس الكلام.
ويُحكى أن العالم استيقظ يوما فلم يجدهم موجودين. اختفى الثمانون مليونا فجأة عن العيان. احتار العلماء فى فهم الظاهرة واختلف السحرة والمنجمون. كيف يمكن أن يختفى شعب بأكمله فى غمضة عين؟!. لم يعرفوا أبدا أن هذا الشعب تحول إلى شعب من الأشباح. يرون الناس ولا يرونهم، ولم يضايقهم هذا لأنهم كانوا من قبل قد خاصموا الفعل وامتهنوا الكلام.
والذى حدث بعدها أن موقعا فى عبقرية «أرض الأساطير» كان يستحيل أن يُترك فارغا، خصوصا وهو يتمتع بموارد كثيرة وخيرات ممدودة. فهناك نهر وبحران، وطقس معتدل، وأرض خصبة، وثروات مدفونة، والأهم من ذلك كله: تاريخ البشرية كله ونصف آثار العالم. تقاتلت جيوش، وبدت نذر الحرب العالمية بما سيتبعها حتما من فناء للبشرية. فى النهاية كفوا عن القتال وبدأت المفاوضات.
كان هناك شعب من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يدعى «أمة الألمان». هذه الأمة أخذت حياتها بالعمل والجدية، وابتعدت عن المظاهر الكاذبة والأطماع الإمبراطورية، وبالتالى كان لديها فائض أموال تستطيع أن تُرضى بها الدول الطامعة فى «أرض الأساطير».
حينما استوطنوا الأرض أدهشتهم البيوت المتهالكة والطرقات البدائية، رأوا أن المدن ميؤوس من إصلاحها فأزالوها على الفور، واستبقوا فقط الآثار التاريخية. بنوا مدنهم الجديدة فوق الصحراء المجاورة وتركوا الأراضى الخصبة للزراعة. بعدها استداروا للنهر العظيم فأزالوا الحشائش وأقاموا السدود وشيدوا المشاريع عند أعالى النهر ليكسبوا ود بلاد المنبع.
وبرغم اعتزازهم القديم بلغتهم الأم، فإنهم التزموا بتعلم لغة البلاد المحيطة ليذوبوا فى محيطها الكبير. تزاوجوا مع البلاد المجاورة لينشأ نسل جديد مختلط له (بشرة سمراء وعيون زرقاء) لا يكفون عن العمل. أما السكان الأصليون، الذين تحولوا إلى شعب من الأشباح، فقد كانوا يشاهدون هذا كله فى استمتاع عظيم، إذ أمدهم بمادة لا تنتهى من الكلام وجلد الذات الذى لا يُفضى إلى أفعال.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261496&IssueID=1823

الأمل في الغد
19-07-2010, 02:50 AM
يُحكى أنه كانت هناك أرض عند ملتقى القارات والتقاء الحضارات، تُدعى «أرض الأساطير». أرض فيها السحر والخيال، والسرور والجمال. سكّانها نصفهم شعراء ونصفهم عشاق، عُبَّاد وعلماء. بنوا الحضارة والمجد، والمسلات والأهرامات. والمعابد الضخمة والمنمنمات الدقيقة. روضوا النهر وسادوا البحر، وبسطوا سيطرتهم على كل البلدان.
ويُحكى أن الكوكب الأرضى دار حول نفسه مرات. تعاقبت السنون وتتابعت الأعوام، وأصبح للأجداد أحفاد يعشقون الكلام، تركوا مشقة الفعل واحترفوا تحريك اللسان. تدهور تراث الأجداد العظام، وتغير الحال وفسد الزمان. وفيما ارتقت كل الأمم من حولهم، ضاقت معايشهم وساءت أحوالهم وامتلأت طرقاتهم بالقذارة والزحام.
تأقلموا مع القبح وخاصموا الجمال. ولم يعد لهم سلوى غير جلد الذات والشكوى من قهر الولاة. كانوا يجدون لذة عظيمة فى الكلام عن مظالم الحكام. لأن كل مظلمة كانت تمدهم بمادة لا تنتهى للحديث، والسمر فى مجالس الكلام.
ويُحكى أن العالم استيقظ يوما فلم يجدهم موجودين. اختفى الثمانون مليونا فجأة عن العيان. احتار العلماء فى فهم الظاهرة واختلف السحرة والمنجمون. كيف يمكن أن يختفى شعب بأكمله فى غمضة عين؟!. لم يعرفوا أبدا أن هذا الشعب تحول إلى شعب من الأشباح. يرون الناس ولا يرونهم، ولم يضايقهم هذا لأنهم كانوا من قبل قد خاصموا الفعل وامتهنوا الكلام.
والذى حدث بعدها أن موقعا فى عبقرية «أرض الأساطير» كان يستحيل أن يُترك فارغا، خصوصا وهو يتمتع بموارد كثيرة وخيرات ممدودة. فهناك نهر وبحران، وطقس معتدل، وأرض خصبة، وثروات مدفونة، والأهم من ذلك كله: تاريخ البشرية كله ونصف آثار العالم. تقاتلت جيوش، وبدت نذر الحرب العالمية بما سيتبعها حتما من فناء للبشرية. فى النهاية كفوا عن القتال وبدأت المفاوضات.
كان هناك شعب من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء يدعى «أمة الألمان». هذه الأمة أخذت حياتها بالعمل والجدية، وابتعدت عن المظاهر الكاذبة والأطماع الإمبراطورية، وبالتالى كان لديها فائض أموال تستطيع أن تُرضى بها الدول الطامعة فى «أرض الأساطير».
حينما استوطنوا الأرض أدهشتهم البيوت المتهالكة والطرقات البدائية، رأوا أن المدن ميؤوس من إصلاحها فأزالوها على الفور، واستبقوا فقط الآثار التاريخية. بنوا مدنهم الجديدة فوق الصحراء المجاورة وتركوا الأراضى الخصبة للزراعة. بعدها استداروا للنهر العظيم فأزالوا الحشائش وأقاموا السدود وشيدوا المشاريع عند أعالى النهر ليكسبوا ود بلاد المنبع.
وبرغم اعتزازهم القديم بلغتهم الأم، فإنهم التزموا بتعلم لغة البلاد المحيطة ليذوبوا فى محيطها الكبير. تزاوجوا مع البلاد المجاورة لينشأ نسل جديد مختلط له (بشرة سمراء وعيون زرقاء) لا يكفون عن العمل. أما السكان الأصليون، الذين تحولوا إلى شعب من الأشباح، فقد كانوا يشاهدون هذا كله فى استمتاع عظيم، إذ أمدهم بمادة لا تنتهى من الكلام وجلد الذات الذى لا يُفضى إلى أفعال.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261496&IssueID=1823

الأمل في الغد
19-07-2010, 03:16 AM
يُحكى أنه فى زمن بعيد جدا، فى تلك الحقبة التى أعقبت سجود الملائكة لآدم، وسكنه فى جنة عدن، وقبيل هبوطه إلى الأرض، كان هناك حرف لا نعرفه من حروف الأبجدية، يقع بين «الميم» و«النون».
فى البدء لم يكن هذا الحرف موجودا، كانت الأبجدية بنفس الحروف التى نستخدمها الآن، وكان آدم يكلم بها الملائكة والطيور والأشجار. يرمق ما حوله بالبراءة الأولى وفرحة البدايات. نام على الرضا واستيقظ على الفرحة حين شاهد امرأة خُلقت من ضلعه الذى يجاور قلبه، ولذلك أحبها على الفور. وقر فى قلبه أنها زوجته وأن اسمها «حواء».
كانت بديعة الحسن، صافية اللون، لها عينان أخاذتان. راح يرنو إليها فى وله، سعيدا من رأسه إلى قدميه. حينما أراد أن يعبر عن فرحته بها وٌلد هذا الحرف لأول مرة من قلبه إلى شفتيه. ويُحكى أن هذا الحرف - الذى هو ابن شرعى للحب - لم يكن حرفا عاديا مثل باقى الحروف، بل كانت له خواص سحرية. كثيرا ما كان يغادر الأبجدية، ويطير فى الهواء مثل عصفورة ملونة، مثل فراشة ذهبية، ليبحث عن المعانى الجميلة والصفاء الكونى الغالب.
يطوف مع الإلكترونات حول نواة الذرة، يصغى إلى تسبيح العصارة الخضراء وهى تصعد إلى أعلى ورقة، ومثل النحلة يمتص رحيق الزهور ليصنع شهد الحب. وبعد أن يكتسى بالمعانى الجميلة يشتبك مع حروف أى كلمة فتكتسب خواصا سحرية، وتتحول إلى كلمة: «أحبك».
ويٌحكى أن آدم وحواء كانا سعيدين بحرفهما السحرى. يستيقظان من الصباح الباكر، يتنزهان بين الخمائل والغصون، يسيران الهوينى بجوار الجداول، يكتشفان منابع الأنهار، يشاهدان الأسماك الفضية وهى تثب فى الماء، يحاولان فى جذل أن يقبضا على قروش الشمس الفضية المتسللة بين أوراق الشجر.
ويحكى أن فى هذا الزمن بالذات، وآدم يبوح بحبه لحواء، ويدشنان ميلاد البشرية، ويستمعان لخرير الماء الجارى بأوراق الزهور، ويفهمان لغة الطير والحيوان، وتسبيح الأكوان لخالق الأكوان، وسرور الطيور التى لا هم لها إلا الغناء، والسمر مع الملائكة، وفرحة الطين بتجليات الروح.
ويحكى أن آدم حينما ارتكب المعصية، وتعكر صفاؤه الداخلى، وصمتت موسيقاه الخفية، وهبط مع حواء إلى الأرض، شاهد الحرف السحرى يغادر الأبجدية ويرفض أن يغادر جنة عدن. لأحقاب طويلة ظل آدم يذرف دموع الندم، يحترق بالحنين إلى أيام الصفاء الأول، وإلى ذلك الحرف السحرى الذى كلما اشتبك بكلمة تحول إلى كلمة «أحبك». ومنذ ذلك الحين تحاول البشرية، عبثا، أن تسترجع الحرف المفقود، تؤلف قصيدة، تنشد أغنية، تقع فى الحب، تداوى جريحا، تصنع معروفا، تديم التحديق إلى السماء، تطيل السجود.
وكلما نقص رصيدنا من السكينة رفعنا عيوننا إلى السماء، حيث تقع جنتنا القديمة، نحترق بالحنين إليها وإلى الحرف المسحور.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=261608&IssueID=1824

قيصر الصقيع
24-07-2010, 07:28 AM
كان هناك، واقفاً بجوار عربته الخشبية فى مكانه المعهود بجوار باب المدرسة فى انتظار خروج الأطفال. تجمدت قدماى تماماً ورحت أرمقه فى حنين طاغ، أتساءل فى دهشة: كيف مرت الأعوام دون أن أنتبه لوجوده، رغم أن المدرسة فى طريق عودتى وذهابى؟.. بالتأكيد رأيته مراراً دون أن ألاحظه، كنت أنظر إلى الداخل وقد تلاطمت بصدرى أمواج الهموم، موج يمسك فى تلابيبه موج. متاعب العمل، مشاكل الأسرة، هموم الوطن، وأرزاق نطلبها وتطلبنا.
واليوم يعود، وكأن ثلاثين عاماً لم تمر منذ أن كنت أحد الصغار المتزاحمين حول عربته الخشبية، أقبض فى حرص على قرش أبتاع به سعادة كاملة.
أيام الدوم، حينما كانت البنات مجرد كائنات سخيفة يحسن الابتعاد عنها، رائحة ساندويتش الجبن تفوح بمجرد فتح الحقيبة، همهمة الفصل، والركض المنفلت بمجرد سماع جرس الانصراف، والازدحام المتسم بالعربدة عند باب الخروج، والمشاجرات المعتادة والضرب بحقائب المدرسة، ثم صفوف البرتقال المغسول بمطر الشتاء على العربات الخشبية فى طريق العودة، وبرك المياه المتناثرة هنا وهناك، وتلك اللذة الغامضة حينما تبتل أقدامنا عالمين أن الدفء والجفاف ينتظرنا فى المنزل.
وأزيز الموقد نسمعه ونحن نشب على أقدامنا لضرب الجرس، ورائحة الطعام الساخن تتسلل إلينا بمجرد فتح باب المنزل، والحذاء الملوث بطين يبلغ أضعاف حجمه نخلعه دون أن نفكر كيف يصبح نظيفا لامعا فى الصباح التالى!، وأمهاتنا منهمكات فى عشرات الأعمال المنزلية، والأغانى تنساب من المذياع الضخم لتمثل لنا فيما بعد ذاكرة الوطن، وشمس الأصيل تنحدر بسرعة مؤذنة بليل الشتاء الطويل، والواجبات المدرسية الثقيلة ننجزها مضطرين بعد أن اقترب موعد النوم، ترتيب الحقيبة بسرعة ثم نندس فى الفراش البارد بأجسامنا الصغيرة متلذذين بالبرد والدفء التدريجى القادم، وفى التاسعة مساء تُطفأ الأنوار وتستيقظ الأحلام والذكريات لبرهة قبل أن نغرق فى النعاس اللذيذ.
وغدا صباح جديد.
بنية اللون، خشبية التكوين، كروية الشكل، منبطحة أحيانا، صغيرة ولذيذة، نكهتها جميلة جدا، نكهة الطفولة ذاتها.
عن ثمرة الدوم أتحدث.
فى غفلة الطفولة السعيدة، لم يكن يعنينا سوى أن نجد العربة الخشبية العتيقة واقفة أمام باب مدرستنا وقت الخروج، وحولها التفت ثلة من الأطفال، يعلو الصخب والأيدى الصغيرة ترتفع بالقرش محاولة الوصول للبائع الصعيدى صاحب الشارب الكث.. يقف وسط الأطفال بجلبابه الصعيدى عالما أنه أهم شخصية فى عالمهم الساحر، لو تغيب يوما عن موعده المعتاد أمام باب المدرسة لانكسرت مئات القلوب الصغيرة التى تنتظره بفارغ الصبر.
رأسمال هذا الجميل بسيط جدا.. عربة يد خشبية عتيقة جدا بها المئات من ثمار الدوم المستديرة، وشاكوش صغير يهشم به القشرة السميكة، ومهرجان ألوان حافل متمثل فى ثمرات النبق الصفراء مع الكثير جدا من الحرنكش الذى تم صفه فى خيوط على سبيل الزينة، والكثير جدا من الأوراق الملونة والخيوط المتطايرة، عربة أحلام للأطفال بامتياز.
تشترى الدوم بقرش، تنحتها بأسنانك الصغيرة حتى تصبح ملساء تماما، بعدها تلعب بها الكرة مع أصدقائك، تصلح أيضا سلاحا مرتجلا للحرب، حينما يضايقك طفل تصوبها على رأسه ثم تعدو بأقصى سرعتك لتنفذ بجلدك، وغدا يوم آخر جديد فى ذاكرة الأطفال الملساء يصبح فيها عدو الأمس صديق اليوم.
يا لأيام الدوم الجميلة التى مضت مثل كل شىء رائع، لكن اليوم خرجت عربة الأحلام من الماضى العتيق، وأنا أقف أمامها فى رهبة وخشوع، مدرستى الابتدائية القديمة ذات الفصول المتسعة والجدران العالية، نفس البائع العجوز بجلبابه القديم النظيف أيضا، وكأن تلك الأعوام لم تنقض والأيام لم تمر.. اقتربت منه فى وجل، الوجه؟ نفس الوجه. والشارب؟ نفس الشارب، فقط اشتعل بالبياض.
أتأمل باب المدرسة المعدنى العتيق فى رهبة، وأتساءل عما يمكن أن يحدث لو ولجت إلى فناء المدرسة؟.. مثل ثغرة مسحورة تقودنى إلى زمان آخر وجدت الباب ينفتح أمامى فى بطء ليدعونى كى أتقدم.. حارس المدرسة العجوز ظل ينظر نحوى فى حياد دون أن يحاول منعى.
وقفت أرمق ما حولى والدموع تبلل عينى، هنا عمرى كله أو أجمل ما فيه.. الحوش المتسع!، فيه عدوت كأرنب، وتسلقت الأشجار كقطة، وتمرغت فى التراب كفأر، وطرت فى الهواء كعصفور.. هنا أحببت وكرهت، وصالحت وخاصمت، وضحكت وبكيت، وحلمت وصُدمت، هنا منذ ملايين السنين الضوئية، بل منذ أمس فقط!، كنت طفلا يحسن الدهشة ويتقن الحلم.
وهذا هو صنبور المياه تتساقط منه القطرات الأبدية– كأنها الأعوام والأيام- فأحس بعطش السنين الذى لا يرويه ماء على وجه الأرض غير ماء ذلك الصنبور.. فى شبه تقديس مضيت إليه لأرتوى، بملء كفى وبفمى مباشرة.
وهذه هى شجرة النبق العجوز فى فناء المدرسة تمنحنى وجهها كله.. تذكر لا ريب هذا الصبى الذى لطالما أدمى لحاءها بالبرجل الذى حفرت به اسمى مرارا لكنها سامحتنى على ذلك.
ها هى البناية العتيقة التى تلقيتُ فيها دروسى صغيرا، أقف مأخوذا أمام الدرجات العالية بينما تقترب منى سيدة تهبط الدرج بخطوات ثقيلة تنتهكها الشيخوخة.. وفجأة وقفت أمامى وتجمد كلانا.. هتفت دون وعى:
مس ميرفت!
وأقبلت علىَّ هاشة باشة، وصافحتنى فى حرارة.. معلمة اللغة العربية. ليس غريبا أننى تذكرتها، ولكن الغريب أنها تذكرتنى ونادتنى باسمى! وقفت أمامها مرتبكا كطفل صغير يخشى أن يفشل فى الاختبار!. لم تتغير تقريبا باستثناء التجاعيد والشعر الأبيض، ولكن من قال إننى خال أنا الآخر من التجاعيد والشعر الأبيض، سألتنى عن أحوالى ثم ودعتنى وقد تمنت لى صباحا سعيدا.
تجمدت خطاى أمام الباب العتيق، أعمال كثيرة تنتظرنى بالخارج، حيث ألتقى بأناس لا أود لقاءهم.. منهكا متقلبا من غربة إلى غربة أشد.
مدرستى القديمة هى بيتى الحقيقى الذى طالت عنه غربتى، وبرغم ذلك يجب أن أذهب. لكنى قبلها سأصنع شيئا أود أن أصنعه بجماع قلبى.
أتقدم نحو بائع الدوم والعربة الخشبية، لا أدرى كيف حدثت المعجزة! كلما اقتربت من البائع وجدتنى أقصر وأصغر، أسعد وأجمل. حتى أصبحت فى قامة العربة الخشبية تقريبا، وبصوت رفيع يشبه صوتى منذ ثلاثين عاما مددت قرشا خرج لتوه من رحم الماضى الحبيب: هات لى دومه يا عم، وتظاهر الرجل بالانهماك وتقليب الدوم حتى عثر على واحدة راقت له، تفحصتها بعين خبير فوجدتها كما توقعت: بنية اللون، لذيذة، بنكهة الطفولة.
قلت بصوت رفيع: اكسرها، فامتثل الرجل وراح يدق عليها بالشاكوش. وبسرعة لا تصدق رحت (أنحتها) بأسنانى حتى صارت ملساء تماما فدحرجتها على الأرض أمامى ثم ركلتها بقدمى وجريت خلفها أواصل الركل والتصويب، بينما راح البائع العجوز ذو الشارب الكث ينظر نحوى نظرة محايدة.


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=263477&IssueID=1840)

قيصر الصقيع
27-09-2010, 04:07 PM
هل سئمت مثلى كدر الحاضر؟ والقبح الذى يطاردنا فى كل مكان؟ هل كرهت مثلى مقالات الرأى التى لا تغير أى شىء، وقراءة الصحف التى لا تأتى بأى جديد؟ هل تعبت مثلى من قسوة البشر وتعمدهم الإيلام؟ وحزنت لهؤلاء الذين قضوا رحلة العمر فى فقر، يكابدون مرارة العيش وتعب الأيام؟
ما رأيك أن نفتح قلوبنا لبهاء الطبيعة، وعذوبة الكون، وروعة اللون الأخضر، وشقاوة القطط والعصافير. ما رأيك أن نحلم؟ أن نلعب ونطير؟ نسابق العصافير، نغنّى كالبلابل، ونفرح للشمس كالفراشات، ونرقص مع النحل للزهور؟
ما رأيك أن نفر من الحاضر لبضع دقائق هى مدة قراءتك هذا المقال. نلعب معا لعبة الخيال، وتصحبنى فى رحلة مجانية إلى آخر أطراف العالم، حيث الجزر الوادعة تشهق بالبكارة والدهشة والجمال؟
انس التوريث والفتن الطائفية، انس الفساد والأحوال المتردية، وأغمض عينيك عن قبح الحاضر لترى ما خلقه الله فى كوكبنا من بهاء. سوف نركب معا سفينة صغيرة ونكتشف الجزر الصغيرة التى لم تُرسم فى أى خريطة فى عمق أعماق المحيط.
تعال معى إلى السماء الصافية، والريح الساكنة، والشمس الذهبية، والأشجار الاستوائية ترتفع شامخة فى السماء. وأشجار الفاكهة مصحوبة بعبير الزهور تنشر أريجها فى الأرجاء. تنساب أشعة الشمس من بين غصونها الملتفة فترسم على الرمال زخارف من الضوء الذهبى، كالنقوش اليابانية.
اسمع معى أمواج البحر وهى تضرب برفق أنحاء الجزيرة، شاهد طيور النورس تهبط وتحلق، كطائرات ورقية بيضاء يصنعها الأطفال. استنشق رائحة الملح واليود والحب، الرائحة البكر الأوّلية التى تشبه رائحة الخلق، ورياح البحر تنفخ قميصك حتى تصبح بالونة سعيدة ملونة توشك أن تطير فى الهواء.
انعم بمسرات الروح، وسط الطبيعة الفاتنة، ومتعة لا تشتريها كل أموال الدنيا حين تنظر إلى السمك الطائر وهو يندفع فوق سطح الماء. يصنع ذلك خصيصاً من أجلك، فقط كى يدخل السرور على قلبك المتعب فتقول: سبحان الله.
ما أروع الحياة فى العالم الواسع، عالم البحر والخيال. بعيدا عن الهموم التى تصطخب فى صدور الناس. ما أروع أن تشاهد الجزر العذراء التى لا يسكنها بشر تنكشف لك رويداً، وكأنها تُخلق لك خصيصا، مكسوة بالغابات الخضراء. ومياه البحر ترقد تحت أقدامها، لتوشوش الغابات بلطف، وتهدهدها برقة أمٍ تناجى طفلها حتى ينام.
وما أسعدنا حين نعلو عن الصغائر، ونتصل بالروح العلوية، ونفتح صدورنا لبهاء الكون، وجمال الطبيعة وروعتها، للماء اللازوردى والغابات العذراء، للبكارة التى ترمز لبدء الخليقة، للسمو والنقاء والبساطة.
أيها الكون الرائع الذى أبدعه الله، حمدا لله. أيتها الحياة الجميلة التى خلقها الله، حمدا لله. أيها الإنسان الذى من أجله خلق الله هذا الكون، كن المخلوق الكامل الذى أسجد الله له الملائكة، لتسبح الله وحده وتترنم بمجده فى الأرض وفى السماء.

المصرى اليوم 27/09/2010 (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=271179&IssueID=1906)

قيصر الصقيع
02-10-2010, 12:12 AM
من رحم الماضى خرجت تنفض غبار السنين. عادت الوجوه القديمة وكأن عشرين عاما لم تمر. وقتها كنت طبيبا نضرا حديث التخرج، والزمن لا نهاية له. أما الكلام عن نهاية القرن العشرين فشىء يبدو كالخيال العلمى. نحن الآن فى عام ١٩٨٩ وكل أيامى أقضيها فى العنبر المجانى بالمستشفى الجامعى بعد أن تسلمت العمل كطبيب مقيم. فى الصباح كثير من المرضى والضوضاء، كثير من الغبار والحر. زد على ذلك مضايقات الرؤساء. أما الليل فيأتى بالسمر والسهر والنسمات الرحيمة مع هيئة التمريض: عايدة وليلى ونادية اللاتى كان يتصادف سهرهن معى فى نوبتجية السهر.
حينما يسقط الليل ويهدأ الضجيج يتلبس العنبر بغلالة من الأحزان الرقيقة ويبدأ عالم المرضى الحقيقى. الألم والصبر والأمل فى الشفاء.
السهر بجوار سرير مريض محتضر يُذيب الفوارق حتما بين طبيب وممرضة. بالتدريج نشأت بيننا مودة. أجملهن عايدة وللجمال سلطان. ليلى سمراء رقيقة الملامح وماهرة فى تثبيت الإبر الطبية إلى حد لا يصدق. حينما يستعصى وريد على طبيب يبتلع كرامته ويلجأ إليها. أما نادية فمتسعة العينين تعطيك إيحاء مستمرا بالدهشة مع حنية قلب وأمومة فطرية.
هذا هو عالمنا الصغير المنطوى على أسرار رهيبة نكتمها عمن سوانا.
هكذا مرت أيامنا وليالينا لمدة ثلاث سنوات. ثم حدث الشىء الذى لم أتصور حدوثه قط. كبرت!!. انتهت فترة طبيب مقيم بخيرها وشرها وأصبحت مدرساً مساعداً فى كلية الطب. ودّعتُ السهر فى العنابر المجانية غير آسف. كانت أياما صعبة، وأكون كاذبا لو قلت إنها كانت سعيدة. فى الحق تم اعتصارى كليمونة. يوجد قانون غير مكتوب يعتبر الطبيب المقيم بمثابة عبد مجانى ساقته الأقدار لأعضاء هيئة التدريس. هذا ولم يكن من خصالهم أبدا الرفق بالعبيد!
سعدت بتحررى ورحبت بالعمل فى مكة. بمشاعر محايدة رحت أرمق النيل وهو يبتعد من خلال زجاج الطائرة المُضبّب.
مر عام الغربة مثل قطار يدهمنى بلا رحمة وتقعقع عجلاته المعدنية بلا انقطاع. كنت أرمق جبال مكة الشاهقة من خلال نافذة المستشفى وأشعر بأنها صغيرة حينما أقارنها بجبال الحزن داخلى! اشتقت للبلد الذى كنت أحلم بالهروب منه. للعنبر المجانى ومريضاتى البائسات من أعماق الريف. وسلواى كل مساء أن أشطب يوما من الرُزمانة المعلقة بالجدار وأنتظر بفروغ صبر شروق شمس جديدة.
تراب وطنى والضجيج المُحبّب. لقاء الأصدقاء والعنبر المجانى والوجوه المألوفة المُحبّبة. عايدة تزوجت ورحلت، وأغلب الظن أننى لن أراها ثانية. ليلى ونادية أراهما مصادفة من وقت لآخر. تعاقبت الأيام مرة أخرى. قطرات تجمعت لتصنع نهرا. تضع قاربك على صفحة النهر ليحملك الموج وفجأة تكتشف أنك بلغت نهايته. تغير كل شىء حتى ملامح العنبر المجانى تبدلت. أضافوا مبنى كبيرا احتل الحديقة المقابلة. واختفت تلك الغرفة الخشبية فى نهاية الردهة المخصصة لهيئة التمريض.
وفجأة وجدتنى أبحر فى مياه الأربعين، يسلمنى العام إلى العام الذى يليه. الشعر الأبيض انتشر بسرعة الحزن. صرت بدينا وهو أكثر شىء أكرهه. ولم أفهم قط لماذا تكبر أجسادنا ونشقى فى الوقت نفسه بطفولة أرواحنا؟ تلك النفخة من روح الله المستعصية على الزمن.
وإذا بها أمامى: عايدة!!. كانت هى ولم تكن هى، وكنت أنا ولم أكن أنا. والنهر يتراجع فى الاتجاه المستحيل. فجأة تقهقرت عشرين عاما إلى الوراء. لم تكن هناك مرآة لأشاهد ما فعله الزمن بوجهى، ولكننى رأيته فى وجهها. شرعت أتأملها. امتلأ جسدها وظهرت آثار السنين. عشرون عاما ليست بالأمر الهين، ولكنى بمزيد من التدقيق استطعت الإمساك بنظرتها القديمة.
.........
رحبت بى ورحبت بها. والتفت حولنا ليلى ونادية وعادت ذكريات. كان اقتراحا مدهشا فُُُوجئت به. الشلة القديمة تصادف اجتماعهن فى نوبتجية واحدة. قالت لى ليلى: لماذا لا تسهر معنا هذه النوبتجية زى زمان؟!
«عاوزنا نرجع زى زمان!! قل للزمان ارجع يا زمان». هكذا سخرت أم كلثوم من الفكرة معلنة عدم إمكانية تنفيذها. برغم ذلك مست فى روحى وترا يعزف ألحان الماضى بلا انقطاع.
رحت أتذكر، كانت أيام بؤس تمنيت وقتها أن تمر بسرعة. لكنها كانت - برغم كل شىء - أيامى. كنتُ تعيسا جدا وسعيدا جدا لكننى لم أفطن وقتها إلا إلى تعاستى. واليوم يكوينى الحنين إليها فما تفسير ذلك؟!
تغير كل شىء والطبيب المقيم صار أستاذا يبعث وجوده القلق فى نفوس الأطباء الصغار، وبالتأكيد سيبدو حضوره نوبتجية السهر عملا شاذا وعلامة استفهام. يصعب طبعا أن أحدثهم عن الحنين!!. طيلة اليوم أفكر. وأقلّب الأمر على وجوهه الكثيرة وأرد على من يحدثنى بذهن شارد. وحتى شهيتى الممتازة فقدتها. أتوق بكل قوة روحى إلى تلبية نداء الذكريات ولكن..!!
قل للزمان ارجع يا زمان!
واستقر رأيى ألّا أذهب. استعادة الماضى حماقة وها أنا ذا أرتدى ثياب النوم معلنا قرارى النهائى، صارفا ذهنى عن حقيقة أنهن ينتظرننى.
************************************************** ***********
يقولون إنه استيقظ على نداء غامض فراح يرتجف على سريره. هواء الليل البارد يتسرب وأضواء تغمره. ترشد سفينته إلى مرفأ الذكريات.
يقولون إنه غادر بيته مأخوذا. يخوض ظلام الطرقات، مقتحما عمق الليل وسط صفير هواء ونباح كلاب وحفيف أشباح.
يقولون إنه راح يقترب ويُمعن فى الاقتراب. يأمر الزمان فيمتثل. وفى عنبر الذكريات حدثت المعجزة. تراجع الزمن واختفى البناء الملحق الحديث لتظهر الحديقة من جديد، ومن وديعة الماضى راحت الألواح الخشبية تطير فى الهواء، واحدة بعد الأخرى لتتكامل معا وتصنع غرفة التمريض الخشبية وبداخلها الوجوه القديمة. عايدة وليلى ونادية معا. دائما معا!!..
القطط السوداء تعود، وروح عم عبدالتواب تجوب الردهة مهددة بزيارة منزلية. وأم كلثوم تغنى بصوت مثقل بالحنين: «عاوزنا نرجع زى زمان؟».
نعم أريد. بكل ذرة من كيانى أريد.

المصرى اليوم 01/10/2010 (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=271711&IssueID=1910)

قيصر الصقيع
04-10-2010, 10:53 PM
اليوم أحكى لكم عن إنسان شاءت ظروفى أن أقترب منه، وأشاهد شموس باطنه تشرق فى أفق المحبة. ليس واردا طبعا أن أذكر اسمه أو أُشير إلى شخصيته، فهو أرغب الناس فى التخفى وأزهدهم فى الثناء. ولولا ما أتوقعه من استعادة الثقة فى (الخير الخفى) وسط (الباطل المُعلن) ما كتبت هذا المقال.
...............
صافى القلب بالفطرة والسليقة، متوغل فى أسرار المحبة، وطريقه صاعد إلى السماء. تدينه راسخ، وحزنه عميق به لوعة ورقة وغرام. شاهدته فى مئات المواقف عبر رحلة العمر. مفروغ منه أن الإنسان المتدين يتدفق بالرحمة الربانية ويرأف بالناس جميعا، لاسيما الضعفاء. لكن صديقى هذا يتميز بالتدين الرومانسى ويمتد عطفه إلى كائنات صغيرة فى مواقف شديدة الدقة لا يفطن إليها عامة الرحماء.
أذكر أننا كنا فى مرحلة الصبا، إذ هو يكبرنى بعام واحد، وكنا جالسين فى حديقة النادى حين انقطع التيار الكهربائى وغرقت الحديقة فى ظلام عميق. حينما أصلحوا العطل وعاد النور ارتفعت زقزقة العصافير على الشجر، والأغلب أنها توهمت مجىء الصباح. لاحظت معالم الألم على وجهه، قال إنه حزين من أجل الطيور التى ظلمتها حضارتنا حين أربكت فطرتها فى مواعيد النوم والاستيقاظ!!
وأذكر أننا كنا شبابا فى منتصف العشرينيات على شاطئ البحر، نرقب ظاهرة المد والجزر، ومعجزة ظهور بقعة رملية كانت منذ لحظة واحدة جزءا من قاع البحر. حينما شاهدها تقدم إليها بسرعة وصلى عليها، آملا أن يشهد له قاع البحر - فى يوم القيامة - أنه سجد عليه فأطال السجود.
وأذكر أيضا أننا كنا رجالا ناضجين فى منتصف العمر، حينما دخل «مارينا» لأول مرة لزيارة أحد أصدقائه، لم يشعر بارتياح للمكان. وفجأة - مع غروب الشمس - زحفت فى سمائه سحابة كثيفة من حزن، وبدأ يشعر بالضيق والانقباض. ولم يكن لديه شك أن ما يشعر به هو نوع من الإدراك الفائق للحس لا يعرف سببه، فسارع بالانصراف.
كان ممكنا أن يظل جاهلا للسبب لولا أنه تبين له - بالمصادفة البحتة - أن هذا المكان يقع بجوار مقابر جنود الحرب العالمية الثانية فى العلمين، المقهورين بلا إرادة، المُعذبين بلا هوادة، الذين ساقتهم المطامع الإمبراطورية ليكونوا وقود الحرب. طاقة نفسية هائلة لم تغادر المكان لكنه وحده الذى أحس بها.
..............
وهكذا تنبع الرحمة عنده من معين الحب الصافى الصادق لكل مخلوقات الله. مواقف تتسع بمعنى الرحمة عن النحو الشائع المألوف. وهكذا تمضى حياته حتى اليوم: عبد من عباد الله الذين يمشون على الأرض هونا، فى عينيه صفاء وبساتين من الورود. واحد من القلة المختارة التى منحها الله القبول. يُدهشك بوداعته، وحقيقة أنه يعطيك وجهه كله، غنيا كنت أو فقيرا، صالحا أو فاسقا، لأنك، مهما كنت، فأنت - بالنسبة إليه - من عيال الله.
المصرى اليوم 04/10/2010 (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=272065&IssueID=1913)

قيصر الصقيع
07-10-2010, 12:14 PM
ربما رأيت هذا المشهد مرارا: فتاة مبهرجة الألوان تضع على وجهها أطنانا من المساحيق، ثيابها ضيقة ومُلفتة، تتحدث بصوت عال تتخلله ضحكات هستيرية وسط دائرة من المعجبين، تتمايل فى غنج، تستخدم يديها وملامح وجهها أكثر من اللازم، ولسان حالها يقول: انظروا كم أنا جميلة ولطيفة وأثير الإعجاب!!
وعلى بعد خطوات منها تقف (صديقة البطلة) لا يعبأ بها أحد رغم ملامحها الناعمة ومشاعرها الفياضة وأنوثتها الوافرة المختفية خلف ثياب متسعة. والحقيقة أنها أجمل من صديقتها بمراحل، فقط لو أزالوا أطنان المساحيق من وجهها. لكن أحدا لا يترك البطلة المصبوغة لسبب بسيط: إنهم سطحيون وحمقى.
فتش عن صديقة البطلة، عن الجمال الكامن فى المعانى، عن الأشياء الأصيلة والحقيقية. فتش عن الأشجار الطبيعية بخشبها العتيق وألوانها الهادئة. فتش عن الفول المدمّس بالحب، عن الطعمية العائمة فى الزيت كراقصات البجع، عن عدس الشتاء الذهبى الساخن، وبطيخ الصيف المثلج، وطعم التوت فى أيام الربيع.
فتش عن الأمسيات الجميلة، واجتماع العائلة على مائدة الطعام. عن صوت محمد رفعت العذب قبيل إفطار رمضان، عن رائحة المسك فى المساجد العتيقة، عن طعم ماء الزهر فى القلل الفخارية.
فتش عن مصر الحقيقية، وصلع الآباء الكادحين، عن حنان الأمهات، وطعام الأمهات ، ودعوات الأمهات. عن صوت فايزة أحمد وأم كلثوم وعبد المطلب. عن قرطاس الترمس فى أحضان النيل. عن الجمالية والعقادية وخان الخليلى والحسين.
لا تقع فى غواية الألوان الفاقعة فيبهرك ما بهر الشباب المتحمس فى الفتاة الهستيرية المتبرجة. دعك من غواية العولمة وغرائب السلع الاستهلاكية، وموبيلات تصبح قديمة بعد أسبوع، وأجهزة كمبيوتر تتغير مواصفاتها باستمرار. وتليفزيونات مسطحة. عشنا دهرا دون هذه الأشياء وكانت حياتنا أسعد.
اترك الزيف الذى انتشر فى عالمنا كالوباء حتى صار صعبا أن تحصل على شىء واحد حقيقى. مهن رأسمالها شباب متأنق يرتدى ربطة عنق وقميصاً نصف كم ولا تدرى ماذا يعمل بالضبط، وفتيات بنظارات سوداء يتحدثن بتكلف. وأماكن تبيع الوهم وتُسوّق القبول الاجتماعى، ومطاعم حديثة باهظة الثمن بلا طعم ولا نكهة ولا رائحة.
أخرج من فخ الألوان، وافرز ما هو أصيل وجوهرى. وأعد اكتشاف نفسك الحقيقية، والجمال الكامن فى الأزقة والبيوت والوجوه والبشر. جمالا ليس مبهرجا ولا زاعقا ولا مصبوغا بالمساحيق. جمال أصيل فى دفء العلاقات الإنسانية وطعم التوت الهادئ واللون الأخضر الوقور. فى إحساسك الحميم أن هذه الدروب القديمة شرايين روحك، وأنك - ببساطة - تريد أن تعيش هنا وتموت هنا.
ليس كل ما يلمع ذهبا، وحتى الذهب فى الطبيعة لا يكون براقا لامعا. هو صامت ووقور ولكن الصنعة هى ما تجعله يخطف الأبصار. والخلاصة أن صديقة البطلة - لا البطلة - هى الجديرة باهتمامك بشرط أن تكون قد امتلكت ما يكفى من الذوق السليم والنضج الإنسانى.


المصرى اليوم 05/10/2010 (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=272149&IssueID=1914)

قيصر الصقيع
07-10-2010, 12:16 PM
القصة تستحق أن تُروى لأنها تتصل بهمومنا مباشرة، وبتلك الطاقة المصرية الهائلة التى تنتظر فقط أن يُسمح لها بالخروج. تصور أن تكتشف فى نفسك - مع اقتراب الخمسين- أنك تملك الموهبة، وبرغم الظروف المعادية تُعيد اكتشاف ذاتك من جديد.
هذا الذى حدث بالحرف الواحد، ومازال يُدهشنى حتى الآن. ما زلت أذكر تلك الرسالة الخجول التى جاءتنى من رجل يقول إن اسمه الدكتور هشام محمود، وهو إذ يرسل لى قصته الأولى فإنه يطلب منى رأيى الصريح.
قرأت قصته فوجدتها جيدة وساعدته على نشرها. ومنذ ذلك الحين توالت قصصه متباعدة، وفجأة بدأت ألاحظ طفرة مدهشة فى مستوى قصصه، وولوجه فى عوالم غرائبية أشعرتنى بالدهشة والذهول. وكأن طاقة خفية انبعثت من نفس صاحبها لم يكن يدرى عنها شيئاً. وبصدق بدأت أشعر أنه من السخف أن أبدى رأيى بها بعد أن تجاوزنى بمراحل. وقلت له إنه قد حان الوقت لتجميع هذه القصص وطباعة كتابه الأول فى «دار ليلى»، وقد كان. وأسعدنى أن أعرف أن كاتبين بمكانة «د. جلال أمين» و«د. علاء الأسوانى» قد أبديا إعجاباً صريحاً بالكتاب، وطمأننى ذلك على صدق إحساسى.
.................
«نفسى أعيش»، مجموعة قصصية للدكتور «هشام محمود» تصحبك فى عوالم غرائبية لا تدرى كيف خطرت أصلاً بذهن مؤلفها، مع شجن طاغ وحزن جميل. حزن يُوجع قلبك لكنك تستزيد منه، لأنه يكشف لك عن مواطن الرحمة فى قلوب المُعذّبين. وفى كل قصة مفاجأة لا تتضح أبعادها الكاملة إلا مع السطر الأخير.
سوف يصحبك الكاتب إلى حافة الزمن والفراغ حيث لا يوجد أى شىء سوى مكتئب يحاول الانتحار ومهرج سيرك سقط من ارتفاع عال. ويدور بينهما حوار مدهش، سيفسر لك - فى نهاية القصة - ما الذى شاهدته الممرضة فى العناية المركزة ولم يصدقها أحد.
..............
فى هذه المجموعة القصصية سنعرف أن الوحدة هى أشد أنواع الفقر، وستصحب هذا الطالب الفقير وهو يذهب إلى محطة السكة الحديد، منتظراً قطار ٨٨٩ القادم من الصعيد، فقط ليُوهم نفسه أنه ينتظر قدوم الأهل والأحباب. وستبحر فى عالم غرائبى لفنانة تشكيلية تحتفظ بإناء زجاجى مسحور ترقد فى قاعه صخور فريدة الشكل. كل صخرة تمثل حبيبا أو عزيزا فقدته فى يوم من الأيام.
وسنذهب مع الكاتب إلى صالون حلاقة طفولته، وسنشاهد حواره مع رجل آخر وما يحمله هذا الحوار من مفاجأة فى نهاية المطاف.
...............
أما أروع قصصه وأقساها فى نفس الوقت، فهى قصة «البرطمان الأزرق»، التى يوجعنى قلبى كلما تذكرتها. ويبقى السؤال الذى طرحته فى البداية: ما سر خصوبة هذا البلد؟ وقدرته المدهشة على التجدد والعطاء؟ وإذا كان هذا يحدث والظروف معادية، فكيف سنصبح والأمور مواتية؟!
.........
يا مصر، آه يا مصر، كم ظلمتنا وظلمناك!!
المصرى اليوم 07/10/2010 (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=272379&IssueID=1916)

قيصر الصقيع
09-10-2010, 10:56 PM
طالعتنا الأنباء بحصول البروفيسور الإنجليزى، روبرت إدواردز، على جائزة نوبل للطب، فشعرت بالفرحة والدهشة وكثير من الشجون.
روبرت إدواردز، مؤسس علم أطفال الأنابيب، الذى أدخل الفرحة على ملايين النساء، اللاتى تُعذبهن غريزة الأمومة، وتتوق كل واحدة إلى أن يصبح لها ولد تعتنى به، وتدللـه، وتشعر بامتدادها فيه. وتحقق فيه تلك الدائرة المقفلة- التى لا يمكن كسرها- من الحب بين الأم وطفلها، رحمة مستمدة من رب الخلائق الرحمن الرحيم، التى بها ترحم الخلائق بعضها، وترفع الفرس حافرها عن وليدها، وتمزق القطة من يقترب من قطيطاتها. سر الأمومة المقدسة، التى ترفع الأنثى من مخلوق من دم ولحم إلى كائن نورانى، تقع الجنة تحت أقدامها، ويتغنى بها الشعراء.
إنها غريزة امتداد النوع، أعمق الغرائز بعد غريزة حفظ النفس، التى من أجلها ابتهل بها أبوالأنبياء إبراهيم إلى ربه، ورفع كف الضراعة نبى الله زكريا: « قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء».
روبرت إدواردز، الرجل الذى قام باختراق علمى غير مسبوق، هو أنصع مثال (للتفكير الجانبى)، الذى يبحث عن حلول غير تقليدية لمشكلة تقليدية، امرأة تعانى من انسداد قناة فالوب بحيث لا تسمح للحيوانات المنوية بالوصول للبويضة لإخصابها. كيف نستطيع أن نتغلب على هذه المشكلة؟. راح يفكر ويُمعن فى التفكير، وفجأة جاءته الومضة العبقرية، الإلهام القادم من وادى عبقر، لماذا لا نحاول إخصاب البويضة بالحيوان المنوى فى أنبوبة الاختبار، ثم نعيد وضعها فى رحم الأم بعد الإخصاب؟
منذ ستينيات القرن الماضى وهو يجرى تجاربه، يستحوذ عليه حلم أن يدخل السرور على قلوب الأمهات اللواتى لسن كذلك، ويهدى ليد الأب الممدودة فى الفراغ يد طفل صغير.
...................
أعوام طويلة من التعب، من التجارب الفاشلة، حتى شاءت إرادة السماء أن يكون المختار بين الناس، تتجسد فيه الرحمة الربانية، ليُهدى إلى البشرية- مع زميله «باتريك أستبتو» أول طفلة مولودة بهذه التقنية عام ١٩٧٨. تخرج إلى النور «لويزا براون»، أول طفلة أنابيب فى العالم، خرجت من رحم أمها باكية وفى الحقيقة أنها كانت ترفع إلى ربها صلاة الشكر على نعمة الوجود.
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، وصل عدد الأطفال، الذين وُلدوا بهذه الطريقة إلى ٤ ملايين طفل، ٤ ملايين أم تحققت أمومتهن، ٤ ملايين أب أمسكوا بيد الأطفال.
رجل كهذا كان يستحق أن يحصل على جائزة نوبل منذ عشرة أعوام على الأقل!. فهل السبب فى تأخر الجائزة أنه كان عاشقا لمصر، متيما بعشق الأهرامات والنيل، رافضا زيارة إسرائيل؟! والذى يُوجع القلب بحق أن هذا الرجل النبيل قد تدهورت ذاكرته منذ ثلاثة أعوام ولعله الآن لا يدرى بحصوله على الجائزة!
آه ما أندر الشرفاء، وما أبهظ الثمن، الذى يدفعونه فى تلك الدنيا القاسية!

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=272692&IssueID=1918)

قيصر الصقيع
10-10-2010, 10:42 PM
كانت أشبه بدُمية، بعمرها الذى لا يتجاوز ثلاثة أعوام، ووجهها الصغير، ويدها الصغيرة وقدميها الصغيرتين. فقط عيناها كانتا تشعّان بذكاء غير عادى تحت شعرها الحريرى الأسود. وكان حين يراها يشبعها ضمّا وتقبيلاً حتى تضيق من التقبيل والعناق. لماذا أحبها دون سائر أبنائه إلى هذا الحد؟ لا يجد تفسيرا واضحا، لكنه كان يعرف أنه مريض بها، حبا يتغلغل فى الخلايا ويشغل التفكير. لو حدث لها مكروه- لا قدر الله- سينتحر أو يُصاب بالجنون. هل كانت تلك نبوءة لما سيحدث للصغيرة العزيزة؟ أم أن التهالك فى حب إنسان، أى إنسان، حتى وإن كان ابنته الصغيرة، خطر عظيم؟
والحادثة التى أودت بحياتها بشعة جداً. لقد غافلت أمها وهرعت إلى الشرفة لتلهو. وقفت على كرسى عال لتشاهد الطريق، فاختل توازنها وسقطت من خمسة طوابق، وكان مشهد أشلائها لا يسرّ الناظرين!
الأم برغم مصيبتها لم تملك نفسها من الجزع من رد فعل زوجها المُتوقع. كانت تهابه إلى حد كبير، وتعرف غموضه وعزلته وانطواءه على نفسه، وتدرك أكثر من أى أحد آخر نوع العلاقة التى تربطه بابنته. حقا إن رد فعله سيكون حتماً مخيفاً.
لو تغاضينا عن إصراره أن يرى أشلاءها بعينيه رغم إشفاق الجميع، وأنه لم يذرف عليها دمعة واحدة، بل ابتسم فى غرابة، وكان رد فعله هو الصمت المخيف. الصمت الذى لا يفتح بوابات النفس لتصريف البخار.
غرابة موقفه أخافت زوجته ودفعتها إلى أخذ أبنائها وترك البيت. وبدا أنه لم ينتبه إلى ذلك وواصل نشاطه اليومى بشكل عجيب. فى المساء التالى شاهده الجيران عائداً فى موعده المعتاد وهو يحمل بعض الدُمى والملابس الصغيرة. ملابس تناسب حجم طفلة فى الثالثة، وكان الرضا يبدو على وجهه وهو يفتح الباب بمفتاحه مثل أى أب يحمل البهجة لأبنائه.
سمعها تقول له:
- بابا. تعال العب معى باللعبة الجميلة. إنها أدوات المائدة. أنا سأعد لك الطعام.
ومثلما يحدث فى كل مرة حملها وأشبعها ضماً وتقبيلاً حتى أصابها الضجر وانسلت من بين يديه.
سمعها تقول له:
- بابا. إن هذا الطعام لذيذ.
ولوحت له فى إغراء بدمى صغيرة على هيئة فطيرة وقرص بيض وفاكهة مصنوعة من البلاستيك. وفى نهاية الأمسية أصرت الديكتاتورة الصغيرة أن يعاود سرد حكاية سمعتها منه مئات المرات.
هكذا سارت حياته منذ هذه الليلة، وكل شىء على ما يرام. فقط يضطرب ويبدو عاجزاً عن الفهم إذا عزّاه أحد فى وفاة ابنته، فقط تزوغ نظراته إذا تساءلوا عن سر شرائه ثياب البنات بمقاسات تكبر فى كل عام. واعتاد الجيران أن يروه فى نزهة الأصيل كل يوم يقبض بيده على الهواء ويؤرجحها، ومن آن إلى آخر يميل برأسه لأسفل وكأنه يكلُّم بنتا صغيرة لا يراها أحد سواه

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=272746&IssueID=1919)

الأمل في الغد
11-10-2010, 02:10 AM
شكرا لقيصر الصقيع أنه عاد إلى نقل مقالات الكاتب المبدع الدكتور أيمن...:D

قيصر الصقيع
11-10-2010, 02:27 PM
شكرا لقيصر الصقيع أنه عاد إلى نقل مقالات الكاتب المبدع الدكتور أيمن...:D
شكرا لك
و مقالات د/ايمن تستحق اكثر من ذلك

قيصر الصقيع
11-10-2010, 06:06 PM
كن زاهدا متقشفا، تؤثر الكفاح وقعقعة السلاح على الحياة المترفة والعيش الخفيض يكن اسمك «جيفارا».
كن إنسانا يمسح دمعة، يرفع بؤسا لم يتسبب فيه، يغضب من أجل الفقراء والمستضعفين يكن اسمك «جيفارا».
كن بطلا يفتح صدره لزخات الرصاص بلا خوف، فالرصاص لا يخترق القلوب المحبة، وقلبك مفعم بحب المساكين. آه يا جيفارا كم كان حلمك جميلا بقدر ما كان بعيدا، أتطمع أن توقظ الهمم وتحارب الاستعمار؟.. الغرب الذى بنى حضارته على الموارد الرخيصة لشعوب مقهورة غائبة فى سباتها الطويل، جميلة كأميرة نائمة تنتظر فارسها الأمين. كنت الفارس وكنت البطل. بجبهة نبيلة وعينين واسعتين تقطران كل حزن العالم، تقترب بشفتيك الحساستين من الشعب الغافل، من الأميرة المسحورة، تودعها قبلة، يداعبك أمل أن ينفك السحر وتتحقق الأسطورة: تصحو الأميرة النائمة من غفوة ألف عام، يستيقظ الغافل ويثور المستكين. كم أنت حالم أيها البطل!
كان بوسعك أن تمارس الطب فى مسقط رأسك بالأرجنتين، تعتصر الدراهم من قوت المعوزين، تصنع من جلود الفقراء طبولا تعزف عليها إيقاع مجدك، تغمض عينيك عن ذلك الوضع المشين الذى تأباه الفطرة السوية فى كل ملة ودين: التفاوت المريع بين الفقراء والأغنياء، من يملك كل شىء ومن لا يملك أى شىء.
كان بوسعك أن تقعد عن الجهاد، تعتذر لنفسك بمرض الربو الذى أنهك رئتيك، وجعل الهواء شحيحا ككل شىء. لكنك اخترت التعب، وغبار الطريق، والنوم المتقطع، وأزيز الرصاص. توجهت إلى جواتيمالا على أمل ثورة شعبية أجهضتها – كالعادة – المخابرات الأمريكية، سافرت للمكسيك، وهناك التقيت كاسترو لتخططا سويا للثورة الكوبية، وحين نجحت الثورة ومنحك الجنسية الكوبية ومقعد الوزارة الوثير تخليت عن كل هذا فجأة: تركت الكرسى المريح والمال الوفير لتعود جنديا بسيطا يحارب الظلم فى كل مكان. رحلت إلى حيث تجد نفسك الحقيقية بين الثوار والمناضلين، طوّفت قارات العالم مساندا للحركات التحريرية فى كل مكان. كنت تعلم أن كلاب الصيد يتعقبونك، يشتمون أثرك، يستدرجونك، يشترون الذمم، يتلاعبون بالكلمات، يخيفون الفقراء منك، أنت الذى لم تخرج إلا من أجلهم.
وفى أحراش بوليفيا الاستوائية، هناك والقمر كاسف حزين، فى مثل هذه الأيام من أكتوبر ١٩٦٧ حاصروك مع مقاتليك العشرين، وحيداً تواجه الجيش المدجج والمخابرات الأمريكية. وبرغم الضعف والعزلة، وأزمات الربو الحادة، قاتلت – كبطل - لمدة ست ساعات كاملة قوات مكونة من ألف وخمسمائة فرد حتى مات الرفاق وتكسرت النصال على النصال ونفد مخزون مسدسك، وقتها قلت لعدوك فى هدوء: «أطلق النار، لا تخف، إنك تقتل مجرد رجل».
بالفعل أطلقوا الرصاص، دون أن يعلموا أن الرموز لا تموت وإن مات الجسد!. مات جيفارا اللحم والدم، وعاش جيفارا المجاهد البطل.


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=272881&IssueID=1920)

قيصر الصقيع
12-10-2010, 12:10 PM
يتقلب فى ضجر محاذرا أن يُوقظ زوجته. الناس صنفان: صنف ينام بسهولة ويستيقظ خفيف الروح مقبلا على الحياة. وصنف (ينتمى إليه للأسف الشديد) يُعاديه الفراش ويعتبر قدوم الليل محنة متكررة.
فى البدء كانت حيلة عد الخراف تجلب له النوم، والآن صار يسترسل فى أحلام اليقظة. يفكر فى الكواكب البعيدة. يغمض عينيه ويحلم. فى الكون ما لا يمكن إحصاؤه من النجوم، وبالتأكيد يدور حول بعضها كواكب سعيدة. لا يكابد أهلها الأرق ولا ضيق المعيشة.
هم سعداء، لا ريب. ولكنه رضا القناعة وليس الغفلة. الأولاد نائمون فى غرفتهم. الكون نفسه نائم ولا أحد مستيقظ سواه. طلباتهم لا تنتهى. مشاكل البنات هينة ويمكن سترهن مع بعض التضحيات ولكن ماذا عن الولد؟. يحلق ذقنه ما لا يقل عن ثلاث مرات يوميا لكى تنمو بسرعة، وأقران السوء يجرونه بعيدا. وحينما يزجره يحملق فى الكتاب قليلا ثم يرفع رأسه فى تحد. يتجاهل النظرة مرغما ويستعجل انقضاء اليوم ليتفرغ للكواكب البعيدة.
لقد استعصى النوم فعلا هذه الليلة. النوم مثل الحب يحدث أو لا يحدث. وكلما مر الوقت شعر بمزيد من الهلع. يذهب إلى المطبخ ليأكل فربما يجلب له الامتلاء النوم. مد يده ليتناول القطعة الأخيرة من اللحم لكنه تذكر ذراع ابنه النحيفة وقدر فى نفسه أنه يحتاجها أكثر. تناول الخبز بالجبن فى رضا. وشعر بالدفء يسرى فى أوصاله وبثقل محبب للطعام فى أحشائه. هم بالعودة للسرير لكن خُيل إليه أن يسمع صوتا فى الصالة. مضى يستطلع الأمر فوجدهم. أربعة رجال لا يعرفهم كانوا يجلسون على مقاعد الصالة. وجه كبيرهم بشوش أسمر يشبه وجه أبيه. وجلبابه الأبيض دون تجعيدة واحدة، ويمد قدميه الحافيتين فى استرخاء.
غريب أنهم هنا فى صالة داره دون أن يعرف بوجودهم. والأغرب أنه لم يشعر بانزعاج أو حتى بدهشة. بل بسكينة أنعشت روحه، فجلس بينهم وراح يتبادل الحديث الودّى.
نظر إليه العجوز بعينين تشعان ودا، وسأله عن أحواله. تذكر ضيق العيش ونظرة التحدى. ولكنه قال فى رضا: الحمد لله.
واسترسل الحديث عذبا فلم يدر كم مر من الوقت فى هذه الصحبة الطيبة. وأخيرا دعاه العجوز للنوم فاحتج، لأنه كان يريد البقاء فعلا. قال الرجل بوضوح:
لديك عمل فى الصباح. والبيت بيتنا. هل تشك فى هذا؟
وأومأ برأسه موافقا أن البيت بيتهم وأنهم ليسوا ضيوفا عليه. حياهم فى ود ثم ذهب للسرير سعيدا، وسرعان ما غرق فى نوم عميق دون أن يفكر- هذه الليلة- فى الكواكب البعيدة.
الصباح. حلاقة الذقن المتعجلة. الوضوء والصلاة. ارتداء ثيابه. ثم الشاى والإفطار، وفى الطريق إلى باب المنزل يمر بالصالة. ثمة كراس خالية لكنها تحمل باقية من رائحة الود.
توقف مذهولا وقد تذكر ما حدث بالبارحة: ترى هل كان ما شاهده بالأمس حلما أم حقيقة؟!


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=273002&IssueID=1921)

الأمل في الغد
13-10-2010, 10:40 PM
أعشق الألوان بنزق طفل صغير، ورقّة عاشق كبير، وفطرة القبائل البدائية. وأسجد لله شكراً على نعمة الألوان. تخيل لو كان عالمك بلا ألوان!. تخيل الذى كنت ستخسره لو لم تكن السماء زرقاء، والنباتات خضراء، والزهور حمراء!!. تذكر كم كان سينقص الجمال فى العالم لولا هذه الألوان. هل تذكر هذه الأشياء التى درسناها، ولم نعرف وقتها أهميتها: الأبيض عكس كل الأطوال الموجية ولم يمتص منها شيئاً، والأسود امتصها جميعاً. الأزرق امتص جميع مكونات اللون الأبيض باستثناء اللون الأزرق الذى تم عكسه، وتخيل أن كوننا الجميل الملون يعتمد على قاعدة مرهفة من قواعد الفيزياء، خلقها الله الجميل، الذى يحب الجمال!
■ ■ ■
ولأنه خالق عظيم فكل شىء عنده بمقدار، أحياناً تقتصد الطبيعة فى الألوان ويكون ذلك عين الجمال. خذ عندك النيل مثلاً: لونه رمادى أخاذ تنعكس عليه أشعة الشمس لتكسبه لمسة الفضة النقية. حتى اخضرار النخيل العاشق يكون وقورا غير صارخ. والعصافير التى تحلق فوقه رمادية الجناح. اقتصاد فى الألوان، ولكنه يعكس كل معانى الأناقة والذوق الرفيع.
■ ■ ■
وأحيانا تقيم الطبيعة مهرجان ألوان كونياً فى حب الله. حدائق الربيع الناضرة توشك الزهور فيها أن تنطق بحمد الله. تتدرج الألوان من الأصفر الوقور للأصفر الزاهى، ومن البمبى الهادئ إلى الأحمر الوامض، ناهيك عن القرمزى الذى يوشك أن يتوهج كشعلة نار مقدسة.
وهناك درجات لا حصر لها من الأخضر، لون الحياة. لا تتماثل أبداً ألوان الأشجار ولا أحداق العيون. لو أحصيت عدد درجات اللون الأخضر فقد أحصيت، فى الوقت نفسه، أشجار الغابات. ولا تنس الزهرة الزرقاء النادرة، المتفردة بجمالها كياقوتة زرقاء. وزهور بيضاء وزهور بنفسجية وزهور يصعب وصفها، وزهور تغمض عينيك لكى تراها، فيا للربيع ويا له من خالق مجيد!
■ ■ ■
الكون يحب خالقه ويعبر عن الحب بكل طريقة ممكنة، باللون والنغم، والروائح والظلال. كن زهرة حمراء تفضح حبها، كن زهرة بيضاء تعلن طهرها، كن زهرة زرقاء تُظهر نبلها، كن زهرة صفراء تُخفى سقمها.
كن شعباً مرجانية تعقد مهرجان اللون كن سمكة ملونة تسبح فى أعماق البحار. كن طيرا ملونا ينطلق كسهم مُلوّن فى السماء، كن قوس قزح يظهر بعد هطول المطر، كن ضوء القمر، وشعاع النجوم يقطع أطراف المجرة. كن البحر بأمواجه البيضاء اللعوب. كن السماء الصافية بألوانها الزرقاء.
كن جناح حمام أبيض. كن تفاحة حمراء وبرتقالة صفراء. امتلئ بالرحيق العذب مثل ثمار التوت الخضراء. تلوّن مثل البلح، كن ذهبيا كالكروم. أومض كالفضة، المع كالذهب، تألق كالجواهر. أقم احتفالا بالشمس كل شروق وغروب.
ارتم فى أحضان الطبيعة التى لا تخطئ أبدا فى اختيار اللون، كن الأزرق النبيل، والأخضر الجليل، والأحمر الجميل، كن كل الألوان معا تظفر فى النهاية باللون الأبيض الذى تحلم به، لون الطهر والنقاء.


ttp://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=273222 (http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=273222)

الأمل في الغد
15-10-2010, 01:34 AM
فى قطرة الدم حياة كاملة، ملايين الكرات الحمراء، آلاف الكرات البيضاء، مئات الآلاف من الصفائح الدموية الهائمة، مواد تؤدى للتجلط، ومواد تُذيب التجلط، يعرف كل منها دوره، تتجدد، تنشط، تخمد، وعند اللزوم تُفنى نفسها، وبعد ذلك كله، ورغم ذلك كله، يسألونك عن دليلك على وجود الله!
فى قطرة الدم مواد لتوليد الطاقة، جلوكوز قابل للاحتراق، دهون بسيطة ومركبة، وأحماض أمينية وبروتينيات، هرمونات تسيل وتتدفق، إنزيمات، أملاح لكل منها وظيفة محددة، حديد ونحاس وعناصر نادرة كلها بحساب. وبعد ذلك كله، ورغم ذلك كله، يسألونك عن دليلك على وجود الله!
فى شفرة الدم جينومات تحتوى على شفرتك الوراثية، شريطين لولبيين ملتفين حول بعضهما البعض، يحتويان على تراث أجدادك من أبيك إلى آدم عليه السلام، كل صفاتهم الوراثية: طولهم، وزنهم، لون عيونهم، ملمس بشرتهم، أمراضهم النفسية والعضوية، كتاب مغلق على ما فيه، أنت فى الحقيقة أجدادك كلهم، أنت كل الإنسانية. وبعد ذلك كله، ورغم ذلك كله، يسألونك عن دليلك على وجود الله!
أنت لا تعرف عبقرية جسدك، وتلك السيمفونية الربانية الهائلة التى تتم كل لحظة داخلك، كى تظل حيا وتمارس نشاطك. لو عرفت لخجلت أن تكون كل هذه العبقرية من أجل حياة عبيطة كالتى نعيشها. وكأنك تجبر بيتهوفن على العزف فى مقهى بلدى، وتجعل بيكاسو يكتب اللافتات!
خذ على سبيل المثال شيئاً بسيطاً جداً يحدث كل يوم: أنت تجوع فتأكل!!. طبعا أنت لا تعرف الميكانيزمات المعقدة التى تجعلك تشعر بالرغبة فى تناول الطعام. لن أحدثك عن معجزة الهضم وكيف يحدث، ولا الامتصاص وكيف يتم، سأحدثك فقط عن «عبقرية الأنسولين».
بعد امتصاص الطعام يرتفع جلوكوز الدم، يساعد الجلوكوز الأنسولين الكامن داخل البنكرياس على الخروج، يلتحم بمنافذ معينة فى الجدار، ينساب لداخل الخلية. تبدأ رقصة كيميائية بديعة، ينساب الأنسولين على إثرها إلى مجرى الدم، يذهب إلى الخلايا البعيدة، حيث يقف الجلوكوز عاجزا عن دخول الخلية التى تنتظره فى اشتياق.
وهنا يحدث تبادل للأدوار، ويرد الأنسولين الجميل للجلوكوز، فيساعده على دخول الخلية، يفعل ذلك بطريقة رشيقة جداً: يدق الأنسولين الباب مستأذناً. يلتحم بمستقبلات دقيقة فى جدار الخلية، تبدأ رقصة كيميائية أروع من كل رقصات الباليه. تتماوج على أنغامها جزيئات كامنة فى أعماق الخلية عندها القدرة على حمل الجلوكوز الواقف عند الباب. هذه الجزيئات تظل ساكنة حتى تأتيها إشارة الأنسولين، فتعرف أن الجلوكوز على الأبواب. وقتها فقط تتحرك نحو جدار الخلية وتلتحم به، فينساب الجلوكوز من خلالها إلى الخلية السعيدة، ثم تبدأ عمليات كيميائية معقدة لإنتاج الطاقة اللازمة للحياة.
الآن يستطيع الجسد أن يمارس نشاطه الطبيعى: يتحرك، يتحدث، يتشاجر، يفكر، يطرح أسئلة. من جملة هذه الأسئلة - صدق أو لا تصدق: ما دليلك على وجود الله!

المصري اليوم (http://www.rewayatnet.net/forum/المصري اليوم)

الأمل في الغد
17-10-2010, 12:11 AM
يناير ١٩٥٠
عطلة منتصف العام
كانت الحافلة تمضى صوب القاهرة وهى تقل طالبات مدرسة المنصورة الثانوية للبنات. ومن داخلها تعالى صخب البنات، اللاتى لم يصدقن بعد أنهن قد أفلحن فى إقناع آبائهن الغاضبين بالسماح لهن بالسفر بمفردهن، ثم المبيت بأحد الفنادق فى تلك الرحلة التى قامت الإدارة التعليمية بتنظيمها أثناء عطلة منتصف العام.
■ ■ ■
فى هذا الوقت كان حدوث ذلك ضرباً من الخيال ولكن البنات قد أفلحن فى تحقيق المحال! بالدموع الساخنة والإضراب عن الطعام والاعتكاف فى غرفهن. كان الأمر لديهن يستوجب القتال حتى الموت، فقد صوّر الخيال لهؤلاء الغريرات أن ثمة سعادة خيالية فى التحرر من رقابة الأسرة لعطلة قصيرة. لا عجب أن انفجر المرح فى الحافلة طيلة الرحلة، التى استغرقت نحو ثلاث ساعات. ردد البنات كل ما يحفظن وما لا يحفظن من الأغانى الشائعة فى ذلك العهد، حتى بحت أصواتهن من فرط الغناء.
(ثُريّا) وحدها ظلت ترنو عبر النافذة وتتأمل الأشجار الخضراء المتلاحقة كالأشباح. وتجيب على مزاح صديقاتها بابتسامة متحفظة.
■ ■ ■
يناير ٢٠٠٠
أحس بشعور غامض أشبه بالنداء حينما ولج باب الفندق العتيق ليقضى ليلته فيه، حينما أدركه الليل فى مدينة القاهرة ولم يقض مصالحه بعد. قدر أن قضاء الليل فى أحد الفنادق أوفق من معاودة السفر فى الصباح التالى.
دخل الفندق العتيق، سأل العجوز القابع فى الاستقبال عن غرفة خالية. رفع إليه عينين ذابلتين متعبتين. لكن هُيأ إليه - لوهلة - أن يقظة مفاجئة لمعت فى عينيه، اللتين راحتا تتفحصانه فى استغراب. وطال الصمت حتى أحس بغرابة الموقف. عاد يكرر:
-هل توجد غرفة خالية؟
أومأ الرجل وهو لايزال يتفحصه. أخرج بطاقته فى ارتباك دون أن يطلبها العجوز الذى ألقى عليها نظرة عابرة وكأنه يعرف مقدماً البيانات المسجلة. اسمه، عمره، عنوانه، وظيفته.
وفجأة فاحت رائحة السنين فى المكان حتى أحس بالدوار. والتفت إلى الوراء حينما ربت رجل عجوز على كتفه. قال له فى غموض: «أخيراً جئت؟».
انعقد لسانه من الدهشة فلم يرد. حاول أن يستفسر لكن العجوز حمل حقيبته الصغيرة فى صمت وابتعد، صعد الدرج وهو يستمع لرنين خطواته على الخشب القديم.
«أخيراً جئت!»، هل قال ذلك فعلاً أم أنه يتوهم؟. قاده العجوز فى صمت عبر ممر طويل إلى غرفة موصدة. أولج المفتاح الكبير المزخرف فى قفل الباب العتيق، فدخل إلى داخل الغرفة التى بدت له مألوفة بشكل محير. وسرعان ما استدار العجوز مغادراً الغرفة وهو يبتسم فى غموض.
■ ■ ■
أوصد الباب وهو يرتعد. لابد أن أعصابه مرهقة بشكل يجعله يتخيل أشياء لا يمكن أن تحدث أبداً. شرع يتأمل الأثاث العتيق والستائر المسدلة وأدرك دون جهد أن أحداً لم يدخلها منذ عهد بعيد.كانت رائحة السنين تفوح من الغرفة وأدرك فى يقين فياض أن الغرفة مسكونة بطاقة لا يدرى كنهها ولكنها كانت تملك من التأثير والإيحاء ما يجعله يرتجف.
شىء ما يناديه..
هنا فى هذا المكان الذى يعرفه منذ بدء الخليقة راح يسير فى بطء، ثم ما لبث أن رقد على السرير ذى القوائم العالية بكامل ملابسه (شىء ما فى داخله همس له بأنه لا يليق به أن ينضو ثيابه)
وشرع ينتظر.
لم ينم. كلا لم يكن نائماً على الإطلاق، وإنما كانت تلك الأبيات تنقش داخله فى صمت:
«أيها الآتى فى غيب الزمان
غامض الكيف.. مجهول المكان
ضع يديك فى أثر يدى
واطو الزمان تلتق الكفان»
لم يفهم شيئاً، ولكن لاحت له صورتها باللونين الأبيض والأسود وكأنها صورة قديمة فى إحدى المجلات المصورة. وكانت عيناها المنطويتان على سر مخيف هما أبرز ما فيها.
■ ■ ■
يناير ١٩٥٠
كانت البنات يتدافعن صوب غرفهن حتى كاد الدرج الخشبى ينهار تحت أقدامهن الصغيرات. ثريا وحدها تمهلت حتى خلا الدرج تماماً ومضت تصعد فى بطء وقد ارتسمت فى عينيها نظرة عميقة وهى تمضى مأخوذة فى طريقها إلى غرفتها المنفردة.
راحت تتجول فى الغرفة على مهل وتتطلع إلى شىء مجهول لا تدرى كنهه. كان ثمة شعور غامض يستحوذ عليها بأن أمراً جللاً يوشك أن يحدث، أمراً غير مألوف، ولكنه يوشك أن يتجسد لها. رقدت بثيابها الكاملة على السرير. وراحت تحملق فى السقف وترتقب.
ترتقب...
وفجأة لمحته. ذلك الوجه الحالم والعينين المتوهجتين. الرجل التى طالما انتظرته، كى تُنكّس أعلامها ويرفرف علمه الحبيب فى فضاء روحها. كان معها فى هذه الغرفة بالذات، ويرقد على ذات السرير – ويا للخجل – ويراها مثلما تراه.
كان بجانبها لكنه لم يمسها قط وكيف يفعل وخمسون عاماً تفصل بينهما مثل واد سحيق يفصل بين قمتى جبلين متقابلين؟!
انتفضت قائمة وراحت تدور فى الغرفة ثم وضعت يديها على المنضدة المليئة بالأتربة فتركت أثراً ظاهراً ليديها. وراحت تهمس قائلة:
« أيها الآتى فى غيب الزمان
غامض الكيف.. مجهول المكان»
■ ■ ■
يناير ٢٠٠٠
غادر فراشه ومضى صوب المنضدة بشعور أقرب للإلهام، وهناك رأى وهو يرتجف ذلك الأثر القديم ليديها لم تمحه الأيام. لحظتها فحسب أدرك مغزى الأبيات المنقوشة داخله، ومضى يردد:
«ضع يديك فى أثر يدى»
وببطء وضع يداً مترددة باردة على موضع الكف، حيث كانت يدها البضة الدافئة ترتقبه منذ أعوام بعيدة.
«واطو الزمان»
كان يقف على قمة الجبل وهى هناك على الجانب الآخر تفصل بينهما الهوة المستحيلة. كانت الرياح تعبث بخصلات شعرها وأحب هو وجهها القديم الذى صار يتلون رويدا بعد ما كان باللونين الأبيض والأسود، وسباه سحر عينيها العميقتين الغامضتين المتطلعتين إليه.
أغمض عينيه ثم وثب إلى الجانب الآخر.
وأحس بملمس كفها يلين تحت ضغط يديه.. كحمامة بيضاء تذعن للمسة حنان. و«تلتق الكفان».

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=273449

الأمل في الغد
17-10-2010, 12:14 AM
المعلّمة الحسناء



شاهدها فجأة تجلس على المائدة المجاورة فلم يصدق عينيه. راح يغمض عينيه ويفتحهما مرارا، وتمنى فى نفسه ألّا تكون ابنته قد لاحظت ما اعتراه، يداه ترتجفان، كيانه كله يرتجف، وكأنه تلميذ فى المدرسة الثانوية يقع فى الحب لأول مرة، ولكن أليست تلك هى الحقيقة بحذافيرها.. أليس ذلك ما حدث فعلا منذ عشرات السنين؟
أحبها؟، قطعا أحبها. الآن بعد كل هذه السنين يستطيع أن يقولها بثقة، حتى لو كانت تكبره بعشرة أعوام على الأقل، حتى لو كانت معلمته الحسناء!
كانت ابنته تثرثر وكان يتظاهر بالإصغاء. يسترجع صباح اليوم الأول الذى شاهدها فيه، والذى شكّل حياته لسنوات مقبلة، وخرطها بالنار والسكين. كانت روحه المسكينة ميدان صراع حافلاً بين طفولة موّلية وشباب مقبل. منذ الإجازة الصيفية وهو يشعر برغبة مبهمة فى البكاء. وأشياء لم تكن تهز منه شعرة صارت تفعمه بالترقب، يهمس الهواء فى أذنيه بأمنيات حلوة، ويرفع عينية للسماء ليغترف من زرقتها الصافية، وحتى الكروان المجلجل صار يُشعره بالاضطراب.
.................
راح يختلس النظر إليها. يستحيل أن تكون قد لاحظته، أو تذكرت وجهه بين آلاف الوجوه التى مرت عليها. جميلة كالعهد بها رغم آثار السنين. حبه الميئوس منه، والمرأة التى ظل يفتش عن ملامحها فى ملايين النساء.
مازال يذكر اليوم الأول الذى شاهدها فيه. صورته وهو يعد حقيبته، ينزل من بيته، هواء الصباح البارد يداعب وجهه، انتظام التلاميذ فى أول يوم بالمدرسة الثانوية، تحية العلم، نشيد الصباح.
وفجأة شاهدها فى فناء المدرسة. طويلة القامة، ظالمة الحسن، ساحرة النظرات. بالتأكيد لم يكن مناسبا أن تعمل فى مدرسة مراهقين يتعثرون فى أهدابها الطويلة وشعرها الحريرى ووجهها الصبوح.
معلمة الفصل لمادة الكيمياء! مازال يذكر المشاعر الصوفية التى كانت تغمره مع طلّتها النورانية، من أجلها ذاكر مادتها كما لم يذاكر أبدا، ورسم وجهها على كراريسه، وانعقدت صداقة بينه وبين أصابع يديها، وحفظ فى افتتان ملامح وجهها وهى تضحك، أو تُقطّب أو تشرد فى خيال. وذات ظهيرة ممطرة تبعها- دون أن تلاحظ- حتى يعرف بيتها، بعدها ظل يذرع شارعها- كحارس الكنز- آلاف المرات.
...............
قالت ابنته شيئا ثم ضحكت، فضحك مجاملة لها، رغم أنه لم يسمعها. مازال يذكر ألمه الجنونى حين غابت عن المدرسة، قيل إنها تزوجت وسافرت. ثم فقد الأمل نهائيا حين دخل الفصل معلم بدين يشرح مادتها. وقتها انسكبت مرارة الدنيا على القلب الصغير.
واليوم يراها بعد عشرات السنين. رغم التجاعيد الكثيرة لم تزل تحمل ملامحها القديمة. لم يدر ماذا يفعل! فكر أن يُعرّفها بنفسه ويرحب بها، لكنه تهيّب أن يفضحه اضطرابه. لم يطل تردده كثيرا لأنها قامت من مقعدها وراحت تبتعد فى ثبات. طفق يلاحقها بنظراته حتى اختفت تماما، ثم راح ينظر إلى ابنته ويهز رأسه متظاهرا بالإصغاء.

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=273594

قيصر الصقيع
18-10-2010, 10:35 PM
تصوراتى عن الجنة أنها - ببساطة - ذلك المكان الذى تنمو فيه شجرات المانجو بكثرة وتستطيع أن تأكل منها بغير حساب. حينما كنت طفلا - وأظننى مازلت كذلك! - كنت قد نويت أن أقيم بصفة نهائية فى الهند، بمجرد أن أكبر وأستقل بحياتى. ولم يكن ذلك طبعا من أجل سحر التاريخ وإنما من أجل المانجو الهندى، الذى كان ينقلنى إلى آفاق سماوية. لم أكن أعرف وقتها المانجو «العويسى الفص»، ومع أننى مازلت أجهل السيد «عويس»، الذى سموا المانجو على اسمه، فإننى أرفع له القبعة وأهديه تحياتى.
والآن بعد أن كبرت حددت لنفسى هدفا وحيدا طيلة موسم المانجو، وهو أن آكل أكبر كمية ممكنة منه، حتى تلوثت بلونه الذهبى دمائى وجميع ثيابى.
ولقد سبق لى أن كتبت عن المانجو ملاحم، وبلغ من فرط هيامى بها أن كتبت مقالا (رومانسيا) أقارن فيه بين المانجو والنساء، وانتصرت طبعا للمانجو!. وبرغم أن الأمر لم يكن أكثر من دعابة، فإننى لا أجرؤ على نشره هنا، لأنه أثار غضب السيدات المتحسسات لحقوق المرأة، وأنا لن أغامر بخسارة قارئاتى.
ولكى تعلموا أننى لست مجنون المانجو الوحيد، فإننى سأحكى لكم عن ذلك الأستاذ الألمانى الذى تغيرت حياته كليا منذ أن عرف المانجو. هو أستاذ صديقى، الذى كان يدرس الدكتوراة فى ألمانيا، وهو رجل لطيف فعلا: بمجرد قدومه لمصر سأل صديقى عن المكان الذى يبيعون فيه «بدل الرقص الشرقى»، لأن ابنته طلبت واحدة!
المهم أعدّ له صديقى برنامجا حافلا وهنا بدأت علاقته (الدرامية) بالمانجو. حينما ذاق المانجو «العويسى الفص» فقد عقله وجنّ تماما، يقول صديقى إنه - طيلة المتبقى من أيام إقامته - لم يعد يأكل غير المانجو. وبينما كان يودعه فى المطار طلب منه - ودموعه تسبقه - أن يحضر معه فى الزيارة المقبلة أكبر كمية ممكنة.
حينما سألتُ صديقى مندهشا ألا توجد مانجو بألمانيا؟، قال إنها سيئة، وطعمها مر، وتأتى من أمريكا الجنوبية. وحين أبديت دهشتى من عدم تصديرنا لها، قال ضاحكا إنها ستغزو قلوب الألمان وتصبح (القوة الناعمة) لمصر مع آثار الفراعنةّ.
نعود للقصة: حين وصل صديقى ألمانيا، وبرغم أن الألمان ينامون مبكرا فإنه بمجرد دخوله البيت - فى العاشرة مساء - فوجئ بأستاذه يتصل به تليفونيا ليطمئن على حضور المانجو، فقال صديقى باسما إنه سيحضرها له فى الصباح التالى. لكن الأستاذ لم يطق صبرا وإذا بجرس الباب يدق فى منتصف الليل، وهو شىء نادر الحدوث هناك، فتح صديقى الباب فوجد أستاذه الوقور واقفا أمام الباب وعينيه زائغتين وكأنه مدمن (بانجو)!!
فى الصباح التالى وجده فى نشوة صوفية. وعرف أيضا أن (النداهة) ندهت ابنته حين أكلت واحدة.. فُأغمى عليها.
ما رأيكم أن نُنشئ رابطة لعشاق المانجو؟


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=273807&IssueID=1927)

الأمل في الغد
21-10-2010, 12:35 PM
انتبه وكأنه استيقظ فجأة، اجتاحت حواسه يقظة متوهجة وكأنه مصباح كهربائى أضىء لتوّه، آخر ما يذكره أنه كان منهكا، ضائق الصدر، لاهث الأنفاس. ثم حدث شىء لا يذكره الآن، بعدها أحس براحة غير اعتيادية وكأن جبلا قد انزاح عن صدره.
................
تنهد وسار فى طرقات المدينة الهادئة، النور منبث فى الأفق، والقمر باسم مستدير. منذ متى كان الليل بهذه الروعة والسماء مكتظة بهذه النجوم!
كان متوهجا فوق العادة، أنفاس الليل تتخلله، ونشوة مجهولة تُثمله، وكأنه أشعل قلبه مباشرة من النجوم. وفجأة لاحت أمامه ساحة متسعة. لم يتردد لحظة، كان قلبه مفعما بالود، توّاقا إلى المناجاة. استوقفه أول وجه شاهده. صرخ فى فرح وهو لا يصدق نفسه: «هشام»!، أول صديق فى حياته يعود لعالمه من جديد!! والأغرب أنه استطاع أن يميز ملامحه القديمة، جلس بجانبه وقلبه يدق من الانفعال، أى ذكريات تعبر ذهنه الآن: لهوهما فى الشارع معا، ركوب الدراجة وقت الغروب، وأفلام الكرتون التى كانا يشاهدانها معا، والغم الذى أحس به حين أخبره بأنه سيسافر إلى أمريكا ليلحق بأبيه، كانت أول صدمة فى حياته، ولمدة عام كامل بعد رحيله ظل يتطلع إلى الشرفة الموصدة وقد أظلم قلبه الصغير.
..........
تلفت حوله، وهو لا يصدق عينيه. «باسم» أيضا؟! صاحب الوجه المستدير والشعر المفلفل، رفيق الطفولة وجاره القديم، الذى شاركه لعب الكرة ساعات النهار، وفى النهاية كان الرحيل!. وانطبع فى قلبه بعمق أبدى أن الأحبة دائما يرحلون.
............
تقدم أكثر.. «طارق»؟، صديق الصبا والمراهقة المتوثبة والقلب النضير. وطرقات المدينة التى ذرعاها ألف مرة والذكريات المشتركة والحزن المتكرر عند الرحيل، جلس بجواره فأحس بأنه يصالح الأقدار ويطرح همه.
...............
كان على حق حين قال إنها ليلة غير اعتيادية، الآن يشعر بأنه يعرف الأسرار كلها ويمتلئ باليقين. الآن يصغى لدبيب القوى الخفية، وتُلقى فى روعه القوانين المحكمة التى تحكم الكون.
راح يترقرق فى الساحة، يشاهد كل الوجوه الصديقة التى مرت على حياته. شاهد وجه أمه المستدير المؤطر فى طرحة الصلاة، شاهد وجه أبيه الحزين وصلعته الأبوية، شاهد إخوته وهم أطفال، ووجوه أصدقائه فى جميع مراحل الحياة. شاهد كل الأحبة الغائبين. وقف فى منتصف الساحة وقال بصوت عال: «إنه مما يدخل السرور على القلب المُتعب أن يشاهد الوجوه الصديقة تجتمع كلها فى مكان واحد».
...............
وفجأة انتبه إلى شىء عجيب ألقى البرودة فى قلبه: كيف اجتمع هؤلاء فى مكان واحد، رغم أنهم لا يعرفون بعضهم البعض؟، ولماذا لا ينظرون نحوه وكأنهم لا يشاهدونه، ولا يردون على كلامه وكأنهم لا يسمعونه!؟. هل يعنى ذلك أنه مات!؟، ولكن متى وكيف وأين؟!
وزحف اليقين فى داخله فجأة حين لاحظ أنهم انهمكوا جميعا فى سماع صوت المُقرئ الذى يُرتّل القرآن.

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=274047

الأمل في الغد
21-10-2010, 12:40 PM
ما زلت أذكر هذه الذكرى الطريفة، حينما كنت فى إعدادى طب، وقد شاعت فى عمارتنا أخبار اهتماماتى الأدبية. فدعتنى جارتى - وهى سيدة عالية المقام - إلى حضور ندوة ينظمها الروتارى فى نادى طنطا عن « فلسفة الجمال».
لم يكن لى غرام بالندوات، لكنها شددت على حضورى، وكان أمرها لا يُرد، فهى فى مقام الأم التى لا يسعنى أمامها إلا الإذعان.
.........
فى الموعد المحدد كنت فى النادى فى انتظار جارتى، فصادفت صديقى الذى فرغ لتوه من تدريبات السباحة. وجلسنا فى الحديقة نستمتع بشمس الشتاء وسط المدى الأخضر، حيث ترقص الفراشات، وتغرد العصافير من فوقنا، خالية البال من همومنا.
وفجأة، لاحظتُ شيئاً مريباً: نساء متأنقات مصبوغات الشعر يصعدن تباعا إلى قاعة الندوات. حاولت أن أعثر على رجل واحد دون جدوى. وهنا، أدركت الحقيقة المخيفة: «هذه ندوة نسائية».
نهضت بسرعة - وصديقى فى أثرى - متجها فى رعب إلى باب النادى قبل أن تحضر جارتى. وفجأة، تحققت أسوأ مخاوفى ووجدتها أمامى بوجهها الصبوح المتفائل. قالت فى انشراح صدر: «أيمن! كويس إنك جيت، يللا تعال».
حاولت أن أعترض، توسلت إليها، مستحيل أن أدخل هذه الندوة النسائية المرعبة. لكنها قالت فى بساطة: «ما تبقاش عبيط. تعال وهات صاحبك معاك».
شاهدت ألوان قوس قزح تتبدل فى وجه صديقى، حاول أن ينسحب، لكن شخصيتها الطاغية أجهضت محاولة الانسحاب.
حاولت أن أشرح أننى لا أهتم مطلقا بفلسفة الجمال. لكنها قالت وكأنها تخاطب طفلا: «ماتخافش، حتنبسط».
وتوقفت العصافير عن التغريد، والفراشات عن الرقص، وكفت الغصون عن التمايل، وضحكت الشمس فى بعدها الخرافى علينا، ونحن نسير خلفها - كولدين مؤدبين - إلى هذه الندوة المخيفة.
...........
جلسنا منكمشين فى أقصى القاعة كفأرين مذعورين وسط ما لا يقل عن مائة امرأة، كلهن وضعن مساحيق الزينة وصففن شعورهن وتأنقن فى الثياب.
وبدأت المحاضرة التى لا تهمنا فى شىء، دون أن نسمع كلمة مما يقال. وبدا صديقى غارقاً فى العرق، عاجزا عن فهم ما الذى جاء به إلى هذا المكان!
وقطعت الأستاذة محاضرتها، وقالت إنها كانت تتوقع أن يكون كل الحضور نساء، ثم نظرت إلينا، وعلى الفور اتجهت إلينا مئات العيون المتفحصة مع ضحكات عالية رنانة، فانكمشنا فى مقاعدنا أكثر، واستسلمنا لأقدارنا حتى ينتهى هذا الكابوس.
ودارت الأرض حول نفسها مرات، وغربت الشمس وأشرقت، وطوّف الإسكندر الأكبر العالم، باحثاً عن سكينته، وسبى قادش اليهود، وهزم قطز التتار، كل هذا حدث والسيدة المتأنقة تحاضرنا عن فلسفة الجمال.
وأخيراً، انتهت المحاضرة المرعبة، وبدأت جموع النساء فى الانصراف وهن ينظرن لنا ويضحكن، وبينما كنا نتأهب - أنا وصديقى - للجرى بسرعة ألف ميل فى الساعة، التفتت إلينا جارتنا وسألتنا فى براءة ووجهها ينطق بالانشراح:
- «هه! انبسطتم يا ولاد؟!».

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=274110

الأمل في الغد
21-10-2010, 12:40 PM
ما زلت أذكر هذه الذكرى الطريفة، حينما كنت فى إعدادى طب، وقد شاعت فى عمارتنا أخبار اهتماماتى الأدبية. فدعتنى جارتى - وهى سيدة عالية المقام - إلى حضور ندوة ينظمها الروتارى فى نادى طنطا عن « فلسفة الجمال».
لم يكن لى غرام بالندوات، لكنها شددت على حضورى، وكان أمرها لا يُرد، فهى فى مقام الأم التى لا يسعنى أمامها إلا الإذعان.
.........
فى الموعد المحدد كنت فى النادى فى انتظار جارتى، فصادفت صديقى الذى فرغ لتوه من تدريبات السباحة. وجلسنا فى الحديقة نستمتع بشمس الشتاء وسط المدى الأخضر، حيث ترقص الفراشات، وتغرد العصافير من فوقنا، خالية البال من همومنا.
وفجأة، لاحظتُ شيئاً مريباً: نساء متأنقات مصبوغات الشعر يصعدن تباعا إلى قاعة الندوات. حاولت أن أعثر على رجل واحد دون جدوى. وهنا، أدركت الحقيقة المخيفة: «هذه ندوة نسائية».
نهضت بسرعة - وصديقى فى أثرى - متجها فى رعب إلى باب النادى قبل أن تحضر جارتى. وفجأة، تحققت أسوأ مخاوفى ووجدتها أمامى بوجهها الصبوح المتفائل. قالت فى انشراح صدر: «أيمن! كويس إنك جيت، يللا تعال».
حاولت أن أعترض، توسلت إليها، مستحيل أن أدخل هذه الندوة النسائية المرعبة. لكنها قالت فى بساطة: «ما تبقاش عبيط. تعال وهات صاحبك معاك».
شاهدت ألوان قوس قزح تتبدل فى وجه صديقى، حاول أن ينسحب، لكن شخصيتها الطاغية أجهضت محاولة الانسحاب.
حاولت أن أشرح أننى لا أهتم مطلقا بفلسفة الجمال. لكنها قالت وكأنها تخاطب طفلا: «ماتخافش، حتنبسط».
وتوقفت العصافير عن التغريد، والفراشات عن الرقص، وكفت الغصون عن التمايل، وضحكت الشمس فى بعدها الخرافى علينا، ونحن نسير خلفها - كولدين مؤدبين - إلى هذه الندوة المخيفة.
...........
جلسنا منكمشين فى أقصى القاعة كفأرين مذعورين وسط ما لا يقل عن مائة امرأة، كلهن وضعن مساحيق الزينة وصففن شعورهن وتأنقن فى الثياب.
وبدأت المحاضرة التى لا تهمنا فى شىء، دون أن نسمع كلمة مما يقال. وبدا صديقى غارقاً فى العرق، عاجزا عن فهم ما الذى جاء به إلى هذا المكان!
وقطعت الأستاذة محاضرتها، وقالت إنها كانت تتوقع أن يكون كل الحضور نساء، ثم نظرت إلينا، وعلى الفور اتجهت إلينا مئات العيون المتفحصة مع ضحكات عالية رنانة، فانكمشنا فى مقاعدنا أكثر، واستسلمنا لأقدارنا حتى ينتهى هذا الكابوس.
ودارت الأرض حول نفسها مرات، وغربت الشمس وأشرقت، وطوّف الإسكندر الأكبر العالم، باحثاً عن سكينته، وسبى قادش اليهود، وهزم قطز التتار، كل هذا حدث والسيدة المتأنقة تحاضرنا عن فلسفة الجمال.
وأخيراً، انتهت المحاضرة المرعبة، وبدأت جموع النساء فى الانصراف وهن ينظرن لنا ويضحكن، وبينما كنا نتأهب - أنا وصديقى - للجرى بسرعة ألف ميل فى الساعة، التفتت إلينا جارتنا وسألتنا فى براءة ووجهها ينطق بالانشراح:
- «هه! انبسطتم يا ولاد؟!».

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=274110

الأمل في الغد
23-10-2010, 10:36 AM
الحمد لله على نعمته. كم أسعدتنى - فى رحلة الحياة- هذه المخلوقات الجميلة التى تُدعى العصافير. صغيرة، ظريفة، فاتنة. حتى ولو زعم العلماء أنها أبعد ما تكون عن الرقة، وأن تغريدها - الذى نطرب له - سباب متبادل مع العصافير الأخرى حول مناطق الطعام والنفوذ.
لكننی - بكامل إرادتى - أتجاهل هذه النظريات المزعجة، وأرمقها فى افتتان وهى تنطلق راقصة فى أسراب لا يحصيها العد قبيل الغروب، قبل أن تستقر على أغصانها لتنخرط فى صلاة جماعية مؤثرة فى انتظار النوم.
العصافير تلعب!! هذا ما اكتشفته بعد مراقبة لصيقة.. والبحث عن الطعام لا يفسر أوضاع طيرانها المتهورة، أحيانا تجرب النزول على الأرض، والمشى قليلا بطريقة ظريفة، ممتعة ومضحكة، فهى لا تسير مثلنا، بل تقفز فى «عصفرة» منقطعة النظير، وتبدو فخورة جدا بالمغامرة، وبعد أن تشبع هوايتها فى ممارسة الممنوع تطير بسرعة إلى ماما لتخبرها كم هى حلوة وشاطرة!
■ ■ ■
كنت طفلا صغيرا حينما شاهدت أول عصفور فى حياتى. تسلقت سور الشرفة المدعم بعواميد حديدية لأتطلع للطريق من خلاله، شرعت أرمق العصفور فوجدته أسمر اللون شديد الظرف يحلق على غصن الشجرة ثم يطير فى السماء. غامرت بتقليده مرفرفا بذراعىّ على أمل الارتفاع. وحينما ارتطمت بأرض الشرفة وارتفع صوت بكائى أسرعت أمى لتحملنى بيدها المليئة ببقايا الطبيخ، طيّبت خاطرى وقبّلتنى لأكف عن البكاء، وهى تنظر فى قلق إلى أوانٍ تطقطق على النار، ثم أفلتتنى برفق لتقلّب بالمغرفة شيئا ما.
جلست على الأرض ووجهى منكس لأسفل، وتكشيرة كبيرة ارتسمت على وجهى الزعلان، وشفتى السفلى المقلوبة تعلن للكون أنى متضايق وغضبان! كرامتى مجروحة يا ناس!! فشلت فيما نجح فيه عصفور صغير! ومن أين لى أن أعلم أن العصافير تطير لأن عظامها خفيفة تحتوى على جيوب هوائية متصلة بالرئتين تسهّل ارتفاعها فى الفضاء؟ تخفق أجنحتها ببطء ثم تنحدر على الهواء الذى يحملها فى يسر.
■ ■ ■
منذ ذلك الحين أراقبها بفضول لا يخلو من حسد، وهى تمارس حياتها اليومية. تصنع أعشاشها على قمم الأشجار دون تصريح بناء!! لا يهز منها ريشة ارتفاع سعر الأسمنت والحديد! وحتى فضلاتها تلقيها بوفرة فوق رأسى دون أن تفكر فى الاعتذار! تغرد وتنطلق خالية البال فيما يميتنى الحزن كل يوم ثم لا يحيينى!! وبعين الخيال أرى العصفورة الصغيرة تشير نحوى قائلة لمامتها العصفورة الكبيرة:
- مامى، شايفة الراجل اللى ماشى فى الشارع ده!
فتلقى العصفورة الأم نحوى نظرة غير مكترثة، وتقول:
- آه، ده أيمن، ماله؟ (باعتبار أن ماما تعرف دائما كل شىء حتى لو كانت عصفورة).
- دايما أشوفه ماشى زعلان، وشايل الدنيا فوق راسه.
فتلقى العصفورة الأم نظرة متفحصة، ثم تقول:
- آه صحيح، باين عليه زعلان.
- تفتكرى ليه يا مامى؟ جعان؟
فتموت العصفورة ماما من الضحك، وتقول:
- جعان إيه!! هو بيبطل أكل؟ مش شايفه أد إيه تخين!
فتتأمل العصفورة الصغيرة جسدها النحيل متحيرة، وكأنها تقول لنفسها «ماما عندها حق»، ثم تعاود السؤال:
- أمال زعلان ليه يا مامى ما دام لاقى ياكل؟
فتقول الأم الخبيرة بأحوال البشر:
- شوفى يا بنتى!! حاقولك كلمة تحطيها حلقة فى ودانك، البنى آدم، خصوصا الرجالة منهم، بيموتوا فى النكد، وإن ما لقوش نكد يخترعوه.
تفكر العصفورة الصغيرة فى كلام ماما، تتذكر أنها لم تشاهد وجها سعيدا تقريبا، البشر فعلا يحبون النكد، بعكس العصافير التى إذا ملأت بطنها بالطعام استخفها المرح وانطلقت تلعب، تطير خلف بعضها البعض وتتشاقى حتى موعد النوم، بعدها تتبادل الثرثرة على غصون الأشجار وتحكى كل عصفورة مغامرات اليوم، ثم يغلبها النعاس فتنام على الشجرة خالية البال.
هذه المرة تأخرت العصفورة الصغيرة فى النوم، راحت تتذكر وجهى الحزين المطفأ، بلا مبرر معقول عندها، ثم تنهدت بصوت مرتفع وقالت: «حكمتك يا رب!!»، بعدها رفعت جناحيها، وصلّت صلاة صغيرة لخالقها العظيم قائلة:
أحمدك يا رب إنك ما خلقتنيش إنسان، وخلقتنى عصفورة!!
■ ■ ■
حوارات أتخيلها ولا أسمعها، لكنها بالتأكيد تدور باستمرار من فوق رأسى، وكلما شاهدتها تمارس معجزتها المحيرة- فيما أبقى أنا مسمّرا إلى الأرض– عاودنى حلمى الأول بالطيران. يفسرون طيرانها بخفة وزنها وأفسره أنا بقلة أحزانها!!.. أقول لنفسى كيف ترتفع وفى قلبك كل هذا الحزن!.. حاول الإغريقى «ددالوس» الارتفاع بجناحين مصنوعين من الشمع. يفسرون إخفاقه بحرارة الشمس التى أذابت الشمع، والحقيقة أنه تنهد فذاب الجناح من حرارة التنهيدة!!
■ ■ ■
أشياء كثيرة تغيرت منذ محاولتى الأولى للطيران، بيتى صار شركة كمبيوتر، الشرفة لم تعد ملكى، الشارع لا أجرؤ على المرور فيه، بابا مات، أخى مات، ماما لم تعد موجودة! ذهبت يداها الحبيبتان الملوثتان ببقايا الطبيخ، وحينما أسقط ويرتفع بكائى - وكثيرا ما صرت أسقط ويرتفع بكائى - لا أجد ماما لتحملنى وتطيب من خاطرى!
■ ■ ■
لم يعد أمامى سوى أن أصبح كالعصافير كى أطير!! أتخلص من متعلقاتى الأرضية لألحق بالسماء. أترك أشيائى المُعوّقة. فى عرض الطريق أمام العابرين رميت هاتفى، مفاتيحى، ذكرياتى القديمة، حقيبة مدرستى، نظارتى، ساعتى، مكاسبى، خسائرى، مصائبى، خيبة أملى، حزنا يسكن قلبى، دمعة تترقرق فى عينى، أشعارى الساذجة، أول فتاة أحببتها، صورة بالأبيض والأسود.
كل ذلك رميته، لم أتردد لحظة. الأفق الأزرق ينادينى، يهمس لى أن أمى هناك، مع العصافير المحلقة، فى عنان السماء. مع رائحة الطبيخ، وأوان على النار تطقطق، يثور حنينى، يجن جنونى، أنضو ملابسى، أخلع حذائى، أرمى جوربى، أنزع سروالى، أمزق قميصى وأحلامى، ثم أركض فى الطريق كالمفتون، مرفرفا بذراعىّ على أمل الارتفاع!!

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=274258

الأمل في الغد
23-10-2010, 10:37 AM
الحمد لله على نعمته. كم أسعدتنى - فى رحلة الحياة- هذه المخلوقات الجميلة التى تُدعى العصافير. صغيرة، ظريفة، فاتنة. حتى ولو زعم العلماء أنها أبعد ما تكون عن الرقة، وأن تغريدها - الذى نطرب له - سباب متبادل مع العصافير الأخرى حول مناطق الطعام والنفوذ.
لكننی - بكامل إرادتى - أتجاهل هذه النظريات المزعجة، وأرمقها فى افتتان وهى تنطلق راقصة فى أسراب لا يحصيها العد قبيل الغروب، قبل أن تستقر على أغصانها لتنخرط فى صلاة جماعية مؤثرة فى انتظار النوم.
العصافير تلعب!! هذا ما اكتشفته بعد مراقبة لصيقة.. والبحث عن الطعام لا يفسر أوضاع طيرانها المتهورة، أحيانا تجرب النزول على الأرض، والمشى قليلا بطريقة ظريفة، ممتعة ومضحكة، فهى لا تسير مثلنا، بل تقفز فى «عصفرة» منقطعة النظير، وتبدو فخورة جدا بالمغامرة، وبعد أن تشبع هوايتها فى ممارسة الممنوع تطير بسرعة إلى ماما لتخبرها كم هى حلوة وشاطرة!
■ ■ ■
كنت طفلا صغيرا حينما شاهدت أول عصفور فى حياتى. تسلقت سور الشرفة المدعم بعواميد حديدية لأتطلع للطريق من خلاله، شرعت أرمق العصفور فوجدته أسمر اللون شديد الظرف يحلق على غصن الشجرة ثم يطير فى السماء. غامرت بتقليده مرفرفا بذراعىّ على أمل الارتفاع. وحينما ارتطمت بأرض الشرفة وارتفع صوت بكائى أسرعت أمى لتحملنى بيدها المليئة ببقايا الطبيخ، طيّبت خاطرى وقبّلتنى لأكف عن البكاء، وهى تنظر فى قلق إلى أوانٍ تطقطق على النار، ثم أفلتتنى برفق لتقلّب بالمغرفة شيئا ما.
جلست على الأرض ووجهى منكس لأسفل، وتكشيرة كبيرة ارتسمت على وجهى الزعلان، وشفتى السفلى المقلوبة تعلن للكون أنى متضايق وغضبان! كرامتى مجروحة يا ناس!! فشلت فيما نجح فيه عصفور صغير! ومن أين لى أن أعلم أن العصافير تطير لأن عظامها خفيفة تحتوى على جيوب هوائية متصلة بالرئتين تسهّل ارتفاعها فى الفضاء؟ تخفق أجنحتها ببطء ثم تنحدر على الهواء الذى يحملها فى يسر.
■ ■ ■
منذ ذلك الحين أراقبها بفضول لا يخلو من حسد، وهى تمارس حياتها اليومية. تصنع أعشاشها على قمم الأشجار دون تصريح بناء!! لا يهز منها ريشة ارتفاع سعر الأسمنت والحديد! وحتى فضلاتها تلقيها بوفرة فوق رأسى دون أن تفكر فى الاعتذار! تغرد وتنطلق خالية البال فيما يميتنى الحزن كل يوم ثم لا يحيينى!! وبعين الخيال أرى العصفورة الصغيرة تشير نحوى قائلة لمامتها العصفورة الكبيرة:
- مامى، شايفة الراجل اللى ماشى فى الشارع ده!
فتلقى العصفورة الأم نحوى نظرة غير مكترثة، وتقول:
- آه، ده أيمن، ماله؟ (باعتبار أن ماما تعرف دائما كل شىء حتى لو كانت عصفورة).
- دايما أشوفه ماشى زعلان، وشايل الدنيا فوق راسه.
فتلقى العصفورة الأم نظرة متفحصة، ثم تقول:
- آه صحيح، باين عليه زعلان.
- تفتكرى ليه يا مامى؟ جعان؟
فتموت العصفورة ماما من الضحك، وتقول:
- جعان إيه!! هو بيبطل أكل؟ مش شايفه أد إيه تخين!
فتتأمل العصفورة الصغيرة جسدها النحيل متحيرة، وكأنها تقول لنفسها «ماما عندها حق»، ثم تعاود السؤال:
- أمال زعلان ليه يا مامى ما دام لاقى ياكل؟
فتقول الأم الخبيرة بأحوال البشر:
- شوفى يا بنتى!! حاقولك كلمة تحطيها حلقة فى ودانك، البنى آدم، خصوصا الرجالة منهم، بيموتوا فى النكد، وإن ما لقوش نكد يخترعوه.
تفكر العصفورة الصغيرة فى كلام ماما، تتذكر أنها لم تشاهد وجها سعيدا تقريبا، البشر فعلا يحبون النكد، بعكس العصافير التى إذا ملأت بطنها بالطعام استخفها المرح وانطلقت تلعب، تطير خلف بعضها البعض وتتشاقى حتى موعد النوم، بعدها تتبادل الثرثرة على غصون الأشجار وتحكى كل عصفورة مغامرات اليوم، ثم يغلبها النعاس فتنام على الشجرة خالية البال.
هذه المرة تأخرت العصفورة الصغيرة فى النوم، راحت تتذكر وجهى الحزين المطفأ، بلا مبرر معقول عندها، ثم تنهدت بصوت مرتفع وقالت: «حكمتك يا رب!!»، بعدها رفعت جناحيها، وصلّت صلاة صغيرة لخالقها العظيم قائلة:
أحمدك يا رب إنك ما خلقتنيش إنسان، وخلقتنى عصفورة!!
■ ■ ■
حوارات أتخيلها ولا أسمعها، لكنها بالتأكيد تدور باستمرار من فوق رأسى، وكلما شاهدتها تمارس معجزتها المحيرة- فيما أبقى أنا مسمّرا إلى الأرض– عاودنى حلمى الأول بالطيران. يفسرون طيرانها بخفة وزنها وأفسره أنا بقلة أحزانها!!.. أقول لنفسى كيف ترتفع وفى قلبك كل هذا الحزن!.. حاول الإغريقى «ددالوس» الارتفاع بجناحين مصنوعين من الشمع. يفسرون إخفاقه بحرارة الشمس التى أذابت الشمع، والحقيقة أنه تنهد فذاب الجناح من حرارة التنهيدة!!
■ ■ ■
أشياء كثيرة تغيرت منذ محاولتى الأولى للطيران، بيتى صار شركة كمبيوتر، الشرفة لم تعد ملكى، الشارع لا أجرؤ على المرور فيه، بابا مات، أخى مات، ماما لم تعد موجودة! ذهبت يداها الحبيبتان الملوثتان ببقايا الطبيخ، وحينما أسقط ويرتفع بكائى - وكثيرا ما صرت أسقط ويرتفع بكائى - لا أجد ماما لتحملنى وتطيب من خاطرى!
■ ■ ■
لم يعد أمامى سوى أن أصبح كالعصافير كى أطير!! أتخلص من متعلقاتى الأرضية لألحق بالسماء. أترك أشيائى المُعوّقة. فى عرض الطريق أمام العابرين رميت هاتفى، مفاتيحى، ذكرياتى القديمة، حقيبة مدرستى، نظارتى، ساعتى، مكاسبى، خسائرى، مصائبى، خيبة أملى، حزنا يسكن قلبى، دمعة تترقرق فى عينى، أشعارى الساذجة، أول فتاة أحببتها، صورة بالأبيض والأسود.
كل ذلك رميته، لم أتردد لحظة. الأفق الأزرق ينادينى، يهمس لى أن أمى هناك، مع العصافير المحلقة، فى عنان السماء. مع رائحة الطبيخ، وأوان على النار تطقطق، يثور حنينى، يجن جنونى، أنضو ملابسى، أخلع حذائى، أرمى جوربى، أنزع سروالى، أمزق قميصى وأحلامى، ثم أركض فى الطريق كالمفتون، مرفرفا بذراعىّ على أمل الارتفاع!!

http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=274258

الأمل في الغد
23-10-2010, 10:39 AM
أخي الكريم، أريد ان اسألك: عندما تنقل رابظ المصري اليوم على الصفحة التي تحتوي على
مقال الكاتب د. أيمن، كيف يظهر الرابط في صيغة "المصري اليوم" شكرا:D

قيصر الصقيع
25-10-2010, 10:29 PM
أخي الكريم، أريد ان اسألك: عندما تنقل رابظ المصري اليوم على الصفحة التي تحتوي على
مقال الكاتب د. أيمن، كيف يظهر الرابط في صيغة "المصري اليوم" شكرا:D
عزيزى الامل فى الغد
كل ما عليك هو كتابه اسم المصرى اليوم (او اى كلمه اخرى تريدها )ثم تقوم بالتعليم عليها بالماوس ثم تختار من شريط الادوات الذى يظهر فى اعلى صفحه الرد الايقونه التى لها الشكل الاتى
http://rewayatnet.net/forum/images/bluesaint/editor/createlink.gif
و هى ايقونه ادراج رابط و عند الضغط عليها سيظهر لك شريط تقوم بوضع لينك المقال به ثم تضغط على ايقونه OK فى نفس الشريط فتصبح الكلمه التى اخترتها من الاساس مرتبطه بالرابط الذى تريده

قيصر الصقيع
25-10-2010, 10:34 PM
لا أدرى ما الذى صنعته بنفسى. ما الذى جعلنى أفتش فى أوراقى القديمة عن مقالات أحمد بهجت!؟. كنت أعرف أن موعد نومى قد حان، والليل قد أوغل ولابد أن أستيقظ مبكرا فى الصباح التالى. فلماذا أوقظ ذكرياتى الغافية وحنينى الدائم؟!.
ما الذى جعلنى أبحث عن مقالات «أحمد بهجت» القديمة، التى نشرها فى بداية الثمانينيات، حينما كان القلب أخضر والشجر أقصر، والكروان لم يزل يجلجل- فى سماء المدينة- كل مساء؟ لم أكن أعرف أننى- بهذا الفعل المتهور- سوف أطرد النعاس عن عينى، وأسهر حتى الصباح.
ها أنا ذا أمارس طقوس النوم المعتادة: أرقد فى فراشى، أضىء نور الأباجورة. أحتسى كوب النعناع الدافئ، الذى اعتدته كل مساء. أمسك بأوراقى القديمة. القلب يتوهج ويدى ترتجف. والزمان يتراجع فى لمح البصر، ثلاثين عاما إلى الوراء. وقتها كنت أتعلم العشق وأتعثر، وأخطو فوق النجوم وأتمخطر. وقتها كان الهواء أبرد، والقلب أدفأ، والنجوم بعيدة وقريبة، وقتها كانت الزهور أنضر، والفرح أكثر، والحزن أنبل، والموت فى سبيل الحب أسمى غاياتى.
فى هذا الزمن البعيد، كنت أبدأ صباحى بقراءة صندوق الدنيا لأحمد بهجت. يرفعنى إلى السماء السابعة، ثم يتركنى هناك. كلماته لم تزل مطبوعة فى قلبى. ذلك العالم الساحر لهذا الرجل الساحر، مزيج الحب البشرى والعشق الإلهى، خليط خفة الدم والسخرية الناعمة، كان الصحفيون يكتبون عن الأحداث الجارية وكان يكتب عن الأشياء الباقية، التى بها يصبح الإنسان إنسانا. كانوا منهمكين فى المتغيرات السياسية، وكان عاكفا على مشروعه الإبداعى، متفردا بين أقرانه، شديد الحساسية للشقاء البشرى، يحاول اكتشاف الدهشة، ويمتلئ قلبه بالحب، ويذوب فى قطرة الندى، ويدور مع الكواكب.
كانوا يكتبون عن الرؤساء وكان يكتب عن البؤساء، عن ملح الأرض والبسطاء، عن قصص الحب ووداع الشتاء، عن ذكرياته فى الصبا وصداقته للقطط والكلاب، عن القمر والمطر والليل والعشاق.
والذى يقرأ صندوق الدنيا الآن لا يعرف أحمد بهجت الحقيقى، الذى توهج فى الثمانينيات، الرجل الذى كان يمتلئ حبا وافتتانا بالحياة، وصاغ مقالاته العبقرية من جنس مادة الحياة.
كان « أحمد بهجت» مدرسة. مدرسة يشرفنى أن أكون تلميذه الخائب، الطالب الجالس فى الصف الأخير، الذى تمتلئ كراساته بـ(الكعك) والعلامات السيئة. يسعدنى أن أكون النسخة (الصينى) المضروبة من الأصل (اليابانى) الفاخر، فائق الجودة، المعجون بتراب الوطن الغالى.
هذه هى مدرستى الحقيقية، والدرس الأول، الذى تعلمته مبكرا عن «الكتابة الحميمة». حينما تكتب عن قصص الحب، والزهور والشتاء، والقطط والعصافير، وتخاطب النمل والجماد، حينما تمتلئ بأنفاس الليل، وتطرق أبواب الكون، وتخترق الزمن، وتسافر عبر المسافات. حينما تصنع ذلك كله، تصنعه بحب، وقتها فقط، يُفتح لك الباب، ويُقال لك: مرحبا، أنت فى مدرسة «أحمد بهجت»، الكاتب الإنسان.

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=274593&IssueID=1934)

الأمل في الغد
28-10-2010, 12:11 AM
مازلنا مع الأكباد الرطبة، مع أصدقاء أحمد بهجت الحميميين. مع طاقة الحنان المذهلة التى غمر بها مخلوقات بائسة يحتقرها الناس، برغم قدرتها الهائلة على الحب والحراسة والوفاء. يعامل أحمد بهجت الكلاب باحترام حقيقى، دون أى ظل من التعالى، لأنه بشر وهم كلاب. ببساطة هذا تعال مضحك. فلا نحن خلقنا أنفسنا بشرا ولا هى اختارت أن تكون كلابا. وكلنا مخلوقات الله، عبيد إحسانه وطلّاب رحمته.

يُحكى أن عابدا صوفيا كان يمشى فى طريق ضيق، ومن أسفله سبخ وأوحال، فشاهد كلبا يسير فى الاتجاه المقابل، وكان الطريق لا يتسع لكليهما، فإذا به يتنحّى للكلب عن الطريق. والسبب أنه تذكّر المعاصى التى اقترفها فاستحى أن يرفع نفسه فوق قدر الكلب الذى لم يعص الله قط.
..............
بقلمه المغموس بالحب، وبقلبه الكبير استطاع أحمد بهجت أن يُغيّر زاوية رؤيتنا لحوادث تمر علينا باستخفاف كبير. من منا يحفل بمصرع كلب!، أو يرى فيه جانبا للرحمة؟! فى بلد كمصر تصبح الرحمة بالحيوان - للأسف - محل سخرية القلوب الغليظة من الرحماء.
فى مقال مؤثر نشره أحمد بهجت فى أوائل الثمانينيات تحت عنوان «ضحية الحب».
يقول:
«كان أجمل كلب فى الشارع. وكان ألطف ما فيه أنه لا يعرف أنه جميل. ومن ثم كانت تصرفاته تتسم بتواضع يشعّ عليه حلاوة من لون آخر. وبسبب دماثته ولطفه كان هذا الكلب مبعث إعجاب سكان الشارع بلا استثناء. حتى الذين لا يحبون الكلاب كانوا يتأملونه بحب. ولقد جنا عليه هذا الحب.

كان أكثر من بيت يستضيفه ويُطعمه، وكان الكلب يزداد امتلاء ورضا عن الحياة، حتى لم يعد يخاف من أحد أو يحذر من أحد أو يشك فى أحد. أحس بأن الناس يكرمونه بالطعام والحب، فقرر أن يقدم لهم فى المقابل وفاء وعملا. فكان إذا جاء الليل راح يذرع أرض الشارع ذهابا وإيابا، يحرس الدكاكين والسيارات والبيوت، واكتشف صبيان الجراج أن الكلب يعاونهم فى حراسة السيارات فأكرموه، واكتشفت الشرطة أنه يعاونهم فى الحراسة فاحترموه، وهكذا صنع الكلب لنفسه دورا عاما، وانساق مع فطرته فى الحراسة فكان أحد أسباب الأمان فى المنطقة.

صار الكلب ودودا يتقدم نحو الناس وهو يهز ذيله، سواء كانوا أطفالا أم كبارا، مدنيين أم شرطة. صار آمنا مطمئنا، وقد جاء مصرعه من أمنه. حينما دخل الشارع ثلاثة عساكر فى حملة روتينية لقتل الكلاب لم يشم أى رائحة غدر. وبينما هرعت بقية الكلاب الأخرى تفر منهم، فقد أسرع الكلب الودود يجرى نحوهم وهو يهز ذيله. ارتفعت ماسورة البندقية فزاد الكلب من هز ذيله وتقدم أكثر. ثم فرقع صوت الطلقة وتدفق الدم القانى العبيط يلوث الرصيف الذى طالما ذرعه فى حياته حارسا وفيا.
وانطرح الكلب فى مكانه صورة للوفاء الذى ذهب».

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=274967)

الأمل في الغد
30-10-2010, 01:13 AM
استيقظ على عرق بارد، وتسارعت دقات قلبه على نحو ينذر بالخطر، ولبث فى سريره مُضطرب الحواس مُشتّت الفكر يشعر بقلق لا يدرك سببه.
فليهدأ بالاً. والأهم أن تهدأ أنفاسه المتهدجة وتُبطئ دقات قلبه المتسارعة. إنه يخشى أن تكون نذيرا لنوبة قلبية أخرى وهو لم يبرأ بعد من الأزمة السابقة. تلك الثوانى التى استطالت لدقائق لكنها كانت أطول من عمره كله. لا يعرف حتى الآن كيف غالب ذعره الحيوانى الفطرى وجرَّ نفسه جراً مستغيثا بجاره.
ولكن كلا. فليدع هذه الأفكار السوداء التى ستجلب له حتما نوبة قلبية أخرى.
ولكن ما سر شعوره بالقلق؟
يشعر وكأن موعدا هاما قد فاته.
ويله. لقد تذكر الآن!. إنها تنتظره على قارعة الطريق بعد أن أعطاها موعدا فى الخامسة مساء.
اختطف المنبه بيد عجولة متلهفة. إنها بالفعل الخامسة. لقد أعطاها الموعد فى الصباح ثم نسى كل شىء عنه.
غادر فراشه مذعورا وارتدى ثيابه فى ثوان معدودات. لن يتسع الوقت ليغسل وجهه بالماء. ولكن ما حاجته إلى الماء وقد تطهر بالدمع من كل خطاياه؟!. تطهر من ماض يخجل منه أشد الخجل. إن عطر الصدق الذى يفوح من دموعه الآن أجمل من كل عطر.
■ ■ ■
وضع نفسه فى سيارة أجرة وذكر للسائق الموضع، وتوسل إليه أن يقود بسرعة. وراح يتطلع إلى الساعة فى قلق.
الخامسة وعشر دقائق.
إنها الآن تقف على ناصية الطريق ترقب وجوه العابرين فى حيرة. يعرف الآن ماذا يعتمل فى صدرها البكر. إنها تتساءل: «هل يأتى؟».
فليعترف أنه حينما أعطاها الموعد لم يكن ينوى الوفاء به. كل ما هنالك أنه كان يريد الخلاص منها بغير دموع. لقد أثارت سأمه بعتاب كان يعلم أنه لا جدوى منه.
يعرف جيدا ماذا تريد أن تقول.
ستقول كل ما يمكن أن تقوله أى امرأة تتشكى من انصراف رجلها. وستفعل كل ما يمكن أن تفعله عاشقة مُهدرة الكرامة.
أنت لم تعد تحبنى.
هذا حق لا ريب فيه. لقد طارت النحلة من فوق الزهرة بعد أن امتصت رحيقها بالكامل. إن أحدا لم يعبأ- وهو يتناول العسل- بمشاعر الزهرة المهجورة، فلماذا يعبأ هو؟
■ ■ ■
الخامسة وخمس عشرة دقيقة.
ما أعجب النساء!. عندما تبدأ القصة يرهبن الرجل ويسارعن إلى حصونهن. يُغلقن الأسوار ويرفعن الجسور، وعندما تنتهى القصة يتوسلن إلى الفرسان ألا يغادروا المدينة قط. هكذا يصنعن!
لا ينكر أنه تقرب إليها بالنظرات الطويلة والكلمات المعسولة وبالاهتمام الذى كان يسبغه عليها فى كل وقت، ولكن تلك شريعة الحرب. لقد سلمت المدينة مفاتيحها لأنها أرادت ذلك ولم يكن لها علم بألاعيب الفرسان.
وعندما جاب الفارس دروبها بدأ يفطن أنها تثير الملل.
■ ■ ■
الخامسة وثلاثون دقيقة.
توسل إلى السائق أن يسرع.
لا ريب أن الأوغاد يغازلونها ولسان حالهم يقول إنه ما دام الحبيب لم يأت فهناك ألف حبيب يرتقبون إشارة واحدة.
ولكنه كان يعلم أنها لن تفعل.
كان هو حبها الأول. الفارس الوحيد الذى واتته الجرأة على اقتحام القلعة الحصينة. هى فى الحقيقة لم تكن حصينة وإن بدت كذلك. كانت تخفى ثغرات عديدة ونوافذ زجاجية وأبواباً مواربة. لقد أحبته لأنها كانت بحاجة إلى أن تُكمل ذاتها الناقصة بالحب. والحب يجعل للحياة مذاقا، يُلوّن الدنيا بلون الورد.
والآن لم تعد تفهم سر انصرافه عنها. كان هو فارسها الأوحد الذى اقتحم الأهوال وشتت فلول الأعداء وأردفها على جواده الأبيض، ولئن كان يُسىء الآن معاملتها ويضجر منها فالتفسير الوحيد أنها أساءت إليه دون أن تدرى، ولا حل لذلك سوى أن تمنحه المزيد من الحب.
هكذا فكرت فى نفسها وهكذا فعلت. وأدهشها أنه أبدى مزيدا من الضجر وعدم الاكتراث المهين.
■ ■ ■
الساعة الآن الخامسة وأربعون دقيقة.
يعرف الآن ماذا تصنع. إنها تبكى. يعرف الآن أنه قد أضاع فؤادا طاهرا نادر المثال من يديه، لكنه لم يكن ليحفل آنذاك. كانت أمه وقتها هناك.. شمس تتوهج بالعطاء. وكان أبوه يفتديه بحياته، ولديه أصدقاء ظرفاء يقضى معهم أمتع الأوقات، ولديه شبابه يتألق بالزهو والكبرياء.
كان يختنق من العطور. تتصارع فى حديقته ألف ألف زهرة من أجله وحده. ولم يفكر أن جميع الزهور ستذوى يوما.
كان يخال أن الحنان الذى تُغدقه الحياة عليه أمر بديهى يدوم إلى الأبد، وكان أقصى عطاء من جانبه أن يسمح به.
كان وكان..
كان بحاجة إلى ثلاثين سنة أخرى يتغير فيها الكثير. يفقد فيها والديه الواحد بعد الآخر، ثم يتفرق أصدقاؤه تباعا فى زحمة الحياة، ثم يتزوج امرأة تُذيقه الويل وتنتزع منه الطلاق بعد اعتصار رحيقه.
وتكون الطامة الكبرى أن يمرض بداء القلب وتعاوده النوبات حتى صار شاغله الشاغل أنه سيموت وحده، فلا يعرف أحد بذلك إلا من الروائح التى ستنبعث منه.
ومثلما يصنع كل التجار بعد إفلاسهم مضى يفتش فى دفاتره القديمة فلم يجد غير هذا الموعد القديم. وها هو ذا الآن يمضى إليه.
■ ■ ■
الساعة السادسة مساء.
لقد وصلت السيارة أخيرا.
نقد السائق أجره مُضاعفا. ثم راح يتلفت هنا وهناك منقبا عنها.
لقد تأخر ساعة كاملة ولكنها تعلمت فيها الكثير.
تعلّمت ألا تمنح الحنان دون مقابل كما تفعل الشمس. تعلمت ألا تسلم مفاتيحها لفارس قط، وتعلمت أيضا أنهم يُلقون الزهور فى القمامة فى اليوم التالى ولذلك فمن الخير لها ألا تكون زهرة.
شكرا له!!.
مضى يتطلع هنا وهناك. لا عجب أنها لم تكن موجودة. فالحق أنه قد تأخر عن موعده قليلا: نحوا من ساعة واحدة وثلاثين عاما.

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=275164)

الأمل في الغد
30-10-2010, 01:23 AM
استيقظ على عرق بارد، وتسارعت دقات قلبه على نحو ينذر بالخطر، ولبث فى سريره مُضطرب الحواس مُشتّت الفكر يشعر بقلق لا يدرك سببه.
فليهدأ بالاً. والأهم أن تهدأ أنفاسه المتهدجة وتُبطئ دقات قلبه المتسارعة. إنه يخشى أن تكون نذيرا لنوبة قلبية أخرى وهو لم يبرأ بعد من الأزمة السابقة. تلك الثوانى التى استطالت لدقائق لكنها كانت أطول من عمره كله. لا يعرف حتى الآن كيف غالب ذعره الحيوانى الفطرى وجرَّ نفسه جراً مستغيثا بجاره.
ولكن كلا. فليدع هذه الأفكار السوداء التى ستجلب له حتما نوبة قلبية أخرى.
ولكن ما سر شعوره بالقلق؟
يشعر وكأن موعدا هاما قد فاته.
ويله. لقد تذكر الآن!. إنها تنتظره على قارعة الطريق بعد أن أعطاها موعدا فى الخامسة مساء.
اختطف المنبه بيد عجولة متلهفة. إنها بالفعل الخامسة. لقد أعطاها الموعد فى الصباح ثم نسى كل شىء عنه.
غادر فراشه مذعورا وارتدى ثيابه فى ثوان معدودات. لن يتسع الوقت ليغسل وجهه بالماء. ولكن ما حاجته إلى الماء وقد تطهر بالدمع من كل خطاياه؟!. تطهر من ماض يخجل منه أشد الخجل. إن عطر الصدق الذى يفوح من دموعه الآن أجمل من كل عطر.
■ ■ ■
وضع نفسه فى سيارة أجرة وذكر للسائق الموضع، وتوسل إليه أن يقود بسرعة. وراح يتطلع إلى الساعة فى قلق.
الخامسة وعشر دقائق.
إنها الآن تقف على ناصية الطريق ترقب وجوه العابرين فى حيرة. يعرف الآن ماذا يعتمل فى صدرها البكر. إنها تتساءل: «هل يأتى؟».
فليعترف أنه حينما أعطاها الموعد لم يكن ينوى الوفاء به. كل ما هنالك أنه كان يريد الخلاص منها بغير دموع. لقد أثارت سأمه بعتاب كان يعلم أنه لا جدوى منه.
يعرف جيدا ماذا تريد أن تقول.
ستقول كل ما يمكن أن تقوله أى امرأة تتشكى من انصراف رجلها. وستفعل كل ما يمكن أن تفعله عاشقة مُهدرة الكرامة.
أنت لم تعد تحبنى.
هذا حق لا ريب فيه. لقد طارت النحلة من فوق الزهرة بعد أن امتصت رحيقها بالكامل. إن أحدا لم يعبأ- وهو يتناول العسل- بمشاعر الزهرة المهجورة، فلماذا يعبأ هو؟
■ ■ ■
الخامسة وخمس عشرة دقيقة.
ما أعجب النساء!. عندما تبدأ القصة يرهبن الرجل ويسارعن إلى حصونهن. يُغلقن الأسوار ويرفعن الجسور، وعندما تنتهى القصة يتوسلن إلى الفرسان ألا يغادروا المدينة قط. هكذا يصنعن!
لا ينكر أنه تقرب إليها بالنظرات الطويلة والكلمات المعسولة وبالاهتمام الذى كان يسبغه عليها فى كل وقت، ولكن تلك شريعة الحرب. لقد سلمت المدينة مفاتيحها لأنها أرادت ذلك ولم يكن لها علم بألاعيب الفرسان.
وعندما جاب الفارس دروبها بدأ يفطن أنها تثير الملل.
■ ■ ■
الخامسة وثلاثون دقيقة.
توسل إلى السائق أن يسرع.
لا ريب أن الأوغاد يغازلونها ولسان حالهم يقول إنه ما دام الحبيب لم يأت فهناك ألف حبيب يرتقبون إشارة واحدة.
ولكنه كان يعلم أنها لن تفعل.
كان هو حبها الأول. الفارس الوحيد الذى واتته الجرأة على اقتحام القلعة الحصينة. هى فى الحقيقة لم تكن حصينة وإن بدت كذلك. كانت تخفى ثغرات عديدة ونوافذ زجاجية وأبواباً مواربة. لقد أحبته لأنها كانت بحاجة إلى أن تُكمل ذاتها الناقصة بالحب. والحب يجعل للحياة مذاقا، يُلوّن الدنيا بلون الورد.
والآن لم تعد تفهم سر انصرافه عنها. كان هو فارسها الأوحد الذى اقتحم الأهوال وشتت فلول الأعداء وأردفها على جواده الأبيض، ولئن كان يُسىء الآن معاملتها ويضجر منها فالتفسير الوحيد أنها أساءت إليه دون أن تدرى، ولا حل لذلك سوى أن تمنحه المزيد من الحب.
هكذا فكرت فى نفسها وهكذا فعلت. وأدهشها أنه أبدى مزيدا من الضجر وعدم الاكتراث المهين.
■ ■ ■
الساعة الآن الخامسة وأربعون دقيقة.
يعرف الآن ماذا تصنع. إنها تبكى. يعرف الآن أنه قد أضاع فؤادا طاهرا نادر المثال من يديه، لكنه لم يكن ليحفل آنذاك. كانت أمه وقتها هناك.. شمس تتوهج بالعطاء. وكان أبوه يفتديه بحياته، ولديه أصدقاء ظرفاء يقضى معهم أمتع الأوقات، ولديه شبابه يتألق بالزهو والكبرياء.
كان يختنق من العطور. تتصارع فى حديقته ألف ألف زهرة من أجله وحده. ولم يفكر أن جميع الزهور ستذوى يوما.
كان يخال أن الحنان الذى تُغدقه الحياة عليه أمر بديهى يدوم إلى الأبد، وكان أقصى عطاء من جانبه أن يسمح به.
كان وكان..
كان بحاجة إلى ثلاثين سنة أخرى يتغير فيها الكثير. يفقد فيها والديه الواحد بعد الآخر، ثم يتفرق أصدقاؤه تباعا فى زحمة الحياة، ثم يتزوج امرأة تُذيقه الويل وتنتزع منه الطلاق بعد اعتصار رحيقه.
وتكون الطامة الكبرى أن يمرض بداء القلب وتعاوده النوبات حتى صار شاغله الشاغل أنه سيموت وحده، فلا يعرف أحد بذلك إلا من الروائح التى ستنبعث منه.
ومثلما يصنع كل التجار بعد إفلاسهم مضى يفتش فى دفاتره القديمة فلم يجد غير هذا الموعد القديم. وها هو ذا الآن يمضى إليه.
■ ■ ■
الساعة السادسة مساء.
لقد وصلت السيارة أخيرا.
نقد السائق أجره مُضاعفا. ثم راح يتلفت هنا وهناك منقبا عنها.
لقد تأخر ساعة كاملة ولكنها تعلمت فيها الكثير.
تعلّمت ألا تمنح الحنان دون مقابل كما تفعل الشمس. تعلمت ألا تسلم مفاتيحها لفارس قط، وتعلمت أيضا أنهم يُلقون الزهور فى القمامة فى اليوم التالى ولذلك فمن الخير لها ألا تكون زهرة.
شكرا له!!.
مضى يتطلع هنا وهناك. لا عجب أنها لم تكن موجودة. فالحق أنه قد تأخر عن موعده قليلا: نحوا من ساعة واحدة وثلاثين عاما.

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=275164)

الأمل في الغد
05-11-2010, 12:42 AM
كان أستاذ جلال يصغى منزعجا إلى طريقة « تقطير العطور»، وقد عاودته ذكرى قديمة. ومع كل لحظة كان انزعاجه يتزايد: لماذا فشل- دون غيره- فى «تقطير العطور»؟.
■ ■ ■
خرج الأستاذ ( جلال) من البيت فى موعده المعتاد كل أصيل. راح يمشى فى الطرقات المألوفة بتؤدة وثقة. طويل القامة، صخرى الملامح، يابس القوام. له عينان خضراوان نافذتان، ووجه حازم عبوس.
كان الجو لطيفا يغرى بالمشى إلى محل البن العتيق الذى اعتاد الشراء منه. يمشى بين الناس بقامته الطويلة الفارعة حاملا فوق كاهله سبعين عاما من الصرامة والجدية والمسؤولية. تدرج فى وظائف التعليم حتى أصبح مدير مدرسة قبل أن يُحال إلى المعاش. وفى كل المراحل كان يقذف الرعب فى القلوب. يأتى مبكرا قبل الجميع، يطوف فى أنحاء المدرسة، ليكون موجودا حيث يوجد الخطأ بالضبط. وكان أسوأ شىء أنه لا يُخطئ أبدا، وبالتالى لا يُبدى مع المخطئ أى نوع من التسامح.
■ ■ ■
وقف عند تقاطع الطريق منتظرا الإشارة الحمراء حتى يتمكن من عبور الشارع. احتكت به سيارة تريد العبور. شتمه فى سخط وقد بدا له الشارع جحيما من العشوائية والفوضى. لا يريدون أن يصدقوا أن الحضارة نظام. كلهم يحبون الفوضى. يذكر زوجته أول زواجهما كانت أشبه بعصفور نزق لا يكف عن الفوضى والتغريد. لكنه استطاع بحزمه ونظراته الباردة أن يروّضها. فى البدء كانت تبكى كثيرا ثم استسلمت لإرادته. اختفت نظرتها الودودة وأصبحت غاية فى النظام والبرود. أما أولاده فلم يكن بحاجة إلى تأديبهم بالضرب. عيناه الحازمتان كانتا تقومان باللازم. أحيانا كان قلبه يؤلمه حينما يقرأ فى عيونهم أنهم لا يحبونه، لكنه سرعان ما يتغلب بحزمه على ضعفه الطارئ.
■ ■ ■
دخل محل البن فى ألفة زبون قديم. جلس على الكرسى القديم أمام مكتب صاحب المحل فى انتظار إعداد البن. على الكرسى المقابل يجلس شيخ بشوش الوجه أبيض اللحية، يحكى عن طريقته لـ«تقطير العطور». راح يستمع وقد عاودته ذكرى قديمة، حينما حاول بإصرار صناعة العطر لكنه فشل. راح يستمع إليه فى ضيق وهو يصف كيف ينتقى الورد فى الصباح الباكر مغسولا بندى الصباح. ثم يقطفه برفق متجنبا أقل قدر من العنف، يضع قطع الشاش المشبعة بزيت اللوز، لتنام عليها بتلات الورد وخشب الصندل، لتمنح عطرها عن طواعية، ثم تُنقى الخلاصات وتُسكب فى قوارير زجاجية.
قال أستاذ جلال مقاطعا وهو يشعر بانزعاج لا يدرى سببه:
لقد حاولت أن أصنع العطر زمان، كنت أمزق أوراق الورد وأمزجها بالماء، ثم أغليها على النار لفترات طويلة، لكن النتيجة كانت سيئة جدا: رائحة كريهة.
نظر له الشيخ فى رثاء، وقال:
الورد لا يمنح رحيقه لمن يُعامله بقسوة. من يتعامل مع الورود بعنف لا يحق له أن ينتظر العطور.

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=275873)

الأمل في الغد
06-11-2010, 04:21 PM
وصلتنى هذه الرسالة المؤثرة من د. سهير الزينى، أستاذ الأدب الإنجليزى سابقا. تقول الرسالة: «تصادف أننى أعدت قراءة رواية (قصة مدينتين) للروائى الإنجليزى الأشهر (تشارلز ديكنز)، والتى تتحدث عن أحداث - وفظائع – الثورة الفرنسية، وقد أحببت أن أكتب لك انطباعاتى.
كنتُ - ومازلت - أعتبر هذه الرواية رائعة الروائع لـ«ديكنز»، كونه نسجها دون مثال سابق، أو قواعد محددة لفن القصص الروائى. مازلت منبهرة حقا ببنائه الفنى المحكم، والحبكة الفنية المتكاملة.
لكننى - وأنا فى سن السبعين - أقرؤها الآن بشكل مختلف. فى هذه السن القريبة من نهاية رحلة العمر، أجدنى أكثر تأثرا بالمضمون عن القالب، بالمغزى عن الشكل، بالمعنى عن الجمال. لاشك أننا فى حاجة إلى إشباع الحس الجمالى الفطرى الكامن فى نفس كل إنسان سوىّ، ولكننا فى حاجة أمسّ إلى إيجاد حياة كريمة تليق بالإنسان، الذى كرمه الله سبحانه وتعالى، وفضّله على سائر المخلوقات.
ولقد انهمرت دموعى وأنا أقرأ الوصف الدقيق المُفصّل، الذى قدمه (ديكنز) لحالة الفساد المتفشى والقهر والظلم والتعذيب والفقر والجوع والحرمان والوهن والذل والحزن والاكتئاب، التى كانت تعانى منها الجماهير الغفيرة من الشعب الفرنسى المغلوب على أمره قبيل الثورة الفرنسية المرعبة، والتى كانت بالضرورة مؤدية إليها.
ارتجف قلبى ذعرا وكأننى أقرأ عن حالة الفساد المستشرى فى بلدى الحبيب الآن، والمظالم التى تحيط بنا فى كل مكان. خصوصا حينما راح (ديكنز) يصور بأسلوبه الساخر اللاذع المؤثر الحياة المترفة لقلة قليلة من البشر المحظوظين، الذين لا يحملون همّا ولا يعرفون حزنا ولا يبذلون جهدا، ينهبون أرزاق الكادحين ويسحقونهم تحت الأقدام. ثم يسترسل (ديكنز) ليصف ما حدث فى الاتجاه العكسى من فظائع الثورة الفرنسية، التى خاضت فى دماء المذنبين والأبرياء على حد سواء. ظلمات بعضها فوق بعض، وفتن يلحق أولها بآخرها.
ثم يرتفع صوت (ديكنز) مجلجلا ومحذرا: «يا أيها الإنسان كما تدين تُدان. ابذر الظلم تحصد الظلمات. ابذر الفساد تحصد الانحراف. ابذر الحقد والكراهية تحصد الحقد والكراهية.. هذه ليست قصة بلد ما فى زمن ما، هذه قصة تتكرر فى كل زمان ومكان. فالفساد والظلم - بالضرورة - يولّدان وحوشاً آدمية، لا تعرف الحب ولا الشفقة ولا الرحمة، وحوشاً نُزعت منها الفطرة السوية، التى فطر الله الناس عليها، وحوشا لو أُطلق لها العنان فلا تستطيع أن تكبح جماحها أو تتقى شرها».
كلى أمل فى أن يفطن عقلاء الوطن إلى المخاطر التى تكتنفنا الآن، والظروف الحالية المتدهورة، التى تُهيئ لانفلات اجتماعى خطير. بقلب الأم- التى لا ترجو شيئا غير سلامة أبنائها- أدعو الله من كل قلبى أن يلهمهم الحكمة ليجنّبونا أهوالا لا طاقة لنا بها، إذا انطلقت الوحوش الآدمية من عقالها، وخرجت لتنتقم. حفظ الله مصر وطننا الغالى من كل سوء».

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/printerfriendly.aspx?ArticleID=276153)

قيصر الصقيع
21-11-2010, 08:42 PM
أحياناً أتفلسف، وأقول لنفسى إن رحلة حياتى على الكوكب الأرضى تشبه مشوارى اليومى فى الميكروباص. المكان الذى أقصده بعيد جدا ولذلك أضطر إلى أن أبدأ رحلتى مبكرا مع الخيط الأول للفجر، مستمتعا بنسمات الصباح الرقيقة، شاعرا بأن الزمن ملكى واليوم طويل جدا، ممتد بلا نهاية.
فى تلك اللحظات البديعة من اليوم أشعر بالنشاط المؤقت وكأننى طفل لا يكف عن اللهو والتنطيط. أتعامل مع زملاء الميكروباص بأريحية البدايات. حتى أصواتنا تخرج همسا وكأننا نخشى أن نخدش رهافة الصمت الناعم فى المدينة النائمة.
بعد قليل ينسكب ضوء الصباح البهيج من كل النوافذ فيغمر الميكروباص. تستيقظ الحياة تدريجيا فى شوارع المدينة، وتنفتح شبابيك المنازل فى إيقاع تدريجى منتظم وكأنها أصابع رشيقة تعزف على البيانو. تخرج الوجوه التى استيقظت لتوها إلى الشرفة لتستقبل الصباح الجديد ناظرة إلى الأفق، تطلب الستر من رب كريم.
أعرف الذى يدور خلف الشبابيك رغم أنى لا أراه. عناية الأمهات بالأطفال الصغار. طعام الإفطار والاستعدادات النهائية تمهيدا للخروج. بعدها يبدأ تدفق أطفال المدارس بزيهم الموحّد ووجوههم النضرة رغم آثار النوم. وما هى إلا لحظات ويغلب نشاط الطفولة كسلهم المؤقت فيلعبون ويمرحون فى الطريق.
تتلاحق أمواج فتيات المدارس الأكبر سنا، تفيض أجسادهن بأنوثة مبكرة وفى وجوههن عيون لامعة متلهفة على نصيبهن فى الحياة، والعش الذى ستملكه ذات يوم والحبيب. تحتضن البنات حقائبهن فى أمومة رمزية، يملؤنى المشهد ببهجة حقيقية وإيمان بالقواعد الخفية التى تنظم الحياة.
يتدفق الرجال الباحثون عن الرزق، وعلى وجوههم ملامح متضرعة، وفى الخلفية أستمع إلى ألحان سيد درويش الخالدة التى تعبر عن إيمان الحرفيين المطلق بحتمية الرزق، وأن الذى يرزق الدودة فى الحجر سيرزقهم لأنه رب كريم.
ترتفع الشمس فى السماء أكثر، يزدحم الشارع أكثر، تختلط الملامح والوجوه. تذهب بشاشة الصباح، وتحتدم معركة الحياة. الحركة تصبح أكثر عنفا، والملامح أكثر حدة. مع تأهب كامن وعنف مكبوت، تصبح أريحية الصباح ذكرى غابرة، ويعود ميراث الغابة المنطوى على غالب ومغلوب.
وألاحظ فى الطريق التفاوت الكائن فى الحظوظ، أنا مثلا أركب الميكروباص. هناك من يركب سيارة فاخرة أو متواضعة، حافلة، درّاجة أو حتى يمشى على الأقدام. وهناك من يغادر الشارع قبل نهاية الرحلة. لكن المدهش أنه رغم هذا التفاوت فإن هناك نوعاً ما من المساواة. زحام الطريق يجبر الجميع على الوصول فى وقت واحد تقريبا مهما اختلفت فخامة المركبة وحظوظ السائرين.
قبيل الغروب، تهدأ الحركة شيئا ما، يبدو نوع من التسليم القدرى قبيل سقوط الظلام. وفجأة يلوح المكان الذى كنت أقصده منذ البداية، ساكنا، مريحا، أبديا، فأعرف أن رحلتى قد انتهت. وقتها يخفت الصوت ويتلاشى الصراع، وكأننا أدركنا بالدليل العملى أن الأمر/ الطريق/ الحياة لم يكن فى الحقيقة يستحق كل هذا النضال.

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=278064&IssueID=1961)

الأمل في الغد
24-11-2010, 02:04 PM
ما رأيك أن تصحبنى فى جولة مع الوجوه المصرية، وجوه بنات بلدى الطيبات المكافحات، المعجونة بتراب مصر، المرسومة فى المعابد القديمة، المسبوكة من طمى النيل، من أصل الحب، من تراب البلد، من طرح النهر، من القلل الفخارية، من عود المسك، من ماء الزهر، من رائحة الحقول المحروثة، من زهر القطن وسنابل القمح، من رائحة الناس الطيبين.
تعال لتصحبنى فى يوم عادى من أيام حياتى. الصباح فى المستشفى الجامعى الذى أنفقت فيه عمرى. الباب يسلمك إلى ردهة طويلة معتمة، والعنابر تتناثر من حوله. طالعتنى – كما العادة – الوجوه الطيبة. وجوه الممرضات وعاملات النظافة اللواتى يحضرن قبل أى أحد آخر. فى الصباح الباكر - قبيل مجىء الأطباء - يهيمن الحضور النسائى على المستشفى الجامعى. هن كما عهدتهن طيلة حياتى. مكافحات، كادحات، صابرات، قابضات على الجمر.
يستيقظن فى السادسة صباحا ليدرن فى ساقية: إعداد الإفطار، الإشراف على ذهاب الأبناء للمدرسة، انتظار الميكروباص ثم الانحشار فيه، الركض قبل موعد التوقيع فى الدفتر، الركض مرة أخرى للعنبر، إبدال الثياب بسرعة، تسلم العهدة وتوزيع العلاج على المرضى، أخذ عينات الدم، المرور مع الأطباء واحتمال كل أنواع التقريع والرغبة المكبوتة فى التعالى، شكوى المرضى.. تعنت المشرفات.. الركض هنا وهناك، فى نهاية اليوم تتحول إلى لبانة تم نزع السكر منها. ليمونة تم عصرها، لكن الجدّ الحقيقى لم يبدأ بعد. نفس الإجراءات السابقة ولكن بطريقة عكسية، الماراثون اليومى للغلبانة الشقيانة منذ أول النهار، الركض صوب دفتر التوقيع، انتظار الميكروباص ثم الانحشار فيه، الإشراف على عودة الأبناء من المدرسة، إعداد الغذاء، ثم غسيل الصحون.
مسلسل الشقاء اليومى من غسيل وتنظيف ومذاكرة للبنت والولد والتذكير بمواعيد الدروس، وإعداد طبق حلو حينما يستيقظ (البيه) من نوم العصر، وفض خناقات العيال دون صوت حتى لا يستيقظ من النوم، بعدها يهب للعمل أو للقهوة، ثم يعود جائعا منهكا، فيبدأ دورها بعد إطعامه للقيام بدور الجارية لإرضاء الباشا حتى لا يتزوج غيرها. لابد من الرقص والدلال، والزينة والجمال، إذا ناداها قالت: يا نعم، وإذا أمرها قالت: حاضر يا سيدى.
بعدها طعام العشاء ونوم الزوج والأبناء وغسيل الصحون، وإذا تبقى وقت فالنوم المتقطع السريع من أجل صباح آخر مكرر. وكل هذا مقابل لا شىء. مئات معدودة من الجنيهات لا تكفل البقاء حيا. عصور الاستعباد عادت بتوحش، لكن تحت مسميات مختلفة.
■ ■ ■
وحين أشاهدهن أضحك للوجوه الطيبة، تفتر شفتاى عن ابتسامة حقيقية، وعيونى ملؤها المحبة والتقدير. بالنسبة إليهن أنا رئيسهن فى العمل، لكن الحقيقة أننى أنظر إلى أيديهن الخشنة المُكرّمة، التى يحبها الله ورسوله، وأقول فى سرى: هنيئا لكنّ دار الكرامة – إن شاء الله – فى جنات عدن، وسحقا للمتكبرين الظالمين الذين سلبوكن الحق فى الحياة الكريمة دون هذه الطاحونة المرعبة.

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=278394&IssueID=1964)

قيصر الصقيع
02-12-2010, 02:36 PM
اليوم يمر عام على بدء عمودى اليومى «الكثير من الحب». دارت الأرض حول الشمس فى الفضاء السحيق دورة كاملة، ثم عادت إلى نقطة البدء. تصوروا: قطعت الأرض مسافة ٦٠٠ مليون ميل فى العام الماضى، تلهث الأرض ونلهث خلفها، تدور وندور معها. تدور فى الفراغ الشاسع ببيوتنا وأطفالنا، وأحلامنا وقصص حبنا، ومشاعرنا الحميمة، بأسرار نكتمها فى صدورنا، وأسرار لم نصارح بها حتى أنفسنا.
آه أيها العام المقتطع من أعمارنا الشحيحة المتبقية!. تمهلى أيتها الأرض العجول التى قُطعت أنفاسنا فى محاولة اللحاق بها.
عام من الحب مضى هو أنفس أعوام العمر، سبحت فى بحر الكتابة اليومية، غرقت فى بحر الكتابة اليومية، وحين شدنى التيار إلى الداخل، وحملنى الموج إلى عمق البحر، شاهدت أشياء عجيبة. شاهدت جزيرة السندباد التى فشل فى العودة إليها، ومات حسرة عليها. شاهدت النجوم تومض فى قلب الليل، تبوح بأسرارها، وتبعث رسائلها. تسلقت شعاع القمر حتى وصلت إلى القمر فوجدته وجه أمى!.
عام مضى بعد أن وضع فى جيبى أطنانا من الحزن، وحفنة من البنبون، وألوانا من الفرح، وجيوشا من العصافير. فى هذا العام عرفت أشياء كثيرة، أهمها أن القراء - وحدهم- هم من يكتبون شهادة ميلاد الكاتب، ويكتبون أيضا شهادة وفاته. وعرفت نعمة التواصل الإنسانى، وأن كل قارئ هو قرشى الأخير الذى لا أفرط فيه أبدا، وأننى لا شىء بدونكم. أنتم الشمس الحقيقية التى يدور حولها كوكبى الأرضى، تجذبنى نحوها. إذا انحرف الكاتب عن مدار شمسه وضمير قُرّائه يتوه فى الفضاء الشاسع، يضيع إلى الأبد.
فى يوم ٢ ديسمبر من العام الماضى بدأت التدوين بمقال «البحث عن تهانى». كان هناك الفرح والتهيب وسحر البدايات، وأحلام فى اكتشاف الدهشة والتواصل الإنسانى. تعهدت بالابتعاد- قدر المستطاع- عن الأحداث الجارية، والانشغال بالأشياء الحقيقية التى تجعل من الإنسان إنساناً.
وإذا سألتنى الآن: «هل حققت ما تصبو إليه؟»، قلت بصراحة: «مازلت أحلم بالأفضل، بكتابة شىء لم يسبق الوصول إليه، وابتكار أشكال جديدة للكتابة. وأعزى نفسى بأن طموحى بلا حد، وأفضل ما كتبته لم أكتبه بعد».
لكنى - بأمانة - بذلت كل ما فى وسعى، رغم ظروفى الصعبة فى العمل، والعبء الهائل المُلقى فوق عاتقى، والأغلال التى تُسلسل أقدامى، فإننى أحاول بكل طريقة ممكنة أن أتقدم، أن أُطوّر أفكارى، وأُنمّى محصولى اللغوى. وأحاول أن أُرضى معظم الأذواق إن استطعت، وأكتب فى مواضيع متنوعة، القصة والمقال السياسى والفكرى والاجتماعى، فقط أخبرونى بما تحبون قراءته، فأنا لا أكتب إلا لكم.
وسواء نجحت أو لم أنجح، فعلىّ أن أسعى وليس علىّ إدراك النجاح. والله حسبى وحسبكم، فوضتُ إليه أمرى.
٢ ديسمبر.. اليوم هو عيد ميلادى الأول احتفل به معكم، ما أجمل أن يكون عمرى عاماً واحداً.


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=279412&IssueID=1972)

قيصر الصقيع
05-12-2010, 11:57 AM
السؤال الأول: حين ظهر البرادعى على الساحة، وأعلن إمكانية ترشحه لرئاسة الجمهورية بشرط الرقابة الدولية، وضمانات لعدم تزييف الانتخابات، وتغيير المواد المعيبة فى التعديلات الدستورية، والتى تنطبق بالمقاس على مرشح الحزب الوطنى. رفضوا وقتها إجراء أى تعديل دستورى، ورحبوا بترشحه من خلال انضمامه إلى أحد الأحزاب القائمة بالفعل.
لكن البرادعى رفض تماما، وقال إنه لن يترشح إلا مستقلا. وبدا الطريق مسدودا نتيجة لتصادم الإرادتين. وقتها طالبه بعض أصحاب النيات الحسنة بقبول الأمر الواقع، والتقدم للترشح تحت شروط اللعبة، لأن مكانته المرموقة ربما تمنعهم من التزوير. ورد البرادعى بأن ترشحه فى ظل الوضع القائم عبث، لأنه لا شىء سيثنيهم عن التزوير الفاضح، وأن ترشحه دون تعديلات دستورية هو غاية المنى بالنسبة لهم، لأنه سيمنحهم الشرعية.
ما حدث فى الانتخابات البرلمانية السابقة أثبت أن تحليله للموقف سليم، وأنه يفهمهم خيرا منا. فهل مازالوا يصفونه بأنه حالم، ويتهمونه بعدم الحنكة السياسية؟
السؤال الثانى: طالب البرادعى قُوى المعارضة الرئيسية ( خصوصا الوفد والإخوان) بعدم الترشح فى الانتخابات البرلمانية، لأن دخولهم سيعطيهم شرعية، بينما ستسلبهم مقاطعة الانتخابات الشرعية الدولية، فلم يستجيبوا له، وفضّلوا مصالحهم الشخصية. ولم يتصور أحد خذلان الوفد بهذه الصورة، وهذه النتائج الكوميدية، التى هبطت بمقاعد الإخوان من ثمانية وثمانين إلى صفر!. فهل سيعترفون الآن برؤية البرادعى الثاقبة وأنه يرى أبعد من نظرهم بكثير؟
السؤال الثالث: يتساءل البعض هل كانوا فاقدين العقل حين لم يمنحوا أى مساحة للمعارضة واختاروها شمولية؟. بمعنى آخر هل أساءوا التصرف، أم أفلتت الأمور دون قصد منهم، أم أنهم - بالعكس- وصلوا إلى ما أرادوا الوصول إليه من البداية؟
رأيى الشخصى أنهم يعرفون ما يفعلون، ويصعب تصور أنهم يتركون أمورهم للصدفة. خصوصا حينما نستحضر إيقاف برنامج عمرو أديب، وما حدث فى جريدة الدستور من تعديلات درامية.
بالنظر إلى ما نفعله نحن حينما يتعلق الأمر بصفقاتنا البائسة، يمكن تصور ما الذى يفعله الذين يكسبون المليارات، ويديرون البلد، وأفلحوا طيلة هذه السنين فى استئناس المعارضة والحفاظ على مكاسبهم. أيُقال عن أمثال هؤلاء إنهم حمقى لا يعرفون ما يفعلون؟
السؤال الرابع ينبثق من السؤال الثالث: إذا كانوا يعرفون ما يفعلون، فلماذا لم يتركوا هامشا للمعارضة، ولو لادعاء ديمقراطية وهمية؟ ما الذى كانوا سيخسرونه لو حصدت المعارضة نفس المقاعد أو قريبا منها، خصوصا أنها لم تثنهم عن تمرير القوانين الأسوأ والتعديلات الدستورية؟
الإجابة الواضحة أن السيناريو المقبل بالغ الفجاجة، بحيث يحتاج لنظام شمولى وقبضة حديدية، ولا يحتمل حتى المعارضة المستأنسة من قبيل الديكور.
إذن فالسؤال الحقيقى يجب أن يكون: ما هو المقبل الذى يستلزم لتأمينه هذه الإجراءات الصارمة؟ وهل هو غير قابل للبلع لهذه الدرجة الاستثنائية؟!
فما المقبل فى رأيك يا عزيزى القارئ؟

المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=279792&IssueID=1975)

حامل شعلة المخلدين
05-12-2010, 12:13 PM
مقال قوي جدًا جدًا وتحليل منطقي للأحداث التي وقعت، وينتهي إلى استنتاج خطير ومخيف.. لأقصى حد الصراحة، خصوصًا لو تمعنت في هذه الجملة:


إذن فالسؤال الحقيقى يجب أن يكون: ما هو المقبل الذى يستلزم لتأمينه هذه الإجراءات الصارمة؟ وهل هو غير قابل للبلع لهذه الدرجة الاستثنائية؟!
فما المقبل فى رأيك يا عزيزى القارئ؟


أكاد أجزم أن هذا المقبل المطلوب تأمينه وهو غير قابل للبلع أيضًا هو بداية تنفيذ عملية التوريث بشكل جاد ولا يحتمل هذا اللهو.. مجلس الشعب بلا معارضة ولا توجد أبواق مقروءة أو مرئية يمكنها الكتابة أو الحديث عن التوريث بالشكل الفج -من وجهة نظرهم- الذي كان يحدث مسبقًا.. وحتى عودة جريدة الدستور على موقع إليكتروني يعني أن عددًا أقل يقرأها مقارنة بالعدد الذي كان يقرأها مطبوعة..

منصورة جمال الدين
05-12-2010, 03:11 PM
إذن طبقا لهذا الكلام فالأيام القادمة تحمل أخبارًا وواقعًا وتوريثًا وعنفًا بالغ السوء.. هل آن الأوان إذن لنحمل أشياءنا القليلة ونترك لهم البلد على اعتبار إنه لا يقدر عليهم غير الله سبحانه وتعالى أو الحرب الأهلية؟

حامل شعلة المخلدين
17-01-2011, 07:23 PM
مقال موجع:

خلاص مسافر - المصري اليوم (http://www.almasryalyoum.com/opinion/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%81%D8%B1)


«سمعت هذه الأغنية لأول مرة وأنا خارج الوطن، الكلمات لمحمد حمزة، اللحن لبليغ حمدى، والغناء لشادية، كنا مجموعة من الأطباء العرب المسافرين وراء الرزق، منا المصرى ومنا السورى والسودانى، أصغينا إلى الأغنية، أصغينا وبكينا. لم أكتب أنا هذه الكلمات، وإنما كتبتها الدموع».
حينما يتحول الوطن إلى منفى، والمدن إلى سجون، وتثور الزوابع لكى تقتلعك، تنزعك من الأرض إلى قلب العاصفة، تحملك كجناح مكسور، تتحول مصر إلى مكنسة عملاقة، تغضب وتقول:
«خلاص مسافر»
حينما تنتشر المحسوبية، وتجد نفسك عاجزا بغير واسطة، مهانا بلا سبب، فى كل مكان مهان، فى الشارع مهان، فى العمل مهان، فى الميكروباص مهان، فى كل المصالح الحكومية، فى الأقسام والمكاتب والمستشفيات، عاجزا معدوم الحيلة، تغضب وتقول:
«مسافر مسافر»
عندما تشعر بأن النفوس موصدة، والقلوب مغلقة، والأرواح صدئة، أقاربك حالهم حال، وأصدقاؤك كل واحد فى واد، إذا وقعت فى حفرة لن يخرجك أحد، وإذا مددت لهم يدك فلن يمسكوا يدك، وإذا مت فلن ينتشلوا جثتك، أخلاقيات الزحام تفرض نفسها، والكل يتسابق على الهروب من السفن الغارقة، يبحثون عن مخرج، عن سترة نجاة، يتقاتلون على الزوارق الباقية، والزوارق قليلة، يطلبون الحياة التى لا تطلبهم، وأنت وحدك، دائما وحدك، إلى الأبد وحدك، تحزن وتقول:
«صحيت فى يوم من الأيام/ حسيت إنى يا عينى غريب/ حسيت بغدر الصحاب/ واللى افتكرته حبيب».
لم تكن تتصور أن يصبح هذا حالك، كنت مستعدا لمواجهة الكون، لتغيير العالم، تحلم بأن تكتشف آفاق الدهشة، وتحفر اسمك على الأهرامات العتيقة، تصبح شاعرا، مغامرا فى الأصقاع البعيدة، باحثا فى معمل معقم، ما أكثر أحلامك التى لم تتحقق!!، ما أجمل أحلامك التى لم تتحقق!!، ما أقسى أحلامك التى لم تتحقق!!
«وأنا اللى يا ما غنيت على الليالى/ فى الفرح موال/ وفى الجرح موال/ وفى الصبر موال/ أصبح على دى الحال/ غريب، أصبح أنا غريب/ غريب، ولا حد جنبى قريب/ وقلت أسافر.. مسافر مسافر»
لكنك تنسى وأنت تعد حقائبك، تنسى وأنت تحرق أوراقك القديمة، تنسى أغلى من عندك، تنسى حبيبتك!!.
فى تلك اللحظات الصعبة، وأنت تمزق أشعارك الساذجة، ومذكراتك الطفولية، وأشياءك المُعوقة، تنسى أيامك الحلوة مع امرأة أحببتها وأحبتك، ترقبك وأنت تحزم أمتعتك، صامتة دامعة، مخطوفة بالحزن، مشنوقة باليأس، محكوماً عليها بالإعدام!!.
«وخايفة لما تسافر/ على البلد الغريب/ تنسى إنك فايت/ فى بلدك حبيب».
أشياء لن يفهمها الرجل ماذا تعنى لامرأة: رائحة عرقك، ملمس بشرتك، أنفاسك الرجولية، علبة تبغك، إحساسها بالأمان وهى معك. أنت مأخوذ بالسفر، ولا تشعر بوجودها، فيما هى لا تفكر إلا فيك.
«مستنى بأشواق، تعبان/ تعبان من الفراق/ ومولعلك شمعة/ نورها مستنيك».
ذكرياتكما القديمة. كل ذكرى ترفع رأسها، دقة القلب الأولى، كل دقة ترفع صوتها، حالمة، ناعمة، دافقة راجفة. أيام الحب الأول. ملاحقتك لها عند زوايا الدروب، نظراتك المغموسة بالعشق، ابتسامتها المفعمة بالحياء، وتلك الأيام القلقة: أيام الحب الأول والشك يتلبس باليقين، ثم يأتى مؤكدا مع أول مصافحة، يرتعش البدن، يرتعد القلب كتيار الكهرباء.
«وفى عيونه دمعة/ تمسحها بإيديك/ لما تجيلى تانى/ من البلد الغريب».
لكن هذه المرة، تدق حبيبتك على جدار أصم، الماضى صار حِمْلاً ثقيلاً وأنت تتأهب للسفر، وذكرياتك المرة حين تخلى الجميع عنك، الناس يتحدثون بلغة المال، وهى تخاطبك بلغة القلب والروح. هذه اللغات المندثرة!!. لذلك تقول:
«يومين وأسافر/ يمكن ألاقى الصبر فى سكتى/ يمكن ألاقى الراحة فى غربتى/ يومين وأسافر».
هى لا تسمعك، تصغى لنداء القلب، تحبك، تعشقك، تدور فى فلكك، كإلكترون أنهكه الطواف، كشحنة مفعمة بالحب، وفراقكما يعنى انشطار الذرة والإشعاعات المهلكة، أحلامها أن تظلا معا، تلمسك طيلة الوقت، تتحسس كنزها الثمين.
«كان نفسى أكون جنبك/ حبيبة من بلدك/ تسهر على راحتك».
لا ترحل، أى شىء إلا أن ترحل، أو خذنى معك، أشاطرك رغيف الخبز، أطهو طعامك بنكهة الحب، نشرب معا كأس الغرام، فقط أكون معك.
«تفرح لك فى فرحك/ وتقاسمك فى جرحك/ والهم تزيله عنك/ لما تيجى تانى/ من البلد الغريب».
لكنك تشعر بأن ماضيك كله، بما فيه هى، أحلام مزيفة. الواقع هو تذكرة السفر، جواز السفر، رحلة السفر، رحلة تُضمر أن تجعلها بلا عودة، ولماذا تبقى وبلادك خذلتك؟ مصر القاسية التى تضطهد عشاقها وتُكافئ أعداءها:
«يومين وأسافر/ يمكن ألاقى الصبر فى سكتى/ يمكن ألاقى الراحة فى غربتى/ يومين وأسافر».
القلق ينهشها، والغيرة تعصف بها، ماذا لو أحببت غيرها!، فى البلاد البعيدة!!، ماذا لو هجرتها!، الرجال متقلبون كالريح، غامضون كالبحر، أطفال كبار، يفرحون بلعبة، حتى لو كانت مزيفة، ويهجرون أشياءهم النفيسة، ولا تعرف أنك- مهما فعلت- لن تجد امرأة تحبك نصف ما أحبتك.
«خايفة تلاقى وردة تحلى فى عينيك/ تنسانى وتميل وتقطفها بإيديك/ وتجرحك الأشواك وتتعذب هناك».
فقط لا تتألم، لا ينكسر قلبك مع امرأة أخرى، وأنت بعيد، لا تملك أن تواسى حزنك وتداوى جرحك وتمسح دموعك، تغرس فى صحرائك صبّار الأمل، وقلبها ينزف أشواك الغيرة. كن سعيدا واصنع بعدها ما شئت، المهم أن تكون سعيدا، هكذا حبها الكبير، هكذا قلبها الكبير.
«أقطفها بإيديا، وما تجرحش إيديك/ سيب الجرح لىّ وخلِّى الفرح ليك/ بس ارجع لى تانى من البلد الغريب»

قيصر الصقيع
13-03-2011, 12:57 PM
سودانى الجنسية، مصرىّ الهوى، شرب من ماء النيل فتحول الماء إلى دماء ودموع. تخرّج فى الجامعات المصرية فصار ناطقا بفؤاد مصر. اسمه (عبدالله) وندلله بـ(أبوحافظ). يعمل معى فى نفس المستشفى ويعرف كل شىء عن مصر.
يعجبنى فى آرائه سداد الحكمة والنفاذ إلى عمق الأشياء، لذلك سألته عن رأيه فيما يحدث فى مصر، التزم الصمت بضع ثوان، واختلجت ملامحه وكأن الكلام يتدافع على لسانه، ثم قال بلهجته السودانية المُحببة للنفس: «الخلاصة أن موقف المجلس العسكرى غامض».
ابتسمت فى إعجاب لهذا التلخيص غير المُخل. نعم، وبكل صدق هناك مواقف غير مفهومة.
لا نجادل، إنه انحاز للثورة. لا ننكر أنه عصم دماء المصريين، لا نمارى فى أدبهم ولطفهم ودماثتهم، لا نزايد على شرفهم ووطنيتهم، لكن- رغم ذلك- هناك بعض المواقف الغامضة.
لماذا لم يتخذوا الإجراء البديهى بالتحفّظ على كل رموز العهد القديم وقطع الاتصالات عنهم، حتى تُستوفى التحقيقات وتتضح البراءة من الإدانة؟ أليس ذلك الموقف غامضا!
لماذا لم تتم مساءلة صفوت الشريف وفتحى سرور وزكريا عزمى عما اقترفوه فى الفترة الماضية؟ أليس مذهلا أن زكريا عزمى لم يزل حتى هذه اللحظة يمارس مهام منصبه؟ هل من المعقول أن نترك صفوت الشريف الذى سمّم الحياة السياسية، ثم نشتكى بعدها من الثورة المضادة؟
لماذا تأخر التحقيق مع عائلة مبارك؟ لماذا لم تتغير القيادات الصحفية التى كانت تطبل وتنافق؟ لماذا لم يتم التحفظ على مستندات أمن الدولة قبل إحراقها؟ لماذا احتفظوا بأبوالغيط وشفيق وعائشة عبدالهادى حتى أخرجتهم المظاهرات المليونية؟ لماذا التباطؤ فى عودة الشرطة؟ لماذا تركوا معركة الجمل دون تدخل أربع عشرة ساعة كاملة؟ ولماذا لا يبطشون بالبلطجية ويفرضون الحسم العسكرى؟ ولماذا لم يصدر قرار فورى بوضع حد أقصى للأجور لمنع سفاهة الأجور المليونية وتطييبا للخاطر؟
أليست كلها مواقف غامضة؟
لماذا لم يستجيبوا لأعضاء هيئة التدريس والطلاب فى اختيار القيادات الجامعية بالانتخاب؟ لماذا الإصرار على التعديلات الدستورية بدلاً من صياغة دستور جديد؟ لماذا الإسراع بإجراء انتخابات برلمانية بدلاً من إعطاء فرصة معقولة لإنشاء أحزاب جديدة ووقت للحوار السياسى؟ لماذا لا يصدر قرار بحل الحزب الوطنى؟ لماذا لا نستبق المطالب المشروعة للثورة الشعبية- وكلها معروفة ومشهورة- بدلاً من انتظار المظاهرات؟
أليست كلها مواقف غامضة؟
يا أعضاء المجلس العسكرى المُوقّر، يا حصن مصر ودرعها، وفخرها وعزها، هذه أسئلة مشروعة لم تحيّر المصريين فقط وإنما حيّرت الجميع. ربما تكون لديكم أسباب منطقية لا علم لنا بها، بحكم غياب المعلومات عنا، أخبرونا بها كى تطمئن قلوبنا. إذا كان حواريّو عيسى عليه السلام قد سألوه مائدة من السماء من أجل اليقين (قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا) فنحن أولى منهم بطلب اليقين.


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=290305&IssueID=2073)

*أنس*
14-03-2011, 09:05 PM
د.أيمن الجندي في برنامج عصير الكتب مع بلال فضل (http://www.facebook.com/video/video.php?v=1658985787929&oid=106683726028110&comments)

قيصر الصقيع
11-05-2011, 11:58 AM
«هل تسمعنى؟ أتمنى أن تسمعنى، إننى أصرخ بكل كيانى: أرجوك لا تتركنى».
.............
خرج من منزله. ألقى على سيارته النظرة الأخيرة. حمراء، بها بعض الصدمات والخدوش القديمة. لكنها رغم ذلك عزيزة صابرة باسلة. جلس على المقعد الأمامى. وضع الحقيبة المنتفخة بالنقود على المقعد المجاور. ضبط وضع المرآة، ثم أدار المفتاح برفق فعادت للحياة. سمع صوتها الذى ألفه لخمس سنوات مضت. يعرف كل شىء عن هذه السيارة. أذنه حساسة لأى صوت جديد. قدمه تعرف اللمسة المطلوبة بالضبط كى تسرع أو تبطئ أو تقف. يقودها بألفة صديق قديم يعرف كل شىء بمجرد النظر إلى عيون صديقه.
تحرك بالسيارة فى بطء وهو يفكر. حتى الأمس لم يكن ينوى بيعها. كل ما هنالك أنه ذهب مع صديقه ليشاهدا سيارة جديدة. شاهدها فى المعرض الأنيق جديدة، رشيقة، لامعة. لماذا يفكر فى السيارة وكأنها امرأة!. ابتسم فى سره وهو يلاحظ لأول مرة أن الناس كثيرا ما يتحدثون عن السيارات وكأنها نساء. ألأنها رفيقة درب وشريكة الحياة!. تحسس مقود السيارة فى حنان وكأنه يُملّس على شعر امرأة.
...............
«أحاول أن أخرج من صمت الذرات. من سجن الهيكل المعدنى. أعرف أنك لن تسمعنى بأذنيك. ولكن لو أصغيت بأذن الروح لربما سمعتنى. أرجوك لا تتركنى».
..............
مسح بعينيه أرجاء السيارة من الداخل. يهتم كثيراً بأناقة سيارته. برغم أنه غير مُرتّب فى منزله على الإطلاق، ويثير الفوضى أينما حل. إلا أنه يحب أن يرى سيارته من الداخل نظيفة، مغسولة، معطرة، منعشة. ضحك بصوت عال وهو يفكر: لم لا؟ أليست امرأة؟. يمكنه تفسير انقباضه الآن على هذا الضوء. أحياناً لا يفهم نفسه. كان بالأمس متحمساً لشراء السيارة الجديدة. خصوصاً حينما أبدى صديقه رغبته فى شراء هذه السيارة. حسبها فى ذهنه فوجد أنه يستطيع تدبير الفارق. قال إنها جميلة ولامعة ورائعة!. امرأة جديدة يلقى بنفسه فى أحضانها. لكن حين جدّ الجد وأعدّ النقود وذهب لينجز البيع أحس بكآبة غامضة. بانقباض لا يدرى تفسيره. وأحس، لا يعرف كيف، أنه يخونها!.
...........
« لا شىء فى الكون ميت أو لا يحس. أنا جماد ولكنى أحبك. أحاول أن أنعتق. أستجمع قواى الداخلية، جوهر الحب الكامن داخلى. تنقل لك الذبذبات الخفية رسالةً مفادها: أرجوك لا تتركنى».
..........
لم يحسب حساباً للحنين، لذكريات قديمة مشتركة، لأماكن ذهبا إليها معاً. عجيب فعلاً تعلقه بالأشياء القديمة. نفس الانقباض الذى يشعر به كلما ترك شيئاً كان يألفه. تستصرخه الأشياء كأنما تستنجد به. وكأنها حية لا ميتة.
...........
توقف بالسيارة فجأة. اتصل بصديقه وأعلنه أنه ألغى البيع. أحس كأن جبلا انزاح عن صدره. ودون وعى منه، أو حتى يشعر بما يفعل، راحت يده تتحسس تابلوه السيارة فى حنان وكأنه يتحسس وجه حبيبته، والعجيب أنه شعر برعشة فى يده وكأن السيارة تقبله!


المصرى اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=296468&IssueID=2132)

midotheboss
13-07-2011, 05:44 PM
السلام عليكم
أود أن أعبر عن سعادتي باكتشاف هذا الكنز من مقالات الدكتور الجندي ولقد أحببت أن أشارك وأعرف أصدقائي به ولذلك قمت بصنع هذه المدونه أتمنى أن تنول أعجابكم وسأكون سعيدا أذا قام أحد بارسال مقالاته لي لأضعها في المدونه شكرا http://aymen-elgendy.blogspot.com/

Mohamed Nasser
29-09-2011, 02:10 AM
بنبون




بعض الناس ينضجون قبل الأوان. كان إبراهيم عريض المنكبين، طويل القامة، أطول منا بكثير. وكان يبدو فى المرحلة الإعدادية مثل رجل مكتمل النمو. خصوصا وقد جعله والده يرتدى السترة منذ بداية المرحلة الثانوية، ويتصرف بوقار غير مناسب لعمره. والسبب كما خمنته، أن والده التاجر، كان يسابق الزمن من أجل أن يعلمه أصول التجارة قبل أن يموت. وحينما كنت أذهب إليه فى المحل، وأجده فى مقعد القيادة، مسيطرا متحكما، والموظفون يبجلونه، وكوب الحلبة يشربه فى تمهل وعناية، كنت أتذكر بصعوبة أنه يماثلنى فى العمر! وأنه صديقى!

والتحق بكلية التجارة. ثم حدث الشىء الذى كان له صدى عميق بين طلبة مثلنا، وهو زواجه! فى مثل هذا العمر كان ذلك يعتبر أعجوبة. العروس كانت بنت خالته، اختارها له والده الحاج ليرى أحفاده قبل أن يموت. فرحنا من القلب وكان حسبنا أن الطعام وفير، وأن صديقنا سعيد، وأننا ضحكنا بوفرة، ملء صدورنا.

ومرت بنا الأيام، والعريس الجديد لم يعد جديدا، بل صار والدا لبنت وثلاثة ذكور!. تمر بنا الأيام لا نشعر بها، لكنها تترك آثارها العميقة علينا. أصبحنا رجالا فى منتصف العمر. حينما بدأت ألاحظ تغيرات فى نفسية إبراهيم. بدا ساخطا، ثائرا، منطويا على دوامات عنيفة. وبالتدريج تغلب على كتمانه الطبيعى، وأسرّ لى أنه تعيس فى حياته الزوجية، وأنه يكره العودة لداره لولا أولاده الذين يعشقهم! وأن ساعات وجوده القليلة مشاجرات.

أزمة منتصف العمر! هكذا قيمت الأمر بنظرة واحدة. حمل نفسه على الجدّ، ولم يعش شبابه. هكذا انتفض شبابه المقموع مطالبا بحقه فى الحياة. لكن الوضع كان محالا أن ينتهى بطلاق: هى ابنة خالته، وأم أولاده. أضف إلى ذلك أن نشأته على الجد تبعده عن المغامرة.

كنت ألمح عليه بوادر صراع مكظوم. وجهه الذى كان هادئا، أصبح مسرحا لكل الانفعالات. وفى كل مرة كنت أتذكر حفل زفافه، وجلوسه مسرورا بجوار عروسه، وضحكنا من القلب بفم مملوء بالطعام! آه من غفلة البدايات وشجن النهايات!

لكن الشىء المذهل العجيب هو ما حدث بعدها. فجأة تحول الريح إلى نسيم، والعاصفة إلى سكون! انفكت أساريره وعاودت عيناه هدوءهما القديم. عاد إبراهيم إبراهيم! فرحت له لكنى لم أخل من علامة استفهام. كيف استعاد نفسه الشاردة؟ وما الذى غيره من حال إلى حال؟

وسألته! وكانت الإجابة المذهلة هى «البنبون»! هكذا قال لى وهو يشرب كوب الحلبة فى تمهل وعناية، بالضبط كما كان يحدث فى الزمان القديم. قال لى: «ذات ليلة كنت عائدا لبيتى، وأنا أكره أن أعود. وجدت أمامى ابن البواب الصغير، فلاطفته لمجرد أن أتأخر قليلا فى الصعود. وبمحض الصدفة وضعت يدى فى جيبى فوجدت بعضا من حلوى البنبون. غرفتها فى يدى وأعطيتها له. ولا أدرى ما الذى حدث بعدها: فجأة أشرقت فى وجهه شموس السعادة. وذكرتنى سعادته بالزمان القديم. يالله!

أمازال هناك أطفال قادرون على السعادة! وبماذا؟ حفنة بنبون! أقشعر جلدى وانتصب شعر ساعدى، وقد أيقنت أننى وجدت طريقى، منجما للسعادة يتلخص فى إسعاد الآخرين. هكذا تحولت إلى زبون دائم لمحلات الحلوى، وصار جيبى مخزنا للبنبون. أمشى فى الطريق أتصيد الأطفال المحرومين، أعرفهم بنظرة واحدة، أعطيهم كبشة من الحلوى، فيعطوننى كبشة من السعادة، فأعود إلى البيت وقد صفت نفسى واستعدت هدوئى القديم».

ابتسمت ولم أعلق، فلم يعد هناك ما يُقال. إبراهيم وجد منجمه، فماذا عن مناجمنا نحن المخبوءة فى عيون المحرومين!

المصدر:

المصري اليوم (http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=312160&IssueID=2272)