المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (مُدمج) إصدارات الدكتور أحمد خالد توفيق ومقالاته ::يُحدث بشكل دوري::


الصفحات : [1] 2

عين النمر
01-11-2004, 04:58 PM
السلام عليكم


كاتبنا العزيز الدكتور أحمد خالد توفيق ..
يطل علينا من نافذة جديدة

طالعتني صورته اليوم في مجلة الشباب..
اشتريتها وأنا في طريقي للعمل وكنت اتصفحها سريعا كعادتي
وفوجئت بالخبر الجميل في الصفحات الأولى عن انضمام د/ أحمد خالد توفيق لأسرة مجلة الشباب

ويقول نص الخبر كما ورد بالصفحة السابعة

د.أحمد خالد توفيق
ينضم إلى كتاب الشباب

ابتداء من هذا العدد ينضم إلى قائمة كتاب مجلة الشباب
الدكتور أحمد خالد توفيق مؤلف سلاسل:
ما وراء الطبيعة وسفاري وفانتازيا.
حيث يكتب مقالا كل عدد يقدم فيه قصة جديدة بعنوان
"الآن نفتح الصندوق"

وكتب الدكتور أحمد المقال الأول بعنوان أسرة لطيفة على صفحتي 92و93


واحب ان اضيف انني استبشرت خيرا لتصادف بداية كتابة الدكتور أحمد للمجلة مع بداية كتابة الأستاذ عمرو خالد أيضا لمقال صناع الحياة لنفس المجلة :)


اممممممممم

يكفي هذا الآن ولأترك فرصة لكم للقراءة قبل أن نناقش :)




مبروك علينا ومبروك لمجلة الشباب بالطبع :D









-----------------------------

تم فصل الردود النقاشية بموضوع منفصل ليكون هذا الموضوع خاص بوضع المقالات وخلافه فقط .. الموضوع الخاص بالتعليقات موجود على الرابط أدناه:-

http://www.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=35671

فهرس " إصدارات الدكتور أحمد خالد توفيق ومقالاته "
http://www.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=37194

عين النمر
02-11-2004, 01:32 AM
http://shabab.ahram.org.eg/ahram/2004/11/1/shabablogo1.jpg

مجلة الشباب (http://shabab.ahram.org.eg/)

R i T o
05-11-2004, 01:32 AM
مش حتكلم عن روعة و جمال المقال :D

لان هذا ما تعودنا عليه من د.احمد .. من تقدم الي تقدم ..

اليكم هذا لمن بالخارج او لم يصل الي المجلة ..

مقدمه التعريف بالكاتب في الصفحة السابعة

http://www.rewayatnet.net/forumz/bd/rito/ahmed3.JPG

و هذة الصفحة الاولي من المقال ص 92
الحجم كبير و لكن لتسهيل القراءة

http://www.rewayatnet.net/forumz/bd/rito/ahmed1.JPG

الصفحة الثانية ص 93
http://www.rewayatnet.net/forumz/bd/rito/ahmed2.JPG

تحياتي..
و خالص تحياتي لك د. احمد

monaliza smile
05-12-2004, 10:01 PM
السلام عليكم ورحمة الله ...

الآن موعدنا لنفتح الصندوق مرة ثانية ..صندوق الدكتور محفوظ الذي يحوي مذكرات وملاحظات عن تلك القصص الغريبة التي مرت به في حياته ...

"الشمعة والقناع"
هذا هو عنوان تلك القصة الشيقة التي نشرت لد.أحمد في مجلة الشباب لهذا الشهر ..

القصة هذه المرة تتحدث عن أسطورة نعرفها جميعا وقرأنا عنها عدة قصص،بل وكتب عنها د.أحمد نفسه
،أنها أسطورة "الرجل الذئب" ...
تبدأ القصة سريعا وبدون مقدمات ،ويضعنا د.أحمد في خضم الأحداث حيث يجلس كل من الدكتور محفوظ وصديقه "سراج" المكبل اٍلي المنضدة في ظلام دامس اٍلا من ضوء شمعة ،وفي انتظار بزوغ القمر المكتمل ...
تعرفنا علي د.محفوظ (رفعت آخر) من قبل ،فمن هو سراج ؟ ولماذا هو مكبل ؟ وما الذي سوف يحدث بعد ذلك ؟ وكيف ينتهي هذا الموقف العجيب ؟ أترك لكم اٍجابة هذه الأسئلة بعد الانتهاء من قراءة القصة .

بالمناسبة ...القصة جميلة وأراها أفضل بكثير من القصة الأولي "أسرة لطيفة" ..


تحياتي...
موناليزا
:)

17nana17
20-12-2004, 04:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



رغم متابعتى لكل أعمال د أحمد تقريبا إلا إننى لم اكتب ردى هنا للآن


يمكن لانى خاسة انى اقل بكتير من مرحلة انى اكتب رأيي فى ما كتبه الدكتور!!


بس هاقول بأه خلاص:)


لا أعلم سببا لتوقف د. أحمد عن الكتابة لملحق صبيان و بنات بالاخبار لفترة ما

فى بداية اكتشافى للامر خفت ان يكون ه>ا التوقف نهائى و لكن بعد فرة ما عاد د.أحمد للكتابة فى الملحق من جديد

و لكنه عاد بقصصة يبدو انها تستحق اكثر من المتابعة

هى حلقات متسلسلة تداخلت فيها قصص الخيال العلمى او كائنات الفضاء بفرضية what if الشهيرة التى تحدث .أحمد عن حبه الشديد لها

القصة من الحلقة الاولى تبدو مشوقة بالفعل

بالنسبة لكتابة د.أحمد فى مجلة الشباب

كان ه>ا الحدث سبب فى سعادة غامرة لى بالفعل

اخيرا سنتابع عملا لد.احمد اسبوعيا و الاهم ان ه>ا العمل متعلق بشدة بعوالم ما وراء الطبيعة

القصة الاولى اعجبتنى جدا و أشعرتنى بكثير من القلق بافعل اثناء متابعة احداثها

القصة الثانية......لا أعرف و لكنها لم تكن بمستوى الاولى ابدا....بدون مبالغة..علمت انها تتحدث عن الم>ئوب من اول سطر من العمود الثانى:( :(
و لكن تابعها للنهاية
و النهاية اتت مفتوحة كما يحب د.أحمد:) و لكنها كانت فعلا جميلة






كفاية عليا كده بأه


سلام

17nana17
25-12-2004, 04:49 PM
لا أدرى لماذا نسيت ان أتكلم عن "قصة زرافتين"!!!


القصة التى صدرت فى مجلة سوبر ميكى و التى اعادتنى الى عادة شراء هذه المجلة بعد فترة طويييييلة :nihihi:


القصة ممتعة جدا جدا جدا......ممتعة و مشبعة و اسلوبها تحفة و المغزى منها رائع

فاجأنى د. أحمد بقدرته الرهيبة على مخاطبة كافة الاعمار...فبعد أن أبهرنى بقدرته على مخاطبة من فى سنى (منذ 10 سنين و هو يفعل ذلك):nihihi: ها هو الان يفاجئنى بقدرته الرائعة على مخاطبة الاطفال ايضا و توصيل المتعة و المغزى لهم معا فى وقت واحد فى سلاسة و امتاع لا حدود لهما

إحتفظت بالقصة تحت زجاج مكتبى لانهنا فعلا مبهرة رغم بساطتها الشديدة

و سأداوم ان شاء الله على متابعة سوبر ميكى طالما استمر د. أحمد فى الكتابة بها

================================================== ========

بما ان اليوم هو السبت فلنتحدث إذا عن الحلقة الجديدة (و الأخيرة ايضا للأسف) من:

أساطين التاريخ

ردى بعد متابعتى لأاول حلقتين لم يزل قريبا جدا من هذا الرد

و لم يتغير رأيى بعد فى هذه الحلقات المسلسلة...تابعتها بشغف شديد اليوم خصوصا بعد أن تمت مهمة هذه الكائنات الفضائية و عرفنا اجابة السؤال what if....??
و لكن الاجابة جاءت من جزئين...الاول متوقع و منتظر و متفائل

أما الثانى فكان هو المفاجأة بعينها.....


اععجبتنى القصة فعلا...

و لكن ضايقنى جدا أن تكون هذه هى الحلقة الأخيرة.....أحسست بأن الفرصة مازالت سانحة جدا باستكمال المزيد من الاحداث و تحتمل المزيد من التشويق

لا ادرى لم بترت القصة هكذا ...مما أصابنى (أنا و الكائنات الفضائية معا) بالإحباط...و ذلك لان المهمة التى جاءوا من أجلها جاءت على فاشوش :rolleyes: :o

hmed@
26-12-2004, 07:15 PM
د. أحمد خالد توفيق ..
ضيفاً فى صالون (بص وطل) ..

على العنوان التالى:
http://boswtol.com/nabadat/daif.html

hmed@

nightwing
10-04-2005, 04:45 AM
هناك ثلاث مقالات بعث لي بها احد الاصدقاء قائلا انها هبطت في صندوق بريده و معها تنويه انها للدكتور احمد خالد توفيق انشرها هنا تباعا و ارجوا التاكيد لو راها احدكم منشورة من قبل:

المقالة الاولي:
شباب عايز الحرق


ثمة إجماع في وسائل الإعلام والأعمدة الصحفية على أننا رزقنا – من دون
الأمم – بألعن جيل من الشباب الرقيع المنحل الشهواني التافه.. (شباب
عاوز الحرق) باختصار شديد.. نحن وكل جيلي سلبنا الشباب أحلامه، واحتللنا
المناصب التي يمكن أن يطمح إليها، وحرمناه أبسط الحقوق التي يمارسها أي
قط في زقاق: الملجأ والزواج، وأعطيناه سفينة غارقة نخرة امتلأت بالثقوب
نُهب كل لوح خشب وكل مسمار فيها، وقلنا له إن عليه أن يتولى الإبحار بها
بعدنا .. وينظر الشاب إلى البحر الذي يعج بالأساطيل وحاملات الطائرات
التي صنعها الآخرون، فيتساءل: ماذا كنتم تفعلون طيلة هذا الوقت حينما
كانت السفينة لكم ؟.. فنقول له: أنت شاب شهواني قليل الأدب .. وربما
سافل كذلك .. مشكلتك هي أنك كسول تريد كل شيء بلا تعب ..
نعم .. وسائل الإعلام تنظر بريبة واضحة إلى هؤلاء الأوغاد بشواربهم نصف
النامية والحبوب في وجوههم وأصواتهم الخشنة .. وهي تتظاهر بحبهم وتقدم
لهم الكثير من (نانسي عجرم) و(أليسا)، لأنهم ما زالوا الوسط الاستهلاكي
الأفضل، لكنها تعتقد في قرارة نفسها إنهم خطر أمني داهم، وأنهم يدارون
ذيولهم في سراويلهم ..
المشكلة فعلاً أن الشباب لم يعد على ما يرام .. هذه الطاقة الكاسحة
المعطلة التي حرمت الأمل والمشروع القومي المشترك تزداد خطرًا يومًا بعد
يوم، والفراغ يهدد كل شيء وكل بيت .. لاحظ انتشار الكافتيريات وملاعب
البلياردو ومقاهي السايبر.. باختصار: ثقافة البطالة. لاحظ نمو التطرف
الديني الذي تزامن مع غياب المشروع القومي والأمل في الغد. ولغة
(الروشنة) التي يستعملها الشباب تحوي في 90% من كلماتها معاني الاستهتار
والتحدي .. دعك من الوقاحة التي يشكو منها كل مدرس .. يحكي الدكتور
(جلال أمين) – العالم الوقور عظيم الشأن - عن شاب من هؤلاء دنا من سيارته
وهو جالس فيها ينتظر زوجته، فاستند على النافذة بجواره، وراح يثني مرآة
سيارته ويفتحها بلا توقف وبلا هدف واضح وعلى سبيل التحدي فقط، بينما ظل
الأستاذ الكبير جالسًا في السيارة صامتًا يرقب هذا السلوك غير المفهوم..
لكننا نحن المسئولون بالكامل عن خلق هذا الوحش .. وكما يقول الشاعر
العربي:
إنا بأيدينا جرحنا قلبنا .. وبنا إلينا جاءت الآلام
قرأت لأحد الصحفيين الكبار (الفلاسفة) – ولن أذكر أسماء لأن بلاط السجن
سيكون باردًا جدًا في هذه الفترة من السنة - أنه كان في رحلة مع مجموعة
من الشباب حينما سمعهم يغنون: الأقصر بلدنا بلد سواح .. فيها الأجانب
تتسوح .. وكل عام وقت المرواح بتبقى مشتاقة تروح .. وتسيب بلدنا !
يتساءل الأستاذ العبقري: أين ذهب الانتماء لدى جيل الشباب ؟... ذهب يا
سيدي الفاضل بسببك وسبب أمثالك، الذين أيدتم كل نظام حكم وكل سياسة،
وعملتم جاهدين من أجل الوصول إلى الثراء والنفوذ صاعدين سلمًا من أجساد
الشباب المطحون .. في عصر كانت الصحف المصرية ترسم فيه الزعماء العرب
جالسين على (قصرية) أطفال، وفي عصر كان يعلن فيه في الصحف عن زيادة
الأسعار فتكتب مقالاً كاملاً تؤيد فيه هذه الخطوة المباركة التي تأخرت
كثيرًا، وحينما يضع السادات كل قوى مصر السياسية في السجن تكتب مباركًا
(ثورة سبتمبر) هذه ..
يؤمن الشباب بعبد الناصر فيخرج ألف كتاب يلعن عبد الناصر .. يحن الشباب
إلى سعد زغلول فتمزقون سعد زغلول ..كل إنجازات يوليو تحولونها إلى
كوارث يوليو .. تهللون للاشتراكية في عهد عبد الناصر ثم تلعنون أباها في
عهد السادات .. وتلعنون أمريكا في عهد عبد الناصر وتكتشفون أنها الشريك
الكامل الأمين في عهد السادات. ولولا بعض الحياء والخشية من النظام
الحالي الذي يستمد شرعيته من أكتوبر لشككتم في حرب أكتوبر
ذاتها : "المصريون لم يعبروا القناة في أكتوبر .. القناة هي التي تحركت
إلى الغرب بضعة كيلومترات".
في إحدى فترات الخلاف العابرة مع أمريكا قرأت مؤخرًا لصحفي كبير جدًا
يقول: "علينا أن نشفى من خرافة أن 99% من أوراق الحل في يد أمريكا!".
والحقيقة أنك يا سيدي كتبت هذه الخرافة مرارًا من قبل خاصة في عهد
السادات ..من حسن حظ الشباب أنه لم يقرأ مقالاتك القديمة تلك وإلا لجن
بالتأكيد..
تخرج وسائل الإعلام للقاء الشباب ومعها المذيعة التي سكبت زجاجة أكسجين
كاملة على شعرها ووضعت طنًا من المساحيق كأنها إحدى بطلات مسرح الكابوكي
الياباني.. تسأل الشاب عن اسم وزير (التوابع المضادة) أو وزير (التعاون
الإعلامي التخطيطي) فلا يمن الله عليه بكلمة .. من ثم تخرج الصحف صارخة:
الشباب تافه شهواني رقيع .. ليت الشباب يهتم بعقله كما يهتم بالدهان
الذي يسكبه على شعره ..
الحقيقة أن الإجابة عن هذا تكمن في كلمات (أورويل) في روايته الرائعة
1984 عندما دبت مشادة بين البطل وحبيبته حول (هل كان الحزب في حرب مع
أيستاسيا أولاً أم كان في حرب مع إيوراسيا ؟)... يقول (أورويل) إن الفتاة
لم تكترث بهذا على الإطلاق لأنها لا ترى فارقًا بين هراء وهراء آخر ..
الشاب لم يختر وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) ولم يسمع عنه من قبل،
ويوم يرحل هذا الوزير فلن يعرف أحد السبب .. إذن ما جدوى معرفة اسمه
؟.. لا فارق بين (هراء وهراء آخر).. اسمحوا للشاب أن يختار وزير
(التعاون الإعلامي التخطيطي) ثم طالبوه بأن يعرف اسمه، وانصبوا له
المشانق لو لم يعرفه ..
نفس الشيء ينطبق على الأسئلة من طراز (متى مات بيلاطس البنطي ؟).. (ما
طول نهر المسيسبي ؟).. (من مؤلف كتاب تثقيف الشعوب في تقنية الحاسوب
؟).. السيدة المذيعة لو انتزعوا منها البطاقة الأنيقة لن تعرف الإجابة،
والسيد المعد لا يعرف الإجابة وأنا لا أعرف الإجابة، وليس مما يفيد الإنسان
المعاصر أن يعرف طول نهر المسيسبي ما دامت هذه المعلومات موجودة في أية
دائرة معارف .. إنها ثقافة (الكلمات المتقاطعة) التي يصرون على أنها هي
الثقافة ولا شيء سواها، بينما الثقافة هي أن تستخدم ما تعرف في تكوين
مفهوم متكامل للعالم من حولك وكيفية التفاعل معه ..
لكن وسائل الإعلام لا ترضى بهذا .. هي لا تريد إلا أن ترى الدماء تسيل وتلطخ
كل شيء .. لهذا تطالب برأس الشاب التافه.. بينما اسم آخر أغنية لراغب
علامة أو عيد ميلاد روبي هي بالفعل معلومات تبدو مهمة للشاب .. على الأقل
هو لا يُرغم على معرفتها، وتمس حياته – ورغباته – بشكل واضح .. ولا تتعالى
عليه أو تعده بما لا يمكن تحقيقه .. ولا تهدم ما آمن به من قبل بلا مبرر..
والأهم أنها لا تسد عليه طريق الترقي والنمو في الحياة .. باختصار:
(روبي) تبدو هي الشيء الوحيد الحقيقي وسط كل هذه الأوهام وكل هذا
الكذب ..
الشباب ليس مجموعة من الملائكة، لكنهم ليسوا شياطين ..سوف يصيرون كذلك
لو لم نفق من غيبوبتنا، ونحن لسنا ملائكة ولا شياطين .. نحن ملاحون خائبون
غرقت سفينتهم أو كادت .. وعلينا أن نترك قطعة خشب واحدة طافية ليتمسك
بها من يأتون بعدنا.

الشعله
26-09-2006, 01:43 PM
عن الوساطه والمحسوبيه نتحدث

يُحدِث الصبي ذو السنوات العشر صخبًا في فصل المدرسة الخاصة فتنهره المعلمة ، لكنه لا ينتهر ولا تحمر أذناه إنما ينظر في عينيها بتحد، ويقول ضاغطًا على كل كلمة من كلماته: انتي مش عارفة بتكلمي مين ؟؟.. إنتي نسيتي إن أهلي هما اللي بيدفعوا لك المرتب ؟.. وحياة أمي بكرة مش حتشتغلي في المدرسة دي
!!

تصاب المعلمة الشابة حديثة الخبرة بحالة جنون هستيري ممزوج بالدموع، وتقتاد الصبي إلى مدير المدرسة الذي يتصل بأبيه.. طبعًا كلنا يعرف بقية القصة



الأب مراد بيه يأتي للمدرسة وينهال تقريعًا على المدرسة والمدير أمام ابنه ومن تيسر من تلاميذ أو عمال، ويكرر ما قاله ابنه من أن كل هؤلاء يتقاضون رواتبهم من جيبه، والأغرب هو أن شيئًا لا يحدث للصبي على الإطلاق.. فقط تطلب المعلمة أن يتم نقلها فلا تدرس لهذا الفصل ثانية.. أي أن تهديد الطفل قد تحقق بشكل ما لو أردت أن تأخذ الأمور بشكل متشائم **********


من هو مراد بيه ؟

هو شخصية ذات نفوذ وإن كان أحد لا يعرف مصدر نفوذه بالضبط
ترى على ملامحه ذلك المزيج الفريد من الصفاقة والغلظة والغرور الذي يفوق الحد، وقد تعلم تلك النظرة البوليسية الموحية بالأهوال والتي تقول
"إنت مش عارف بتكلم مين"
يجيد إلقاءها وهو يفتح باب سيارته المرسيدس ليتشاجر مع هذا أو ذاك

لقد تغلغل مراد بيه في حياتنا إلى حد غير مسبوق
سيطر على كل مكان وكل مرفق
إنها الروح القبلية التي تضخمت في مجتمعنا والاستهانة بالقانون.. ما دمنا نحن من يرتكب الأخطاء ونؤذي فكل شيء على ما يرام والحياة حلوة
الجرم كل الجرم أن تُؤذى بفتح الذال


**********

مصر قد تحولت اليوم إلى فصل كبير من فصول هذه المدرسة الخاصة.. فصل لا يحترم أحدًا ويزرع في عقول أطفاله أن عدم احترام القانون هو جزء من السمو الاجتماعي
نحن أكبر من المدرس
اكبر من القانون
الضعفاء والفقراء فقط هم من يحترمون المدرس ورجل الشرطة ويقفون في الصف، بينما نحن سادة بنو مخزوم ومن يجرؤ على اعتراضنا ميت


**********

الأمثلة على ذلك كثيرة، وفي جعبة كل منا العشرات منها، لكني على سبيل المثال لا الحصر أذكر موضوع تقاطع شارعي (بطرس) و(سعيد) الذي يعرفه كل من يسكن في مدينة طنطا.. منذ أعوام وعند الثامنة مساء تقريبًا تلتقي في هذا الموضع عشرات من سيارات الشباب.. تراهم يسدون الطريق سدًا ويقفون خارج سياراتهم وأبوابها الأربعة مفتوحة، وموسيقا الكاسيت عالية جدًا وهم يتبادلون المزاح البذيء.. فلا يستطيع من يريد المرور عمل ذلك إلا بصعوبة وبعد ضغط آلة التنبيه عشرات المرات إلى أن يتنازل أحدهم ويغلق بابًا في قرف شديد، أما الفتيات فقد تعلمن أن يتجنبن هذا التقاطع بأي ثمن

الملحوظة المهمة هي أن أغلب لوحات السيارات تحمل رقمين أو ثلاثة لا أكثر، وهناك عدد من النسور واللوحات السود والزجاج الفيميه .. بينما يقف شرطي مرور ريفي بائس من طراز (يا سنة سوخة) على بعد ثلاثة أمتار منهم عاجزًا عن عمل شيء، فيكتفي بالتعرض لسيارات الأجرة

هو لا يريد أن يجازف، ولابد أنه يذكر أمثلة كثيرة لزملاء له فشلوا في تبديد هذه المظاهرة أو عوقبوا .. وكل سائق أجرة يعرف أنه من المستحيل تفرقة هؤلاء لأن كل واحد فيهم ابن اللواء مراد بيه أو ابن المستشار مراد بيه ..ونحن نعرف كيف ينتهي كل كمين شرطة ببضع مكالمات بالموبايل .. و(كلم مراد بيه على التليفون).. فإذا رفض الضابط أن يضع الموبايل على أذنه، ويصيح الفتى في السماعة: يا مراد بيه .. الضابط مش عاوز يكلمك
هكذا يتلقى الضابط المغتاظ المكالمة واللوم ويعيد الرخصة للفتى
حبة جديدة تضاف لمسبحة غرور الفتى وثقته بأنه فوق أي قانون، وقصة جديدة يتفاخر بها في قعدات البانجو


**********

سيارة تتوقف في مكان ممنوع وحساس أمنيًا بالمطار، فيعترض رجل الشرطة، هنا يخرج من السيارة رجل ضخم فخيم يلوح بالموبايل وينزع نظارته السوداء ليسمح للنظرة الأمنية الثاقبة بالخروج، ويقول للشرطي بلهجة تهديد
"أنا المستشار مراد كذا "
برغم أن كلمة (مستشار) توجب عليه – كي يستحقها – أن يضرب المثل في احترام القانون
وبالطبع يمتثل الشرطي البائس ويتراجع
هو الغلبان الذي أفطر فجلاً وتغدى عدسًا


هو القادم من (دشنة) ولو لم يأت البوكس ليحمله في نهاية الوردية لما عرف كيف يعود ولمات جوعًا **********


وفي (مارينا) منذ أعوام – كما قالت الصحف - أوقف شاب يبغي استعراض القوة سيارته بالعرض لتسد شارعًا رئيسًا، فتبقى السيارة حيث هي أربع ساعات لأن أحدًا لم يجرؤ على استدعاء الونش لجرها.. ما دام الفتى قد فعل هذا، فهو على الأرجح ابن مراد بيه .. مراد بيه الذي قد يكون وزيرًا أو عضو مجلس شورى أو لواء كبيرًا في الداخلية، أو ربما هو صاحب مارينا نفسه


**********

المستوى الآخر الذي بلغته المشكلة هو الادعاء .. كل الناس تعلمت كيف تتصنع أنها تمت بصلة لـ مراد بيه .. لي صديق متأنق يجيد التمثيل، ويعرف في كل كمين مروري كيف يدعي أنه المستشار مراد كذا .. وقد ساعده الملصق الموضوع على زجاج سيارته والذي لا ينوي أن ينتزعه أبدًا

صارحته بأنها مخاطرة وأنه لو طلب منه رجل الشرطة هويته لوجد نفسه في مأزق، فقال في ثقة إن هذا مستحيل.. لا أحد يجرؤ على طلب هوية مراد بيه .. دعك من تلك النظرة الأمنية الغامضة التي تعلمها من أفلام مراكز القوى


**********

إنه ذلك الإحساس بعدم فعالية القانون، وأن هناك طبقة فوقه، وأن إجراءات التقاضي بطيئة، فإن تمت صار لديك حكم لا جدوى منه وعليك أن (تبلّه وتشرب ميّته).. وكما يقول الغربيون: إن لم تستطع هزيمتهم فلتنضم لهم

لا جدوى من هزيمة هؤلاء الذين صاروا يملكون مصر فعلاً، فلا مناص من الانضمام لهم بشكل ما.. عن طريق ابنك.. عن طريق النسب.. عن طريق المماحكة.. عن طريق لوحة سيارة عليها رقمان أو ثلاثة لا تقبل أن تبيعها مهما عرض عليك من مال


**********

هناك حل آخر هو البلطجة.. بعض الناس سيأخذون حقهم بأيديهم ما دام القانون لن يعيده لهم

منذ أشهر استعمل أحد رؤساء الأحزاب – أستاذ قانون - مجموعة من البلطجية يقتحم بهم مقر الحزب، لأنه امتلك حكمًا لا يستطيع تنفيذه وهو مؤشر خطير جدًا على تراجع سلطة القانون واحترامه

أعتقد أن حوادث العنف سوف تتزايد باستمرار مع نمو هذه الطبقة وتنامي سلطة مراد بيه .. من لا يملكون مراد بيه سوف يلجئون إلى (سوكة) وسيد سوابق


**********

لماذا تتسابق الأسر على أن يدخل أبناؤها كلية الشرطة ؟

هناك أسباب كثيرة لكن أهمها أنها تريد أن تملك مراد بيه الخاص بها والذي تخالف به القوانين .. ولتحقيق هذا تتصل بـ مراد بيه آخر ليسهل لها أن يصير ابنها مراد بيه .. كل أسرة تريد أن يكون عندها وكيل النيابة والمستشار فإن لم تجد واحدًا ناسبته أو تمحكت في قريب بعيد
هكذا تستطيع أن تخالف القانون كما تشاء

وترى السيدة تحدثك في فخر عن قرابتها لـ مراد بيه في الجمارك و مراد بيه في أمن الدولة و مراد بيه في دار القضاء العالي و مراد بيه في قسم الساحل.. حتى كأنها من هواة جمع الطوابع تحدثك عن مجموعتها الخاصة من الـ مراد بيهات


**********

المشكلة في مصر أن الأمر تجاوز مجرد لذة قهر الجيران.. إن النجاح الاجتماعي صار يقترن اقترانًا قويًا بالقدرة على خرق القوانين.. مش إحنا.. لقد تعبت كثيرًا حتى أبلغ مكانة تسمح لي بمخالفة القانون ولن أسمح لواحد من العامة بأن يحاسبني

لقد وصل الدرس كاملاً إلى ابن مراد بيه وإلى كل طفل في ذات الصف معه
إلام سيصير هذا الصبي ؟
وإلام سيصير زملاؤه الذين رأوا المواجهة بين قيمة العلم والاحترام وقيمة النفوذ والبلطجة وعرفوا بوضوح من الفائز .. ؟
إلام سيصير الجميع بعد عشر سنوات؟
لا أتمنى أن أكون موجودًا لأعرف

د. أحمد خالد توفيق

New Life
28-09-2006, 07:02 AM
مرحبـاً :)

هذه وصلة آخر مقال لـ د.أحمد على موقع روايتى :

http://www.rewayty.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=447


وخبر آخر جميل هو صدور سلسلة جديدة لـ د.أحمد عنوانها WWW تنشرها وتصدرها دار ليلى فى أول شهر أكتوبر القادم :yupy: .. ( بطلها فيروس كمبيوتر ! ) ..

ومن كان يتردد على موقع روايتى يستطيع معرفة عن ماذا تتحدث هذه السلسلة بالضبط ، أما بالنسبة للجدد فيستطيعون زيارة هذه الوصلة على موقع دار ليلى :

http://www.darlila.com/forums/index.php?showtopic=3229

وتحتوى هذه الوصلة على مقدمة السلسلة أيضاً ..

أنا سعيد جداً جداً جداً لأن الحظ لم يواتينى حتى هذه اللحظة لقراءة العدد الأول الموجود فى موقع روايتى ، أخيراً سيكون هناك جيل إبداع رابع ثابت آخر لكاتبنا العبقرى د.أحمد خالد توفيق :yupy:

دائماً تهرب منا الكلمات عندما نلاحقها ، ولا نجدها حين نبحث عنها .. لكن ربما كلمة سعيد بمعانيها كلها تكفى ..

أنا سعيـــــــــــــــــــــــــــــــــــد كخنزير برى فى بركة وحل :cool: ..

أحمد عبدالله
20-05-2007, 02:47 PM
هذا المقال انتشر بين المنتديات المختلفة وقد رأيت اننا الأولى بنشره

شريف عرفة جداً
icon.aspx?m=blank
مقال للدكتور د.أحمد خالد توفيق

http://graphics.hotmail.com/greypixel.gif


كيف يخصص هذه المساحة لمجاملة صديقه ؟.. ألا يعرف الفارق بين ما هو شخصي وما هو عام؟
أسمع هذا التعليق يُقال قبل أن أكتب حرفًا واحدًا من هذا المقال، ولكني قررت أن أكتب هذا المقال لسببين: الأول هو أن شريف عرفة ليس موضوعًا شخصيًا بل هو ظاهرة عامة تهم الجميع، والسبب الثاني هو أن كل من يملك مساحة للكتابة في مصر يعتبرها (عزبة أبوه) فعلاً، يصفي فيها منازعاته الشخصية ويحكي عن أمجاده الخاصة وكم هو رائع، فلماذا لا أفعل ذلك مرة واحدة على الأقل ؟.. يكفي أنني لن أكتب عن أمجادي الخاصة بل عن أمجاد رسام الكاريكاتور الرائع الذي ظهر بقوة على الساحة الفنية منذ عدة أعوام
*********
ارتبط فن الكاريكاتور في مصر بالتعليق المكتوب عليه.. ترى كاريكاتور مصطفى حسين على غلاف أخبار اليوم فتجد رسمًا يتكرر لرئيس الوزراء وفلاح كفر الهنادوة قد خرج من فمه مقال كامل.. أذكر أن احد أصدقائي رأى كاريكاتورًا متقنًا صامتًا للفنان (بلانتو) فقال في دهشة: بس فين الكاريكاتير بتاعها ؟.. يقصد بالكاريكاتير بتاعها التعليق
ولنفس الأسباب استحوذ فنان كاريكاتور محدود.. أو معدوم الموهبة على مساحات مهمة من الاهتمام الإعلامي وصار له برنامج رمضاني ثابت، برغم أنه يعتمد بالكامل على تعليق النكتة الذي لا يخلو من جرأة وبذاءة
أعجبني في شريف عرفة بشدة ولعه بالكاريكاتور الجرافيكي الصامت.. الكاريكاتور كما خلق الكاريكاتور.. الكاريكاتور الذي يفهمه الماليزي والمصري والألماني والصيني، وأعتقد أن خطوط الاتصال مفتوحة بينه وبين الغرب وأنه من اقدر فناني الكاريكاتور المصريين على الوصول إلى العالم الغربي.. أعجبتني فيه كذلك ثقافته البصرية القوية ومتابعته الدءوب للمدارس العالمية والأساتذة العالميين.. كنت أعتقد أنني الوحيد المهتم بكتب (نظر) التي كتبها الرائع محيي الدين اللباد الذي يعلمنا كيف نستخدم عيوننا، فإذا به يحفظ هذه الكتب بل أهداني أحد أجزائها
شريف معجب جدًا بالفلسطيني العظيم ناجي العلي الذي فضل الكاريكاتور الصامت المعبر، لكنه يأخذ عليه إفراطه في التهشير، وهو رأي لا بأس به يدل على أنه لا ينحني أمام رهبة الأسماء الشامخة
من ير رسوم شريف يعتقد أنه (صايع) رأى المرمطة وأكل السوس وشرب من طين البرك، لهذا دهشت عندما عرفت أنه يعيش في المعادي وعنده سيارة منذ كان طالبًا وله أخ في الجامعة الأمريكية.. قلت في ذهول: هذا الوغد النصاب.. يتظاهر بأنه من البروليتاريا بينما هو من الأرستقراطيين
*********
في مصر نخلط كثيرًا بين الموهبة وطول العمر وغزارة الإنتاج.. ينتج الفنان مئات الأعمال أو يعيش حتى الثمانين فنعتبره فنانًا كبيرًا عملاقًا.. أي أنه يكفيك أن تعيش طويلاً ولا تتوقف عن الإنتاج.. من بين عشرات الأعمال للفنان الراحل فريد شوقي لا أجد إلا ثلاثة أو أربعة أعمال جيدة، لكنه عاش طويلاً ومثل كثيرًا جدًا، حتى صار الفنان الكبير أردت أو لم ترد.. بينما من الممكن أن نجد موهبة عظيمة لدى شاب في العشرين، ولنذكر محمد حسنين هيكل الذي كان رئيس تحرير في سن الثالثة والعشرين، ولنذكر موتسارت الذي كتب عدة سيمفونيات في السادسة من عمره، ولنذكر بلال فضل الذي كان نائب رئيس تحرير وهو طالب في الجامعة.. وفي رأيي الخاص أن شريف عرفة أعظم موهبة بكثير من ذلك الفنان المسن
الحديث عن شريف عرفة يطول، لكني اخترت من مجموعته الهائلة عندي بضعة رسوم تعبر بصدق عن مقولة: صورة تغني عن ألف كلمة.. برغم أني لا ابتلع هذه المقولة على طول الخط .. هناك صور رسمها شريف عرفة تساوي مقالات كاملة طويلة لي، ومن الملاحظ أن تفكيرنا على خط واحد باستثناء نقاط معدودة
*********
هذه اللوحة تلخص مقالاً كاملاً عن الاستخفاف الذي نتعامل به مع قضية فلسطين.. لاحظ الدعابة اللفظية اللماحة
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498277%3A93nu0mrj
*********
الخطر هناك وليس هنا !... هأنتم أولاء تتصارعون وتتشاجرون كعادة العرب بينما يتقدم شارون نحوكم بجيش منظم عصري حسن التدريب
متى تفيقون؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3A6nu0mrj
*********
لا تقاطعوا فالمقاطعة تدمر اقتصادكم نفسه.. يُفصل 300 عامل كل أسبوع بسبب الخصخصة فلا يشعر بهم أحد، بينما صارت قضية عمال مكدونالد وكنتاكي تؤرق هؤلاء السادة.. من قال إن السفارة الأمريكية غير عربية ؟.. ألا يلخص هذا الرسم صفحات كاملة كتبتها عن المقاطعة ونفاق أعداء المقاطعة؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp337%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498284%3C%3B7nu0mrj
*********
لا توجد ضغوط.. نحن أقوى من هذا.. هناك حمقى يتخيلون أن ابله كوندي تأمرنا بما يجب عمله.. من أين جاءتهم هذه الفكرة؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3A8nu0mrj
*********
تأمل المذيعة البلهاء التي لا هم لها إلا إرضاء رؤسائها وأن يقول الفلسطيني ما تريد أن يقوله.. والفلسطيني لا وقت عنده لهذا السخف.. إن المسجد الأقصى أهم عنده من رضا رؤسائها
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp337%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498277%3A%3A3nu0mrj
*********
بالفعل صار الشجب بطولة.. وكما لاحظ فيصل القاسم: لم يعد العرب يشجبون ويدينون كما كانوا في الماضي.. حتى هذا فقدوه
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498284%3C%3B9nu0mrj
*********
هذا هو شريف عرفة سليط اللسان.. الحصان الجامح الذي لا يقبل الترويض.. لكن هل ينكر احد أن الرسم صادق ومعبر؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498277%3A96nu0mrj
*********
الوضع الداخلي له نصيب لا بأس به من رسوم شريف.. الانهيار الذي نعيشه في كل شيء.. الاسد الجائع هو مصر كلها
تذكرت مقالاً كتبته عن: عندما يصير التبول مهنة.. تأمل عم عيسوي ووضعه التعس أليس هو ذات وضع الأسد؟.. أليسا أخوين؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp336%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3A%3Cnu0mrj
*********
كيف يشعر العسكري حارس المصرف الذي يتقاضى مائة جنيه في الشهر ويرى الناس تخرج وتدخل بالملايين؟.. إن هذه مؤشرات خطرة جدًا
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3B3nu0mrj
*********
لا تعليق ..........
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498284%3C%3B5nu0mrj
*********
رسم هذا الكاريكاتور قبل أن تتوحش الشرطة.. ترى ماذا رسم بعد تعرية الصحفيات ومذبحة ميدان مصطفى محمود؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3A%3Bnu0mrj
*********
الآن يتكلم عن حالة التناقض والفصام التي نعانيها في مجتمعاتنا العربية.. ما هذه العين الحساسة؟
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp335%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3A4nu0mrj
*********
كتبت ذات مرة عن الحجاب العجيب.. أبو ترتر وماكياج كامل وبنطلون.. الذي يسيل لعاب الرجال لأنه يذكرهم بعصر الجواري.. هاتان الفتاتان تعتبران أنهما محجبتان وسوف تتضايقان جدًا لو لم تجدا لهما قصرًا في الجنة.. لابد من حملة توعية دينية لتعريف الحجاب من جديد.. بالتأكيد ليس هو مجرد تغطية الشعر
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp335%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498277%3A8%3Bnu0mrj
*********
سخرية لاذعة أخرى.. الازدواج والادعاء في كل مكان
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp336%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498277%3A99nu0mrj
*********
سبحان الله !... نفس ما قلته أنا عن فيلم التجربة الدانمركية يا عم شريف.. لكنك قلت ما قلته أولاً وبشكل أكثر جاذبية
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp337%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498284%3C%3B6nu0mrj
*********
أما هذه فمرشحة للفوز في أي بينالي عالمي.. ليست هناك خلفية سياسية او اجتماعية، لكنها فلسفة عميقة.. كيف نسقط في شرك الأوهام!.. حبيبتك قد تكون كناس البلدية
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D3233498277%3A%3A5nu0mrj
*********
أما اللوحة الأخيرة فهي الأروع، وتلخص الكثير.. صقر العلم قرر أن يهاجر بعد ما كفر من هذا البلد الذي ضاع أو كاد
http://images.snapfish.com/345%3B6%3C832%7Ffp338%3Enu%3D323%3A%3E8%3C%3B%3E3% 3C2%3EWSNRCG%3D323349827%3B%3A%3A9nu0mrj

زهره حبيسه
07-09-2007, 12:14 AM
عن العلم وشبه العلم http://www.darlila.com/forums/style_emoticons/default/hb.gif


( مقال للكاتب الكبير د.أحمد خالد توفيق)




..............................

كتاب أنيق هو يحمل ذات الطابع (ابن الناس) الموحي بالثقة لدار المعارف، تلك التي بدأنا القراءة مع سلسلتها (كل شيء عن)... سلسلة علمية صدرت في الزمن الجميل كتبها عالم أمريكي محترم وترجمها عالم مصري محترم، والتي لم أندهش عندما وجدت أن عدد طبعات أجزاء منها تجاوز التسع, ثم كبرنا فعرفنا سلسلة (إقرأ) التي قدمت لنا المعلومة والأدب الراقي. لهذا كان لي الحق كل الحق أن أتحمس لشراء هذا الكتاب الذي يحمل اسم (أسرار الوحوش الخفية والإنسان العملاق - 1999) للدكتور (علي علي السكري) وهو من المهتمين بمفهوم العلم من الناحية الإسلامية كما تدل على ذلك مؤلفاته السابقة.



الصورة على الغلاف لديناصورات تتصارع، وهي منسوخة من غلاف سلسلة أخرى هي (الكتب العلمية المبسطة)، وبرغم هذا هناك اسم لمصمم الغلاف.. أما عن محتوى الكتاب نفسه فيلخصه المؤلف في المقدمة بقوله (الغرض من هذا الكتاب إثبات وجود الديناصور والرخ والصناجة والتنين وغيرها) .. تبدو العبارة غريبة طموحًا لكن لا توجد أحكام مسبقة في العلم. المهم هي طريقته العلمية في إثبات ذلك. يقول إنه اعتمد على كتابات القدماء مثل القزويني والدمشقي وسواهم. ويقول (الواقع أن ما حكاه هؤلاء ليس أساطير لأنها رؤيت رؤية العين وتم التعرف عليها وقياس أبعادها).



ثم يحدد الدكتور منهجه العلمي منذ البداية: "يقول العقاد في كتابه (الإنسان في القرآن): لعل الكشوف الكثيرة قد أقنعت أكثر الباحثين بأن الرفض بغير برهان أضر بالبحث من القبول بغير برهان"... طبعًا العقاد يتكلم عن القرآن الكريم وهو حالة خاصة جدًا، وقد استخدم الدكتور هذه العبارة ببراعة ليوحي بأن من يرفض مقولاته العلمية يمكن أن يرفض أشياء أخرى أكثر قداسة. لكن ما علاقة كلام العقاد بقصص حكاها القزويني والدمشقي ؟... لقد رسم البحارة في القرون الوسطى رجالاً في الهند لهم قدم واحدة يتواثبون عليها ويرفعونها في المطر لتحميهم، ووصفوا قومًا لهم رءوس كلاب يعيشون حول دلتا الجانج، ووصفوا ناسًا بلا رءوس عيونهم في صدورهم يعيشون في افريقيا، مع عمالقة لهم آذان عملاقة يمكن أن يتغطوا بها كالبطانية عند النوم... كل هذا معروف وموثق وهناك خرائط كاملة عليها هذه الرسوم. بمنطق الدكتور يجب علي أن أنفي وجود هذه الكائنات وإلا فهي موجودة .. منطق غريب جدًا .. المفترض أن البينة على من ادعى .. وهو ذات منطق الولايات المتحدة في بدء الحرب على العراق: على صدام أن يثبت أنه لا يملك أسلحة دمار شامل .. طيب لماذا لا تثبتون أنتم أنها عنده ؟



ينتقل الدكتور إلى مقدمة علمية رصينة جدًا عن الديناصور يختمها بالسؤال: هل اندثر الديناصور حقًا ؟ .. ثم يختمها بمقتطف من كلمات الإمام القزويني يحكي عن ظهور تنين عظيم في حلب عام 1226 ميلادية و426 هجرية، ويخرج من فمه نارًا تحرق الشجر والنبات. فاستغاث الناس بالله تعالى فأرسل سحابة حملته. يحلل الدكتور المعطيات بدقة ليصل إلى أن هذه الصفات تنطبق على ديناصور.. هكذا توصل الدكتور إلى وجود ديناصورات حية في حلب عام 1226 م، ومعنى هذا أن الديناصورات لم تنقرض مع نهاية العصر الطباشيري منذ سبعين مليون سنة. كل هذا التراث العلمي الجيولوجي والباليو إيكولوجي يهدمه الدكتور بضربة لازب، والسؤال هنا هو ماذا كان هذا الديناصور يعمل طيلة سبعين مليون سنة فلم يظهر إلا في ذلك العصر ؟.. لماذا لم يحك عنه مؤرخ آخر ؟.. أين آثاره ؟.. لكني لست متعصبًا يا سيدي .. لو أتيت لي من (حلب) بعظام ديناصور يثبت الكربون المشع أنها تمت للقرن الثالث عشر فلسوف أصدقك وأنحني احترامًا لك والقزويني معًا.



ثم ينتقل الدكتور إلى هدم نظرية فناء الديناصورات مستخدمًا كلامًا علميًا موثقًا.. هكذا تبتلع أنت شبه العلم وسط العلم الحقيقي، على طريقة قشر البطيخ الذي يقلونه مع السمك في الموالد، من ثم يأكل الطاعمون هذا الخليط على أنه سمك.



لكن وحوش الدكتور لا تكف عن الظهور مما يوحي بأن العالم العربي في العصرين الأموي والعباسي كان حديقة ديناصورات تتحدى حديقة (مايكل كرايتون) .. تنين آخر يظهر في نابلس يبدو من وصفه أنه فيل عملاق من نوع الماموث.. وقد كسر الأهالي نابه لذا سموه بلدتهم (نابلس) أي (ناب بدون)، على الطريقة الإنجليزية في إلصاق less بنهاية الكلمات بمعنى (بلا)..



ثم يقتطف مقالاً علميًا يحكي عن احتمال وجود أفيال عملاقة في أصقاع سيبيريا .. هذا ممكن يا دكتور في الأماكن غير المطروقة .. هناك ألغاز كثيرة على وجه الأرض، وهناك وحوش عديدة لم نرها من قبل، بل لا أستبعد وجود ديناصورات لم تنقرض بعد، لكن لا تقل لي إن هذا الماموث قد ظهر في نابلس فلم يره ويحك عنه إلا القزويني. هناك كتب كاملة عن رجل الثلوج المخيف (الياتي) و(الساسكواش) لكن العلم لا ينظر لهذه الأمور بجدية ما لم يجد رجل جليد كاملاً ويشرحه ويعرف كل شيء عنه، ولم يتخذها ذريعة لإصدار كتاب يؤكد أن الإنسان أصله قرد مثلاً.



الآن ننتقل إلى حيوان الصناجة، الذي ليس هناك حيوان أكبر منه والذي عاش في أرض التبت، والذي ما أن ينظر لحيوان آخر حتى يموت الحيوان، وإذا رآه حيوان آخر مات الصناجة. تصور هذا !.. حيوان حياته تتوقف على ألا يراه حيوان آخر !.. طيب وعايش إزاي ؟..وكيف يبحث عن رزقه ؟.. هنا يرى الدكتور أن الكلام دليل قاطع على وجود ديناصور في التبت..



هناك قصة أخرى حكاها (ابن أثير) عن الطائر الضخم الذي ظهر بعمان عام 985 م ووقف على تل وصاح بلسان فصيح: قد قرب .. قد قرب .. ثم غاص في البحر .. هذه القصة يأخذها الدكتور كحقيقة لا شك فيها على وجود ديناصورات مجنحة منذ ألف سنة ثم انقرضت .. طيب من قال إنها انقرضت ؟.. ربما هي ما زالت بيننا تبعًا لمنطقك ؟ ... أثبت لي أنها غير موجودة ...



هناك فصل كامل عن الرخ، وفصل كامل عن الناس الذين هم مشقوقون إلى نصف إنسان لأنهم من نسل النسناس (بن أميم بن لاوذ)، لكنهم يتكلمون ويقولون الشعر .. وهناك نساء بثدي واحد في جزر البحر الهندي وهي صفة تورث كما هو واضح .. وبعد كل قصة يقول: "هذه القصة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على وجود كذا وكذا ......"



ثم ينتهي الكتاب بمجموعة هائلة من المراجع ..



لماذا اهتممت بهذا الكتاب ومثله بالآلاف ؟.. السبب أنه لا ينتمي لتلك الكتب الصُفر الرخيصة، فناشره دار محترمة أثق بكل ما تنشره، ومؤلفه رجل علم قد بحث بحثًا مرهقًا بلا شك. من هنا مكمن الخطر لأنه كتاب يجيد التخفي في صورة كتاب علم., لقد بذل المؤلف كل هذا الجهد ليبرهن لنا على أن كل حرف قاله الأقدمون صحيح.. قد أقبل هذا بالنسبة لتفسير ديني أو فقهي، لكني لا أقبله بالنسبة لحقائق علمية تتعلق بالرخ والتنين الذي ظهر في حلب في القرن الثالث عشر .. خاصة إذا استخدم مؤلفها كل حجة علمية يملكها لإثبات أن هذا صحيح. على طريقة (سرعة الصوت هي ثلث كيلومتر في الثانية .. وهذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أبو رجل مسلوخة وجد في عصور تاريخية معينة) .. هذا يعطي القارئ ثقة بالكلام .. من المؤكد أنه كلام محترم مادام يقول (سرعة الصوت) وما إلى ذلك ..

المشكلة أن هذا بالنسبة لأكثرنا هذا هو العلم ولا علم سواه ..

في فيلم الأب الروحي مشهد يمسك فيه بابا الفاتيكان بقطعة حجر مبتلة فيهشمها، ويقول لآل باشينو: "هذا الحجر مثل أوروبا .. مبتل بالماء من الخارج لكن الماء لم يبلغ قلبه .. هكذا اوروبا لم تبلغ المسيحية منها موضع القلب برغم كل هذه القرون".. نحن كذلك عندنا شهادات عالية جدًا ولدينا أبحاث تحمل أسماء براقة .. لكن التفكير العلمي الممنطق الذي أهداه لأوروبا ديكارت وكانط بلل عقولنا من الخارج لكنه لم يبلغها قط من الداخل.

__________________






زهره حبيسه

زهراء
08-09-2007, 06:44 PM
أعرف جيدا


أعرف‏ ‏جيدا‏ ‏أنه‏ ‏أشعل‏ ‏لفافة‏ ‏تبغ‏ ‏وراح‏ ‏ينظر‏ ‏لليل‏ ‏الصامت‏ ‏خارج‏ ‏الشرفة‏..‏
أعرف‏ ‏أن‏ ‏ملايين‏ ‏الخواطر‏ ‏تزاحمت‏ ‏في‏ ‏ذهنه‏ ‏وهو‏ ‏يتأمل‏ ‏لفافة‏ ‏التبغ‏.. ‏الطرف‏ ‏الذي‏ ‏يتوهج‏ ‏ثم‏ ‏يخبو‏.. ‏يتوهج‏ ‏ثم‏ ‏يخبو‏.. ‏هذا‏ ‏تأثير‏ ‏قريب‏ ‏من‏ ‏التنويم‏ ‏المغناطيسي‏..‏
علي‏ ‏الأرجح‏ ‏عاد‏ الى الغرفة‏ ‏هنا‏.. ‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏جلس‏ الى مكتبه‏ ‏وفتح‏ ‏الدرج‏.. ‏بحث‏ ‏في‏ ‏مجموعة‏ ‏الأوراق‏ ‏حتي‏ ‏وجد‏ ‏واحدة‏ ‏لم‏ ‏يخط‏ ‏عليها‏..‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏بحث‏ ‏بين‏ ‏الأقلام‏ ‏عن‏ ‏واحد‏ ‏يصلح‏.. ‏هذا‏ ‏جف‏ ‏حبره‏. ‏هذا‏ ‏تقيأ‏ ‏حبره‏.. ‏هذا‏ ‏مكسور‏.. ‏أخيرا‏ ‏وجد‏ ‏واحدا‏ ‏وخط‏ ‏علي‏ ‏الورقة‏ ‏أول‏ ‏خط‏..‏
لابد‏ ‏أنه‏ ‏توقف‏ ‏هنا‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏نظر‏ ‏للشرفة‏.. ‏وجد‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏السخف‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏ ‏كل‏ ‏شيء‏, ‏والرسالة‏ ‏المعتادة‏ ‏بدت‏ ‏له‏ ‏سخيفة‏ ‏مبتذلة‏..‏
لهذا‏ ‏كوّم‏ ‏الورقة‏ ‏وألقاها‏ ‏علي‏ ‏الأرض‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أخرج‏ ‏ألبوم‏ ‏الصور‏ ‏وراح‏ ‏يقلب‏ ‏الصفحات‏.. ‏صورته‏ ‏وهو‏ ‏طفل‏ ‏سعيد‏ ‏غافل‏, ‏كل‏ ‏مشكلته‏ ‏في‏ ‏الحياة‏ ‏أن‏ ‏أباه‏ ‏لم‏ ‏يبتع‏ ‏له‏ ‏الآيس‏ ‏كريم‏ ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏يتوق‏ ‏له‏. ‏صورته‏ ‏في‏ ‏سن‏ ‏المراهقة‏ ‏مع‏ ‏أصدقائه‏ ‏إلى‏ ‏جوار‏ ‏سور‏ ‏المدرسة‏.. ‏صورته‏ ‏وهو‏ ‏شاب‏ ‏في‏ ‏الجامعة‏.. ‏صورته‏ ‏مع ‏هالة‏.. ‏صورته‏ ‏معي‏ ‏وهو‏ ‏يناقش‏ ‏رسالة‏ ‏الماجستير‏ ‏عن‏ ‏إرهاصات‏ ‏الواقعية‏ ‏في‏ ‏المدرسة‏ ‏الرومانسية‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أشعل‏ ‏لفافة‏ ‏تبغ‏ ‏أخرى‏.. ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏وقت‏ ‏كاف‏ ‏للإصابة‏ ‏بسرطان‏ ‏الرئة‏. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏راح‏ ‏يتأمل‏ ‏حلقات‏ ‏الدخان‏ ‏المتصاعدة‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏تذكر‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يستطع‏ ‏قط‏ ‏إخراج‏ ‏حلقات‏ ‏دخان‏ ‏من‏ ‏فمه‏ ‏مهما‏ ‏حاول‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏ابتسم‏ ‏للفكرة‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أنهى‏ ‏اللفافة‏ ‏فدفنها‏ ‏في‏ ‏قدح‏ ‏القهوة‏.. ‏ما‏ ‏تبقى‏ ‏منها‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏فتح‏ ‏الدرج‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏وأخرج‏ ‏المسدس‏, ‏وتحسسه‏ ‏بأنامله‏. ‏منظر‏ ‏الرجل‏ ‏الجالس‏ الى المكتب‏ ‏ومسدس‏ ‏في‏ ‏يده‏ ‏يذكره‏ ‏بصورة‏ ‏مدير‏ ‏المصرف‏ ‏الذي‏ ‏أفلس‏ ‏بسبب‏ ‏الاختلاس‏ ‏أو‏ ‏المقامر‏ ‏الذي‏ ‏خسر‏ ‏كل‏ ‏شيء‏, ‏كما‏ ‏نراهما‏ ‏في‏ ‏القصص‏ ‏الغربية‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏ابتسم‏ ‏للفكرة‏ ‏مرة‏ ‏أخرى‏..‏
أعرف‏ ‏يقينا‏ ‏أنه‏ ‏ألصق‏ ‏الفوهة‏ ‏بصدغه‏ ‏وأنه‏ ‏شعر‏ ‏بالمعدن‏ ‏البارد‏ ‏القاسي‏ ‏هناك‏ ‏يضغط‏ ‏علي‏ ‏شريانه‏.. ‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏تحسس‏ ‏الزناد‏.. ‏أنه‏ ‏أغمض‏ ‏عينه‏.. ‏أنه‏ ‏ضغط‏ ‏الزناد‏ ‏القاسي‏..‏

*******

أعرف‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏أي‏ ‏شيء‏ ‏عما‏ ‏حدث‏ ‏بعدها‏..‏
أعرف‏ ‏أن‏ ‏الجزء‏ ‏المجهول‏ ‏من‏ ‏رحلته‏ ‏قد‏ ‏بدأ‏.. ‏هو‏ ‏ليس‏ ‏رحالة‏ ‏من‏ ‏الرواد‏ ‏يبحر‏ الى بلاد‏ ‏التوابل‏, ‏بل‏ ‏هو‏ ‏يبحر‏ ‏إلى‏ ‏الأرض‏ ‏التي‏ ‏رحل‏ ‏لها‏ ‏كل‏ ‏بشري‏ ‏من‏ ‏قبل‏, ‏لكن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏ليحكي‏, ‏وفي‏ ‏هذه‏ ‏اللحظة‏ ‏تفوق‏ ‏علينا‏ ‏في‏ ‏أنه‏ ‏عرف‏.. ‏فقط‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏من‏ ‏حقه‏ ‏أن‏ ‏يعود‏ ‏بمعرفته‏ ‏تلك‏ ‏لعالمنا‏..‏
أعرف‏ ‏أنهم‏ ‏اتصلوا‏ ‏بزوجته ‏هالة‏ ‏التي‏ ‏اتصلت‏ ‏بي‏.. ‏كانت‏ ‏تولول‏ ‏في‏ ‏الهاتف‏ ‏فانتزعت‏ ‏منها‏ ‏الكلمات‏ ‏بكثير‏ ‏من‏ ‏العسر‏.. ‏قالت‏ ‏إن ‏فوزي‏ ‏مات‏.. ‏من‏ ‏المهين‏ ‏لكبرياء‏ ‏الزوجة‏ ‏أن‏ ‏ينتحر‏ ‏زوجها‏.. ‏لابد‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يظل‏ ‏حيا‏ الى أن‏ ‏تقتله‏ ‏هي‏ ‏بالضغط‏..‏
كان‏ ‏أول‏ ‏سؤال‏ ‏قلته‏ ‏هو‏: ‏لماذا؟‏, ‏لكنها‏ ‏كانت‏ ‏قد‏ ‏وضعت‏ ‏السماعة‏.. ‏هو‏ ‏سؤال‏ ‏سخيف‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏حال‏..‏
هكذا‏ ‏وجدت‏ ‏نفسي‏ ‏هناك‏ ‏في‏ ‏مكتبه‏ ‏أنظر‏ ‏إلى‏ ‏الفوضي‏ ‏التي‏ ‏سببها‏.. ‏أنظر‏ ‏إلى‏ ‏قدح‏ ‏القهوة‏ ‏ولفافة‏ ‏التبغ‏ ‏الأخيرة‏ ‏والبوم‏ ‏الصور‏.. ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏الكل‏ ‏يتساءل‏ ‏عن‏ ‏السبب‏.. ‏بالفعل‏ ‏لم‏ ‏يترك‏ ‏أي‏ ‏شيء‏.. ‏لا‏ ‏خطابات‏ ‏ولا‏ ‏تسجيلات‏ ‏صوتية‏.. ‏ليست‏ ‏زوجته‏ ‏من‏ ‏الطراز‏ ‏الذي‏ ‏يدفع‏ ‏أزواجه‏ ‏للانتحار‏..‏
‏فوزي‏ ‏تلميذي‏ ‏وهو‏ ‏أديب‏ ‏لا‏ ‏بأس‏ ‏به‏ ‏ورجل‏ ‏قوي‏ ‏الشخصية‏.. ‏وليس‏ ‏من‏ ‏الطراز‏ ‏الذي‏ ‏يفر‏ ‏أو‏ ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏كنت‏ ‏أحسبه‏ ‏عنه‏..‏
هناك‏ ‏في‏ ‏المشرحة‏ ‏كانت‏ ‏الجثة‏ ‏ممددة‏ ‏علي‏ ‏مائدة‏ ‏من‏ ‏رخام‏. ‏وكان‏ ‏الفم‏ ‏مفتوحا‏ ‏وفي‏ ‏العين‏ ‏نظرة‏ ‏خاوية‏.. ‏الصدغ‏ ‏قد‏ ‏نسف‏ ‏بالكامل‏. ‏أنا‏ ‏رأيت‏ ‏موتي‏ ‏كثيرين‏ ‏لكني‏ ‏لم‏ ‏أتعود‏ ‏المشهد‏ ‏بعد‏ ‏وخاصة‏ ‏لو‏ ‏كنت‏ ‏أعرف‏ ‏القتيل‏ ‏جيدا‏.

*******

أسأل‏ ‏الطبيب‏ ‏الذي‏ ‏وقف‏ ‏هناك‏ ‏ينظر‏ ‏لي‏:‏
ــ‏ ‏هل‏ ‏مات‏ ‏في‏ ‏الحال؟
ــ‏ ‏ماذا‏ ‏تظن؟
ــ‏ ‏ولماذا‏ ‏انتحر؟‏.. ‏هل‏ ‏يعرف‏ ‏أحد؟
نظر‏ ‏لي‏ ‏في‏ ‏عدم‏ ‏فهم‏ ‏وقال‏:‏
ــ‏ ‏تقصد‏ ‏لماذا‏ ‏قتل؟‏.. ‏هذا‏ ‏ما‏ ‏تريد‏ ‏قوله‏.. ‏هذه‏ ‏جريمة‏ ‏قتل‏.. ‏من‏ ‏تحدث‏ ‏عن‏ ‏انتحار‏ ‏هنا؟
ثم‏ ‏شرح‏ ‏لي‏ ‏السبب‏.. ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏الرجل‏ ‏قابضا‏ ‏علي‏ ‏مسدس‏.. ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏المسدس‏ ‏موجودا‏.. ‏لقد‏ ‏تسلل‏ ‏القاتل‏ ‏إلى‏ ‏مكتبه‏ ‏وأرغمه‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏يفتح‏ ‏له‏ ‏الأدراج‏ ‏بحثا‏ ‏عن‏ ‏شيء‏ ‏ما‏ ‏ثم‏ ‏ثبت‏ ‏فوهة‏ ‏المسدس‏ الى صدغه‏ ‏وأطلق‏ ‏الرصاص‏.. ‏المنتحرون‏ ‏لا‏ ‏يتخلصون‏ ‏من‏ ‏المسدس‏ ‏بعد‏ ‏انتحارهم‏ ‏كنت‏ ‏أنا‏ ‏أنظر‏ ‏إلى‏ ‏الجثة‏ ‏في‏ ‏غباء‏.. ‏تذكرت‏ ‏أن‏ ‏أحدا‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏حرفا‏ ‏عن‏ ‏الانتحار
لكني‏ ‏أعرف‏ ‏جيدا‏ ‏ما‏ ‏حدث‏..‏
كأنني‏ ‏كنت‏ ‏هناك‏.. ‏لقد‏ ‏رأيت‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏كاملا‏ ‏وأنا‏ ‏جالس‏ ‏في‏ ‏منزلي‏, ‏ولا‏ ‏أملك‏ ‏تفسيرا‏ ‏سوي‏ ‏العلاقة‏ ‏الروحية‏ ‏القوية‏ ‏بيني‏ ‏وبين ‏فوزي‏. ‏ربما‏ ‏هو‏ ‏التخاطر‏.. ‏ربما‏ ‏هو‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏إحساس‏ ‏الروح‏ ‏بروح‏ ‏مماثلة‏.‏
لا‏ ‏أعرف‏ ‏بالضبط‏..‏
*******

أعرف‏ ‏جيدا‏ ‏حالة‏ ‏الاكتئاب‏ ‏التي‏ ‏دهمته‏ ‏مؤخرا‏.. ‏أعرف‏ ‏خلافه‏ ‏مع‏ ‏زوجته‏.. ‏أعرف‏ ‏أن‏ ‏شيئا‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يثير‏ ‏اهتمامه‏ ‏ولو‏ ‏أنه‏ ‏وجد‏ ‏مليون‏ ‏جنيه‏ ‏لما‏ ‏كلف‏ ‏نفسه‏ ‏أن‏ ‏يأخذها‏.. ‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏كف‏ ‏عن‏ ‏القراءة‏ ‏ولم‏ ‏يعد‏ ‏يكتب‏ ‏حرفا‏.. ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يمارس‏ ‏عمله‏ ‏وأخذ‏ ‏إجازة‏ ‏لمدة‏ ‏شهرين‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏يأكل‏ ‏تقريبا‏, ‏وأن‏ ‏شقته‏ ‏خالية‏ ‏من‏ ‏الطعام‏ ‏باستثناء‏ ‏كيس‏ ‏بلاستيكي‏ ‏فيه‏ ‏بقايا‏ ‏فول‏ ‏ونصف‏ ‏رغيف‏ ‏بال‏ ‏علي‏ ‏الموقد‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏يتعاطي‏ ‏علاج‏ ‏الاكتئاب‏ ‏سرا‏ ‏بلا‏ ‏جدوى‏ ‏تقريبا‏.. ‏أعرف‏ ‏أن‏ ‏التليفزيون‏ ‏تالف‏ ‏منذ‏ ‏أشهر‏ ‏فلم‏ ‏يكلف‏ ‏خاطره‏ ‏بإصلاحه‏..‏
أعرف‏ ‏أن‏ ‏لديه‏ ‏مسدسا‏ ‏مرخصا‏ ‏يملكه‏ ‏منذ‏ ‏الفترة‏ ‏التي‏ ‏تلقي‏ ‏فيها‏ ‏تهديدات‏ ‏بالقتل‏ ‏بسبب‏ ‏خلاف‏ ‏عائلي‏.. ‏أعرف‏ ‏أن‏ ‏فكرة‏ ‏الموت‏ ‏تروق‏ ‏له‏ ‏بشدة‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أعطاني‏ ‏مفتاح‏ ‏بيته‏ ‏كي‏ ‏أعمل‏ ‏له‏ ‏اللازم‏ ‏لو‏ ‏حدث‏ ‏له‏ ‏شيء‏, ‏وأنا‏ ‏سخرت‏ ‏منه‏ ‏وقلت‏ ‏له‏ ‏أن‏ ‏يكف‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏السخف‏..‏
لكني‏ ‏كنت‏ ‏جالسا‏ ‏في‏ ‏داري‏ ‏وسط‏ ‏صخب‏ ‏العيال‏ ‏وأمهم‏, ‏عندما‏ ‏شعرت‏ ‏بذلك‏ ‏الخاطر‏ ‏يتردد‏ ‏في‏ ‏ذهني
‏"تخلص‏ ‏من‏ ‏المسدس‏.. ‏لا‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏تتلوث‏ ‏سمعتي"
هكذا‏ ‏يتردد‏ ‏بلا‏ ‏انقطاع‏.. ‏دخلت‏ ‏غرفتي‏ ‏وأغلقت‏ ‏الباب‏ ‏لكن‏ ‏الصوت‏ ‏ظل‏ ‏يتردد‏: ‏تخلص‏ ‏من‏ ‏المسدس‏. ‏أرجوك
ومع‏ ‏الخاطر‏ ‏كانت‏ ‏مشاهد‏ ‏مما‏ ‏يسميه‏ ‏السينمائيون ‏فوتومونتاج‏.. ‏أراه‏ ‏يجلس‏ ‏إلى‏ ‏المكتب‏.. ‏يحاول‏ ‏كتابة‏ ‏شيء‏.. ‏يشعل‏ ‏لفافة‏ ‏تبغ‏...‏
هكذا‏ ‏عرفت‏ ‏ما‏ ‏حدث‏..‏
كانت‏ ‏الحادية‏ ‏عشرة‏ ‏مساء‏ ‏لكني‏ ‏غادرت‏ ‏البيت‏ ‏مسرعا‏, ‏وانطلقت‏ ‏بسيارتي‏ الى بيته‏.. ‏فتحت‏ ‏الشقة‏ ‏بالمفتاح‏ ‏الذي‏ ‏معي‏ ‏ودخلت‏ ‏متوجسا‏.. ‏كان‏ ‏المشهد‏ ‏الذي‏ ‏رأيته‏ ‏فظيعا‏.. ‏الدم‏ ‏يلوث‏ ‏كل‏ ‏شيء‏. ‏من‏ ‏المدهش‏ ‏أن‏ ‏رأسنا‏ ‏يحوي‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الدم‏.. ‏فرغت‏ ‏من‏ ‏الرجفة‏ ‏والهستيريا‏ ‏وصار‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏عمليا‏..‏
"تخلص‏ ‏من‏ ‏المسدس‏.. ‏لا‏ ‏أريد‏ ‏أن‏ ‏تتلوث‏ ‏سمعتي"‏
‏هذه‏ ‏هي‏ ‏الرسالة‏ ‏التي‏ ‏تلقيتها‏. ‏أنا‏ ‏أعرف‏ ‏أنها‏ ‏منه‏ ‏فلا‏ ‏تقنعني‏ ‏بالعكس‏ ‏من‏ ‏فضلك‏..‏
هو‏ ‏لا‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏الناس‏ ‏أنه‏ ‏انتحر‏. ‏هناك‏ ‏غباء‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏حال‏, ‏فلو‏ ‏أراد‏ ‏لابتلع‏ ‏بعض‏ ‏أقراص‏ ‏الدواء‏ ‏تاركا‏ ‏هامشا‏ ‏من‏ ‏الشك‏ ‏في‏ ‏حدوث‏ ‏خطأ‏ ‏في‏ ‏الجرعة‏, ‏أو‏ ‏سقط‏ ‏من‏ ‏الشرفة‏.. ‏كل‏ ‏الساقطين‏ ‏من‏ ‏الشرفات‏ ‏يتركون‏ ‏علامات‏ ‏استفهام‏ ‏تتراوح‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏الحادث‏ ‏والانتحار‏ ‏والقتل‏..‏
علي‏ ‏كل‏ ‏حال‏ ‏انتزعت‏ ‏المسدس‏ ‏من‏ ‏يده‏ ‏ودسسته‏ ‏في‏ ‏جيبي‏.. ‏فتحت‏ ‏كل‏ ‏الأدراج‏ ‏في‏ ‏مكتبه‏ ‏بعد‏ ‏ما‏ ‏لففت‏ ‏يدي‏ ‏في‏ ‏منديل‏.. ‏لا‏ ‏أعتقد‏ ‏أنني‏ ‏لمست‏ ‏أشياء‏ ‏كثيرة‏, ‏لكن‏ ‏من‏ ‏المتوقع‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏بصماتي‏ ‏هنا‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏حال‏.. ‏أنا‏ ‏الوحيد‏ ‏الذي‏ ‏يزوره‏...‏
هل‏ ‏يجرون‏ ‏اختبار‏ ‏المولاج‏ ‏هنا‏ ‏في‏ ‏مصر؟‏.. ‏هذا‏ ‏الاختبار‏ ‏يمكنه‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏أطلق‏ ‏الرصاص‏ ‏أم‏ ‏لا‏, ‏من‏ ‏أثر‏ ‏النترات‏ ‏علي‏ ‏أصابعه‏.. ‏لو‏ ‏فعلوا‏ ‏لكان‏ ‏ما‏ ‏أقوم‏ ‏به‏ ‏بلا‏ ‏جدوى‏, ‏لكن‏ ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏حل‏ ‏آخر‏..‏
*******

غادرت‏ ‏الشقة‏ ‏مستريح‏ ‏النفس‏ ‏نوعا‏. ‏الانتحار‏ ‏يلقي‏ ‏أسئلة‏ ‏كثيرة‏ ‏ويلوث‏ ‏سمعة‏ ‏الشخص‏ ‏ومن‏ ‏حوله‏, ‏وهو‏ ‏لم‏ ‏يرد‏ ‏ذلك‏. ‏بينما‏ ‏القتل‏ ‏يجعلك‏ ‏ضحية‏ ‏يتعاطف‏ ‏معها‏ ‏الجميع‏.‏
ما‏ ‏فعلته‏ ‏سوف‏ ‏يحير‏ ‏الشرطة‏ ‏بعض‏ ‏الوقت‏, ‏ورجالها‏ ‏يبحثون‏ ‏عن‏ ‏القاتل‏ ‏الذي‏ ‏تسلل‏ الى شقة‏ ‏الأديب‏ ‏الوحيد‏ ‏ليقتله‏ ‏ويفر‏, ‏لكن‏ ‏هل‏ ‏كان‏ ‏بوسعي‏ ‏أن‏ ‏أرفض‏ ‏آخر‏ ‏طلب‏ ‏من‏ ‏فوزي؟
ابتعدت‏ ‏بضعة‏ ‏كيلو‏ ‏مترات‏ ‏بسيارتي‏, ‏ثم‏ ‏غادرتها‏ ‏وتخلصت‏ ‏من‏ ‏المسدس‏ ‏في‏ ‏مقلب‏ ‏قمامة‏..‏
هكذا‏ ‏صرت‏ ‏في‏ ‏داري‏ ‏عندما‏ ‏جاءت‏ ‏مكالمة ‏هالة‏ ‏الباكية‏..‏
أعرف‏ ‏جيدا‏ ‏أن ‏فوزي‏ ‏راض‏ ‏عني‏... ‏أنا‏ ‏قمت‏ ‏بتبرئته‏ ‏من‏ ‏جريمة‏ ‏قتل‏.. ‏قتل‏ ‏النفس‏.. ‏لا‏ ‏أعتقد‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏المفيد‏ ‏أن‏ ‏يعرف‏ ‏الناس‏ ‏أنه‏ ‏انتحر‏..‏
شكرا‏.. ‏العبارة‏ ‏تتردد‏ ‏في‏ ‏ذهني‏ ‏طيلة‏ ‏الوقت‏.. ‏من‏ ‏الذي‏ ‏يشكرني‏ ‏سواه؟
عندما‏ ‏دق‏ ‏جرس‏ ‏الباب‏ ‏بعد‏ ‏يومين‏ ‏فتحته‏ ‏لأجد‏ ‏النقيب ‏فلان‏ ‏والرائد ‏فلان‏ ‏يقفان‏ ‏واجمي‏ ‏الوجه‏.. ‏نريدك‏ ‏بعض‏ ‏الوقت‏ ‏عندنا‏ ‏يا‏ ‏دكتور ‏محفوظ‏..‏
ماذا‏ ‏هناك؟‏.. ‏هل‏ ‏من‏ ‏شيء‏ ‏جديد؟
هناك‏ ‏في‏ ‏مديرية‏ ‏الأمن‏ ‏يخرج‏ ‏لي‏ ‏أحد‏ ‏رجال‏ ‏الشرطة‏ ‏مسدسا‏ ‏في‏ ‏كيس‏ ‏بلاستيكي‏ ‏ويقول‏ ‏لي‏:‏
ــ‏ ‏هل‏ ‏تعرف‏ ‏هذا؟
ويقول‏ ‏آخر‏:‏
ــ‏ ‏أحد‏ ‏جيران ‏فوزي‏ ‏رآك‏ ‏تدخل‏ ‏البناية‏ ‏في‏ ‏وقت‏ ‏يتناسب‏ ‏تماما‏ ‏مع‏ ‏وقت‏ ‏الجريمة‏.. ‏كان‏ ‏هو‏ ‏في‏ ‏بئر‏ ‏السلم‏ ‏في‏ ‏الظلام‏ ‏فلم‏ ‏تره‏.. ‏المدام‏ ‏تقول‏ ‏إنك‏ ‏خرجت‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏الوقت‏ ‏تقريبا‏ ‏ولا‏ ‏تعرف‏ ‏إلى‏ ‏أين‏.. ‏بعد‏ ‏هذا‏ ‏رأي‏ ‏أحد‏ ‏المخبرين‏ ‏أثناء‏ ‏عودته‏ ‏لداره‏ ‏سيارة‏ ‏فيات‏ ‏بيضاء‏ ‏تتوقف‏ ‏قرب‏ ‏مقلب‏ ‏قمامة‏ ‏وسائقها‏ ‏يتخلص‏ ‏من‏ ‏شيء‏ ‏ما‏.. ‏الحقيقة‏ ‏أن‏ ‏سيارتك‏ ‏فيات‏ ‏بيضاء‏.. ‏لقد‏ ‏تأكدنا‏ ‏من‏ ‏هذا‏.. ‏دعك‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏وصفه‏ ‏لراكب‏ ‏السيارة‏ ‏ينطبق‏ ‏عليك‏ ‏بدقة‏.. ‏الشيء‏ ‏الذي‏ ‏تخلص‏ ‏منه‏ ‏راكب‏ ‏السيارة‏ ‏هو‏ ‏هذا‏ ‏المسدس‏..‏
ويقول‏ ‏ثالث‏:‏
ــ‏ ‏أنت‏ ‏الوحيد‏ ‏الذي‏ ‏يملك‏ ‏مفتاح‏ ‏شقة ‏فوزي‏ ‏وكان‏ ‏بوسعك‏ ‏الدخول‏ ‏والخروج‏ ‏متي‏ ‏شئت‏.. ‏سوف‏ ‏نفحص‏ ‏البصمات‏ ‏علي‏ ‏هذا‏ ‏المسدس‏ ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏أعتقد‏ ‏أنها‏ ‏بصماتك‏..‏
ويقول‏ ‏رابع‏:‏
ــ‏ ‏فقط‏ ‏نريد‏ ‏أن‏ ‏نعرف‏ ‏لماذا‏ ‏فعلت‏ ‏ذلك‏ ‏يا‏ ‏دكتور؟‏.. ‏كان‏ ‏الفقيد‏ ‏يحبك‏ ‏ويعتبرك‏ ‏أباه‏!‏

*******

أعرف‏ ‏جيدا‏..‏
أعرف‏ ‏أن‏ ‏الموقف‏ ‏عسير‏.. ‏سوف‏ ‏أحتاج‏ ‏إلى‏ ‏وقت‏ ‏طويل‏ ‏لأقنع‏ ‏هؤلاء‏ ‏السادة‏ ‏أنني‏ ‏قمت‏ ‏بتحويل‏ ‏الانتحار‏ الى جريمة‏ ‏قتل‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏ذكرى ‏تلميذي‏. ‏سوف‏ ‏احتاج‏ ‏إلى‏ ‏وقت‏ ‏طويل‏ ‏حتى‏ ‏أقنعهم‏ ‏بموضوع‏ ‏التخاطر‏ ‏والعبارات‏ ‏التي‏ ‏تتردد‏ ‏في‏ ‏الذهن‏.‏
أعرف‏ ‏جيدا‏ ‏أنني‏ ‏في‏ ‏أمس‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى‏ ‏اختبار‏ ‏المولاج‏ ‏الآن‏.. ‏وهو‏ ‏الاختبار‏ ‏الوحيد‏ ‏الذي‏ ‏يمكنه‏ ‏أن‏ ‏يثبت‏ ‏أن ‏فوزي‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏أطلق‏ ‏النار‏ ‏لا‏ ‏أنا‏.. ‏وحياة‏ ‏والدك‏.. ‏هل‏ ‏تعرف‏ ‏إن‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الاختبار‏ ‏يجري‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏أم‏ ‏لا؟
*******



د. أحمد خالد توفيق

محمد الدسوقي
09-09-2007, 10:02 PM
حينما اكتب عن احمد خالد توفيق فانني اكتب حكاية عمري في اللحظة ذاتها .. فلطالما كنت الألكترون العاشق الذي يدور حول النواة الصلبة الراسخة .. هو صديق الصبا والشباب والكهولة .. وهو معجزة حقيقية وتحقيق لأراده الهية في رؤية عجيب صنع الله في خلقه من العبقرية والموهبة والتهذيب والذوق السليم .
أحمد خالد توفيق استاذ مساعد بكلية الطب وهو فنان متعدد المواهب .. تقريبا يصنع كل شئ سوى الطيران ولطالما لمته على ذلك ووعدني أنه سيحاول . طبيب الباطنة الجيد هو ثروة قومية وبالتالي يمكن القول دون ادنى مبالغة انه ثروة طبية قومية .. إنه تقريبا يعرف كل شئ ويذكر كل شئ قرأه يوما ولو ايام الطلبة .. وككل رجل متميز لم يحصد في الامتحانات لخجله البالغ الدرجات التي يسنحقها لكن الجميع كان يعلمون أنه الأفضل .
تفوقه الطبي هو مجرد حلقة في فلاة فهو فنان تشكيلي صاحب ذوق سليم .. ومن طرائف حكاياته أنه كان مع احد فناني مصر المشهورين في احد المعارض وبنظره واحده دار على كل اللوحات وأخبره باسماء راسميها دون ان يرى اللوحات من قبل فانعقد لسلن الفنان المشهور من الدهشة وسأله عن التفسير وكان الجواب البسيط والمعجز أنه يعرف اسلوب كل رسام من اللمحة الاولى
لن اتحدث عن عبقريته في مجال البرمجة ويكفى انه ذهب يوما الى مؤسسة عملاقه فاستطاع ان يذهلهم لانه عمل وحده عمل فريق كامل يتقاضي الملايين لمجرد انه كان وقتها بحاجة الى الوظيفة التي اعطته وقتها الملايين
تقريبا لا يوجد مجال دخله الا وتفوق فيه تفوقا غير قابل للمناقشه .. قل له ان يتعلم اللغة الفلندية في اسبوع وسيتقنها في اقل من هذا الوقت .. ثق في هذا
ومع كل هذا وبرغك كل هذا فهو غاية من الخجل وعدم الاحساس بالذات ويضايقه المديح بشده واغلب اظن انه لو قرأ هذا المقال لقتلني ولن اجرؤ ابدا على الاشارة اليه لاني اعرف انه سيتضايق بحق لو قرأه
على ان ما يعنني في هذا المجال هو عبقريته الادبية البالغه واقول انه كاتب واديب على ارفع مستوى عالمي وهو بطريقة عملية ادرك انه لا مستقبل للادب فاتجه الى عقول الشباب المتحمس وبدأ كتابة سلاسله المشهورة ( ما وراء الطبيعة ) و ( سفاري ) و ( فنتازيا ) بالاضافة لترجمة بعض الروايات الأجنبية باحتراف لا حد له
رويات احمد خالد التي تعدت المائه والثلاثين موجودة في كل البلاد العربية باستثناء تونس لأسباب مجهولة رغم ان بطل سلسلة سفاري تونسي
وعلى كل حال فان عدد قرائه بالملايين ولكنهم جميعا تحت الثلاثين وهم يقدرونه ابلغ التقدير ويوم المنتدى الثقافي له يكون يوما مشهودا
المشكلة ان الكبار امثالنا لن يلتفتوا الى القيمة البالغة لروايته التي تعادل ارقى وارفع سلاسل المغامرات في العالم لان شكل السلسلة يوحي بانها روايات رخيصة ذات طابع ساذج ولكن من يبدأ بالدخول في عالمه الجميل لن يخرج ابدا ..
انني لا احاول الدعاية له فالرجل له ملايين المعجبين ويقينا عدد قرائه في انحاء الوطن العربي اضعاف مضاعفه لمن قرأ لنجيب محفوظ ولكن يعز علي الا الفت الانتباه لهذا الرجل العبقري الذي صنع عالما من المتعة الراقية يصعب وصفها الا لمن ادمنها
المشكلة الحقيقية في ادبه الجميل والمشوق انه يجعل قراءة الاعمال الجيدة الاخرى شديدة الصعوبة لانه يعطيك اللذة مقطرة وبالكيلو ايضا بحيث انني توقفت عن القراءة الا له ولنجيب محفوظ وهيكل واصبح قراءة الروائيين الذين كنت استمتع بهم سابقا عملا غاية في الصعوبة والملل
هذا هو عيبه الوحيد وهو غير مسئول عنه بطبيعة الحال
والى كل من يقرأ مقاله أقول هيا اذهب الى اقرب بائع صحف واسأله عن سلاسل ما وراء الطبيعة وسفاري وفنتازيا ايا ما كان بلدك الا روضة المنحوسة دائما كالعادة التي لن تسطيع قراءته الا حينما تأتي الى مصر في شهر العسل مع رياض حينما تتغلب على منافساتها على قلب رياض
ان قصصه زهيدة الثمن جدا 2 جنية يعني شراء كل اعماله ليس بمعضله
ولكنه عالم المرآة المسحور البديع
واني لاحسد كل من لم يقرأ اعماله لان امامه سنوات من المتعة سيحصدها حصدا
وعلى الله التوفيق

د.أيمن الجندي (http://www.arabicstory.net/forum/index.php?showuser=980)


منقول

زهره حبيسه
06-11-2007, 10:28 PM
صدام لم يقبض :)
د.احمد خالد توفيق


لا شيء يثير غيظي مثل مداخلات المشاهدين على الهواء؛ تلك التي تلوث برامج الفضائيات خاصة الإخبارية منها.. عندما يكون ضيف الحلقة في وزن حسن نصر الله أو فهمي هويدي أو سيد القمني أو المدير السابق للمخابرات المركزية في الشرق الأوسط، تكتشف أن هناك شخصًا في مكان ما يملك الشجاعة العبقرية الكافية ليرفع سماعة الهاتف ويعطل تدفق المعلومات المهم لمدة خمس دقائق، فقط كي يعبر عن آرائه في الحياة .. وهو أصلاً لا يملك أية موهبة إلا امتلاكه لخط دولي .. لكنه يتكلم بلهجة المرشد الذي يهدي هذه الخراف الضالة إلى الصواب: "أنا عجبني الأستاذ فهمي لما قال كيت وكيت وما عجبني لما قال كذا وكذا .."... إنها كلمة الحجا أخيرًا بعد ما كثر الدهماء .. وتشعر طيلة الوقت أنه من الذين يهوون سماع صوتهم وربما العبث في أصابع أقدامهم كذلك..
أذكر أن أحد هؤلاء اتصل بالشيخ القرضاوي ليصدر تعليماته: "قل للمشاهدين كذا وكذا وامنعهم من كذا وكذا ..". يومها قال القرضاوي إن نفاق العالم للحاكم أمره مفضوح وخطره محدود، أما نفاقه للعامة بأن يقول لهم ما يرغبون في سماعه فهو أمر شديد الخطر ..
يقولون إن هذه المكالمات مرتبة سلفًا وأنا أصدق أن ينطبق هذا على نسبة معينة من المتكلمين، أولئك الذين يعرفون ما يقولون حقًا . لا أصدق أن يسمع جارودي المقيم في باريس الحلقة فيتصل ونسمع صوته فورًا وبهذه البساطة، ما لم يتم ترتيب ذلك مسبقًا. أما البقية الباقية فكلامها يؤكد بلا شك أن المداخلات عشوائية ..
يمكن لكل متابع يقظ – وأعتقد أن أعداءنا كذلك – أن يرسم صورة دقيقة للعقلية العربية من خلال هذه المداخلات . وهي صورة لا تسر النفس على كل حال ..
أولاً هناك ذلك الأخ الذي اتصل بأحمد منصور ينصح العرب بسحب أرصدتهم من مصارف الغرب بعد أحداث سبتمبر .. إلى هنا الكلام معقول .. فجأة ينفجر صارخًا : المسيخ الدجال هو من دبر أحداث سبتمبر .. أنا أنذر أمريكا إن لم تسحب قواتها في أفغانستان لأفضحن أمرهم في كل المحافل الدولية!.. وأنهى صراخه بأن أعطى أمريكا مهلة حتى صلاة الفجر للانسحاب وإلا خرب بيتها وفرج عليها (اللي يسوى وإللي مايسواش) !
في برنامج آخر اتصل مسيحي مصري يؤيد المقاومة في فلسطين .. بعدها اتصل أخ من بلد عربي شقيق ليقول في حزم: "ليس لنصراني أن يتكلم عن الجهاد في فلسطين .. القضية في فلسطين إسلامية أولاً وأخيرًا أما هم فليس لهم إلا الجزية يدفعونها .."
هكذا ببساطة يقول لكل مسيحي يهمه ما يحدث في فلسطين "وانت مالك يا بارد ..؟"
أحيانًا يأتي الهراء مما وراء المحيط .. واحد من أقباط المهجر يتصل من الولايات المتحدة ليقول في عصبية إن الأدب العربي كله (عهر) وإن علينا أن ندرس الأدب الفرعوني العظيم الذي قدم للعالم (سنوحي).. كنت سأحترم كلامه لو قال ما قاله بالديموطيقية لكنه قاله بالعربية للأسف ..
دعك من الأخ الذي أكد - بعد ما عرضت نشرات الأخبار عملية نقل عرفات المريض إلى فرنسا – أن هذه تمثيلية .. "عرفات ليس مريضًا إنما هي الطريقة المثلى ليترك الساحة لمن يتنازل من بعده !.. لو شاهدتم الصور لرأيتم أن عرفات في خير حال !" .. وتنظر أنت للصور لتجد أن عرفات يبدو كشبح .. هل أصيب الأخ المتكلم بالعمى كذلك ؟... ثم لنفترض أن عرفات يبدو سليمًا فما هو منطق هذه التمثيلية ؟.. هل عرفات يريد التنازل ؟.. إذن لماذا لا يتنازل هو نفسه ؟.. هل لا يريد التنازل ؟.. إذن لماذا يقوم بهذه التمثيلية السخيفة ؟ لكن الأخ يتكلم بلهجة قاطعة تقول بوضوح إننا بلهاء عاجزون عن رؤية الشمس ...
طبعًا وقد انتقل عرفات إلى جوار ربه توقعت أن تبدأ الأغنية التالية: عرفات حي وفي مكان ما بأوروبا يستمتع بأموال الفلسطينيين .. الجنازة تمثيلية تم ترتيبها مع المخابرات الفرنسية !.. لكن خاب ظني فلم يقلها أحد بعد ..واضح أنني لست أذكى ممن أنتقدهم هنا ..
هناك عبقري آخر يصر على نبذ علم الغرب كله وأن علينا أن نبدأ في تكوين علم إسلامي خاص بنا .. أي أنه يريد أن نعيد استكشاف قوانين الجاذبية وشحنة الإلكترون وتشريح البطين وربما العجلة والنار كذلك ..والسؤال هنا: لماذا تستعمل الهاتف والديش وهما ثمرة اكتشافات الغرب الكافر ؟
وقد اعتادت قناة الجزيرة أن تنظم استفتاءات تداعب مقدمًا العقل العربي الذي تفهمه جيدًا .. هل تعتقد أن عرفات مات مسمومًا ؟.. هل تعتقد أن أمريكا تتلاعب بنا ؟.. الخ . والإجابة دائمًا معروفة لأن من يذكر العكس لا يمكن أن يكون عربيًا ...
الحقيقة أن العقل العربي هو أخصب تربة وجدت لنمو بذور الإشاعات ..
كل شيء فيه مؤامرة ما .. الكرادلة والحاخامات ساهرون في الخارج على ضوء المشاعل السباعية يشربون الدم ويخططون لتدمير حضارتنا .. حتى على مستوى الألعاب .. أقراص لعبة (بوكيمون) اليابانية عندما تحترق تكتب كلمة (محمد لا .. كعبة لا).. هل هم في اليابان رائقو المزاج إلى هذا الحد ؟.. ما نفع هذا لهم وهم لا يفكرون إلا بلغة الدولار والين ؟.. هل يكفي هذا لهدم الإسلام ؟ ..وكيف يهدمه إذا لم تكن الكتابة تظهر إلا في ظروف نادرة ؟.. ثم تعال نجرب معًا ونحرق أحد هذه الأقراص .. لا شيء .. لكن لا أحد يصدق ..الكل يؤكد أنه جرب أمس ورأى .. تخرج صحيفة مصرية مهمة تقول إن لفظة (بيكاتشو) - اسم إحدى شخصيات اللعبة - معناها (كن يهوديًا).. وهو ما أنكره كل خبراء اللغة العبرية ، لكن الجماهير لا تقبل عن نظرية المؤامرة بديلاً.. إنها طعامها وشرابها .. وتخرج المظاهرات الغاضبة ويقف تلاميذ المدارس خارج مدارسهم يحرقون أقراص البوكيمون في حماس تقربًا لله .. لا يعلم أحد مصدر هذه الإشاعة لكني أرجح أنها شركة منافسة أرادت أن يخلو السوق من البوكيمون لتسويق منتجاتها، وهو ما كان فعلاً..
صدام لم يقبض عليه بعد .. من قال هذا ؟.. الصور زائفة ونخيل البلح لا ينمو في هذا الوقت .. فلو ظهر مكبلاً بالأصفاد فليس هو .. هناك ممثلون يشبهونه .. لو اتضح أنه هو مائة في المائة فقد قبضوا عليه مخدرًا . المهم ألا تصدق ..
أذكر أيام غزو العراق للكويت أن صديقًا تونسيًا – وكانت تونس تؤيد صدام وقتها – قال لي في اشمئزاز: "حرام عليكم ..كيف ترسلون ألف فتاة للترفيه عن الجنود الأمريكيين ؟". جن جنوني غيظًا وقلت له إنه لو كان المتكلم مجنونًا فليكن المستمع عاقلاً.. هل تتخيل لجنة من الحكومة تطوف بالشوارع تختار من البنات أولئك اللاتي يصلحن لإمتاع الجنود الأمريكيين ؟.. و"متخافش يا حاج .. بنتك حتنام مع العساكر الأمريكان كام يوم كده وبعدين ترجعلك صاغ سليم".. تشاجرت معه لإهانته أولاً ولغبائه ثانيًا .. ثم فوجئت بأن صحفنا تروج ذات الإشاعة لكنها جعلت الفتيات بنات دولة عربية أخرى تؤيد صدام .. والمفترض أنهن يذهبن للتسرية عن الجنود العراقيين . وفي الحالتين الكل يصدق ..
خذ عندك أسامة بن لادن .. هناك كثيرون في الداخل والخارج يعتقدون أنه لم يقم بشيء مما نسب إليه في أحداث سبتمبر، والموضوع كله مؤامرة من دولة داخل دولة تحرك الولايات المتحدة .. منطق قد يكون مقنعًا .. لكن خذ عندك من يدافع عن ابن لادن لأنه لم يفعلها .. ثم ينهي كلامه بالدعاء لهذا البطل المغوار الذي لقن الولايات المتحدة أقسى درس في تاريخها !... هذا نموذج ممتاز للمنطق الذي يعكس نفسه في الجملة ذاتها ..
ثمة حادثة تافهة حدثت في دولة عربية عرفت بالتحفظ الشديد .. شاب وغد هاجم زوجة أخيه وعراها .. حادث بشع لكنه أتفه من أن يتذكره أحد.. لكن منتديات الإنترنت تفرغت تمامًا لهذا الموضوع .. الكل يستعيذ بالله وينعي الأخلاق لكنه يتلمظ ويسيل لعابه لمعرفة تفاصيل أكثر ..هذه الطريقة في الهجوم على الفحش التي تشم فيها أعتى درجات الكبت الجنسي والتوحش.. أحد العباقرة الذين علقوا قال في ذكاء: "والله ما عملوها إلا الموساد !" .. والأسوأ أن الكل وافقه على ذلك ..!
من ذكر الموساد في الموضوع ؟.. ما هو دوره ؟.. ما الفوائد الجمة التي ستعود على إسرائيل من قيام شاب بتعرية زوجة أخيه ؟.. أسئلة لا جواب عنها ..
وما دمنا تكلمنا عن هذه المجموعات العربية فلابد أن نذكر ظاهرة عجيبة .. لا يوجد عقل في العالم يخلط بين الدين والجنس بهذه الكثافة .. صور عارية شديدة الفحش بعضها شاذ وبعضها لأطفال جنبًا إلى جنب أحاديث قدسية وأدعية ..! فإذا جاءت سيرة الدين تحول الكل إلى دعاة ومجاهدين كبار..

أحمد الله أنني لست مفكرًا أو مصلحًا أو داعية .. إن مهمة هؤلاء عسيرة .. عسيرة إلى حد لا يمكن وصفه !



د.احمد خالد توفيق.:)

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:05 AM
حسنا ً .. لنعاود ترتيب الموضوع و استثماره بل و اضافة مقالات له .
اولا ً .. هذه هي المشاركات التي بها مقالات للدكتور احمد خالد توفيق :
شباب عايز الحرق (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=313972&postcount=8)

عصـر مُـراد بيـه (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=439761&postcount=9) عن الوساطة والمحسوبية نتحدث

شريف عرفة جداً (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=515584&postcount=11)

عن العلم وشبه العلم (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=619255&postcount=12)

أعرف جيدًا (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=563958&postcount=13)

د.أيمن الجندي يتحدث عن صديق عمره (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=564523&postcount=14)

صدام لم يقبض (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=587628&postcount=15)

.. فاصل و اعود بمقالات لم تنشر هنا من قبل ;)

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:11 AM
المطففون

كنت أموت من الظمأ في ذلك اليوم الحار، ولما كنت بطبعي غير مولع بالمياه الغازية، فقد اتجهت إلى محل لعصير القصب .. حبي الأول الذي أشعر بدهشة لكونه لم يغز العالم بعد، هناك صب لي البائع كوبًا كبيرًا حملته متلمظًا إلى شفتي، لأجد أنه عديم الرائحة والطعم.. فقط له لون كريه يذكرك بحساء القلقاس ...
أصابتني الحيرة .. كم يبلغ هامش الربح في كوب من عصير القصب ؟.. بالتأكيد هو لا يقل عن 80% .. وبالتالي حصل البائع على أربعين من الخمسين قرشًا التي هي ثمن الكوب، فماذا يريد ؟.. ولماذا يجب أن يغش العصير بخلطه بالماء البارد ؟.. لماذا لا يقدم لي سلعة جيدة ويكتفي بأربعين قرشًا بدلاً من ثمانية وأربعين ؟
قلت للرجل غاضبًا إنني لن أتعامل معه مرة أخرى، فهز رأسه في مزيج من الاعتذار الساخر واللامبالاة .. ماذا يخسره لو فقد زبونًا وماذا يكسبه إذا احتفظ به ؟
المهم بالنسبة له أنه أخذ مني هذه المرة وانتهى الأمر، ومحدش حينام جعان .. غدًا يأتي سواي .. هكذا تحول الإيمان بالرزق إلى مبرر للخداع بلا توقف ...
الحقيقة أن فلسفة هذا الموقف تنطبق على كل شيء في حياتنا بدءًا بكوب عصير قصب وانتهاء بسيارة فاخرة أو فيلا في الساحل الشمالي ..
***
برغم إنني طبيب، فأنا لا أضع علامة الهلال على زجاج سيارتي لأسباب واضحة .. إن هذا الهلال هو علامة استحلال دمي ومالي لدى أي ميكانيكي أو تاجر أتعامل معه .. ولكم سألني هذا الصنايعي أو ذاك عن مهنتي فأقول (مدرس) أو (مندوب مبيعات) بلهجة عابرة ...
هذا الهلال يوشك أن يكون إعلانًا يقول لهؤلاء: (أنا أحمق .. فاخدعوني).. عندما يتعاملون مع طبيب فهم يتكلفون ذلك الاحترام الممزوج بالسخرية، ويقولون: يا دوك ألف مرة في الساعة .. وهم لا يكفون عن سرقتك .. المهمة التي يدفع سائق التاكسي ثلاثة جنيهات ثمنًا لها يطالبونك أنت بثلاثين من أجلها .. شعارهم هو : هذا رجل ثري .. رزق حلال أرسله الله لنا .. لقد خُلق ليُخدع .. فإن لم نخدعه فمن نخدع إذن ؟
أنا لا أملك عيادة، وبالتالي لا أعتقد أنني أخدع المرضى بأي شكل، ومعظم من أعرفهم من أطباء لا يفعلون ذلك، لكن كل واحد من الحرفيين أو التجار لديه ذخيرة كاملة من القصص عن أطباء نصابين ، وعن (الحاجة) التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وبرغم هذا أصر الطبيب على أن يدفعوا نصف مليون من الجنيهات مقدمًا قبل أن يفحصها .. أعرف أن هذه القصص تحدث فنحن لسنا في يوتوبيا ، لكن هذا ليس مبررًا للتعميم، وليس مبررًا للانتقام مني أنا بالذات أو من أول طبيب يطلب عونهم
في تصرف هؤلاء غباء لا شك فيه، لأنك لن تطرق بابهم ثانية.. لكنهم ليسوا من أساتذة علم التسويق، ولا يعنيهم في شيء أن تعود أو تذهب للجحيم .. لقد حصلوا على قطعة منك وفروا بها، وفيما عدا هذا هم مؤمنون بالرزق وبأن هناك مغفلاً آخر سوف يأتي غدًا ..
***
والغريب أنهم غير مخطئين تمامًا ..
رأيت أكثر من صديق ابتاع أشياء باهظة الثمن لا يحتاج لها عن طريق التسوق بالتلفزيون .. جهاز تخسيس وصابونة تذيب الشحوم وسبراي يزيل أي خدوش من سيارتك .. كنا نعيش قبل صابون إذابة الشحوم، ومن المؤكد أننا سنعيش بعده، لكن الإعلان يقنع الناس إن حياتهم مستحيلة وإنهم يعيشون كالكلاب من دون هذا الصابون ..
جرب صاحبي عبوة كاملة باهظة الثمن من السبراي الذي يعلنون عنه كي يزيل خدشًا عن سيارته، بلا أية نتيجة .. اتصل بالشركة فقالوا له إنه بحاجة لعبوة ثانية لأن سيارته (ميتالك).. ابتاع العبوة الثانية ولم يحدث شيء .. هنا فقط أدرك أنهم نصابون، لكنهم بالتأكيد جمعوا قدرًا لا بأس به من المال، ولن يضيرهم في شيء أن يعرف كل الناس أنهم نصابون .. إنهم الآن يبحثون عن طريقة النصب الجديدة ..
تسأل بائع الفاكهة عن الأسعار فيذكر لك في ثبات أرقامًا تعرف أنها ضعف سعر السوق .. هذا الرجل يرى من الحلال له أن يكسب الضعف بلا حق وأن أخسر أنا الضعف، لمجرد أنه مولع بنفسه ولمجرد أنه هو .. بينما يمكنه أن يشق بطني لو حاولت العكس .. الفارق بين الشطارة في التجارة والسرقة واضح أو يجب أن يكون واضحًا .. تحاول أن تفاصل فيرفض في غلظة وقلة ذوق وتعال .. كأنه يقول لك: ابتعد عني ولا تصدع رأسي .. فلتذهب إلى حيث ألقت ..
تلاحظ أنه لا يبيع تقريبًا منذ الصباح، وإنه من الخير له لو تنازل قليلاً عن جشعه كي يعود ببعض المال لأطفاله، لكنه يفضل أن يموت جوعا على أن يكون سمحًا ..
لا ينكر أحد أن هناك الكثير من التضخم والخلل الاقتصادي في مصر، لكن الجشع يلعب دورًا لا بأس به كذلك .. لا أعني أن الغلاء ظاهرة نفسية، لكن لا تنكر أن بعض السلع غالية لأن الكل يقول إنها غالية .. بعض الأسعار مرتفعة لأن الباعة يقولون إنها مرتفعة ..
هناك كاريكاتور رائع للفنان مصطفى حسين وأحمد رجب يظهر بائع ليمون يعرض بضاعته في علبة فيديو قديمة .... بائع من نمط الأوغاد الذين يجيد الفنان رسمهم ببراعة يرفع حاجب (الاشمئناط) الأيسر ويكلم الزبون قائلاً: "أيوه اللمونة بجنيه .. ما تشوف سعر الفيديو كام ؟"
وقد أقبل الغلاء مضطرًا، لكني – كما في حالة كوب عصير القصب تلك – لا أقبل الغش .. ما دمت قد دفعت ثمن الخدمة فلابد أن أحصل على مقابل لها .. دفعت ثمن اللحم كاملاً فما معنى أن أنال بضعة كيلوجرامات من الدهن والشغت ؟.. المشكلة أن هذه صارت القاعدة في مصر .. أنت لا تنال مقابل مالك أبدًا .. أنبوب معجون الأسنان أو الحلاقة ينتهي بعد ضغطتين لأنه يحوي فقاعة هواء عملاقة، وكأن صانعيه يحسبون أنهم يعبئون اسطوانات أكسجين .. كل طبيب يعرف معجزات الدواء المغشوش وكيف يشرب المريض زجاجة دواء سعال كاملة فلا يهدأ السعال لحظة، وكيف يبتلع علبة أقراص كاملة فلا تنخفض حرارته درجة، بينما نفس الدواء المستورد يصنع الأعاجيب .. كل طبيب يعرف (المقويات) ومضادات التأكسد التي تلتهم ميزانية المريض لأن ذرات جسده تزيد الكترونًا .. حتى أثناء كتابة هذا المقال اكتشفت أن حبارة الطابعة المعبأة في مصر قد فرغت .. أنا متأكد من أنني لم أطبع سوى خمسين صفحة وإن كنت عاجزًا عن إثبات ذلك .. إذن الصفحة الواحدة كلفتني جنيهين ... سأنهض لأغسل يدي بصابونة ينكمش حجمها في كل مرة أبتاعها فيها .. أشرب كوب شاي أضافوا له البيكربونات ليبدو غامقًا، ثم أبتلع قرصين من علاج الضغط الذي لا نفع منه، والذي يشبهه الأطباء بقطع الجبس ..
فإذا صار الغش التجاري والمغالاة دينًا فأنا أطالب هؤلاء بأن يكونوا من أتباعه
المخلصين .. لكنهم (إذا اكتالوا على الناس يستوفون).. دع واحدًَا من هؤلاء يتقاض
ثمن دوائه التالف أو لحمته المشغتة أو عصيره المخلوط بالماء بنقود مزورة ولسوف
يملأ الدنيا صراخًا عن الشرف وكيف انعدم الضمير، و(إنما الأمم الأخلاق ما بقيت)..
يقولها وهو يجرك من قفاك إلى أقرب قسم ..
ما الذي يفعله المزور الذي يطبع النقود على طابعة ليزر ملونة، ويختلف أخلاقيًا عما يفعله هؤلاء ؟.. كلاهما يريد كل شيء مقابل لا شيء .. الحقيقة أنني كلما فكرت في الموضوع ازددت دهشة .. لماذا لا نرحم أنفسنا ؟... وإذا كنا لا ننوي أن نتصرف بتحضر فلماذا لا تتدخل الدولة بحزم ؟ .. لماذا لا تمنع هذا الشلال المتدفق من الغش التجاري والاستغلال الذي لا يتوقف ؟
سؤال آخر: هل تعرف وحياة والدك الطريق لشراء طابعة ليزر ألوان مستعملة بسعر معقول ؟!!!!!

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:13 AM
الكابوس الأمريكي

كلما رأيت تداعي الأحوال في مصر، وذلك الشرخ الذي يتسع ويتسع في الجدار منذرًا بالويل، فكرت في أنانيتي الخاصة عندما لم أفكر في الهجرة للولايات المتحدة من أجل أولادي .. لقد عانى (كونتا كينتي) جد (أليكس هيلي) الكثير عندما تم اختطافه من سواحل غانا وحُمل في قاع سفينة إلى العالم الجديد، لكننا – لو فكرنا تفكيرًا جانبيًا – لوجدنا أنه كان يكافح كي ينعم أحفاده اليوم باستعمال الألفاظ البذيئة وشرب الكولا ورقص الراب في بروكلين .. يكفي أن أحد أحفاده صار هو الكاتب العظيم (أليكس هيلي) ..
لي صديق فعلها في هذه السن المتأخرة نسبيًا .. السن التي لا تسمح لك بأن تغسل الصحون أو تقف في محطة وقود، بينما تقضي الليل منكبًا على دراسة الطب .. لكني في النهاية أجد أنني بالفعل لا أحب نمط الحياة الأمريكي ولا أطيقه .. حياة رُسمت سلفًا بكل مراحلها وسوف تتحرك فيها كأنك قطار يتحرك على خط حديدي .. صحيح أنك في مصر قطار آخر يتحرك بجرار تالف على خط حديدي متآكل، لكن الحياة هنا في مصر ذات طعم ولون ورائحة ..الكثير منها في الواقع ..

لو أنني ولدت في نيويورك وكنت ذكرًا بروتسنتيًا أبيض WASP فإن حياتي مرسومة عبر محطات معروفة صرت أحفظها من قراءة المجلات الأمريكية ومشاهدة أفلامهم ..

عالم المراهقة: هذا هو عالم المدرسة الثانوية وقلة الأدب والتطاول على المعلمين لأن التعليم ممل Boring.. مشكلتي هي البلطجي (هانك) الذي يتربص بي لأنني نحيل وبنظارة وهناك نمش على وجهي، وهو يتعمد إهانتي وسكب اللبن على رأسي ساعة الطعام، ولا احد يتعاطف معي في مجتمع لا يرحم المهزومين سواء كانوا هنودًا حمرًا أو عربًا أو زملاءك في الصف . ثم يأتي موعد الحفل الراقص السنوي وانتخاب الـ Broom queen أو ملكة الحفل .. كيف أقنع فتاة بأن تصحبني للحفل ؟.. كيف يرضى أبي بالتخلي عن السيارة ؟.. في حفل كهذا سوف تفقد حسناء الصف (كارول آن) عذريتها، وهي ليست مشكلة لأن أباها كان سيصحبها للطبيب النفسي لو تأخر الأمر أكثر من هذا ، ولربما ظهرت في إحدى حلقات (أوبرا) لمناقشة مشكلتها ...
البيزبول لعبة مملة يستحيل فهمها .. ملعب يشبه الماسة وشخص يضرب الكرة بمضرب يستعملونه لقتل الزوجات كذلك، وهناك ثور يلبس درعًا على صدره يتلقفها بقفاز .. ثم يصرخ الكل : "اركضوا يا فتيان !" ونحرز نقطًا لا ادري على أي شيء، لكن البيزبول هو الطريقة الوحيدة لقبولك في مجتمع كهذا، وكي تحبك الكتاكيت Chicks .. هناك كرة القدم الأمريكية العجيبة التي تلبس فيها الدروع وتضرب عددًا من الثيران، ولا تلمس قدمك الكرة مرة واحدة .. بينما المدرب (رالف) يصرخ في وحشية: سوف نسحقهم يا شباب !
كلها ألعاب معقدة تختلف عما يلعبه العالم كله، وكلها تحتاج إلى إمكانيات وثراء .
الكلية: تقريبًا نفس روتين المدرسة الثانوية.. أضف لهذا الحفلات الصاخبة التي يشرب فيها الجميع البيرة Booze وتتعرى الفتيات تمامًا .. هذه هي الفترة التي سأجرب فيها المخدرات لأول مرة .. سأكون محظوظًا لو شاركت في احتفالات (ماردي جرا) التي تذكرك بأعياد (باخوس) الرومانية الماجنة..
بعد التخرج: أنا أعمل في شركة تنفيذية ما تمارس المنافسة قاطعة الرقاب مع شركات أخرى .. القميص قصير الكمين وربطة العنق والعروض على جهاز الكمبيوتر .. مغازلة زميلة العمل عند براد الماء .. العمل من التاسعة للخامسة والخوف المزمن من الطرد والجوع .. لو طردت سأقوم بتعبئة لوازمي في علبة كبيرة من الورق المقوى وأخرج من الباب يرافقني رجل الأمن ...ولسوف أصير سكيرًا...
الأسرة: حفل الزفاف والسيارة التي ربطوا بها علب طعام محفوظة فارغة تحدث قعقعة .. مشكلة زوجتي هي تقليل السعرات في الطعام بسبب الشحوم حول الخصر .. يجب أن أقلل من ولعي بشطائر الهامبرجر والجبن .. ابنتي (سو ألين) صارت الآن مراهقة وقحة تصر على أن ترافق الفتية للمرقص وتقول لي: "داد .. أنت ابن عاهرة وسافل وحقير .. أنا أكرهك".. تقولها وهي تهز شعرها الطويل ليغطي نصف وجهها ثم تندفع خارجة من الغرفة كنمر هائج …
فأبتلع الإهانة .. لو صفعتها لشكتني للشرطة وقُبض علي .. لابد من الصبر حتى أحل مشكلة تعاطيها المخدرات ومشكلة الحمل في سن الخامسة عشرة .. أذهب أنا وزوجتي لحفلات الكوكتيل حيث أقف أمام الناس لأحكي لهم عن (أظرف شيء حدث لي في طريقي لهذا الحفل).. و (أفضل مطعم يمكن أن تتناول فيه شطائر التونة بالبطاطا المقلية).. ثم نعود للبيت لتطالبني زوجتي بالطلاق بلا سبب وتبدأ في حساب ما يناله كل منا من ممتلكاتي ..
ربما تنجب زوجتي – لو لم تطلقني - طفلاً مشوهًا له أربعة أنوف وثلاث آذان وذيل .. هنا أقرأ في الصحف عن معهد في أوهايو متخصص في الأطفال الذين لهم أربعة أنوف وثلاث آذان وذيل .. أذهب هناك لأقابل د. (سميث باركر) خبير الأطفال ذوي الأربعة أنوف والثلاث آذان والذيل الذي يقول لي: "أهم شيء أن نجعل طفلك لا يشعر بالاختلاف عن الآخرين"
هكذا يصير طفلي رسامًا وأستاذًا جامعيًا وبطلاً في كرة القدم ، ويظهر في حلقة من حلقات (أوبرا) حيث يبكي الجميع مع كثير من (الواو والأوه وماي جاش) ...
السياسة: سواء كنت ديمقراطيًا أو جمهوريًا فأنا مؤمن أن الفلسطينيين إرهابيون يحاولون أن يأخذوا من اليهود الطيبين أرضهم .. أؤمن بالقيم الأمريكية وطريقة حياتنا .. أؤمن بالديموكراسي وماي فيلو أمريكانز .. أدعو لهم بالنصر في العراق الذي لا أعرف أين هو ولا مشكلته بالضبط .. ولا يعنيني شيء من هذا .. أحترم بشدة – أو أتظاهر باحترام - اليهود والزنوج والشواذ جنسيًا حتى لو كنت أنتمي للحزب الجمهوري ..كنت أمقت الشيوعية واليوم أمقت الإسلام .. هؤلاء القوم الذين يعبدون القمر ويذبحون الأطفال قرابين من أجل إلههم الذي يسمونه (الله) .. ويرقصون عراة في موسم الحصاد ..
الحادث: ثم أسقط من على الجبل وأنا أمارس التزلج فيتهشم ظهري وأصاب بالشلل، لكني أصر على المقاومة .. وأروح أضرب كرة البيزبول في الحائط طيلة اليوم على سبيل التدريب .. هكذا أستعيد صحتي، وأكتب قصتي في كتاب اسمه (كيف قهرت الشلل) وهو الكتاب الذي يشتريه التلفزيون فورًا، من ثم أتمكن من شراء ذلك البيت الجميل الذي كنت احلم بشرائه في (بالتيمور)..
النهاية: هذه هي سن سرطان القولون.. مشكلة التقدم في الرعاية الصحية هي أنك لا تموت بالتيفود ولا نوبة قلبية في سن الخمسين كما كان يحدث، بل تنتظر حتى سن الثمانين حين تقرر خلاياك أن تصاب بالجنون.. سأموت في المستشفى ويحرقون جثتي .. ثم يقف أولادي متظاهرين بالتأثر فوق قبري ويطوق أحدهم كتف أمه مواسيًا ويقول آخر: "وداعًا داد .. كنت عظيمًا ... "
أموت مطمئنًا لأن أولادي باقون من بعدي وسيمشون في نفس الدرب، ويحافظون على القيم الأمريكية .. قيم (علم النجوم اللامعة)...
هذه هي حياتي لو نشأت في أمريكا أو هاجرت إليها .. وإنني لأسألك بكل صدق : متى عشت ؟.. متى اختلفت ؟... هل هذه هي الحياة التي من أجلها أغسل الأطباق، ,و أدرس الطب ليلاً، وأبحث عن فتاة أمريكية (مضروبة) تقبل الزواج مني وتمنحني الجنسية ؟.. بصراحة عندما أقارن بين حياة (ماي فلو أمريكانز) هذه وحياتنا الحالية بما فيها من فوضى وعشوائية وفقر ومرض و(شعبان عبد الرحيم) فإن شعبان يكسب بالتأكيد ..!

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:15 AM
فما أنت يا مصر دار المضارب

عندما حدث انهيار البورصة في مصر وعدد من الدول العربية، رأينا ذلك المصري المسكين الذي يظهر دائمًا في النشرات .. يصرخ وقد مزق أزرار قميصه ليقف عاري الجذع ، وهو أداء مصري كلاسيكي للتعبير عن الجزع والإفلاس وإنه لا يبالي بشيء بعد الآن .. وذلك الذي سقط على الأرض والناس يرشون الماء على وجهه .. نفس الرجل – بعينه – رأيته يصرخ أمام شركة توظيف الأموال المغلقة، ورأيته يصرخ أمام مسرح بني سويف، ورأيته يصرخ بعد زلزال أكتوبر المشئوم، ورأيته يصرخ وهو ينتظر جثة قريبه الغارق مع العبارة أو المحترق في قطار الصعيد .. إنه المصري الأبدي الذي خدعوه وباعوا دمه وكليته وأطعموه الفراخ الفاسدة والزيتون بالورنيش .. المصري الذي جعلوه يعبد آمون ثم استبدلوا به آتون ثم أعادوا آمون ثم أقنعوه أن بونابرت مسلم صادق الإيمان ..
لكني – في هذه المرة بالذات – لم أكن قادرًا على التعاطف معه، بينما بكيت معه في مواقف أخرى. أنت دخلت سوقًا خطرة غير مستقرة يا صاحبي، وقد أغرتك المكاسب الفاحشة التي جناها الناس في أول فبراير بلا أدنى جهد ..سمعت قصة السيدة التي ربحت مليونًا في يومين.. لقد قامرت وعليك أن تتحمل نتائج المقامرة، فلا تحاول إقناعي أنك من ضحايا العبارة أو قطار الصعيد من فضلك ..
ربما تلاعبت بك الحكومة من أجل بعض الحيتان الكبار .. وما الجديد في هذا ؟.. هل هناك استقرار حقيقي في مصر يسمح بالمخاطرة ؟
يقول (مصطفى صادق الرافعي ) في لحظة (قرف) مرت به في نهاية العمر:
فما أنت يا مصر دار الأديب .. وما أنت بالبلد الطيب
يمكن استخدام هذا البيت في حالتك مع استبدال كلمة (المضارب) أو (المستثمر) بـ (الأديب)، برغم أن هذا يكسر الوزن ..
أمريكا – معقل الرأسمالية - شهدت كسادًا عظيمًا في أواخر العشرينات وهي قصة يعرفها كل من درس الاقتصاد، ولكن لا بأس من أن نتذكرها .. بدأ كل شيء في تلك الجمعة السوداء في أكتوبر عام 1929 .. هبوط مروع في الأسهم أحدث دوامات في العالم كله، ووجد بعض الأثرياء أنهم صاروا متسولين يطلبون اللقمة لأولادهم، وقد هبط مؤشر (داو جونز) في الفترة بين 1929 و1932 من 381 إلى 41 .. كان هذا الانهيار بعد فترة ازدهار غير مسبوقة في السوق، وهو نموذج للذعر العام عندما يحل بالمستثمرين مرة واحدة، بحيث يحتاج الأمر إلى علماء نفسيين أكثر منه خبراء اقتصاد ..
إنه عصر الجاز – النغمة وليس جاز الوابور – حيث راح الكل يجرب هذه اللعبة الجديدة المسلية: البورصة، فقد انتهت الحرب العالمية الأولى وغزت الكهرباء كل شيء واعدة بأنماط استهلاكية جديدة .. كانت هناك عادة شراء السهم (على الهامش) أي أنك تذهب للسمسار ولا تدفع ثمن السهم من جيبك، بل تدفع 10% وتقسط الباقي على عدة أشهر .. يرتفع ثمن السهم وبالتالي تسدد ثمنه وتربح. خافت الحكومة الفيدرالية من أن تتدخل في العملية حتى لا تحدث ذعرًا عامًا .ومارست سياسة عصر هوفر الشهيرة: (دعه يعمل .. دعه يمر).. أي بالعربي: سيبهم في حالهم ..
لكن خلف الأبواب المغلقة في مؤسسات الاقتصاد كان هناك الكثير من القلق .. كان السماسرة يقترضون كل هذا المال من المصارف ... أضف لهذا تشبع السوق بالكماليات كالثلاجة والسيارة بحيث لم يعد المستهلك بحاجة للمزيد وهذا أدى لبطء الاقتصاد .. بالتالي وقع الانهيار المروع..
يقول خبراء الاقتصاد إن هذا الهبوط دوري، لكن الولايات المتحدة استطاعت تأجيله في القرن العشرين بفضل الحاسبات الآلية ولأنها تعلمت من دروس الماضي.. فإذا كان هذا حال أمريكا فماذا عنا نحن حيث لا يوجد أي نوع من التخطيط من أي نوع ...؟.. كنت أعتقد أن الاقتصاد من أعقد العلوم وأكثرها استغلاقًا على الفهم، ثم وجدت أن المسئولين عن الاقتصاد في بلادنا يرون الرأي ذاته.. هذا الشاب المتأنق الذي يلبس القميص قصير الكمين وربطة العنق ويضع (البلو توث) في أذنه ويعلق (البيجر) في حزامه، يمتاز بشيء مهم: إنه لا يفقه شيئًا على الإطلاق في الاقتصاد ... لهذا هو يعمل في البورصة ويحقق كل هذه المكاسب ..
في فيلم (وول ستريت) الذي أخرجه (أوليفر ستون) نرى سمسار الأسهم (تشارلي شين) الطموح الذي وقع فريسة الرغبة في الكسب السريع.. يقترب من القمة جدًا ...ثم ينهار كل شيء .. يعود لأبيه الذي يعمل ميكانيكيًا في مصنع، فيلومه الأب قائلاً: "أنت لا تخلق شيئًا .. لا تزرع أشجارًا ولا تصلح آلة ولا تبني بناية ولا تعالج مريضًا .. كل ما تفعله هو بيع كلمات ووعود وأوهام .. حاول أن تجد لك مهنة حقيقية تنفع الناس .."
هذا هو كل شيء .. البورصة سوق بضاعتها الوحيدة الجشع .. من يدخلها يعرف ذلك وعلى من يغادرها أن يعرف ذلك ..
في هوجة قصة توظيف الأموال التي شغلت التسعينات، بح صوت خبراء الاقتصاد وهم يقنعون الناس إن هذه الشركات نصابة، وإنه لا سبيل لمنح هذه الفوائد العالية إلا بالسحب من رصيد المودع نفسه .. لكن الناس لم تصدق .. أقنعت نفسها أنها تهرب من ربا البنوك إلى حيث البركة واقتصاد (سيب فلوسك مع الحاج وماتسألش ).. وما زالوا مقتنعين حتى اليوم إن التجربة كانت ناجحة إلى حد أن الحكومة قررت تدميرها .. بعد فترة يتبين أن تلك الشركات كانت تضارب بالذهب .. يتضح أن أحد أصحابها كان يتعاطى المخدرات .. يعترف (أشرف السعد) في قناة الجزيرة قائلاً (أنا جزء من منظومة الفساد) كأنه بهذا نال صك الغفران وصار ضحية، وبرغم هذا يصر الناس على أن التجربة كانت ناجحة جدًا وأن الحكومة أفشلتها .. والقصة بعد كل هذا لا علاقة لها بالربا ولا أي شيء سوى الجشع .. الكثير منه .. خذ نقودك من حيث تعطي فائدة منخفضة إلى حيث تعطي فائدة أكبر، لكن الحاج يطيل لحيته ويلبس الجلباب فلابد أنه رجل مبروك ولابد أن تجارته حلال ..
والأمر في النهاية لا يزيد على ذلك الذي يعطي تحويشة العمر لساحر أفريقي يزعم أنه قادر على مضاعفتها .. هنا يذوب العقل ويتبخر المنطق فلا يبقى إلا حلم الثراء السهل .. ليس لهذا الرجل أن يملأ الدنيا صراخًا عندما يفر الساحر إلى (غانا) حاملاً تحويشة العمر ..
ثم تعال هنا .. لو كان الأمر موضوع مال حلال وبعد عن الربا، فلنسمع ما يقوله العلماء عن جزء من الموضوع هو المضاربة على العملات ..
في فتوى للشيخ د. محمد العصيمي يقول: " المتاجرة في العملات حرام عندي للأسباب الآتية : 1- نهى السلف عن جعل النقود مجالاً للمضاربة (منهم ابن تيمية، وابن القيم، والغزالي والمقريزي وغيرهم(. 2- العملات التي يوفرها الوسيط هي عملات مبيعة على المكشوف. فليس لدى السمسار شيء منها، أو عنده بعضها وليس عنده كل المبلغ. 3- لا يتم التقابض في بيع النقود الآن، بل البيوع تتم عبر آلية مخالفة للشرع، وهي تسليم الثمن والمثمن بعد يومي عمل، وما يحصل من تغيير في حسابات العميل ليس القبض الشرعي، بل هو تقييد في الحساب، وتحصل المقاصة في نهاية دوام اليوم، ويحصل التسليم الفعلي بعد يومي عمل. 4- كثير من الوسطاء العاملين في البورصة يقدمون خدمة الرافعة المالية، وهي قرض من السمسار للعميل وعليه فأي رسم يأخذه السمسار على القرض فهو ربا، وأي رسم يأخذه السمسار على عمليات العميل فهو من المنفعة في القرض، وهما محرمان. 5- دلت التجارب على أن المتاجرة في العملات ضارة بالاقتصاد. 6- ودلت التجارب على أن صغار المتاجرين في العملات هو أكثر الناس عرضة للخسارة، وعليه فمن كان مستعداً للخسارة الكبيرة، وهم غالباً كبار المتعاملين، مثل: الصناديق الاستثمارية الكبيرة جداً وغيرهم، فهذا يدخل السوق ويتحمل الخسارة إلى أمد معين، ثم يربح في النهاية، أما الصغار فهم حطب نار الخسائر التي تمر على العملات. ختاماً: هل نحن بحاجة فعلاً إلى الدخول في هذه المخاطرة، وإحراق أموال المسلمين لصالح هؤلاء السماسرة الغربيين الكبار؟"
هذا ما قاله (العصيمي)، أما ما يقوله الشيخ (القرضاوي) عن البورصة فهو: "
لا أستطيع أن أقول كلمة البورصة هكذا لوحدها فمن الواجب تفصيل أعمالها وأنشطتها، فإذا كان هناك أنشطة تتعلق ببيع العملات فبيع العملات تحكمه قواعد معينة وهو أنه إذا اختلف الجنسان فبيعوا واشتروا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، فلابد من الفورية كعملية شراء دولارات بريالات أو بالجنيهات الإسترلينية أو بالين الياباني أو بالمارك الألماني أو أي شيء فلا مانع أن تشتري ولكن بشرط ألا يدخل الأجل في القضية، دخول الأجل معناه التحريم.. إذا دخل الأجل في هذه القضايا أصبح معناه أن الربا دخل في الموضوع"
هذان الرأيان منشوران وواضحان وهما لا يحرمان البورصة لكنهما يقولان بوضوح إن الأمر حساس يحتاج إلى حذر وترو شديدين، لكن رواد منتديات الإنترنت لا يعلقون بحرف وإنما يردد كل منهم إنه يشعر بارتباك، و(والله حيرتونا معاكم) كأنه لم يقرأ حرفًا مما قيل .. الموضوع ليس موضوع تقوى إذن وإنما هو سيفعل ما يحلو له مادام يعد بالكسب السهل .. هو فقط (مزنوق) في شيخ يقول له إن هذا كله حلال ..
أغلق قميصك الممزق يا صاحبي، فالبورصة ليست لعبة، وبفرض أنها كذلك فمصر ليست بالبلد الذي يمكنك أن تلعبها فيه .. البلد الذي تنام فيه وتصحو لتجد أن كل جنيه في جيبك تحول إلى ثلاثين قرشًا، ويختفي الدولار من المصارف ثم يظهر فجأة ويُفصل الموظفون الذين امتنعوا عن صرفه، ثم يختفي من جديد ويفصل الموظفون الذين صرفوه .. هذا البلد ليس أفضل بلد تمارس فيه ألعاب البورصة، فلا تحاول إقناعي بأنك ضحية من فضلك.

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:18 AM
أسعد أيام هدى

عظيمة هي قناة الجزيرة .. قد نختلف معها، وقد نراها منحازة لجهات بعينها ومتجاهلة لأمور بعينها، وقد يتهمها البعض بالعمالة وهي التهمة الجاهزة لوصم كل من نختلف معه .. إن من يختلف معك فكريًا في العالم العربي هو على الأرجح ملحد أو عميل أو شاذ جنسيًا، وبما انه من الصعب اتهام قناة كاملة بالشذوذ الجنسي تبقى تهمة العمالة .. (لم أصدق حتى سمعت بأذني أن هناك من اتهم منظمة حماس وحزب الله بالعمالة لإسرائيل، ولا أعرف المنطق اللوذعي الذي قاد لهذه الاستنتاجات العبقرية)..
أقول إن قناة الجزيرة فتحت نافذة وسط ستار التعتيم الإعلامي الكثيف، ولولاها لما عرفنا عن الانتفاضة إلا أنها (اضطرابات في الأرض المحتلة) كما كانت وسائل إعلامنا ستصفها .. وعن طريق قناة الجزيرة رأينا أبا (محمد الدرة) يصرخ متوسلاً للإسرائيليين كي يوقفوا الرصاص، ورأينا ظهر جثة الرضيعة (إيمان حجو) الذي تحول إلى فجوة دامية كبيرة، بينما حرصت (سي إن إن) وإعلامنا على إظهار الوجه فقط لأنه لا يعبر إلا عن سلام عميق لرضيعة نائمة، كأن ما فعله الإسرائيليون هو أن ساعدوا الصغيرة كي تنام في سلام ..
هذا التفوق الذي حققته الجزيرة في فلسطين جاء بفضل كتيبة العظماء وليد العمري وجيفارا البديري وشيرين أبو عقلة ومن معهم من مخرجين ومصورين وفنيين ..
حظي الأسود جعلني أفتح قناة الجزيرة يوم الجمعة 9 يونيو لأرى هذا المشهد الرهيب .. الطفلة (هدى) تجري على رمال الشاطئ وتتعثر وتنهض، وتصرخ في جنون وهستريا : أبويا !
أبوها جثة مفتوحة العينين فوق الرمال، بينما الفتاة تحتضنه .. لا تعرف السبب الذي جعله فجأة يرفض النطق وتلبية ندائها ربما للمرة الأولى.. ثم تجول الكاميرا لترينا ما تبقى من حياة هادئة لأسرة أرادت قضاء يوم على شط البحر في غزة .. العوامة .. دلو الماء .. الجاروف .. ثم أسرة الفتاة التي تحولت إلى عجين من اللحم المتفحم والدم .. العوامة والجاروف أشياء مدنية جدًا مسالمة جدًا يصعب أن تتلطخ بالدماء إلا في فيلم (الفك المفترس) لكن إسرائيل فعلتها ..
ما حدث هو أن سفينة حربية إسرائيلية في عرض البحر قررت أن تمازح هذه الأسرة البريئة بطريقتها .. وكان المذيع يجري التحقيقات ويصور بينما السفينة ما زالت هناك تراقب الموقف في استمتاع واضح ..
إن مشاهد الموت في فلسطين صارت يومية منذ زمن بعيد، لكن عندما يتعلق الأمر برجال المقاومة وقياداتها فهؤلاء أبطال اختاروا وتحملوا مسئولية قرارهم، وكل واحد منهم يتوقع اليوم الذي سيتحول فيه إلى أشلاء متفحمة يخرجونها من سيارة انصهر معدنها .. أما تلك الأسرة على الشاطئ فلم تختر شيئًا على الإطلاق .. كل ما أرادوه هو يوم من المرح بين الموج والرمال، فلابد أن (هدى) الصغيرة صحت صباحًا منتظرة أسعد يوم في حياتها .. ذات المشهد يذكرني بمشهد رأيته منذ ثلاث سنوات لذلك الصغير الفلسطيني الذي جلس وحده جوار النافذة في غرفة نومه يعد ألعابه لعيد الأضحى غدًا، فكان نصيبه طلقة في رأسه من قناص إسرائيلي يهوى المزاح بدوره .. ظرفاء وأولاد حظ هؤلاء الإسرائيليون حقًا ..
أسوأ ما في الأم أن هذه الحوادث صارت كثيرة إلى درجة أنها أذابت بعضها ونسيت.. عندما تملأ جوالاً بالبيض الهش فإنه يحطم بعضه فلا يبقى شيء، وإسرائيل تهوى تكديس البيض بحق ..
من أعطى قائد السفينة الحربية هذا الحق ؟.. إنه ليس ربًا ليقتلني بمشيئته كما يقول العظيم (أمل دنقل).. من أعطاه الحق في أن يحيل حياة هذه الطفلة إلى كوابيس ؟.. من أعطاه الحق في أن يملأ حياتي أنا بالكوابيس ؟
ويخرج بيان الحكومة الأمريكية كما هي العادة .. هم فقط يتفننون في العبارات التي تثير غيظك: "وقال الناطق باسم الخارجية شون ماكورماك إن بلاده تشجع إسرائيل على التفكير في نتائج هذه الأعمال" ..
يا سلام على التعبيرات العبقرية ! .. هذه أعمال أدبية وليست تصريحات سياسية .. لو أحضرت تشيكوف وكافكا وموم وماركيز وشكسبير لصياغة جملة سخيفة تتحسس دربها ولا تجرؤ على أن تقول أي شيء مثل (تشجع إسرائيل على التفكير في نتائج هذه الاعمال ) لاعترفوا بأنهم معدومو الموهبة .. من قبل رأى (بوش) أن قصف غزة بطائرات إف 16 (غير مفيد) .. دعك من التعبير العبقري الآخر : "نحن نشعر بقلق" .. طيلة الوقت هم قلقون .. ما كل هذا الحلم وهذا التهذيب ؟.. أتمنى للأخ بوش مصيبة تطيح به كي يشفى من عادة القلق نهائيًا ..
رجالنا لا ثمن لدمهم .. نساؤنا لا ثمن لدمهم .. أطفالنا لا ثمن لدمهم، بينما يبكي هؤلاء الغربيون تأثرًا ويرفعون الأنخاب وتعصر الأخت (أوبرا وينفري) عينيها تأثرًا بعملية إنقاذ درفيل جنح على ساحل فلوريدا، مع الكثير من الـ (واو) والـ (ياي) والـ (أوه) .. أي نفاق هذا ؟
السؤال الأهم هو ماذا يعتقد (عباس) أنه يفعله ؟.. يخرج ليتهم أعمال المقاومة بأنها حقيرة، ويشجب قصف المدنيين الفلسطينيين بلغة عقلانية هادئة .. ما هو دوره بالضبط وهو عاجز عن حماية شعبه، وعاجز عن الاحتجاج على ما يحدث لشعبه ؟
لابد من أن يدفع هؤلاء الثمن .. أما من يتكلم عن الواقعية والتحضر ويطالب الفلسطينيين بأن يموتوا في أدب ورقي، فليخرس من فضله .. لا ثمن لهذا الدم إلا الدم .. لا .. ليس الدم كافيًا .. لو مات ألف إسرائيلي فلن يعوضوا (هدى) الصغيرة عن أبيها، ولن يعوضوا أم (إيمان حجو) عن رضيعتها ..لكنه أقل شيء ممكن لو كانت هناك عدالة حقًا في هذا العالم.

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:20 AM
هوامش عن الحرب السادسة

في اليوم التالي مباشرة لسقوط بغداد، وجدت عند بائع الصحف جريدة أسبوعية تتصدر صفحتها الأولى صورة عملاقة لوزير الإعلام العراقي (الصحاف)، وقد كتب تحتها: "الصحاف: رمز الصدق الإعلامي".. هذه الجريدة لم تعرف بما حدث أمس ولم تجد الوقت لتبدل عناوينها، ففي الأسابيع التالية تحول الصحاف إلى رمز الكذب والجعجعة الخطابية الفارغة وانضم اسمه إلى اسم (أحمد سعيد) في مصر، وصار فقرة للإضحاك في الكوميديات الفضائية .. والكاريكاتور المرفق رسمه الفنان الشاب شريف عرفه تعبيرًا عن الرأي العام السائد وقتها .
برغم كل شيء فإن ذكرياتي عن الصحاف كانت إيجابية جدًا، ورأيي أنه أدى عمله كأفضل ما يكون .. يسقط الصاروخ الأمريكي في مكان من بغداد فيكون هناك خلال ربع ساعة غير خائف على حياته من قنبلة لم تنفجر بعد أو غارة تابعة، ويقدم الحقائق للصحفيين في ثبات وثقة مع الكثير من المرح.. وكم من مرة وجه ضربات محكمة لأكاذيب آلة الدعاية الأمريكية التي تقودها (سي إن إن) .. لقد كان بارعًا بحق حتى اللحظة الأخيرة، لكن الجيش خذله ..
نفس الشيء ينطبق على صمود العراقيين أمام القوة العظمى في الكون.. هل نسينا الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب والوقت العصيب الذي منحه العراقيون للأمريكيين ؟.. هل نسينا القتال لمدة عشرة أيام في ميناء (أم القصر) والهجمات على قوافل المؤن، وسقوط الأباتشي، والمدفعية الأرضية التي تصدت لكل صورايخ (كروز) ؟.. هل نسينا المشاجرات في البنتاجون ؟.. والاستجوابات التي خاضها رامسفيلد حول (هل وضعتنا في فيتنام جديدة ؟.. كيف دخلت هذه الحرب من دون قوات برية كافية ؟).. ملحمة رائعة ساعد فيها أن خطة الدفاع عن العراق وضعها عسكريون محترفون، بينما سقطت بغداد ذاتها خلال ساعات لأن خطة الدفاع عنها وضعها المحامي (قصي صدام حسين)، وبما أنه ابن رئيس الجمهورية فقد افترض أن هذا كاف لجعله يجيد الاستراتيجية والسباكة والفن التشكيلي وميكانيكا الكم ..
سقطت بغداد .. وعلى الفور نسى الناس كل شيء وتبخرت كل هذه المقاومة الأسطورية، فلم يعد أحد يذكر إلا مشاهد الاقتحام والنهب ..ونسى الأمريكان كل اتهاماتهم لرامسفيلد فلم يعد إلا القائد المنتصر ..
قلبي معك يا شيخ (حسن نصر الله).. فلو أن إرادتك انتصرت واستطعت أن ترهق إسرائيل إلى حد وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، فلسوف تصير بطل الأمة ويخرس كل منتقديك .. الرجل الذي استطاع أن يقهر إسرائيل بمجموعة من الميليشيات ..
أما لو حطموك – لا سمح الله – فلسوف يلعنك هؤلاء الذين بحت حناجرهم هتافًا لك اليوم .. وسيذكر لك الناس إنك الرجل الذي تسبب في دمار لبنان، وبدد بحماقة النصر الجميل الذي صنعه من قبل .. وسيُقال إنك عميل إيران الذي أنسته الطاعة واجب الحذر .. ووقتها لن يتذكر احد حرفًا عن قصف حيفا والذعر الإسرائيلي وبطولات قرى الجنوب وقصف البارجة .. بل – الأدهى – سوف يقال إنك عميل لدى الموساد كلف بمهمة تبرير دخول إسرائيل إلى لبنان ...
-2-
منذ سمعت اسم (حسن نصر الله) للمرة الأولى وقعت في حبائله ككل من عرفه .. إنه كاريزما تمشي على قدمين، وعقل متزن ومنطق قوي لا تشوبه شائبة .. في الوقت نفسه هناك لمحة معينة من المكر اللطيف في عينيه، وهي لمحة تشي بأنه لم يتخل بعد عن براءة الطفل بداخله .. هذه البراءة بالذات هي التي تجعله يرفض أنصاف الحلول، ويحتفظ بدهشته تجاه ألعاب السياسة السخيفة .. الحق واضح لا شك فيه، والباطل واضح لا شك فيه، فلم الخلط إذن ؟.. إنه يتصرف بالضبط بالطريقة التي تتصور أنك كنت ستتصرف بها لو كنت تملك القوة، ولهذا يشعر الإسرائيليون بأن لهجة خطابه مختلفة عن لهجة باقي العرب الذين يتكلمون عن السيف والخيل ولا يستعملونهم ..
هذا الرجل لا يملك أوهامًا، ولا يشعر بحاجة لتفسير نفسه أو تقديم شهادة حسن سير وسلوك للغرب.. لقد كرر مرارًا إن المجتمع الدولي لا وجود له، وهو ما يؤمن به كل مواطن عربي، حتى ان أحدهم سألني: ما الذي نجنيه من مجلس الأمن والأمم المتحدة ولا عمل لهما إلا إدانتنا وحماية إسرائيل ؟.. لماذا لا تعلن الدول العربية جميعًا انسحابها من هاتين الجمعيتين التمثيليتين ؟.. حسن نصر الله يؤمن بالشيء ذاته، ويعمل بالضبط وفق بيت أبي القاسم الشابي:
لا عدل إلا أن تعادلت القوى ... وتصادم الإرهاب بالإرهاب
أذكر منذ عدة سنوات أن لبنان قام باستغلال حق مشروع له في مياه نهر الليطاني، لكن شارون هدد بأنه سيدمر أية مشاريع مائية تقام على هذا النهر لأنها تتعدى على حصة إسرائيل من المياه.. رأيت حسن نصر الله في قناة الجزيرة يقول بعبارات واضحة باردة: أية محاولة إسرائيلية ستقابل برد قاس، ولن يتأخر هذا الرد أكثر من الوقت الذي تستغرقه مكالمة أجريها على الهاتف المحمول !... هل تعرف ما حدث ؟.. أعلن (شارون) أن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين !!! وكنت أحسب هذه العبارة مقصورة على العرب فقط ..
الإسرائيليون أذكياء ويعرفون جيدًا أن هذا الرجل لا يطلق التهديدات جزافًا .. ليس صدام حسين الذي وعد بأن ينتحر مغول العصر على أسوار بغداد، ثم سقطت بغداد نفسها من دون رصاصة واحدة .. ليس الظواهري الذي فجر قنابل في مقهى أو في محطة أتوبيس في شبرا ليقتل طفلة عائدة من مدرستها، وذبح بعض السياح الألمان العزل، ولا يكف عن الكلام عن الكفاح برغم أنه لم يطلق طلقة واحدة على إسرائيل .. وفي العراق يتلخص كفاح القاعدة في تفجير مزارات الشيعة وذبح الجنود العراقيين .. قد يقول قائل إن الأمريكان هم من يفعل هذا.. إذن لماذا لم تنكر القاعدة ذلك في بيان واضح يا أخي ؟
الطريف في الموضوع هو أن الظواهري قرر أن يدلي بدلوه في الموضوع .. لا يمكن أن يسمح بكل هذه الشعبية لنصر الله الذي يوشك على التحول إلى بطل العروبة .. لابد من بيان لا معنى له كالعادة، وعلى الأرجح سوف يفجر محطة مترو في دولة أوروبية تساند العرب وترفض الحرب .. وسوف يتظاهر بالتحالف مع الشيعة مؤقتًا برغم أنه يراهم ألعن من الصهاينة ..
-3-
تذكرني ملامح (كوندوليزا رايس) بكومبارس مصرية شهيرة جدًا تلعب دائمًَا دور فتوة المدبح أو كودية الزار في الأفلام، وهذا مع احترامي الشديد للكومبارس لأنها لم تستمتع بقتل المدنيين، ولم تصف تمزيق الأطفال بأنه (مخاض من أجل شرق أوسط جديد).. فقط أتساءل ماذا كانت كودية الزار (رايس) ستقول لو كان هؤلاء الأطفال الممزقون في الصور إسرائيليين .. مش كله مخاض يا وليه ؟ (سامحوني على هذه اللغة السوقية)..
(بولتون) مندوب أمريكا في مجلس الأمن بشاربه الأبيض المضحك يقول إن ما فعله حزب الله بإسرائيل لا يمكن مقارنته بما فعلته إسرائيل في لبنان .. لقد خطف حزب الله جنديين كاملي التسليح وأزعج الإسرائيليين وجلب لهم (الخضة).. هذه جريمة شنعاء كما ترى لا تتساوى مع تمزيق بعض الأطفال العرب الذين لا قيمة لحياتهم .. والأرقام على كل حال تدل على تقييمهم للأمر .. خمسون إسرائيليًا مقابل أربعمائة عربي .. الإسرائيلي الواحد يساوي ثمانية من العرب وكانوا يودون لو ساوى عشرة ..
رأيت (بوش) بعينيه الضيقتين الغبيتين يقضم قطعة خبز بالكافيار، وبفم مليء يقول لبلير: "سيكون علينا الاتصال بسوريا لإنهاء هذا الـ Shit" .. ونسى الأحمق أن الميكروفون مفتوح. دعك من بلير الذي يقف مصغيًا لكلمات سيده الحكيمة، وقد رسم على وجهه تعبيرًا هو خليط من الاهتمام والفروسية والإخلاص من أعماق قلبه . وهو تعبير يجيد تمثيله دائمًا ..
سبحان الله !... شاهت الوجوه فعلاً.. من النادر أن يجتمع قبح القلوب وقبح الوجوه بهذا الشكل .. كلامك عن (الديموكراسي) يا مستر بوش لم يعد يخدع طفلاً عربيًا ..
لقد انتهت اللعبة ولم تعد هناك أية أوهام .. زال القناع عن وجه الأمريكي القبيح، وقد حرقت الولايات المتحدة أية جذور مستقبلية لها في العالم العربي .. حرقت أية مصداقية .. وكما قال أحد الإسرائيليين في جريدة (ها آرتز): "لقد قضينا على آخر أمل لنا في الذوبان في المنطقة .. صرنا مجرد بلطجي شرس أحمق .. "
قوة الرد الإسرائيلي رفعت الكثير من اللوم عما قام به حسن نصر الله وأعطته شرعية لا بأس بها .. عندما يقذفك طفل بحجر فتقوم بحرقه بالكيروسين، عندها لن يلوم أحد الطفل على قذفه الحجر .. سوف ينهال اللوم عليك أنت .. وأعتقد أن التراجع النسبي في موقف مصر والسعودية والأردن سببه بشاعة ما يحدث في لبنان، حيث صار لوم الضحية مخاطرة غير محمودة العواقب ..

-4-
قلبي معك يا شيخ (حسن نصر الله).. أعيش ذلك الكابوس الذي صار متكررًا .. أن ينتهي كل شيء في ساعات وبلا سابق إنذار، وأن يذوب حزب الله ونرى الإسرائيليين يملئون الجنوب اللبناني، بينما يبحثون عنك ويرجحون أنك فررت إلى سوريا .. رأيت هذا المشهد في كابول وبغداد، فليس من حقنا نحن العرب أن نشعر بنشوة النصر أو نتشفى في أقوى جيش في المنطقة وهو مرتبك ممزق .. وكما قال (محمد حسنين هيكل) تتعمد الولايات المتحدة في تكتيكاتها أن تظهر بمظهر المتعثر الذي يلاقي مصاعب في البداية.. هذا يرفع توقعات الجماهير لدرجة عالية، من ثم تكون السقطة مضاعفة لهذه التوقعات، ويكون الإحباط هائلاً.. المطلوب أن يؤمن المواطن العربي أنه لا جدوى، وأنه لا سبيل لهزيمة هؤلاء .. واحد فقط احتفظ بتفاؤله واحتفظ بيقينه الهادئ .. هذا الواحد ليس مغرورًا واهمًا مثل صدام حسين، وليس بائع كلام مثل الظواهري ..
أدعو الله أن تكون مدركًا لما تفعله حقًا يا شيخ حسن، وان تكون على قدر الحكمة وبعد النظر الذي توحي به كلماتك وقسماتك .. لقد احتل حزب الله مكانًا عزيزًا في وجداننا ومن العسير أن يصير هذا المكان خاويًا لا سمح الله

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:23 AM
الأمير فوق من ذكرت

لست أذكر المناسبة بالضبط، لأنني كنت مراهقًا في المدرسة الثانوية أجلس أمام جهاز التلفزيون، أتابع ما أذكر أنه حفل تكريم أو عيد للعلم .. شيء من هذا القبيل .. على المنصة يجلس الرئيس الراحل (أنور السادات)، واللحظة هي تكريم أحد أستاذته السابقين في المدرسة .. كان الرئيس الراحل يحب هذه المواقف لما فيها من مسحة درامية .. (هل تذكر الحطاب الفقير الذي آويته في دارك وأطعمته في تلك الليلة ؟.. لقد كان هو الخليفة متنكرًا ! .. وقد خلع عليك قصرًا وزكيبة من الذهب).. وقد سبق هذا تكريم مماثل لمن يدعى (سائق دمرو) الذي ساعد السادات في ظروف مماثلة ..
المهم أن الأستاذ المسن الذي تصلبت شرايين مخه، والذي عاش عصور النفاق منذ أيام مولانا ولي النعم، اعتلى المنبر فقال بالحرف الواحد: "الله يقول: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب .. أما نحن فنقول: إن في خلق السادات والأرض .. كذا .."
أقسم بالله أن هذا قيل حرفيًا، وسوف أُسأل عنه يوم القيامة .. لقد أصابني الهلع من هذه الدرجة العبقرية المفزعة التي يمكن أن يبلغها النفاق .. والأغرب هو أن أحدًا لم يعترض، والرئيس المؤمن نفسه لم يهب لتصحيح كلمات الرجل ..
كانت نهاية عصر السادات كما أذكرها مهرجانًا دائمًا من المزايدة على فن النفاق، وإنني لأذكر جلسة مجلس الشعب الصاخبة لتنصيب السادات سادس الخلفاء الراشدين.. بما أنني طنطاوي فقد شعرت بجو المولد الأحمدي العام حيث الكل يصرخ .. الكل مبتل بالعرق .. الكل يزايد .. ثم قتل السادات في ذات العام تقريبًا فلم يفده أحد بالروح أو الدم، وبادر كاتب صحفي كبير إلى انتقاد طريقة حكمه بعد دفنه بيومين ..
تذكرت هذا كله عندما قرأت مذهولاً قصة الطالبة التي عبرت عن نفسها في موضوع التعبير فقامت الدنيا ولم تقعد .. كنت قد كتبت من قبل عن مفهوم الإذاعة المدرسية والمدرس الذي يرغب في أن يرضى عنه ناظر المدرسة، وناظر المدرسة الذي يشتهي أن يرضى عنه وكيل الوزارة، ووكيل الوزارة الذي يتمنى أن يرضى عنه الوزير .. كتبت عن التصور الحكومي للتلميذ المثالي الذي يرقص طربًا لاتفاقية الكويز أو توشكى، وقد امتلأ رأسه بكلمات من عينة (النبراس) و(العلياء) و(السؤدد) يرصها في أي موضوع تعبير .. التلميذ الذي يؤمن أن الحكومة دائمًا على حق، وأن أفضل رئيس جمهورية هو الرئيس الحالي في اللحظة الحالية ..
لم تكن (آلاء) كذلك .. وقد كتبت ما خطر لها في ورقة التعبير لأنها افترضت أنه ما دام اسم المادة تعبيرًا، فعليها أن تعبر عن نفسها .. قال البعض إنها كتبت تشتم (بوش) وقال البعض إنها طالبت الرئيس بأن يتقي الله ..المهم أنها اصطدمت بعقلية (النبراس) و(العين ما تعلاش على الحاجب) هذه فكانت النتيجة كما يعرفها الجميع .. وكما يقول الأستاذ محمد حماد في جريدة (العربي ) الناصري: " والذى رأى وقرأ وسمع دفاع المسئولين فى وزارة التعليم والتربية سابقا عن الإجراء الذى اتخذوه بحق الطالبة يتصور أنها خانت الوطن وخرجت عن الملة، إذ قالت للرئيس اتق الله واحكم بالإسلام، والأغرب أنهم لحسوا كلامهم صبيحة أعلن الرئيس عفوه الكريم عن ابنته الطالبة، وتغير الحال فاستقبلها الوزير بنفسه وهنأها على نجاحها الذى كانوا يريدون لها أن تخسره وتخسر معه عاما من عمرها! .. انقلب حال الوزارة وانقلب حال الصحف وخرست ألسنة السوء التى طالبت بمعاقبة الطالبة التى خرجت عن الأخلاق وأساءت الأدب، وتبدل الحال وأصبح ما قالته يدخل فى باب حرية الرأى التى يحترمها الرئيس ويحرضها وزميلاتها وزملاءها على ممارستها! "
هناك إشاعة قوية يتناقلها الناس حول أن أمن الدولة اقتنع بأن ما تقوله الفتاة ليس كلامها، بل هو كلام جهة أكبر وأخطر !.. هكذا تم اعتقال أبيها للتحقيق معه باعتباره بداية الخيط التي ستقود إلى (أيمن الظواهري) نفسه !.. سمعت هذه الإشاعة فلم أصدقها .. منطق النفاق يقول إنه لن يجرؤ أحد على التحرش بهذه الطالبة ثانية .. لقد اهتم الرئيس بها شخصيًا وصار الاقتراب منها محفوفًا بالخطر، وأعتقد أن هؤلاء المسئولين الملكيين أكثر من الملك سوف يدفعون ثمن نفاقهم غاليًا .. نفس ما حدث لمذيع شهير حاول أن يتملق الرئيس بطريقة ضايقته، وكانت النتيجة أن تم استبعاده تمامًا من أية حوارات أخرى مع الرئيس.. لقد انقلب السحر على الساحر ..
إن ثقافة النفاق عتيقة جدًا في بلادنا .. ومهما دارت الأيام فإن مفهوم الشاعر الذي يدخل على الخليفة فيمدحه، ويخرج حاملاً زكيبة مال ، هو مفهوم متأصل فينا ويصعب الخلاص منه ..
لا ازعم أنني درست الأدب العالمي، لكن أزعم أن أي دارس للأدب سيتعب كثيرًا حتى يجد بيتًا من الشعر في أية لغة يماثل ما قاله ابن هاني الأندلسي في مدح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله :
ماشئت لا ماشاءت الاقدار....فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد .....وكأنما أنصارك الانصار !!
بصرف النظر عما في هذا الكلام – البيت الأول - من شرك صريح، فإن أية أمة يُقال فيها كلام كهذا هي أمة مقضي عليها بالفناء، فلا غرابة أن يقال إن هذا الشعر كان نذيرًا بفناء دولة العرب في الأندلس.
المزايدة تتكرر في قصص التراث بلا انقطاع .. ها هو ذا (أبو تمام) ينشد قصيدته السينية أمام الأمير (أحمد بن المعتصم) .. فيقول الشاعر في نفاق صادق حار واصفًا الأمير:
إقدام عمرو في سماحة حاتم .....في حلم أحنف في ذكاء اياس
هنا يتدخل رجل بلغت به (سلطنة) النفاق درجة أعلى .. هذا الرجل هو أبو يوسف يعقوب الكندي قائلاً:
ـ"الأمير فوق من ذكرت !"
يعني كل هذا النفاق غير كاف .. الأمير أعظم من هذا .. لابد من المزايدة فقد بدأ (مولد) النفاق .. وعلى الفور يستغل (أبو تمام) موهبته ليرتجل شعرًا لم يكن مكتوبًا:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس
فاللّه قد ضرب الاقل لنوره ......مثلا من المشكاة والنبراس
هذه القصة لا ترد في المراجع دليلاً على عبقرية النفاق أو قلة الأدب (فهناك تشبيه ضمني للأمير بالله تعالى) ، بل على براعة الشاعر وحسن تصرفه .. ولسبب ما أوشك أن أرى ذلك المسئول التربوي الذي ألغى امتحان آلاء يصرخ فيها : الأمير فوق من ذكرت !...
الأمثلة كثيرة جدًا ولا شك في أنني نسيت ذكر أهمها .. لكني أتذكر كذلك مقولة الأستاذ (أحمد بهجت) الرائعة : "للنفاق في بلادنا هيبة".. كان يحكي عن زيارته لأحد أصدقائه – ممن لم يعرف عنهم أي تدين - الذي صار شيخ طريقة .. قابله جالسًا في سرادق محاطًا بالمريدين، فتقدم نحوه ليصافحه وهو يوشك على الانفجار ضحكًا .. ثم أخذته هيبة النفاق فانحنى يلثم يده !
أحيانًا يبلغ النفاق درجات من التعقيد يصعب أن تتخيلها .. مثل ذلك المطرب الذي ينشد في أحد أعياد أكتوبر: "لا حيغنيني ولا يرقيني .. ولا فيه مصلحة بينه وبيني .. باقولها وأجري على الله .. علشان كده احنا اخترناه !" .. يريد أن يقنعني أن مدحه لرئيس الجمهورية هو كلمة حق أمام سلطان جائر ! .. وأجره بعد ذلك على الله ..
ذات مرة – قبل أن يدخل معترك السياسة بهذا الوضوح – زار السيد (جمال مبارك) مدرسة خاصة للفتيات في القاهرة، فنشرت التلميذات في إحدى المجلات رسالة مناشدة إلى الرئيس تقول: "نحن في بلد ديمقراطي ومن حقنا التعبير عما يجول بخاطرنا، وانت علمتنا الحرية وعدم الخوف .. لذا نطالب الرئيس مبارك بأن يكلف السيد (جمال) بوظيفة سياسية مهمة !".. هذا نوع من النفاق عجيب، على غرار: "أتركني أقول شهادتي التي سأسأل عنها أمام الله .. أنت أعظم وأروع من رأيت !".. تخيل لو أنهن نشرن رسالة يطالبن فيها الرئيس بعدم إسناد أي منصب رسمي لابنه !
المنافقون .. المنتفعون .. مشكلة هذا البلد وكل بلد عربي ..
هناك دومًا من يريدون أن يبقى الحال على ما هو عليه، وهم قادرون في أية لحظة على تنظيم المظاهرات المضادة، ونشر العرائض المكتوبة بالدم والمبايعة، وأن يملئوا البلد باللافتات المؤيدة لأي شخص وأي قرار في أية لحظة .. هؤلاء هم الذين يفرغون أي إصلاح حقيقي من محتواه ..
سواء كانت نية الرئيس (علي عبد الله صالح) صادقة في التخلي عن الحكم أم خلاف ذلك، فقد تكفل هؤلاء في اليمن بإحباطها وعادت الأمور كما كانت، وهم مستعدون في أي بلد عربي كي يهتفوا (الأمير فوق من ذكرت) في أية لحظة .. ولسوف يظهر لهم من يزيد بيتين من الشعر لإرضاء الحاكم..
الأمير فوق من ذكرت .. فلا مكان لطالبة ساذجة تعتقد أن موضوع التعبير يعطيها الحق في أن تعبر عن أفكارها .. والويل كل الويل لمن يبتعد عن ثقافة (السؤدد) و(النبراس) هذه .

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:25 AM
المدونات والدستور ومرض (توريت) ..!

في العام 1884 وصف الطبيب الفرنسي (جيل دولا توريت) تسعة من المرضى يعانون مرضًا وراثيًا غريبًا يتكون من لازمة قهرية من التقلصات العضلية والسباب البذيء جدًا .. وقد وصف هذا المرض لدى الماركيزة (دي دامبريير) العجوز الوقور التي كانت تأتي بحركات غريبة بعضها قبيح جدًا، مع كثير من السباب، وقد بدأ المرض عندها منذ سن السابعة .. هذا هو مرض (توريت Tourette) الذي يعرفه الأطباء النفسيون جيدًا، والذي يعتقدون أنه منتشر اليوم أكثر مما نحسب..
هناك شواهد تاريخية سابقة على وصف المرض ومنها رجل من النبلاء الفرنسيين – نسيت اسمه – كانوا يقيدون يديه خلف ظهره كي لا يقوم بحركات بذيئة بإصبعه في حضرة لويس الرابع عشر !
إن السباب البذيء في كل مناسبة هو عرض مرضي يعرف باسم (كوبرولاليا)، ويمتاز بأنه يخرج من المريض تلقائيًا حتى لو لم يثر أعصابه أحد .. نفس الشيء ينطبق على الحركات القذرة باليد أو لمس العضو التناسلي باستمرار (كوبروبراكسيا) .. وهناك النوع الثالث (كوبروجرافيا) وهو الولع بكتابة البذاءات خاصة على الجدران (أدخل أية دورة مياه عمومية واقرأ ما كتب خلف الباب لتعرف أن المرض منتشر) .. هناك كذلك الولع بعرض الجسد العاري أمام أفراد الجنس الآخر لإثارة اشمئزازهم ..
ترى هل مرض (توريت) نادر حقًا كما اعتقد الخواجة الذي اكتشفه ؟
كنت جالسًا على ذلك المقهى جوار مجموعة من الشباب، وكان صوتهم عاليًا جدًا إلى درجة أنك لا تستطيع إلا أن تعتبر نفسك ضمن شلتهم.. لاحظت أولاً أن صوتهم نفسه تغير وأنهم يتكلمون بذلك الصوت الحلقي العالي وطريقة (التطجين) التي اعتدنا أن ننسبها للبلطجية وأصحاب السوابق (برغم أنهم ميسورو الحال كما هو واضح).. ثانيًا لاحظت أنهم لا يتكلمون إلا في ثلاثة مواضيع: السيارات .. الفتيات (المُزَز).. الموبايلات .. ويستحيل أن تجد موضوعًا آخر يخرج عن هذه الدائرة .. ثالثًا: كانت نسبة البذاءة في كلامهم مذهلة .. لا توجد جملة واحدة تخلو من اتهام أم الآخر بالعهر، أو ذلك الصوت السكندري الدال على الاحتجاج ، لكنهم كانوا بصراحة معتدلين في سب الدين؛ فلم يكونوا يسبونه إلا كل ثلاث جمل .. تأمل معي هذا الحوار العميق:
ـ"البلو توث ده ابن (.......).."
ـ"(لفظة من ثلاثة حروف تدل على الاستنكار) .. حاجيب لك واحد زيه بكره.."
ـ"(صوت سكندري حلقي يدل على الاحتجاج) .. (لفظة من ثلاثة حروف تدل على الاستنكار) .. ده انت ابن (......) .. بتاع بق بس .."
ـ"يا (...) أمك .. أنا عمري حلقت لك قبل كده ؟"
ـ"لما قلت إنك حتعلق البت فيفي يا بن (....) الكلب .. "
ـ"(صوت سكندري حلقي يدل على الاحتجاج)"
ـ"(لفظة من ثلاثة حروف تدل على الاستنكار) .."
ترى هل مرض (توريت) نادر حقًا كما اعتقد الخواجة الذي اكتشفه ؟
***
بحكم السن اكتشفت عالم مدونات الإنترنت blogs منذ فترة قريبة جدًا، ووجدت أن كثيرين من أصحاب المدونات بارعون حقًا وجديرون بأن يكون لهم عمودهم اليومي في الصحف بدلاً من الأقلام الحالية التي تعذبنا، لكني لاحظت كذلك مدى تفاقم ظاهرة (الكوبروجرافيا) .. يثير رعبي مدى ما يمكن أن ينحدر إليه المرء من بذاءة عندما يدرك أنه بعيد عن العيون فعلاً .. وأنه ما من أحد يراه سوى الله !.. نعم .. لا توجد مبالغة هنا .. معظم الناس لا يكفون عن الكلام عن الدين، لكنهم عندما يخلون إلى شياطينهم يتحولون إلى ما هو أسوأ .. والحقيقة المخيفة التي أدركتها هي أن كثيرين من الناس لا يعتقدون أنهم مرتدون إلى الله ولا أنهم سيخضعون للحساب.. يقولونها بألسنتهم لا قلوبهم .. فلو كان لديهم أدنى شك لكانوا أكثر حذرًا في كلامهم .. وإلا فكيف يفسر المرء أمام نفسه كل هذا القدر من البذاءة وقذف المحصنات والكذب ؟... وكما يقول أبو نواس:
ألم ترني أبحت اللهو نفسي .. وديني واعتكفت على المعاصي ؟
كأني لا أعود إلى معاد .. ولا ألقى هنالك من قصاص
كان هناك مقال نشر على الإنترنت للكاتب الشاب الموهوب (محمد فتحي) – وهو عضو هيئة تدريس في كلية الإعلام بالمناسبة - عن فيلم (عمارة يعقوبيان)، وفكرة المقال تتلخص في أن تيمة الشذوذ الجنسي في الفيلم أثارت حفيظة أعضاء مجلس الشعب، بينما هم لم يبالوا بالمشاهد ذات الإيحاء الجنسي الصريح .. وهذا أثار دهشة الكاتب .. بس خلاص .. أختلف مع الفكرة ولم يرق لي المقال كثيرًا، لكن الأمر ينتهي عند هذا الحد، والموضوع يحتمل الخلاف والجدل بشكل متحضر: أنا لا أرى رأيك ومبرراتي كيت وكيت ..
فوجئت بالردود التي تحمل أسماء مستعارة تتهم الكاتب الشاب بقائمة التهم المعدة مسبقًا لمن نختلف معه في وجهة النظر (العمالة – الإلحاد – الشذوذ) قد يختلف الترتيب لكنها ثلاثية إجبارية مع الذكور، بينما مع الفتيات تتحول المنظومة إلى (العهر – العهر – العهر).. هكذا انهالت الشتائم على الكاتب بعنف لا يمكن وصفه إلا بشهوة (الكوبروجرافيا) حتى تحولت الصفحة إلى مستنقع ...
أحد الأذكياء أرسل يقول: " الكلام بيبان من عنوانه ، وانا فهمتك من عنوانك ياتوحة".. الكثيرون اتهموه بالعلمانية وأنه عميل للمباحث .. المعتدلون اتهموه بأنه مراهق .. أحدهم قال له :" زكر فإن الزكرى " كاتبًا الآية القرآنية بهجاء خطأ .. إلى درجة دخول "لا للتوريث" في الموضوع والدعوة إلى الجهاد و.. هناك آلاف الشتائم التي لن تطيق سماعها منطوقة فما بالك بها مكتوبة ؟.. دعك من الأخطاء الهجائية التي تجعلك تتساءل: اتعلموا فين دول ؟.... هناك داء جديد هو داء (ذالك) و(لاكن) و(فتايات ) وداء نصب خبر (إن) "أعتقد أن الفيلم وقحًا" ..
انفجار شرس من الأخوة المرضى المبتلين بالـ (كوبروجرافيا) .. حتى تراجع المحترمون العقلانيون من فرط التعب والقرف.. هؤلاء يوصلونك للحظة تسكت فيها من الاشمئزاز فيحسبون أنهم انتصروا وأفحموك.. وهي نفس براعة وقوة منطق العربجي الذي يشتمك بالأم وهو على ظهر عربته الكارو فتصمت، ومن ذا الذي يضيع وقته وكرامته في الجدال مع عربجي ؟ .. النتيجة هي أن الكاتب انسحب من الموقع ...
***
لا أعرف الكثير مما يحدث في كواليس جريدة الدستور، برغم أنني نشرت فيها مرارًا، وأعتقد أن علاقتي جيدة جدًا بكل صحفييها .. لا أوافق رئيس تحريرها اللامع إبراهيم عيسى في نقاط عدة، وأرى أن الجريدة تجنح لاندفاع الشباب أحيانًا كثيرة.. والواقع أن هذا ما أراده إبراهيم عيسى بالضبط : أن تصدر صحافة جامحة من محررين في العشرينات من العمر ولهم .. لكن هذا لا يناقض رأيي الذي أقوله في كل مكان تقريبًا أن عيسى أهم ظاهرة صحفية عرفتها مصر في التسعينات، وأنه ذكي جدًا ، وأنه من أشرف الصحفيين، ولسانه الزلق الجامح يقوده إلى المهالك بإصرار غريب .. ولئن كانت أموره المالية قد تحسنت فهذا يعود لمزيج من توفيق الله وموهبته، فلا دخل لصفقات غامضة في هذا .. وقد كتبت عنه منذ عام في موضع آخر: "هناك موضة شجاعة عارمة في كل الصحف والمجلات .. الكل صار معارضًا جريئًا من دون سوابق تبشر بهذا .. ترى شبابًا في الثامنة عشرة من عمرهم يكتبون مهاجمين النظام بكل وضوح وبالأسماء، موضة شجاعة عارمة أرحب بها طبعًا بشرط أن تستمر وأن يكونوا مستعدين فعلاً لتحمل التبعات.. أما أنا فمنذ ست سنوات أو سبع كنت اقرأ مقالات (إبراهيم عيسى) و(علاء الأسواني) و(عبد الحليم قنديل) وسواهم من الشرفاء الذين فتحوا صدورهم للحراب عندما كان الجميع صامتين، وكنت أقول لنفسي: رباه !.. هؤلاء قوم بلغوا من الشجاعة مبلغًا .. "
هذا كله مفهوم إلى أن قرأت مدونات الإنترنت التي تتحدث عما يحدث في كواليس الدستور، وبالتحديد ما تلا انسحاب الفنان (عمرو سليم) و(خالد البلشي) و(عبير العسكري).. مستحيل أن يكون هذا الذي أقرؤه حقيقيًا .. إنه لكابوس !.. تشكيك في ذمة عيسى المالية وشرفه واتهامه بالعمالة للأمن، مع عدد لا بأس به من الشتائم التي لا يمكن التلميح لها .. المعركة تشتعل أكثر .. هناك من يرد باسم (عيسى) ومن يرد باسم (عبير العسكري) مناضلة الدستور النبيلة التي ضُربت في كل المظاهرات تقريبًا، وهناك قذف للمحصنات واتهام لصحفيات بما لا يمكن ذكره، ونشر للغسيل القذر من صحفيين شباب موتورين لم يحققوا شيئًا في هذه الجريدة أو شعروا بغبن حقوقهم (لابد أن تكون من الدستور لكي تعرف أن خالد كساب يستعمل لفظة قشطات كلازمة في كل كلامه).. والمدونات تزداد طولاً حتى صارت تملأ كتابًا كاملاً، وفي النهاية تشعر بأنك لا تقرأ جدلاً وإنما هي ذئاب مسعورة تتصارع .. الصديد المكبوت في النفوس يخرج حينما لا يوجد رقيب، ميل للعنف لا يمكن وصفه .. ها هو ذا مرض (توريت) يفصح عن نفسه ..
الأمر لا يحتاج لصحفي كي يحلل الأمر .. الأمر يحتاج إلى عالم نفسي يفسر لنا سر كل هذا العنف .. هل هو انعكاس للعنف العارم في المجتمع ؟.. الأمر يحتاج لعالم دين يخبرنا لماذا يقذف الناس بعضهم البعض ويتهمون زميلاتهم في العمل في شرفهن بهذه البساطة، لمجرد أنه لا أحد يراهم إلا الله ؟.. لماذا تدهورت فكرة الحساب والعقاب في النفوس لهذا الحد ؟
بعض التفسيرات تقول إن أغلب هذه الردود من رجال أمن يهمهم تشويه الجريدة وسمعتها .. إن الدستور جريدة جامحة فتحت النار على الجميع تقريبًا، ولها أعداء كثر يهمهم أن يمزقوا ثيابها على الملأ .. بالنسبة لي أرى أن هذا التفسير يفترض أن الشباب جميعًا بخير .. إذن من أين جاء الشباب الذين قابلتهم على المقهى، والذين لا يكفون عن إطلاق الأصوات السكندرية الحلقية ؟.. على كل حال أتمنى أن يكون هذا التفسير الأمني صحيحًا فهو يريحني بشكل خاص، ويخبرني أننا لسنا بهذا الغباء .. أن ندمر كل شيء جميل بنيناه معًا، وذلك الاستعداد الكامن في الجينات العربية للحرب الأهلية حتى على مستوى جريدة ..
ما زلت مصرًا على أن الدستور في إصدارها الأول كانت أفضل وأمتع، لكن هذا لا دخل له برأيي النهائي .. الدستور عمل جماعي رائع وإبراهيم عيسى قيمة صحفية يمكن أن نختلف معها بشدة لكننا نحترمها بشدة أكبر .. فلتمارسوا (الكوبروجرافيا) في مكان آخر من فضلكم ، أو لتطلبوا العلاج لدى أقرب طبيب أمراض نفسية .. قولوا له إن اسم مرضكم هو (متلازمة توريت).. وهو سيتصرف والشفاء قريب بإذن الله !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:27 AM
بلدهم يا عمّ

كانت قناة الجزيرة تعرض على الهواء أحداثًا غريبة في ذلك اليوم: وزير خارجية مصر (أحمد ماهر) يزور الحرم القدسي .. منذ لحظة دخوله الحرم راح أحدهم – حماسي الهيئة واللهجة – يهتف في مكبر الصوت:
ـ"لا أهلاً بك ولا سهلاً... عد إلى أسيادك الصهاينة ولا تدنس هذا الحرم"
وبدأت الأحداث تتخذ منحى خطيرًا عندما تزاحم الغاضبون حول الوزير المسن، فصنع حراسه طوقًا حوله بأجسادهم ورأيت على وجهه أمارات الاختناق من فرط الانفعال ونقص الأكسجين، مع قلب ليس في أفضل حال .. كان يشخص بعينيه إلى السماء فاغر الفم متلاحق الأنفاس بينما يحاول الحراس حمل جسده الضخم خارج الحرم ..
كان المشهد مؤسفًا أليمًا .. هذا الذي تتصاعد الهتافات ضده ليس (شارون)، بل هو وزير خارجية أهم وأكبر دولة عربية .. الدولة التي ضحت بالكثير بسبب تحالفها مع الفلسطينيين .. دعك من البعد الإنساني لرؤية عجوز يوشك على الموت اختناقًا ..
مر المشهد بسلام، وتم نقل الوزير إلى مستشفى إسرائيلي حيث قيل إن الوضع مطمئن .. لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر .. ما أثار رعبي وضيقي هو أنني كنت أشاهد هذا الأحداث بلا أدنى انفعال على الإطلاق .. لم أشعر بذرة تعاطف معه ولم تدمع عيني بسبب الإهانة التي وجهت لمصر على شاشات الفضائيات بلا داع .. كان مشهدًا غريبًا وكفى ..
عندما فكرت في الموضوع بهدوء بعد ذلك، وحاولت فهم سبب هذا البرود العجيب الذي تابعت به الأحداث، فهمت أن السبب هو ببساطة عدم انتماء مفرط .. هذا وزير خارجيتهم يتلقى الإهانات بسبب سياساتهم الخاطئة .. فما دخلي أنا في هذا كله وما دخل مصر ؟
هذا هو ما صنعوه بنا .. أعتقد أنني كنت سأبكي لو كان المشهد يمثل هدفًا يحرز في مرمى مصر في مباراة دولية ما .. بينما أنا فعلاً لا اعرف لماذا جاء (أحمد ماهر) إلى منصبه، ولا اعرف لماذا ذهب، ولا أعرف فيم تميز (أبو الغيط) عنه . وبالطبع لن أعرف أبدًا ما دار في تلك الزيارة التي قام بها (ماهر) إلى فلسطين ولن أعرف ..
هل لي رأي في الموضوع ؟.. هل هناك من يبالي بما أعتقده ؟.. ما زالت هناك بنود كاملة سرية في معاهدة (كامب ديفيد) عجز أكبر الصحفيين عن معرفتها .. كل ما يرشح لنا يأتي من الخارج .. هكذا هم يتفقون دون أن يأخذوا رأيي .. يوقعون .. يعينون .. يبيعون .. كل هذا من دون أخذ رأيي، فإذا أبديت اعتراضًا قيل لي إن هناك قنوات شرعية مخصصة لذلك .. القنوات الشرعية هي برلمان طُعن في شرعيته مرارًا.. وأعضاء يوافقون على كل شيء ولو كان الانضمام إلى جزر الكاريبي أو بيع الهرم (صحيح أن الأخوان صاروا يشكلون جانبًا لا يستهان به منه، لكن يظل عددهم غير مؤثر في القرار النهائي بدليل تمديد قانون الطوارئ)، ورئيس برلمان متأهب لوأد أي استجواب جاد حقيقي طالبًا الانتقال إلى جدول الأعمال..
إذن فليتلقوا الإهانات .. لتهاجمهم الصحافة العالمية .. لتوجه لهم أبلة (كوندي) اللوم وتضربهم بالخيرزانة على أطراف أناملهم.. لا يهم .. ليس هذا شأني .. هم ليسوا قومي وليسوا رجالي..
نفس السيناريو حدث بشكل مخفف مع خسارتنا فرصة تنظيم المونديال .. كانت فضيحة مدوية، لكني قابلتها بذات البرود المعتاد .. قلت لنفسي: هذه حكومتهم وهم قد حاولوا استضافة المونديال فتلقوا صفعة لأن استعداداتهم غير كافية .. ما لي أنا وهذا ؟.. ولماذا يجب أن أنفعل ؟
وقد اصطك الحس الشعبي المصري المرهف تعبيرًا مناسبًا للموقف هو (بلدهم يا عم).. نحن مجرد ضيوف هنا نعيش حياتنا على الهامش قدر الإمكان ..
الحقيقة أن هذا الاستقطاب الذي جعل الشعب والحكومة دولتين مختلفتين موجود منذ أواخر السبعينات ، وله عدة عوامل منها غياب الديمقراطية .. لا يمكنك أن تشعر بالانتماء لمشروع لا دخل لك فيه ولم يؤخذ برأيك في إنشائه، لكنهم يطالبونك بدفع ثمن فشله ، العامل الثاني هو ذبول فكرة القومية ذاتها، ويعود جزء منها إلى زحف المد الديني الذي يرى بعض أفراده أن الإندونيسي (محمد طوار) أقرب لك من المصري (مينا اسكندر) الساكن في شبرا.. في لحظة ما من التاريخ كف عبد الناصر أن يكون قائد الثورة و(بابا جمال) وتحول إلى طاغية علماني، وقال داعية كبير إنه سجد لله شكرًا يوم هزيمتنا في 1967 .. أي أن اليهود – بعبارة أخرى – هزموا دولة الكفر !.. وتحول (كمال أتاتورك) من عقلية تقدمية خلقت تركيا الجديدة إلى السفاح الذي مزق دولة الخلافة،. وقد كنت في مؤتمر طبي ذات مرة ودعت المحاضرة الجالسين إلى الوقوف لأن السلام الجمهوري لجمهورية مصر العربية سيُعزف حالاً.. وقف غالبية الموجودين، لكن من ظلوا جالسين راحوا ظلوا ينظرون لنا في تحد واشمئزاز غريبين .. لسان حالهم يقول: هل ما زلتم تؤمنون بهذه السخافات ؟.. هل سنعود لهذه الوثنية ؟
عندما يكف أفراد شعب عن تحية علمه أو الوقوف لدى عزف سلامه الوطني، فإن أجراس الخطر تدق .. إن العلم خرقة من القماش لكنها ترمز لكل شيء في مصر : الهرم .. النيل .. الشيخ رفعت .. الأزهر .. عبد الوهاب .. أم كلثوم .. ثورة 1919 .. نجيب محفوظ .. سيد قطب نفسه .. الخ .. وعندما ترفض تحية العلم فأنت في الواقع ترفض كل هذه الأشياء التي صنعت كلمة مصر ..
حتى فكرة كراهية إسرائيل ذاتها لم تعد بذات الوضوح الذي عرفناه في المدارس قديمًا .. ولولا المد الديني الذي يحمل تراثًا هائلاً من كراهية اليهود، ووجود المسجد الأقصى في الموضوع لذبلت الفكرة تمامًا .. دعك من الأخ السفاح شارون الذي نجح في أن يعيد القضية دامية متوهجة في الأذهان، وبالتالي قدم خدمة لا تُنسى للفلسطينيين من حيث لا يدري. كنت أحيانًا أجرب أن أدخل برامح المحادثة (شات) منتحلاً اسم فتاة إسرائيلية على سبيل جس النبض.. وكنت أطلب محادثة شاب مصري .. عندما أعلن له (حقيقة) إنني فتاة إسرائيلية، كان الشاب في 100% من الحالات يقول لي: وماذا في ذلك ؟.. العرب عفنون Arabs stink أصلاً.. وهو اعتراف وتنازل لا داعي له سوى كسب ثقة هذه الإسرائيلية التي إن لم تكن حسناء فعلى الأقل هي مستعدة لعمل أشياء كثيرة !
اجتماعات ومحادثات وجلسات مغلقة ومكالمات هاتفية تخبرنا بها الصحف .. لا تعرف أبدًا ما دار فيها .. المهم أن هناك من اجتمع ومن تكلم هاتفيًا .. والنتيجة هي أنك تمر بحالة أبوية فريدة .. أنت مجرد طفل يلهو في الصالة بينما أبوك يجلس في الصالون مع أصدقائه الكبار يقولون كلامًا لا تفهمه أنت ومن العيب أن تحاول أن تعرفه.. سوف تتحمل هذا لأنه أبوك .. لكن ماذا عن من ليس أباك ولا دور لك في وجوده هنا ؟
يحذر الجميع من بيع القطاع العام فيُباع .. يحذر الجميع من توقيع الكويز فتُوقع .. يحذر الجميع من ذبح القضاة فيذبحون .. ينصح الجميع بحضور جنازة بابا الفاتيكان فلا يحضرها أحد ذو أهمية .. ينصح الجميع باستقبال وزير الخارجية الفلسطيني المنتخب فلا يستقبله أحد .. ينصح الكثيرون – وأولهم محمد حسنين هيكل - بأهمية وجود خطوط دبلوماسية قوية مع إيران فلا يبالي أحد .. يحذر الكل من خطر تعويم الجنيه فيعومونه .. كل شيء يتحرك برغم إرادتك وبلا أخذ رأيك .. وكما يقول العظبم محمود المليجي في فيلم (اسكندرية ليه؟): وعايزني أكسبها ؟
نتيجة هذا تنمو اللامبالاة ويذبل التعاطف وتراقب وزير خارجيتك يُضرب في الحرم القدسي فلا تهتم .. هذه هي الصورة الأقل خطرًا , أما الصورة الأخطر فمثالها سقوط بغداد خلال ساعات ..لقد ذاب الجيش العراقي تمامًا لأن أفراده لم يستطيعوا الشعور بأنهم يدافعون عن بلادهم بل عن صدام .. صدام الذي ورطهم في حرب طاحنة مع إيران ثم غزا الكويت لأن (دماغه كده).. فلماذا يطالبهم بالموت في سبيله هو الذي لم يصغ لأحد سوى نفسه، ولم يسمح لأحد أن يفتح فمه إلا لإلقاء قصيدة مدح فيه ؟.. (صدام) الذي كان أطفال بلاده يموتون بسبب سياساته الحمقاء، لكنه كان يجد الوقت الكافي ليناقش المخرج الذي صنع فيلمًا عن قصة حياته في جلسات مطولة: أنت أظهرت معالم الألم على وجه الممثل لحظة إخراج الرصاصة .. هذا كذب .. أنا لم أبد أية علامة على الألم!
هكذا تسير الأمور .. لكن مصر هي مصر .. بالتأكيد لم نفقد انتماءنا لمصر الهرم والنيل وأحمد شوقي والشيخ رفعت والفول والطعمية ورائحة النعناع في الحقل وصوت أم كلثوم في الليل وعم (بسيوني) الفلاح العجوز الجالس يشرب الشاي على المصطبة ليلاً، وحتى جندي الأمن المركزي الذي يرفض أن يطيع أمر ضابطه ويضرب المتظاهرة الحامل .. هذه هي (بلدنا يا عم).. مصر الحقيقية الولود التي لا يعرفونها، والتي بدأت ملامحها تتقلص ألمًا معلنة قرب ولادة جديدة!

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:31 AM
أنا على أخويا وابن عمي

في فترة ما من حرب العراق، كانت المقاومة شيعية أساسًا قبل أن يقرر الصدر أن يحقن دماء رجاله، وكنت في تلك الآونة أتلقى سيلاً من الرسائل على بريدي الالكتروني خاصة بإحدى مجموعات الأخبار، وبالطبع كان اسم المرسل مستعارًا لكنه اسم (أصولي) جدًا.. كان محتوى الرسائل واحدًا تقريبًا .. الشيعة كفرة .. الشيعة خارجون على الملة .. البرهنة بالأدلة على فساد عقيدة الشيعة .. كل رسالة طويلة جدًا تحتاج إلى ساعة في قراءتها، ومعها عدد لا بأس به من الصور تظهر الشيعة وهم يمزقون أجسادهم بالجنازير أو السياط في الاحتفالات .. أو احد الأئمة يقبل طفلاً في شفتيه مع تعليق يقول : الشذوذ الجنسي ضرورة عند الشيعة .. الخ ...
يومًا بعد يوم تنهمر على الرسائل، ويمتلأ بريدي عدة مرات في اليوم .. هذا رجل كرس حياته لقضية واحدة يهون من أجلها كل مرتخص وغال ألا وهي أن الشيعة (موش تمام)..
في النهاية لم يعد الأمر محتملاً فكتبت ردًا على ذلك المخبول بحيث يُتاح للجميع في ذلك المنتدى قراءته .. قلت في هذا الرد: "عزيزي .. في الآونة الحالية التي ينتهك فيها الأمريكيون أعراض العراقيين، ويذبح شارون الفلسطينيين، لا يبدو أن هناك طرفًا قادرًا على القتال راغبًا فيه إلا حزب الله في لبنان وشيعة العراق، أي أن الشيعة هي الفئة الوحيدة التي تحارب الأمريكان والصهاينة في العالم الإسلامي كله .. فهل تعتقد بحق أن هذا أنسب وقت لإثبات أنهم كفرة فاسدو العقيدة ؟.. معنى كلامك أن من يحارب الأمريكان والصهاينة اليوم كافر .. وهي لعمري رسالة مريبة .. أنا لا أعتقد أنك عميل للمخابرات المركزية .. فقط أنا أعتبرك مجرد متعصب أحمق آخر ."
لم يرد الأخ المتحمس وأعتقد أنه كان ذكيًا، لأني أعددت له ردًا موجعًا على رده الذي لم يبعث به .. فقط تلقيت بضعة خطابات أكثرها من البحرين تؤيد ما قلت ، ولا احتاج لذكاء كبير كي أعرف أن مرسليها من الشيعة.. ودارت الأيام ثم بدأت سلسلة خطابات تتهم الوهابيين بكل شيء ممكن ..
الحقيقة أن هذا أثار دهشتي .. أولاً ليس هذا أنسب وقت لتصفية الخلاف بين المذاهب .. ليس والآنسة الحامل (لندي إنجلند) تجر عراقيًا عاريًا بحبل في عنقه . .. ثانيًا كنت أحسب أن الشيعة مسلمون وهذا كاف لجعلهم (من رجالنا) حسب تصنيف الأخ ابن لادن للفسطاطين، لكن هذه الخطابات تشعرك بأن الشيعة يعتنقون الديانة الهندوسية أو يعبدون النار ..
"فلنذبح بعضنا أولاً حتى لا يبقى سوى من هم على حق.. بعد هذا يصير القضاء على العدو سهلاً".. هذا هو شعار العرب الدائم الذي يصطدم مع بديهيات الاستراتيجية التي جعلت هتلر يتحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد بولندا، ومع بديهيات الذكاء الشعبي الفطري الذي قال : "أنا وأخويا على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب .." فصارت الاستراتيجية هي: "أنا على اخويا وابن عمي والغريب"..
ليس التعصب داء عربيًا صميمًا، فقصص المذابح التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا تجعل قراءة تاريخ القرون الوسطى أقرب لقراءة قصص الرعب، وحتى في مصر تجد أن العلاقة بين الأرثوذوكس والبروتستانت غير طيبة على الإطلاق.. فإذا نحيت الدين جانبًا وجدت أن (الهوليجان Hooligans) البريطانيين يذبحون منافسيهم في مباريات كرة القدم حتى اشتهرت بريطانيا بأنها موطن التعصب الكروي .. أقول إن التعصب داء عالمي لكن هذا لا يعني أن نطالب بنصيبنا العادل منه ونتمسك به .. بل إننا نطالب بنصيب يفوق نصيب باقي الدول ..
عندما غزا صدام الكويت أبديت رفضي للموضوع أمام صديق تونسي، فاتهمني ومصر كلها بأننا عملاء لأمريكا .. ثم سألني في اشمئزاز: "حرام عليكم ..كيف ترسلون ألف طفلة (فتاة) للترفيه عن الجنود الأمريكيين ؟". جن جنوني غيظًا وقلت له إنه لو كان المتكلم مجنونًا فليكن المستمع عاقلاً.. هل تتخيل لجنة من الحكومة تطوف بالشوارع تختار من البنات أولئك اللاتي يصلحن لإمتاع الجنود الأمريكيين ؟.. و"متخافش يا حاج .. بنتك حتنام مع العساكر الأمريكان كام يوم كده وبعدين ترجعلك صاغ سليم".. تشاجرت معه لإهانته أولاً ولغبائه ثانيًا .. ثم فوجئت بأن صحفنا تروج ذات الإشاعة لكنها جعلت الفتيات بنات دولة عربية أخرى تؤيد صدام .. والمفترض أنهن يذهبن للتسرية عن الجنود العراقيين . وفي الحالتين الكل يصدق .. على كل حال يعتبر التشهير الأخلاقي والديني من الأسلحة العربية المحببة شائعة الاستخدام بدءًا بمستوى باتعة التي تشنع على سلفتها، وانتهاء بمستوى الدول ذاتها .. إن خصمك إما أن يكون كافرًا أو شاذًا جنسيًا أو – على الأقل – يبيع زوجته لمن يدفع أكثر ..
عندما وقعت الواقعة وسقط العراق رحت أرسل صور الدمار والضحايا لمن أعرفهم على شبكة الإنترنت.. ما ذنب أطفال العراق الذين وضعوا بين مطرقة الغزو الأمريكي وسندان طاغية غبي مغرور ؟.. يتلقى صديقي الكويتي هذه الرسالة فيرد علي في برود وقسوة قائلاً: " أطفال العراق حق يراد به باطل .. تذكر ان هؤلاء القوم تركوا صدامًا يحكمهم .. فهم إذن يستحقون ما يحدث لهم .. !" يا سلام !.. كأنه كان بوسع العراقيين الضغط على زر ليزول صدام لكنهم لم يفعلوا .. وهل تستطيع أنت يا صاحبي التخلص من حاكمك إذا أردت هذا ؟
لكن صديقي الكويتي مصر على موقفه في ثبات .. يرى أن مقاومة الأمريكيين عمل غير أخلاقي، وتشعر أنه يتمنى أن يرى كل عراقي يقتل وكل امرأة عراقية تغتصب وكل طفل عراقي يذبح .. ليكن .. لقد احتل صدام بلده ورأيه مبرر إلى حد ما .. إن دمه يغلي بالحقد فلا ألومه كثيرًا ..
قلت له إن رامسفيلد يتحدث عن سوريا في تحرش واشتهاء، فقال لي بنفس الفتور: "فليحتل سوريا !.. إن البعث هناك ليس أفضل حالاً من بعث صدام !!"
هكذا يتمنى ان يسقط بلدان عربيان شديدا الأهمية في قبضة الأمريكان لمجرد أن هذا يرضي لذة الانتقام .. وهكذا اتهمت بالسذاجة أو العمالة مرتين: عندما لم أقف مع صدام وعندما لم أقف ضد العراقيين ..
قصة أخرى وقعت عندما بدأ بعض الإرهابيين المتحمسين في ذبح السياح .. كنت خارج مصر وقرأت الخبر المروع في الجرائد، فأخبرت به زميل عمل مصريًا ممن يؤمنون أن سبب مشاكلنا كلها هو أن الرجال لا يطيلون لحيهم ويسمعون الأغاني .. قال في فرح وحشي: "فلتذهب السياحة للجحيم .. هي لا تقدم شيئًا للبلاد إلا النساء العاريات ".. حاولت أن أكلمه عن أن مصر لا تملك إلا موردين يتيمين للدخل هما السياحة وقناة السويس، وبالتأكيد يأتي السياح لبلادنا لأغراض أخرى غير عرض أجسادهم العارية أمام شبابنا، وأنه ليس من العدل ولا الدين في شيء أن تسمح للسائح بدخول البلاد ثم تذبحه، لكنه كان يرى أنني غافل عن الحقائق ولا افهم شيئًا .. وبشكل ما شعرت بأن منطقه يشبه منطق الأطفال .. يطلب لعبة فإذا لم ينلها قام بتحطيم كل ما لديه من ألعاب .. علي وعلى أعدائي يا رب ..
يبدو لي أننا العرب ميالون لبدء المعارك الخطأ في الوقت الخطأ .. لا دور للأولويات في حياتنا، كما أننا نملك استعدادًا هائلاً للتعصب .. صحيح أننا لا ننفرد به، لكننا حريصون على أن نستعمله بكفاءة ..
الحقيقة أن الحكام إفراز طبيعي لشعوبهم، وكيفما تكونوا يول عليكم .. مهما تبدل الحكام فلن يأتي إلا حكام هم النبت الطبيعي لهذه التربة العقلية التي تفتح النيران على الشيعة ونحن أحوج ما نكون لهم، وينصرون صدامًا وهو ظالم ويتخلون عن الشعب العراقي مظلومًا، ويرون أن ذبح السياح عمل بطولي ..
العقل العربي يحتاج لإعادة تثقيف والخروج من هذا المستنقع الضيق المتعصب الذي يحبس نفسه فيه، ولكن أين نبدأ ومتى وكيف ؟..

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:33 AM
برعم الوردة

يموت رجل الأعمال الملياردير وآخر كلمة يلفظها هي : (روزباد) أي برعم الوردة ... ترسل الصحف الأمريكية مندوبيها في تحقيق مرهق طويل لمعرفة كنه هذا الـ (روزباد).. يتحركون في كل إتجاه .. ما الذي مات الملياردير وهو يتمناه ؟ .. هو الذي أنشأ جنة صناعية كاملة اسمها (زانادو) فيها كل ما يشتهي .. في نهاية الفيلم نكتشف أن (روزباد) هي الزحافة التي كان يلعب بها في طفولته والتي اضطرت أمه لبيعها .. هكذا كبر الملياردير وامتلك أمريكا ذاتها لكنه ظل يتحرق شوقًا في عقله الباطن للعب بتلك الزحافة الصغيرة !... هذه هي القصة المؤثرة لفيلم (المواطن كين) تحفة (أورسون ويلز)، والذي يحكي قصة حياة ملك الصحافة الأمريكي (راندولف هيرست... )
عندنا في العامية المصرية نقول: "اللي ما شبعش على طبلية أبوه عمره ما يشبع".. وهو يفسر حالة الجوع النهم لدى كل هؤلاء المليارديرات الذين يملئون المجتمع المصري اليوم ولا يشبعون من النهب أبدًا .. السبب ببساطة أنهم لم يشبعوا في طفولتهم ..
ينطبق الكلام على المال ..
ينطبق على الحنان ..
ينطبق على الحب ..
***
كان يحبها بحق .. تلك الرائحة الوليدة للعواطف القادمة لتوها من المصنع بعد فك السيلوفان .. هذه أول مرة تستعمل فيها قلبك .. هل يعمل جيدًا ؟.. تذكر أننا ما زلنا في فترة الضمان .. رائحة المطر في الهواء والسكاشن التي تنتهي قبل الغروب .. والشعور الأليم بأنها ستنفد ..
السمراء المرهفة الرقيقة ذات عيني الغزال .. كان يملك تلك القدرة السحرية على رؤية الجمال في صديقة البطلة .. الحمقى ينظرون بإعجاب للبطلة، ويفوتهم أن يروا ويفهموا الكنوز التي لدى صديقتها الخجول الصموت .. عندما تقترب أنت وتنحني أمام العرافة المقدسة وتخبرها كم هي رائعة . كم هي أسطورية .. عندها تستحق وحدك أنهار اللبن والعسل التي ادخرتها لأول من يلاحظ ذلك .. أول من يدرك أنها أروع من صديقتها المفتعلة الملطخة بالأصباغ .

ويقول رفاقي: لن تفلح
ويقول رفاقي: هل تنجح ؟
أن ترقى درجات المذبح
وتبث الكاهنة العظمى
ترنيمة شجوى لا تبرح ؟

كان يحبها في صمت ثلاثة أعوام، وفي حفل أسرة الكلية بمناسبة نهاية العام طلبوا منه أن يلقي قصيدة .. مال على الفتى الذي يعزف الأرغن الكهربي وطلب منه أن يتابع القصيدة بلحن (أرانجويه).. سأله في غيظ : إنت عاوز تقول قصيدة والا تغني ؟...
لن يفهم ..
وقف وبصوت مرتجف وعلى خلفية اللحن الرهيب، خرج الصوت متسربًا لأوتار قلوب الجالسين .. لو كان صوتًا واثقًا أو أكثر ثباتًا قليلاً لما أحدث هذا التأثير .. كان صادقًا وقد تلقى الجميع الإشارة بذلك .. كانت روحه هي التي تتكلم ..

ومهما كنت أو صرت .. أحبك مثلما أنت
فلا تتغيري أبدًا .. وكوني دائمًا أنت
..........................................
بعيدًا أنت تنسابين والأنظار تفترسك
وداعًا طفلتي السمراء حقًا سوف افتقدك ..
بعد الحفل تدنو منه لتقول له في لطف: كنت رائعًا .. يتراجع للخلف ويضرب الجدار بظهره شاعرًا بأنه يذوب في الأبدية .. وفي سره يهمس:
جاءت لتهمس : قد أجدت ..
فيا ملاكي رفرفي !
لو أنها كانت تعي ..
أني احترقت كما الذبابة في لهيب تلهفي !

يقول لها وهو يوشك على الإغماء:
ـ"القصيدة دي كانت لك !"
تقول وهي تنظر في عينيه:
ـ"ما انا عارفة!"
ألهذا يطلق الفرنسيون على الحب اسم (الميتة الصغرى) ؟.. أنت تموت فعلاً ..
تبدأ أيام الحلم ...
أطفال تغمرنا النشوة
نتبادل ألفاظًا خجلى ..
ألتذ براءة ضحكتها..
أجتر عبير سذاجتها..
وتجاهد كي تبدو أنثى
وأكافح كي أبدو رجلا !
...............
إني أهواها .. تهواني ..
يكفيها هذا .. يكفيني ..

ككل قصة حب أخرى لابد أن تفنى .. تفنى بالفراق أو الزواج .. المهم أنها تفنى .. كان هو الذي أدرك أن الحب جميل لكن تبعاته مستحيلة قاسية .. حسابه في المصرف بضعة جنيهات .. إنه طالب لم ينه دراسته بعد .. والده مدير شركة كبرى لكنه مدير شركة لم يختلس قط، لذا كان حسابه في المصرف أسوأ من حساب صاحبنا .. لماذا أطلب منك الانتظار من أجل حلم قد لا يكون أبدًا ؟.. صديقاتك يظفرن بالزيجات الثرية .. صديقاتك ينلن كل شيء .. فرسان الأحلام يحلقون في السماء من حولكن .. أنتن كبيرات ناضجات أما نحن فبعد أطفال نتلقى المصروف من آبائنا، ونتشاجر على لفافة تبغ وجدناها في درج أحدنا .. طيري مع صديقاتك .. طيري .. أتركيني هنا في الوحل .. ولا تعودي أبدًا ..
تبكي .. تدفن عينيها الجميلتين في منديلها فيصرخ فيها: طيري !!... طيري !
اليوم يعرف كم كان حكيمًا في قراره هذا عندما لم يستطع أن يتزوج إلا بعد سن الثلاثين ..

من دونك لن أزعم أبدًا أني أتنفس من دونك ..
من دونك أهذي .. أتثاءب .. أكتب أوراقًا .. أتعثر ..
ولبضع ثوان أتمادى ..
ولبضع قرون أتقهقر ..
أحيانًا أضحك .. أتناسى
أهمس ألفاظًا وسنانة ..
وأخط عبارات الشكوى من فوق جدار الزنزانة ...

يمر أمام بيتها في شارع النحاس كما فعل ألف مرة من قبل .. هذه المرة يرى بوضوح باقة الأزهار في شرفتها بالطابق الخامس ... رسالة صامتة بليغة:

وكانت باقة الازهار تنظر لي من الشرفة ..
لقد كانت تواسيني ..
تفتش في قفار العطف عن لفظ يعزيني ..
ورغم ضراوة الأشواك قد أحسست بالألفة ..
لقد كانت تصارحني بما قد كان في أمسي ..
ولم تجهل حكايا الوهم .. والآهات واللهفة ...

***
لماذا يتذكر هذا الآن ؟.. منذ ذلك الحين كف عن كتابة الشعر .. اكتسب هذا الاكتئاب الساخر مع تلك اللمسة المتعبة التي يعرفها كل من قابله .. إنه يتذكر .. كان هناك حب حقيقي حريف في حياته وقد اكتملت عناصره، لكنه ضاع للأبد ... ربما يشعر بدنو النهاية .. ربما يهمس وهو يرى عباءة الموت تظلل عينيه: برعم الوردة .. روزباد ... عندها لا تتساءلوا كثيرًا يا سادة ...
مهما حقق صاحبنا من نجاح أو انتصار .. مهما شاب شعره ... مهما اكتسب من حكمة .. فهو لم يتذوق الوجبة الوحيدة التي اشتهاها حقًا ..

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:35 AM
لمصلحة من ؟

كان الفيلسوف الكلبي الشهير (ديوجين) يمضي تحت جنح الظلام حاملاً مصباحًا يفتش به عن رجل واحد شريف، ويقال إن بحثه كان سدى .. أعتقد أن القصة تتكرر في عالمنا العربي اليوم، لكن (ديوجين) المعاصر كان سيتعب كثيرًا جدًا في البحث عن رجل واحد يتحرى الدقة والعدل ..
سوف يبدو هذا المقال للبعض دفاعًا مستميتًا عن الحكومة في أسوأ وقت ممكن، لكنه ليس كذلك على الإطلاق، فليس الدفاع عن هذه الحكومة المتخبطة الفاسدة من الأمور المحببة للنفس .. إنه دفاع عن الدقة وعن تحري الصواب فيما يقوله المرء دون الخضوع لدكتاتورية الجماهير، ودون الشهوة الطاغية لأن تقول لها ما تريد سماعه .. أذكر مقولة بديعة للشيخ (القرضاوي) يقول فيها: إن نفاق رجل الدين للحاكم أمره مفضوح وبالتالي خطره محدود.. لكن الخطر كل الخطر هو أن ينافق رجل الدين الجماهير بأن يقول لها ما تحب سماعه .. الحقيقة أن المواطن المصري قد تغير كثيرًا جدًا، وما أريد قوله هو أن هذه الحكومة هي الإفراز الطبيعي لهذه الحالة.. إن الشعوب تستحق حكوماتها وكيفما تكونوا يول عليكم .
الموضوع يتعلق بأنفلونزا الطيور .. بالتحديد ذلك الحوار الذي أجراه مذيع قناة الجزيرة (أحمد منصور) مع مسئول مهم عن المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في مصر .. منذ اللحظة الأولى للحوار بدا واضحًا أن أحمد منصور يغلي غضبًا ويريد إخراج حممه على الحكومة المصرية .. لقد عاد أحمد منصور القديم العدواني الذي يقاطع ضيفه في كل جملة بلا استثناء ولا يكف عن ترقيص حاجبيه .. منذ فترة طويلة كف أحمد منصور عن أن يكون مشاكسًا مغرورًا ضيق الأفق، لكنه في هذه الحلقة استعاد ذلك التراث القديم ..
الضيف هادئ ثابت راسخ الحجة، وهو يؤكد في إصرار أن ما قامت به الحكومة المصرية هو ببساطة ما أوصت به منظمة الصحة العالمية حرفيًا، وان الوباء قد بدأت السيطرة عليه فعلاً بسبب هذه السياسة الحازمة .. لكن المذيع يزداد عصبية وخيبة أمل .. لقد جاء بالضيف ليقول إن الحكومة أخطأت وإن هناك مؤامرة، وإن الحيتان الكبيرة هي التي بدأت هذه الإشاعة للقضاء على ثروة مصر من الدواجن والبدء من جديد بشروطها ومصلحتها الخاصة ..
يصر أحمد منصور على كشف فساد الحكومة، فيعرض فيلمًا شنيعًا يظهر رجلاًَ يجمع الكتاكيت بمكنسة والسيجارة بين شفتيه ثم يشعل فيها النار وهي حية .. ويعرض فيلمًا آخر نرى فيه فلاحين يفرغون أجولة مليئة بالدجاج الميت في مصرف مائي (لم يسأل المذيع نفسه عن سبب موت كل هذه الدواجن إذا كانت انفلونزا الطيور إشاعة) .. علام تدل هذه الأفلام ؟.. تدل على أن المواطن جاهل همجي لا يبالي بتلويث مجرى النيل .. أي أنه فقد الحس الحضاري الذي تمتع به جده الفرعوني .. وتدل على انه وحش قاس لا يبالي بحرق الحيوانات حية، برغم تعليمات الدين الذي لا يكف عن الكلام عنه لحظة .. فما دخل الحكومة في هذا ؟.. الضيف يقول إن هذا الفيلم يخبرنا بحجم المشكلة.. وإنها لكبيرة وضخمة، لكن الحكومة غير مسئولة عن هذه التصرفات الارتجالية من البعض ..
يزداد المذيع عصبية .. خاصة عندما يكرر الضيف إنه مسئول عن الطب الوقائي ولا يدافع عن أية حكومة .. فقط هو يؤكد أن الحكومة المصرية تصرفت بحكمة لمرة واحدة في تاريخها .. "لا تدافع يا احمد عن الجهل بحجة الدفاع عن الفقراء .. للأسف كل من يعلم ومن لا يعلم يتكلم .. لو استطاع الفيروس أن يطور نفسه لينتقل من إنسان لإنسان لكانت كارثة على الفقراء والأغنياء معًا.."
يسأله أحمد منصور: لماذا تعدم الحكومة الدجاج دون فحصه ؟.. فيرد الضيف : لأنه لا يمكن فحص دجاجة دجاجة .. بروتوكول الصحة العالمية يقضي بإعدام الدجاج في دائرة محددة القطر تحيط بأي إصابة .. يسأله أحمد منصور: لماذا تنفرد مصر بهذه النسب العالية دون العالم ؟.. يقول الضيف إن مدينة هونج كونج سنة 1997 أعدمت مليون دجاجة .. فيصيح المذيع: هذا في عام 1997 .. نحن في عام 2006 !! ولسان حاله يقول: لقد جئت بك هنا كي تشتم الحكومة فماذا دهاك ؟.. كان يبحث عن وجبة دسمة من الهجوم على الحكومة ونظرية المؤامرة، فخيب الضيف أمله بهدوئه ومنطقه العلمي المتزن ..
الخلاصة أن المذيع أنهى الحلقة قبل موعدها بعشر دقائق، وتشاجر مع الضيف فعلاً عندما قال له هذا الأخير: كل ما تريدون هو أن تهاجموا الحكومة، فرد أحمد منصور: لسنا كذلك ولا أسمح لك .. وانتهت الحلقة وهو يضغط على عضلات فكيه من فرط انفعال ..
الحقيقة أن إنفلونزا الطيور نموذج ممتاز للطريقة التي يتعامل بها المصريون مع الحقائق .. قبل أن يظهر الوباء في مصر بستة أشهر، وبينما منظمة الصحة العالمية تؤكد بعناد أن مصر خالية من انفلونزا الطيور، خرجت جريدة مستقلة واسعة الانتشار بصفحة كاملة تؤكد أن انفلونزا الطيور تجتاح مصر وأن الحكومة تخفي الحقائق عن الشعب كالعادة .. ثم ظهر الوباء في مصر فعلاً فإذا بهذه الجريدة تخصص كل أعدادها للكلام عن الخدعة الكبرى التي قامت بها الحكومة لمصلحة الكبار .. !..
إذن متى كذبتم ؟.. هل كذبتم منذ ستة أشهر أم الآن ؟.. لكن الجميع ينسى .. حتى من كتب هذا الكلام نسى أنه كتبه ..
وفي القاهرة ترى مظاهرات أصحاب المزارع تشق الطريق متجهة لمبنى التلفزيون، وهي تحمل لافتات عليها العبارة المصرية الخالدة (لمصلحة من ؟).. و(إشاعة انفلونزا الطيور .. لماذا يا حكومة ؟)..
وفي سوق مزدحم بمدينتي طنطا يقف رجل حاملاً مكبر صوت يصيح: "الشيخ فلان الفلاني عضو مجلس الشعب يقول لكم إن موضوع انفلونزا الطيور إشاعة أطلقتها الحكومة من اجل بعض المستوردين وتجار اللحوم .. ربوا الدجاج كما يحلو لكم .. وكلوه .. فقط لا تنسوا التسمية قبل أن تأكلوا ".. مع الإشاعة الأخرى: "سبب انفلونزا الطيور هي الخنازير التي يربيها النصارى ..!" وتشعر بأن القائل يوشك أن يقول:"تخلصوا من النصارى لتنجوا من الوباء !".. طبعًا بما أن الدقة هي الدقة فأنا أعرف أن فيروس انفلونزا الطيور نشأ نتيجة تربية البط والخنازير في مكان واحد لدى الفلاحين الصينيين، لكني أعرف كذلك أن الخنازير ليست هي مصدره في مصر وإنما هي الطيور المهاجرة .. وأعرف كذلك أن الشيخ فلانًا عضو مجلس الشعب لا يحق له أن يبدي رأيه في قضية طبية ..
ثم يتفاقم الوباء، فينسى الناس على الفور ما قيل، ويشكون من أن الحكومة لم تتخذ الإجراءات الكافية لمنع دخول هذه الكارثة .. تبدأ الحكومة في إعدام الدجاج في حملة صارمة غير مسبوقة، فيشكو الناس من أنها تتخذ من الإجراءات ما هو عنيف ولا داعي له على الإطلاق .. توفر الحكومة الدجاج المجمد فيتساءل الناس عن المصدر الذي جاءت منه بالدجاج بهذه السرعة ..
المؤامرة .. دائمًا المؤامرة .. وهو تفكير مبرر من شعب لم يسمع الحقيقة مرة واحدة في حياته، لكن هناك شيئًا اسمه المنطق .. هناك الحقيقة المجردة التي لا يجب أن تتأثر بكونك من أعضاء الحزب الحاكم أو المعارضة ..
القصة التي تؤثر في كثيراً كلما تذكرتها هي قصة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه (ابراهيم) وحدث خسوف للشمس .. قال المسلمون: لقد خسفت الشمس حزناً على (إبراهيم).. عندها كان غضبه صلى الله عليه وسلم شديداً مخيفاً وقال لهم: الشمس والقمر آيتان من آيات الله ولا تخسفان لموت أحد ..
هذا درس في الموضوعية والدقة .. ما حدث حدث وما لم يحدث لم يحدث .. فقط .. كان بوسعه - صلى الله عليه وسلم - أن يؤكد القصة أو يصمت وكان المسلمون سيصدقونه على الفور، لكنه لم يطق هذا الخلط المستفز للحقائق والأوهام في عقول العامة ..
أحياناً تأخذنا الحماسة الشوفينية فنقول أشياء غير دقيقة على طول الخط.. مثلاً أذكر أنني قرأت ترجمة لقصة (رحلة إلى باطن الأرض) صدرت في العراق في الثمانينات .. حين وجد بطل القصة الوثائق قالت الترجمة إنه وجدها مكتوبة باللغة العربية، وإنه حين سئل (جول فيرن) مؤلف القصة: لماذا اخترت أن تكون الوثيقة بالعربية ؟ . رد: لأنها لغة المستقبل ..
حسن .. بالطبع لم يرد في القصة بتاتاً أن الوثيقة كتبت بالعربية .. ما قيل نصًا هو أنها كتبت بالحروف الرونية المستعملة في أيسلندا قديماً.. وهو منطقي لأن القصة تدور هناك .. وبالطبع لم يقل (جول فيرن) هذه العبارة قط .. هذا نموذج للشوفينية المضرة التي تلوي عنق الحقيقة وتجانب الموضوعية، لكنها تروق للناس وتدغدغ غرورهم ..
إن قصة انفلونزا الطيور وأحمد منصور وعضو مجلس الشعب الذي يعرف الحقيقة كلها هي قصة تلخص تفكيرنا الحالي كله .. ومن الغريب أن المعارضة تحتاج إلى شجاعة لا بأس بها، لكن معارضة المعارضة تحتاج إلى قدر أكبر منها !.. التشكيك عمل جريء، لكن التشكيك في التشكيك صار عملاً أكثر جرأة !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:42 AM
تدين وروشنة وسيارات مرسيدس !... أحمدك يا رب !!

التغيرات الاجتماعية التي تراها مصر في الآونة الأخيرة عاصفة وعاتية ومن المحتم أن تلد شيئًا ما .. هناك أشياء لم يكن أحد يجسر على التفكير فيها بها منذ خمسة أو ستة أعوام، واليوم صار الكلام عنها مملاً.. الأمثلة كثيرة ويصعب حصرها، لكن العقل يستحضر من على السطح البرنامج التلفزيوني المذاع على الهواء الذي يتشاجر فيه أبو الفتاة الحامل مع أبي الفتى الذي غرر بها، ولا هدف للبرنامج إلا تقديم نوع مسل من مصارعة الديوك للمشاهدين أثناء تناول العشاء .. المعارك الطائفية تبرز للسطح بوضوح تام ويتم تداولها بلا همس، ويقول أتباع كل دين عن الآخر ما لم تتصوره إلا في كوابيسك .. النقد الصريح جدًا الموجه للحاكم وابنه دون أن يدل هذا على مكسب حقيقي في الحريات .. بل إن الحكومة استغلت هذه الجرأة كالعادة لصالحها، ووضعت المعارضة في خانة معدة لها سلفًا هي خانة (أيها العالم ..كيف لا أكون ديمقراطية وهم يشتمونني بهذه الجرأة دون أن أسحلهم في الشوارع ؟).. والمعارضة متحمسة لا تعرف أنها تلعب دورًا رسم لها من قبل ألا وهو تجميل النظام.. والحقيقة – كما يقول د. جلال أمين - أن هذا التسامح يمكن أن ينقلب على الفور لو عبثت بواحد من مقدسات الحكومة الحقيقية مثل (الكويز) وتصدير الغاز لإسرائيل أو دعوت إلى عصيان مدني وهو الحل الوحيد الممكن لإسقاط النظام .. عندها سترى أنياب الدولة الحقيقية ..
واحدًا تلو الآخر يتهاوى أحد التابوهات السابقة. يقول الزميل مؤمن المحمدي في مقال له بالدستور: "عندما يغني اللنبي ( وقف الخلق) وهو ثمل فإنه يخرق اثنين من المقدسات: الأغاني الوطنية وأم كلثوم التي اعتدنا أن نعتبرها مصر بشكل ما .. "
لكن التغيير الذي وجدته فاحشًا ويهدم الكثير من المسلمات عندي هو هذا (الفجر) – بضم الفاء – الذي تتعامل به الإعلانات التلفزيونية هذا العام ..
في دراسة ممتعة في (الإيكونوميست) قرأت عن تجربة قام بها أحد أساتذة سيكولوجية الإعلان الذي قال إن هناك طريقتين للإقناع .. الطريقة ألفا التي تقوم على ترغيبك في السلعة، والطريقة جاما التي تقوم على إزالة مقاومتك .. الإغراق مهم جدًا للطريقة جاما .. دعك من التظاهر بالدقة .. عندما أرسل هذا العالم تلاميذه يتسولون خمسة دولارات لم ينل أحدهم شيئًا، بينما عندما تسولوا سبعة دولارات ونصفًا حصلوا عليها !... إن مبلغ سبعة دولارات ونصف معقد لا يسمح بالتفكير ويزيل بالتالي مقاومتك غير الشعورية .. هذا يفسر الـ 19.99 الشهيرة في أسعار السلع ، ويبدو أن سيكولوجية الإعلان عندنا تلعب على الطريقة جاما لكنها كي تهدم مقاومتك تحاول تسفيه ما كنت تؤمن به من قبل .. أنت كنت مخدوعًا واهمًا .. فلتفق وتشتر سلعتنا ..
منذ زمن بعيد وقيمة الكفاح والعمل معنى مقدس لا يمكن المساس به، لكن إعلانات التلفزيون اخترقت هذا التابو ببساطة .. المهندس عباس كافح في تعمير الصحراء عشرين سنة حتى صار شيخًا أصلع مهدمًا واشترى سيارة مرسيدس .. يا له من أحمق !.. بينما الولد الروش فلان أتصل برقم هاتفي من (0900) وعلى الفور حصل على نفس السيارة .. !
هكذا في ثوان سخر الإعلان من قيم الكفاح ومن تعمير الصحراء ومن كل شيء .. لم تعد هناك قيمة في العالم إلا الروشنة والاتصالات ..
بدأ الأمر على استحياء مع بداية الانفتاح في أوائل الثمانينات، عندما سمح التلفزيون لمظاهرة شعبية بأن تظهر على شاشته .. كانت مظاهرة تردد من حناجر بحت بالهتاف: مش عاوزة سؤال طبعًا مينرال !.. هؤلاء ناس حملوا قلوبهم على أيديهم وودعوا أطفالهم من أجل القضية الوحيدة التي تهم ومن أجلها نضحي بكل مرتخص وغال: المياه المعدنية ..
بعدها رأينا مع هشام سليم كيف أن شرائح البطاطس المقلية هي العامل الوحيد الذي يجمع طبقات الشعب وكل فئاته .. وظهر أحمد السقا الذي يضغط عليه الزبانية ويعذبونه وهو مربوط في قبو مخيف، لكنه مصر على الهتاف من أجل قضيته: حاجة ساقعة ببسي .. ويوشك أن يقول: والله لأموتن عليها ..
الفتى (الروش) يعاني من أن أباه في العيادة طول اليوم لا يفعل شيئًا إلا أن يعد المال .. لكن أنا (مكبر دماغي وبشرب مش عارف إيه كده)..
حتى طريقة نطق الحروف السريعة ذاتها توحي بالاستهتار .. هناك مذيع إعلانات لا أعرف اسمه لكنه دخل هذا المجال مع ظاهرة (طارق نور) في بدايات الانفتاح، ويوشك أن يكون المذيع الأوحد الآن. هو الذي نسمع صوته يقول: (أمييير كرارة) في البرنامج الشهير .. هذا الصوت الرفيع المنبهر دائمًا يعبر أصدق تعبير عن السعار الاستهلاكي الذي أدخلنا فيه السادات، فلو كان لهذا السعار صوت لكان صوته .. الحق نفسك .. وفر فلوسك .. انسف .. جدد .. اشتر الآن ..
المجال الثاني الذي خرقت فيه الإعلانات التابو هو مجال الدين .. هذه ظاهرة ذكية أخرى تستغل (إيمان الروشنة) تلك الظاهرة الجديدة التي تغزو أوساط الشباب .. الشباب الثري أو المستريح يشعر بتأنيب الضمير بين دنيا مغرية ودين يناديه فيتخذ هذا الحل الوسط . اللحية الأنيقة القصيرة والبدلة السوداء والعطر الفاخر والموبايل مع التدين .. هكذا يشعر بأنه جمع بين الدنيا والدين، وهذه الظاهرة هي التي أفرزت الحجاب الذي يُلبس على الجينز أو الثياب الضيقة مع ماكياج كامل يدغدغ في الرجل الشرقي ذكريات عصر الجواري؛ فالفتاة تلبس ما تحب لكنها تضع إصبعيها في عين من يجرؤ على أن يطالبها بالحجاب الصحيح.. ولو لم تجد لها مكانًا محجوزًا في الجنة فلسوف تندهش بحق. من أفضل ما أفرزته هذه الظاهرة على كل حال ذلك الشاب عمرو خالد الذي هو صورة أنيقة معاصرة للداعية، والذي ينسخ الشباب محاضراته ويتداولونها عبر شبكة الإنترنت ..لم ترحم الإعلانات ظاهرة التدين هذه وقررت أنها مفيدة جدًا .. لقد انتهى عصر صوت محمد الطوخي الوقور المتهدج الذي يقول : وهبة الجزء عشرة جنيهات .. للمرة الأولى نسمع عن حج خمس نجوم وعن إيمان الموبايلات .. هناك إعلان جذاب يسمع فيه الشباب أغنية دينية من الموبايل فيتركون لعب الاسكواش – نشاط الشباب المصري المعتاد – ليلبوا النداء.. وهكذا تصل الرسالة: اشتروا خطوط الموبايل الجديدة واعطوني مالكم كي ننعم جميعًا بلذة الإيمان ومستقبل باهر في حب مصر ..
ماذا يفعلون بك يا وطني ؟.. هل هم شياطين تتحرك طبقًا لخطة مرسومة أم هم مجرد بلهاء متخبطين لا يهمهم إلا الثراء ؟.. لا أدري . لكنني أرى مستقبلاً باسمًا من الشباب الروش الذي يكسب سيارة مرسيدس بالموبايل ويتبادل الأغاني الدينية ويؤمن أن المهندس عباس الذي عمر الصحراء أحمق .. فقط أدعو الله أن يقبض روحي قبل أن أقتنع وأجري أول اتصال برقم (0900) اللعين !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:49 AM
عن النعناع وقناوي والفوضى

بائع النعناع العجوز يدفع سيارته في أحد الشوارع قرب مديرية الأمن، فتستوقفه سيارة بيجو بيضاء بها بعض الرتب، وينتقي ركابها بمعونة السائق المجند ربطات عديدة مكتنزة من النعناع النضر طيب الرائحة، ويشتمون البائع طالبين أكياسًا يضعون فيها ما أخذوه، ثم بلا كلمة أخرى تنطلق السيارة التي تعالت منها الضحكات، ليقف البائع وحده وقد اختفى نصف بضاعته .. دنوت منه فرأيت دموع القهر والغيظ في عينيه، وهو يردد لنفسه: ـ"عاملين لي فيها بهوات .. ده قوت عيالي يا كفرة .." تأمل معي الموقف.. لا أعتقد أن وزارة الداخلية تأمر ضباطها بسرقة النعناع، وكمية النعناع على هذه العربة لن يزيد ثمنها على خمسة جنيهات لن ترهق هؤلاء، لكن خمسة الجنيهات هذه تمثل للرجل رأس ماله بالفعل. هكذا بلمسة بسيطة صار هذا البائع المسن من أعداء الداخلية، والسبب تصرف غير مسئول من بعض البكوات، ورغبة في فرض القهر والسيطرة على رجل لا خطر منه.. بالفعل هناك تجاوزات كثيرة من رجال الشرطة، بعضها بسيط مثل عدم دفع ثمن النعناع وبعضها يصل لدرجة إلقاء المتهم من الطابق الثالث، وقد كنت أجلس في (ميكروباص) بين المحافظات يقف جوار قسم شرطة شهير جدًا في القاهرة، فسمعت السائق يقول لأمين الشرطة المحتج على وقوفه هنا: "الميكروباص ده بتاع فلان بيه" .. لم يبد الأمين أية دهشة . فقط تساءل: "مش ده بتاع علان باشا ؟" فاتضح من كلامهما أن كل واحد من البهوات يشمل برعايته مجموعة خاصة به من الميكروباصات معروفة ولا يسمح لأحد بأن يتصدى لها، والمقابل معروف طبعًا. هذا كلام يعرفه الجميع لكنك لا تستطيع إثباته، وأية محاولة لذلك سوف تنتهي بك في السجن. كان كل هذا في ذهني عندما ذهبت لرؤية (هي فوضى) فيلم يوسف شاهين وخالد يوسف. وكما قال الأستاذ (رامي عبد الرازق) في (كادر ثابت) عن حق: " هنا ثنائي نرجسي مخيف لا قبل لأحد بالوقوف أمام تدخلاته". وكنت أعرف أن الفيلم سينجح ويمتدحه الجميع مهما كان مستواه، لأنه صار من الكفر ألا يعجب أحد بفيلم ليوسف شاهين. وحتى الكومبارس الذي يقدم للبطلة كوب ماء في أحد أفلامه يعتبر نفسه أستاذاً من أساتذة التمثيل، ويقول في وقار وغموض:" أفضل أن يرى الناس العمل ليحكموا بدلاً من أن أتكلم عنه". وغدا من التقليدي في كلام أي ممثل أن يحكي عن (تجربة التطهير أو الميلاد الجديد) التي اجتازها بالعمل مع شاهين. منذ اللحظات الأولى عرفت أن الفيلم حقق فتحين: الفتح الأول هو تحطيم الكثير من التابوهات والخطوط الحمراء بصدد هذه التجاوزات، والفتح الثاني هو إعطاء دور بطولة شبه مطلقة لخالد صالح أفضل ممثل عرفته مصر منذ عشر سنوات بلا مبالغة .. فيما عدا هذا بدا واضحًا تمامًا أن الفيلم علاقته واهية جدًا بيوسف شاهين .. هذا هو فيلم خالد يوسف بالكامل، فلا تظهر لمسات يوسف شاهين إلا في مشاهد محدودة مثل المولد، والعلاقة شبه الأوديبية بين وكيل النيابة وأمه، واسم بهية، وطبعًا الخلط الاجتماعي الطبقي العجيب، والهتافات السياسية المفتعلة مثل (عمر السجن ما غير فكرة) التي تذكرك بهتاف شاهيني آخر (مصر حتفضل غالية عليا) الذي يتصور شاهين أنه قادر على قهر بونابرت وكلب حراسته الأرمني الشرس (برطملين).. السيناريست (ناصر عبد الرحمن) وضع على مكتبه لافتة تقول (الداخلية تغتصب المصريين)، وقرر أن يبني عليها سيناريو كاملاً مدته ساعتان جعل فيها هذه المقولة حرفية . يسهل أن نتصور أن خالد صالح يمثل الداخلية، بينما منة شلبي هي مصر التي لا يحميها إلا القانون.. هكذا تم البناء الكبير .. لابد من حبكات فرعية كثيرة، ومنها مثلاً وكيل النيابة الذي يحب فتاة تدمن المخدرات وترسم الوشم على ظهرها، وهي أيضًا ابنة عضو في لجنة السياسات!، وهي حامل من وكيل النيابة كذلك، وإن كانت أمه (هالة صدقي) لا تندهش من ذلك لحظة بل هي فقط قلقة على صحة الطفل الذي سيولد لأم مدمنة. جاءت الاستراحة فنهضت لأدخن سيجارة. تأخرت ربع دقيقة وعدت فوجدت أن وكيل النيابة صار متيمًا بحب منة شلبي فجأة، وكلتا الفتاتين ليست بالضبط نوعية الفتاة التي يمكن أن تروق لوكيل نيابة .. هناك مشاهد عجيبة طويلة جدًا ولا لزوم لها مثل مشهد زنزانة الحريم المجاورة. هنا خيط واضح من قصة (الهمس المسحوق) الرائعة ليوسف إدريس، لكن بصراحة لو كان عنبر الحريم أقرب لحريم ألف ليلة بهذا الشكل فمن واجبنا جميعًا أن نُسجن .. في الواقع كان الأجمل أن يكون هذا عالمًا خياليًا لا وجود له يتناقض مع واقع العاهرات والمدمنات الفعلي القذر القبيح. أي أن يكون وليد أحلام المساجين المحرومة كما فعل إدريس العبقري في قصته آنفة الذكر. الفيلم جريء حسيًا، لكن كما قلت في مقال سابق هناك ميزانين في الرقابة: ميزان للعامة وميزان لشاهين .. هكذا تصفح الرقابة في تسامح أسطوري عن مشاهد لو قدمها سوى شاهين لعلقوه مشنوقاً. نظارة هيبة العبقرية وضعت على عين الرقيب فلم يعد يرى... في أفلام شاهين يتكرر ذلك الخلط الساذج بين المتصوفين والموالدية والأصوليين، فهو – كالخواجات تماماً – يضع كل هؤلاء في سلة واحدة تمسك بالدف وتتطوح ذات اليمين واليسار، برغم أنه لا يمكن الجمع بين المتصوفين والأصوليين أبداً. ثم المشهد الكوميدي في مكتب مرشح الأخوان في مجلس الشعب .. الأخوان لا يتكلمون هكذا سواء اختلفت أو اتفقت معهم، لكنك تسمع كلامًا غريبًا مثل: "طبعا احنا الحل .. المهم تدونا اصواتكوا وتسمعوا كلامنا ..". لو كانوا يتكلمون بهذه السذاجة لما صار الشارع إخوانيًا . تصوره للشاب السلفي في السجن هو شخص ملتح بجلباب يقف طيلة الوقت ووجهه للحائط يقرأ المصحف ويهتز، كأنه يهودي عند حائط المبكى. هل السلفيون لا يجلسون على الأرض أو ينامون أو يهمدون قليلاً ؟ المظاهرة العاطفية في نهاية الفيلم والتي صممت بعناية لإثارة حماسة المشاهدين وقشعريرتهم، والتي تبدو فيها الداخلية غلبانة جدًا ومثيرة للشفقة، لدرجة أن هالة فاخر تدفع أربعة جنود فيسقطون. هذا الاقتحام للقسم كان في الواقع سوف يؤدي لفتح النار مباشرة، دعك من وكيل النيابة الذي صار يجري في ممرات السجن ويطلق الرصاص في الهواء وعلى الأقفال ويهدد ضباط القسم.. الفيلم يتلخص في عبارة واحدة: (خالد صالح).. ومعه الكثير من خالد صالح مع لمسة من خالد صالح، وبعض خالد صالح، ثم خالد صالح على الوش.. هذا الممثل العبقري هو الذي رد للمشاهدين مقابل تذاكرهم وزيادة، وكنت تشعر بأن أي وقت لا يظهر فيه على الشاشة هو وقت ضائع. السيناريست رسم شخصيته وفي ذهنه خيوط كثيرة جدًا من قناوي باب الحديد. العاشق المتيم في الحب بحرارة حارقة والمنفر والشهواني.. وكما كان قناوي يرسم دلو (الأزوزة) ليتدلى من ذراع الصور العارية لتذكره بهند رستم، فإن أمين الشرطة في هذا العصر يلفق بالكمبيوتر صورة لمنة شلبي بالبكيني. ومثل قناوي يغتصب حبيبته كخطوة أخيرة قبل نهايته، لكنه لا يلبس قميص الأكمام هنا بل يقتل نفسه. هذه الشخصية مرسومة ببراعة، ويمكنك بسهولة أن تدرك أن يوسف شاهين يتعاطف معها ويحبها. لكن هناك الكثير من المبالغة الفجة فيها مثل أن يجلس ليلتهم عشرين رغيف حواوشي ببلاش وفي الوقت ذاته تنهال أمامه الرشاوي .. الأمور لا تحدث هكذا .. لا ننكر أن الفيلم ممتع، والسرد خطي يجعلنا للمرة الأولى نشاهد يوسف شاهين بارتياح، لكن هذه الهنات تقف في حلقك فلا تستطيع ابتلاعها، دعك من تحميل كل خطايا الكون على عاتق أمين شرطة واحد، وأعتقد أن السبب طبعًا هو أن للرقابة حدًا تستطيع مضغه فابتلاعه . بعد هذا مستحيل

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:51 AM
هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية
1- فضلات ثيران !

أخيرًا شاهدت حلقات البرنامج الأمريكي (هراء) الذي أرسل لي صديقي الكويتي حلقات موسم كامل منه .. (هراء) أو (فضلات ثيران) هي الترجمة المهذبة لاسم البرنامج البذيء، والذي يقدمه اثنان من المشعوذين الظرفاء سليطي اللسان هما (بن) و(ستيلر) اللذان قررا أن يكرسا حياتهما لمحاربة الخرافة والسخف والنصب .. نفس الدور الذي لعبه منذ مائة عام مشعوذ آخر هو (هوديني) على أساس إن (حبل على حبل مايبرمش) كما يقولون عندنا .. الحلقة التي استلفتت نظري تدور عن الطب البديل .. يمكنني اليوم أن استعمل الكلمة بحرية بعد ما فضل د. (محمد المخزنجي) استعمال لفظة (الطب المكمل).. منذ البداية يقول مقدم الحلقة في استمتاع: "نحن نبحث عن الهراء .. وما دمنا نتكلم عن الطب البديل فالمشكلة هي: من أين نبدأ ؟" ويأخذك البرنامج في رحلة ممتعة بين هذا النصاب الذي يجوب الولايات المتحدة بشاحنة، ويقوم بتدليك القدمين بجهاز يحدث ذبذبة معينة تدغدغ القدم، ويتقاضى 55 دولارًا في الساعة.. يطلقون على هذا النوع من العلاج اسم reflexology ويقضي بأن كل أعضاء الجسم لها جزء يمثلها في القدم .. ثم يأخذك البرنامج إلى المعالجين بالمغناطيس .. هناك مغناطيس لكل عضو من أعضاء جسدك، والفكرة هي تصحيح مغناطيسية جسمك المختلة .. يؤكد الدكتور المتحمس لهذه الطريقة – وكلهم يحملون لقب دكتور على فكرة - أن رسم المخ الكهربي أظهر انخفاض معدلات التوتر لدى من عولجوا بهذه الطريقة.. هنا يذكرنا البرنامج بأن رسام المخ الكهربي لا دور له في قياس التوتر .. ويعلق أحد أساتذة الأمراض العصبية أن أجسامنا لا تعمل بهذه الكيفية ولا دور للمغناطيس فيها .. هناك جو علمي مهيب حول الموضوع لكن الحقيقة هي أنه مجرد هراء .. بعد هذا نرى الـ Chiropractor وهو نصاب آخر يعالج بفلسفة تقوم على أن كل الأمراض تنجم عن ارتخاء الفقرات . لهذا يمارس هذه العملية التي هي أقرب للتدليك العنيف جدًا .. يعترف الرجل الذي يزعم أنه حاصل على الدكتوراه بأنه أجرى هذه العملية العنيفة على طفل عمره شهر واحد ليعالجه من الإكزيما..! هكذا ينتقل البرنامج من هراء لآخر، وفي النهاية يلتقي بعالم كتب عن هؤلاء النصابين كتابًا اسمه (الفودوو العلمي). يقول هذا العالم إن الأمر كله يعتمد على الإيحاء ورغبة الشفاء لدى المريض .. ثم يصف كل هذا الذي يحدث بعبارة قاسية هي : "إنه مجرد استمناء فكري !". نترك هذا البرنامج الشائق ونثب إلى مصر التي تفشى فيها سرطان الطب البديل .. قد يطيب للنفس أن تتأسى بحقيقة أن هذا النصب يجري في أكثر دول العالم تقدمًا، لكننا نقول إن هناك فارقين مهمين بيننا وبينهم.. الفارق الأول هو أن طريقتهم العلمية صارمة وثابتة .. يستعملون المقاييس التي وضعها كانط وديكارت وليسوا على استعداد للتخلي عنها .. لن تتكلم مجلة طبية محترمة عن العلاج بالمغناطيس، ولو تكلمت لقامت بإجراء دراسة مقارنة مع مجموعة ضابطة تخضعها لعلم الإحصاء الذي لا يكذب .. هكذا يظل الخط واضحًا بين ما هو علم وما هو علم زائف، بينما عندنا يطرد العلم الزائف العلم الحقيقي، ولم يعد من الغريب أن يطلب منك المريض ألا تكتب له علاج السكر لأن معالجه نصحه بعدم تعاطيه !.. هناك أطباء يبيعون الأعشاب في عياداتهم أو خلائط غريبة من مساحيق ركبوها بأنفسهم .. عرفت طبيبًا ظل يعالج سرطان المستقيم بأن يسكب فوقه العسل الأبيض يوميًا، وبعد ما مات المريض كان رأيه هو أن العسل (مش قطفة أولى).. الفارق الثاني هو أنهم لم يربطوا هذا النوع من الطب بالدين، وبهذا لم يضعوا درعًا واقيًا حول إدعاءاتهم يصعب أن تخترقه... عندما يبتكر طبيب مصري نوعًا من قطرات العين مستخلصًا من العرق، ويزعم أنه يعالج المياه البيضاء لأن قميص سيدنا يوسف أعاد البصر لأبيه، فإنه قد ضمن رواج المنتج أولاً، ووضع حول نفسه سياجًا منيعًا ثانيًا .. من يخترق هذا السياج ليتشكك، يبدُ أمام الناس كأنه يعارض صحيح الدين، برغم أن ما حدث من عودة بصر الكفيف معجزة إلهية، وإنكار قدرة العرق على شفاء المياه البيضاء لا علاقة له بالدين . برغم الطابع المحلي القوي للعلم البديل، فإن رأيي الخاص هو أن ما حدث في الأعوام الأخيرة نصر آخر للعولمة .. ربما تم هذا شعوريًا أو لا شعوريًا، لكن هناك من الأذكياء من درس تجارب نصابي الغرب وعرف كيف يصنع قرشين منها .. هكذا بدأت ظواهر المعالجين الروحيين تتسرب لنا .. تسرب لنا الكثير من الطب البديل .. برامج مريم نور التي تمزج الشامانية بالمانوية باليوجا في خليط واحد خلاب ... ظاهرة الداعية التلفزيوني الوسيم الأنيق .. أليست تكرارًا لظاهرة الواعظ النجم البروتستانتي في الغرب ؟، بينما تراجعت مكانة رجل الدين العالم الأزهري الذي يعرف ما يتكلم عنه حقًا .. حتى الطريقة (الكارنيجية) في الوصول للثروة والنجاح في الحياة وجدت من يتلقفها عندنا .. ثمة سمة عامة تجمع هؤلاء جميعًا .. من الصعب أن تكون مقنعًا ما لم تكن مقتنعًا .. لهذا هم يجمعون بين الاقتناع والإقناع، فلا أعتقد أن أحدهم ينفرد بنفسه خلف الستار ليضحك قليلاً قبل أن يعود لمواجهة الجمهور .. بالنسبة لهم ما يقومون به جم الفائدة .. حقيقة تتأكد لدى كل منهم وهو يجتاز مدخل البنك ليصرف الشيك الخامس في شهر واحد .. هل هناك شيء أكثر فائدة ؟ هم شرسون جدًا في الدفاع عما يزعمون، وهذا قد يصل درجة التوحش أحيانًا .. هذا طبيعي لأنك في الواقع تحاربهم في صنعتهم ورزقهم الذي جعلهم نجومًا وحقق لهم كل هذه الأرباح .. جرب أن تطلق الشائعات عن بائع الفول الذي يقف بعربته عند مدخل شارعكم، وسوف يمزقك أو يدلق قدر الفول فوق رأسك.. وكما قال لي سائق سيارة تاكسي ذات مرة: آل يا واخد قوتي يا ناوي على موتي ..! طيف هذه الألاعيب واسع ممتد يبدأ بعلاج الالتهاب سي بالحمام، وينتهي بنشاطات راقية متحذلقة مثل البرمجة اللغوية العصبية.. إنها دائرة شيطانية أخرى تدور كالتالي: الناس تريد معلومات أكثر عن هذه الألعاب الجديدة .. الفضائيات تقدم للناس ما يريدون .. يولد المزيد من النجوم الذين يصير لهم أتباع أكثر .. هؤلاء الأتباع يطلبون المزيد من الألعاب الجديدة .. الخ .. وللحديث بقية طبعًا ... بلاغ عن حادث لم يحدث: يبدو هذا الكلام شخصيًا جدًا وهو ليس كذلك والله العظيم.. ابنتي تلميذة في مدرسة ابتدائية جديدة تقع بالضبط على طريق المحلة الكبرى السريع (لن أذكر أسماء لكن كل طنطاوي قد عرفها الآن).. وبما أنه لا يمكن مغادرة المدرسة من دون عبور الطريق السريع، فقد كان هناك مطب صناعي ممتاز يرغم السيارات على الإبطاء لدى المرور بالمدرسة. خطر لي أن أمر على مدرستها الأسبوع الماضي لأفاجأ بأن علي أن أدور بالسيارة وسط سيل منهمر من السيارات المجنونة التي لا تقل سرعتها عن 120 في الساعة وهذا عمل أقرب إلى معجزات الأولياء .. لقد أزالوا المطب !.. سألت عن السبب فعرفت أن ذلك المسئول أو ذاك أزاله لدى زيارة السيد رئيس الوزراء لطنطا لأن سيارة سيادته لا يمكن أن تمر بسيادته فوق مطب صناعي .. عيب .. هذا قد يقلب بطن سيادته .. هكذا ببساطة يعرضون الأطفال لكارثة لمجرد ألا يتضايق السيد رئيس الوزراء قليلاً.. ومن السهل الآن أن تتخيل ما سيحدث بعد يوم . بعد أسبوع .. بعد شهر، عندما تقتحم تلك الشاحنة المجنونة أتوبيس المدرسة المحندق الرقيق وهو يحاول عبور الطريق السريع بمن فيه من أطفال.. سوف يتأسف الكثيرون وسوف يكتبون عن المأساة مقالات مطولة باكية، ثم يتناولون العشاء وينامون راضين عن أنفسهم.. لن أظلم رئيس الوزراء.. لا أعتقد أنه أصدر توصياته بإزالة المطبات التي توجد جوار المدارس الابتدائية من أجل قتل التلاميذ، فهو ليس رائق المزاج لهذا الحد، لكني ألوم هذا المسئول المنافق الذي لا يرى أهمية ما للتضحية بحياة مائة طفل ما دام هذا يرفعه درجة في سلم النفاق، مع إنني – وأي أب آخر – لي رأي مختلف نوعًا هو أن مجلس الوزراء كله لا يساوي قلامة ظفر ابنتي .. اعتبروا هذا بلاغًا بحادث ينتظر أن يحدث على رأي الغربيين !!

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:52 AM
هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية
2- الشك في الطب والأطباء

تعليقًا على مقال الأسبوع الماضي، وصلتني بعض خطابات تدور حول ذات المنطق تقريبًا، ومنها هذا الخطاب لصديق لن أذكر اسمه لأنني لم أطلب إذنه في النشر : "منذ أيام مرض والدي ودخل المستشفى وأجرى قسطرة في القلب، وعرفت أن ثمن قسطرة القلب عشرين ألف جنيه وأشعة الرنين المغناطيسي تكلف 450 جنيه وهناك أدوية وحقن سعرها 100 جنيه أو أكثر، والإقامة ليلة واحدة في المستشفى تكلف أكثر من 200 جنيه .. هل تعتقد أن من يجرون وراء الأوهام يجرون بخاطرهم ؟! إنهم لم يجدوا شيئًا أفضل وأرخص ليجربوه , أنا مستعد أن أبلبع كل أنواع الأعشاب إذا مرضت ولم أجد لي علاجا أو كنت لا أملك ثمن العلاج !!! ........ الناس معذورة في الجري وراء الطب البديل ، العلاج والدواء والأشعات والعمليات ثمنها غال جدا ، ولا يقدر عليها أكثر الناس ...........من لا يجد العلاج أو من لا يملك ثمن العلاج من حقه أن يجرب كل شيء وأي شيء ما لم يكن حرامًا " الحقيقة إنني لا أستطيع أن أرغم نفسي على قبول هذا المنطق .. إذا كان هناك أطباء جشعون بلا رحمة، وإذا كانت هناك أمراض بلا علاج، فليس الحل هو أن أجري في الاتجاه المعاكس لأنفق القليل الذي أملكه عند أباطرة الطب الزائف الذين لا يملكون ما يقدمون .. كأن المال نوع من الطاقة يجب أن تخرج في هذا الاتجاه أو ذاك .. لا تعط الأطباء مالك .. أعطني إياه وضع ثقتك بي .. وبرغم هذا فإنني لا أرى شيئًا رخيصًا في هذا كله.. المصابون بداء السكري ينفقون الكثير فعلاً على علاجات الأعشاب عديمة النفع، برغم أن علاج السكر المحترم العلمي ليس باهظًا إلى هذا الحد .. إنهم ينفقون الكثير على العلاج بالحمام والأوزون والأشعة تحت الحمراء .. لكنهم يدفعون هذه الأموال في رضا تام ويمكن أن يتشاجروا معك لو فتحت فمك معترضًا .. هذا في رأيي يعود إلى سلوك إنساني طبيعي، هو أن الإنسان لا يقبل أن يعترف بأنه قابل للخداع أو إنه خُدع فعلاً.. يتحدث أباطرة الطب البديل عن الإبر الصينية رابطين بينها وبين ما يروجون له من هراء.. قل لهم إن الإبر الصينية درست دراسة مدققة منذ زيارة نيكسون للصين في أوائل السبعينات، وهناك رسائل دكتوراه عليها في كل مكان بالعالم، ولسوف تجدها في مجلات من وزن (لانست) و(بي إم جي)، وهي جزء مهم من مقرر علم وظائف الأعضاء لدى أي طالب طب.. فقط عندما يقرر بعض الأباطرة أن يزيدوا طيف التكسب ليجعلوها تشفي من سرطان الكبد ومن الالتهاب سي ومن تلف صمامات القلب، مع الهراء المعتاد الذي لا يمكن إثباته: "الإبر الصينية تزيد المناعة عن طريق تنشيط الخلايا المساعدة (ت) وتزيد إفراز مواد معينة منشطة للمقاومة " .. الخ .. هنا فقط تسمع النغمة المألوفة وتعرف أن العلم قد صمت، بينما تكلم المال .. المريض قد يئس من الطب التقليدي ويريد تجربة أي شيء بأي ثمن .. جميل جدًا .. هذا بالضبط هو الصيد الذي خرج هؤلاء القوم للظفر به .. هذا هو مصدر رزقهم، ومن ورائه سيبنون العمارات ويركب أولادهم البي إم دابليو ويقتنون شاليهات الساحل الشمالي.. سوف يعيش كل منهم على الفضائيات، وسوف ينشر كتابًا يبيع مليون نسخة، وسوف يخصص خطًا هاتفيًا للرد على الاستفسارات .. كل هذا بثمن طبعًا .. ليس هبة ولا تبرعًا .. يعتمد هؤلاء كذلك على نقطة نفسية مهمة هي ارتفاع نغمة الشك في الأطباء والتحفز ضدهم في وسائل الإعلام .. لا يمر يوم من دون أن تقرأ عن الطبيب الفلاني الذي نسى الفوطة في بطن المريض، أو سرق كلية مريض، أو أعطى المريض علاجًا خاطئًا .. هكذا يزداد اليقين لدى المريض أن الأطباء مجموعة من الجهلة الجشعين الذين يسرقون مالك وأعضاءك .. هم دائمًا غير موجودين في المستشفيات فإذا تواجدوا ارتكبوا الأخطاء المهنية القاتلة .. إذن أين المفر ؟.. المفر الوحيد هو ذلك الأخ الذي يظهر على الفضائيات ويعالج السرطان بالأعشاب .. مثلاًَ في برنامج تلفزيوني جماهيري منذ عدة أعوام، ظهر الفنان سمير الاسكندراني ليحكي قصته مع نوبة ارتفاع ضغط أصابته، فذهب إلى المستشفى حيث أعطاه الطبيب نوعًا من الكبسولات تحت اللسان، والنتيجة أنه شعر بصداع مروع مع زغللة عينين واحمرار في الوجه .. حكى القصة بطريقة درامية – مع الكاريزما الفائقة التي يتمتع بها - باعتبارها حلقة أخرى من مسلسل إهمال الأطباء وجهلهم .. كل طبيب يعرف أن هذا أثر جانبي معتاد لعقار (نيفيدبن) الذي وضعوه تحت لسانه لإنقاذ الموقف، وكانت هذه أفضل سياسة طبية (في ذلك الزمن) .. الصداع وزغللة العينين لا معنى لهما سوى أن العقار بدأ يعمل .. لكن البرنامج قد أعد أصلاً لالتهام سمعة الأطباء والشك فيهم، ولا يمكن أن يسمح لطبيب بأن يفسد هذه الوليمة .. كل طبيب يعرف ذلك المريض الذي يقصده في المستشفى المجاني طالبًا استشارته، فيفحصه الطبيب ويقضي معه وقتًا طويلاً ثم يكتب له العلاج.. هنا يبرز المريض روشتة أخرى من جيبه ويسأل: "لقد سألت زميلك الفلاني منذ قليل وكتب لي هذا.. فما رأيك ؟" .. هكذا هو يجرب الاستزادة من وقت الأطباء وجهدهم على سبيل (الاستخسار)، ولأنه لا يثق في كليهما، وفي الوقت ذاته يحاول أن يجعل اللصين يختلفان لتظهر البضاعة المسروقة .. نفس المريض يذهب في سعادة وحماس إلى عيادة طبيب يأخذ مائتي جنيه في الكشف، وينفذ كل ما يطلبه الطبيب عن طيب خاطر، لأن ما هو مجاني لا قيمة له .. هل المنشفة المنسية في الجرح مسئولية الجراح ؟.. كلنا حضر العمليات الجراحية ورأى كيف تبتل هذه المنشفة بالدم فلا تختلف عن الأنسجة البشرية الدامية في شيء.. هنا يأتي دور ممرضة العمليات المسئولة عن عد المناشف.. يقول الجراح للممرضة في نهاية الجراحة وقبل أن يخيط الجرح: "عدي فوطك .." .. فتعدها لتتيقن من أن العدد الذي معها هو العدد الذي بدأتْ به الجراحة .. هنا فقط يبدأ خياطة الجرح .. عندما تجد منشفة منسية بعد هذا فهل هي مسئولية الجراح الذي يتحمل مائة مسئولية أخرى، أم هي مسئولية ممرضة العمليات ؟.. لماذا نتكلم عن مسلسل إهمال الأطباء، ولا نتكلم عن داء الاستسهال والإهمال لدى الإنسان المصري ؟ لا أعني بهذا أن الأطباء مجموعة من الملائكة .. هم جزء من المجتمع يتلف بتلفه .. جرب أن تتعامل مع موظف في مجلس المدينة أو الكهرباء أو السجل المدني أو التعليم الثانوي، ولتر إن كان يقظ الضمير يقوم بواجبه خير قيام أم لا ؟.. أنت تطالب الطبيب بأن يتقاضى مائتي جنيه في الشهر ويهش لك ويبش، ولا ينشغل بعيادته، ويتابع أحدث الاكتشافات العلمية، ويكون موجودًا متى أردته .. بأمارة إيه ؟.. بأمارة إن الطب مهنة إنسانية طبعًا .. وهل هذا يعني أن الطبيب ليس إنسانًا ذا حاجات ؟.. برغم هذا هناك أمثلة إيجابية لا تنتهي .. كلنا يعرفها .. لكن هذه الأخبار غير مثيرة صحفيًا من منطلق أن خبر (عض الرجل الكلب) يبيع أفضل من (عض الكلب الرجل)، وكما يقول (آثر كلارك): "لابد إن جرائد المدينة الفاضلة مملة جدًا بالتأكيد".. لكن مسلسل الشك هذا يؤدي بالضرورة إلى رواج الطب البديل وثراء أباطرته ، دعك من أن العلم بطبعه كئيب لا يعد إلا بما يستطيع تحقيقه .. لا توجد خوارق ولا معجزات في العلم وهذا بالطبع لا يرضي المرضى .. سوف تنتهي هذه الهوجة ويدرك الجميع أنهم كانوا مخدوعين لكنهم لن يعترفوا بهذا .. في الوقت ذاته سيكون هؤلاء النصابون الكبار قد وجدوا طريقة أخرى للحصول على الرزق .. ربما النمل المطحون أو براز الفئران العرجاء .. فقط لنجلس أمام الفضائيات وننتظر النصاب القادم ... وللحديث بقية.

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:54 AM
هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية 3

يحكي صديقي أستاذ جراحة العظام عن قريبه المسن المشلول حبيس الفراش منذ أعوام، وكيف أن ابن الرجل طلب رأي أحد أصدقائه من طلبة الشريعة بصدد عمل حجامة لأبيه , فقال له: ربنا ييسر إن شاء الله، وجاء في اليوم التالي إلى البيت حاملاً موسى وطستًا، وفي الفراش جثم على صدر العجوز المشلول ليجري عدة جروح قطعية سخية على جانبي رأسه، بينما العجوز يعوي ويطلق ما استطاع من صرخات استغاثة من حنجرته المشلولة .. بالطبع تدهور أمر الجروح وطلبوا رأي صديقي أستاذ العظام .. قال لي صديقي وهو غير مصدق: إذن في القرن الواحد والعشرين، ما زال عندنا غير متخصص يمزق عجوزًا مشلولاً بالموسى وهو يجثم على صدره، بدعوى أن هذا هو الدين الصحيح .. الحقيقة إن معظم الأطباء لا يسيغون هذه الأنواع من العلاج بحال، ولديهم تحفظات قوية عليها، لكنهم يحتفظون بآرائهم سرًا نظرًا للغابة الكثيفة من التقديس التي تحيط بها . من يجادل يهدد بأن يتحول إلى فولتير أو ماركس، بينما لا أحد يرغب في بطولة من هذا النوع .. أكثر من طبيب قال لي همسًا إن مرضاه تدهوروا لما شربوا بول الإبل، وأكثر من واحد قال همسًا إن الحجامة لم تأت بنتيجة .. أصعب شيء في العالم أن تقول ما يستفز الجماهير أو يضايقها .. والشيخ القرضاوي يقول في أحد حواراته إن نفاق العالم للحاكم كريه لكن خطره محدود، بينما الخطر الحقيقي هو نفاق العالم للناس بأن يقول لهم ما يشتهون سماعه ... يمكن للمرء ببعض الجهد أن يفند مزاعم المعالجين بالحمام.. عندما يتعلق الأمر بالحجامة وبول الإبل سوف تلقي أسئلة علمية، لكنك تنزلق إلى المصيدة التي أعدوها لك: لماذا تريد أن تجرب بينما هذه أمور ثابتة في الطب النبوي ولا جدوى من التجربة ؟.. تقول: بس يا جماعة .. فيقاطعونك: "هل تؤمن بالسُنّة أم لا ؟..رُدّ ! ".. هل فهمت الورطة التي يقودونك إليها ؟.. أنت تؤمن بالسُنة لكنك لا تؤمن أن الحجامة من أركان الدين التي لا يكتمل الإيمان إلا بها.. إن هذه الورطة مصيدة محكمة هي ذات المصيدة التي كانت تبيع صكوك الغفران في القرون الوسطى ، وأنت تعرف أنك لا تملك الثقافة الشرعية الكافية للرد، لكنك بالتأكيد تملك الثقافة الطبية، وهذه الثقافة تقول لك إن هناك خطأ ما .. نحن ننزلق إلى الهاوية بسرعة جنونية .. وجدت المخرج المنطقي في مقال للمحارب الشجاع د. خالد منتصر على شبكة الإنترنت ، يقول فيه: " لأن صوت الإجتهاد مغيب فى هذه الأيام فإننا لا نلتفت إلى هذه الآراء الشجاعة، فمثلاً الشيخ الجليل عبد المنعم النمر فى كتابه العظيم (الاجتهاد) فى صفحتى 38 و 40 يفرق بين السنة الواجب إتباعها والسنة التى لا تثريب على تركها، فيقول إن ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فى الزراعة والطب والطعام وما يحبه الرسول وما يكرهه وكيف يمشى ونومه ولبسه إلى غير ذلك من الأمور العادية، كل ذلك من النوع الثانى الذى لا يمنع أحداً من الإجتهاد فيه إذا وجد أنه لم يعد يحقق المصلحة التى أرادها الرسول لتغير الناس والأمكنة ... ونفس المعنى يقوله محمد سليمان الأشقر أستاذ الشريعة بجامعة الكويت، والقاضى عياض الذى قال فى ترك العمل بالأحاديث الطبية: ليست فى ذلك محطة ولا نقيصة لأنها أمور إعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل بها".. باختصار (أنتم أعلم بشئون دنياكم).. ثم يقول د. خالد منتصر: " كيف يعالج دواء أو إجراء جراحى المرض ونقيضه في نفس الوقت ؟!، وكيف تعالج الحجامة السمنة والنحافة، والنزف وإنقطاع الدم ....الخ ؟" في موقع إسلام أون لاين – وهو الموقع العقلاني الرصين – نقرأ التالي: " فلا يصح إطلاق القول بأن الحجامة علاج كامل ونهائي لكل الأمراض.. هى فقط وسيلة من وسائل العلاج يؤخذ بها عند الحاجة، بل إن تطبيق الحجامة على أيدي غير مختصين يتيح الفرصة لمعارضي الطب النبوي للدعاية لها بشكل سلبي بحيث تظهر على أنها نوع من الدجل والشعوذة. ويمكن للحجامة أن تنقل العديد من أمراض الدم الخطيرة " في الحقيقة لا أقول هنا إنني ضد الحجامة وأبوال الإبل .. أنا ضد الترويج لهما كعلاج قبل عمل دراسة مدققة أمينة بعيدة عن التحيز وتمويل جهات يهمها أن تكون النتيجة إيجابية .. من الصعب أن ترفض علاجًا لمجرد إنه غريب أو (مقرف)، ودليلي على هذا – وليسمح لي ذوق القارئ - أكل الصينيين في الماضي لبثور المصابين بالجدري .. طبعًا كان هذا نوعًا من اللقاح كما عرفنا اليوم .. إسهال مرضى الكوليرا في الهند الذي كان الأصحاء يشربونه .. نحن الآن نعرف أنه يحوي كمية كبيرة من لاقمات البكتريا Bacteriophages التي تلتهم بكتريا الكوليرا الواوية .. إذن أنا لا أرفض التداوي ببول الإبل .. لكني كذلك لا أقبله قبل أن تُجرى دراسة مدققة أمينة، ويتم مقارنة من يتعاطون العلاج مع من لا يتعاطون، ويتم فصل وتوصيف المادة التي تشفي الفيروس سي إن كان لها وجود.. لكن لا ترفض العلاج قبل التجريب، ولا تقبله قبل التجريب .. في الحالتين أنت تقع في فخ الانغلاق الفكري والأحكام المسبقة Prejudices.. النقطة الأخرى المهمة هي الحياد العلمي .. هل يمكن أن يُجرى في دولة عربية بحث علمي تكون خلاصته: لم يتبين أن للحجامة دورًا في علاج مرض السكر، أو تبين أن المجموعة التي تعاطت بول الإبل تدهورت ؟.. مستحيل .. أنت تجري التجربة لتثبت كم هي ناجحة، والمجلات الطبية الخليجية تعج بأبحاث من هذا القبيل .. الجهات العلمية الأكثر صدقًا تصمت ولا تعلن نتائجها، وإنني لأذكر هوجة الأعشاب التي سادت في التسعينات لعلاج التهاب الكبد سي، وقيل إن جهات بحثية مهمة تجري دراسة مدققة تُعلن في يونيو القادم .. يومها قال لنا د. (حلمي أباظة) أستاذ أمراض الكبد الشهير: "أراهن أن يونيو بتاعهم ده مش جاي أبدًا . !" .. والحقيقة أن نتائج الدراسة لم تُعلن منذ يونيو 1995 حتى هذه اللحظة فعلاً.. لكن النصابين الكبار لا ينتظرون كلمة العلم .. ها هو ذا بيزنس الحجامة وبيزنس أبوال الإبل يجتاح كل شيء .. كالعادة لا يوجد شيء مجاني .. هناك كتب عن الحجامة وأفلام فيديو تشرح أساليب الحجامة، وهناك أجهزة للحجامة المنزلية .. و ..و .. تقرأ عن الحجامة أخبارًا مثل أن 38 ولاية في أمريكا تمارس العلاج بالحجامة بشكل رسمي، وأن مايو كلينيك تبنتها، وأن هناك مجلات أمريكية وألمانية صدرت مخصصة لها فقط، وأن الأسرة المالكة في بريطانيا طلبت من فريق طبي سوري معالجة بعض أفرادها من مرض الهيموفليا الوراثي.. ألا تشم رائحة راسبوتين في هذا الخبر ؟.. وحتى لو صح فمن قال إن الطب البديل ليس له زبائن في الغرب ؟.. إنهم يثقون في أي شيء يأتي من الشرق باعتباره منبع الحكمة .. دعك من أن الحجامة فعلاً لها تطبيقات مهمة في بعض فروع الطب، لكنها ليست علاجًا لكل شيء كما يزعم هؤلاء، وبالتأكيد هي الطريقة المثلى لقتل مريض الهيموفيليا .. من أهم الأخطار استقطاب عدد من الأطباء بل أساتذة الطب الذي لا يهتمون بالطريقة العلمية، لكنهم يعملون كفقهاء السلطان لتحليل هذه الأنماط غير العلمية من العلاج، وعندما يقول طبيب إن مجلة أمريكية تصدر للحجامة فأنت تجد صعوبة في التكذيب .. لكني جربت البحث المضني في شبكة الإنترنت والمجلات الطبية الكبرى عن رأي الغرب في الحجامة، فلم أجد لها ذكرًا إلا في موسوعة ويكيبيديا .. الموسوعة نشرت المقال بعنوان Hejama لأن هناك من أرسله لها، وصنفته ضمن المقالات الضعيفة التي تحتاج إلى أسانيد ومراجع !.. إذن أين مايو كلينيك وأين المجلات المخصصة للحجامة و ..و … ؟.. ينقسم هؤلاء الأطباء المحللين إلى المنتفعين وحسني النية والمرضى النفسيين لكنهم جميعا تكاتفوا لمحاربة عقل هذه الأمة .. النوع الأخير معروف جدًا .. تعرفه من تعصبه وضيق خلقه والنظرات المجنونة التي يطلقها من وراء نظارته ، واللعاب الذي يتطاير من فمه عندما يناقشه أحد.. هذا مزيج عبقري من النصب والجنون، وأفضل أنواع النصب هو ما جاء من مجنون لأنه يشع طاقة نفسية هائلة تقنع العامة .. من بين هؤلاء الأطباء الذين يلقون الكلام على عواهنه هذا الطبيب الذي التقت به جريدة معارضة مهمة، وأفردت له صفحتين يلقي فيهما قنبلته: الإيدز لا وجود له . أمريكا هي التي اخترعت هذه الأكذوبة لتنشر الشذوذ الجنسي ! ومنهم من يقابل كبار الصحفيين ليؤكد أنه لا وجود للفيروس سي .. هذه مؤامرة من شركات الأدوية، لكنه مستعد ليغير كلامه على الفور ليروج لأعشاب تعالج ذات الداء الذي لا وجود له .. هل تلوم العامة إذا صدقوا هذا بعد ما قاله طبيب ؟.. هؤلاء القوم جميعًا هم أعداء الإسلام وأخطر عليه ألف مرة من جيوش المغول .. لا يبالون بحيرة الأجيال القادمة، ولا التضليل والشك، ولا يهمهم أن يقول أحد في نفسه: لقد جربت الطب النبوي ففشل .. يفضلون أن يقول الناس هذا ما دامت حساباتهم في المصارف تتكوم .. وبينما العالم ينهض ويمشي حثيثًا ويعدو ويثب، يجلسون جوار جدار ويقولون في عناد كالأطفال: وإيه يعني ؟.. نحن كنا نعرف هذه الأمور منذ 1400 عام ... أمس صارت ماليزيا أفضل منا واليوم صارت إيران أفضل منا .. غدا تصير الكونغو أفضل منا وسندعو الله أن نلحق بها، ونقيم المؤتمرات لفهم كيف حدث هذا .. اتقوا الله في هذه الأمة قليلاً.. وللحديث بقية .

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:55 AM
هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية 4

هم ليسوا جميعًا نصابين بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنهم كما قلت خليط من المنتفعين وحسني النية والمرضى النفسيين، يجمعهم أنهم يقودون عقل هذه الأمة إلى الهاوية، وبلا رحمة .. إنهم لا يتعبون لحظة ولا يكفون عن الابتداع .. تنتهي هوجة الأعشاب فتبدأ هوجة الأوزون .. تنتهي هوجة الأوزون فتبدأ موجة الحمام وبول الإبل .. إن المولد في ذروته وقصعة الفتة جاهزة لمن يهبش منها أكبر قدر ممكن.. على كل حال لن نتكلم عن الأعشاب اليوم لأنها قتلت بحثًا، وقد جاءت قضية المعالج التلفزيوني إياه لتضع الكثير من النقاط على الحروف، لكن لا تتوقع أن تنتهي المسألة بهذه البساطة .. لقد خسر النصابون المعركة لكنهم لم يخسروا الحرب .. فقدوا جنديًا لكن جيوشهم متماسكة، ولسوف ينتظرون حتى ينسى الناس ثم يخرجون علينا باختراع آخر .. كل من راهن على قصر ذاكرة هذه الأمة كسب الرهان .. إذن لن نتكلم عن الطب البديل .. سوف نتكلم اليوم عن الطب الشبيه بالطب ! وكما قلت سابقًا فإن أقوى حيل النصب هي التي تحيط نفسها بسياج ديني كثيف، لكن هناك تقنية أخرى شهيرة هي أن تحيط النصب بسياج علمي !.. يعرف العالم الغربي هذا النمط من الأطباء الذين يوحون بالرهبة والوقار وهم لا يقولون إلا كلامًا فارغًا .. يطلقون على هذا اسم Eloquence based medicine أي (الطب المعتمد على طلاقة لسان الطبيب)... هذا الطبيب يكون متأنقًا تحيط برأسه هالة من الشعر الأبيض ، وبرضه يطلقون على هذا التأثير اسم (تأثير الهالة halo effect) لأنه من الصعب أن تشك في كلام رجل أشيب مهيب لهذا الحد .. من الناحية النفسية تلعب هذه الابتكارات على مبدأ (التفكير التواق Wishful thinking) .. أي تكوين قناعات طبقًا لما يشتهيه المرء وليس على أدلة علمية واضحة، ولهذا التفكير المختل نوعان: 1- تمنيك للشيء يكفي ليكون حقيقيًا (من الجميل أن يختفي داء السكري بشرب بعض الأعشاب).. 2- عدم إثبات زيف الشيء يكفي لجعله حقيقيًا (الأعشاب لم تثبت فشلها بشكل واضح إذن هي مفيدة) .. هناك قضية أخرى في التفكير العلمي الزائف اسمها Post hoc fallacy وهو مصطلح لاتيني يمعنى (حدث بعده إذن هو نتيجة له). أو الربط الزائف بين الأسباب والنتائج .. أنت مصاب بالصداع ..تشرب كوبًا من الينسون .. يختفي الصداع .. إذن يمكننا القول إن الينسون من أدوية الصداع المهمة .. على هذا الربط الخاطىء يقف معظم الطب البديل.. وعليه يرتكز التفاؤل والتشاؤم والنحس و.. و... (كلما رأيت هذه المرأة القبيحة كغراب البين حدثت لي مصيبة في العمل).. هذه الأمور بديهية في طريقة التفكير العلمي، ومن الواجب أن تأخذ مكانها في مقرراتنا الدراسية لكن الطريقة العلمية ذاتها مهتزة لدى الكثيرين .. بل لدى من يفترض منهم أن يعلموا الطريقة العلمية ذاتها .. لا اخفي سرًا إذا قلت إن كثيرين من أعضاء التدريس – باستثناء من هم مختصون بهذا - لا يفهمون مبادئ الإحصاء ولا كيفية تصميم بحث علمي .. عندما دخل عقار (دي دي بي DDB) مصر – وهو ما يطلقون عليه (الحبة الصفراء) - قرأت بحثًا طريفًا يحمل توقيع وزارة الصحة قامت فيه بالتالي: أعطت العقار لمجموعة مرضى بالتهاب الكبد (سي) ثم لاحظت وظائف الكبد ونسبة الفيروس في الدم لعدة أشهر ووجدت تحسنًا ملحوظًا !.. بس كده .. j fpeWh هنا تشد شعر رأسك .. لو صح أن وزارة الصحة بجلالة قدرها هي المسئولة عن هذا البحث .. ألم يسمع هؤلاء عن محموعة ضابطة ؟.. مجموعة لا تتلقى علاجًا أو تتلقى علاجًا مختلفًا أو تتلقى علاجًا وهميًا اسمه (البلاسيبو).. لابد من مجموعة ضابطة لتقارن النتائج أما البحث بهذه الصورة فلا يجرؤ تلميذ في الصف الثالث الإعدادي على تقديمه لمعلمه .. هناك ذلك العالم المصري الذي أعلن أنه اكتشف علاج الروماتويد .. ثم سافر إلى الكونغو ثلاثة أشهر وعاد ليعلن أنه اكتشف علاج الإيدز كذلك .. هكذا ببساطة قضى على داءين أرهقا البشرية منذ سنين، وفعل هذا في ثلاثة أشهر .. يبدو هذا عجيبًا في زمن الشركات العملاقة والهندسة الجزيئية حيث لم يعد شيء متروكًا للصدفة، لكن الفيصل بيننا وبينه هو الاكتشاف ذاته.. لكنه لا يريد أن يعلن أي شيء عن نتائجه .. لماذا ؟.. مافيا الدواء خطيرة جدًا وسوف تسرق اكتشافي .. أوراقي .. اكتشافي .. لدرجة أن مراهقًا مجنونًا يعيش في جو أفلام الأكشن الأمريكية تسلل إلى داره ليهدده بالسلاح كي يحصل على أوراق هذا الاكتشاف .. يومها هللت الصحافة ووسائل الإعلام لهذا الاكتشاف العظيم ، وظهر الرجل في كل وسائل الإعلام مستعملاً أسلوب الهالة الذي تكلمت عنه، وقد رسم على وجهه تعبيرًا شبه صوفي لرجل العلم الذي يؤذن في مالطة .. رجل الشارع صار في صف العالم .. رجل الشارع صار يتحدث عن شركات الأدوية العملاقة التي يهمها ألا ينجح اكتشاف هذا العالم المصري .. كل المعركة تدور في الشارع بعيدًا عن المحافل العلمية المتخصصة والمجلات الرصينة، كأنك تناقش طريقة جديدة لتخصيب اليورانيوم مع زبائن قهوة شيحة، ولا احد يسأل نفسه عن السبب .. وعندما تصرفت جامعة القاهرة العريقة بحكمة ووقار إزاء أساليب الحواة هذه، وعندما بدأ الراحل العظيم يوسف إدريس حملة ضده في جريدة الأهرام مطالبًا بالتعقل، ثار الجميع على هؤلاء .. ورسم مصطفى حسين رئيس جامعة القاهرة يحبس العالم في غرفة الفئران .. ورسمه يترك المريض ينزف على منضدة الجراحة ليتفرغ لتأديب العالم العظيم .. هكذا استغل ذلك العالم خط الدفاع الشهير : إنهم يهاجمونني لأن العلم غريب ومُحارب دومًا في بلد الجهل هذا .. يحاربونني لأنهم حاقدون ولم يصلوا لعلاج الايدز مثلي .. يا ضيعة العلماء وسط الجهلة اللئام !.. لن ينصلح حالك أبدًا يا مصر .. المشكلة أن هناك من قال إن الأبطال تُقذف بالحجارة بينما الورود للموتى، وأن هناك من قال إن من يُضرب في ظهره هو الذي يمشي في المقدمة .. هكذا تكون لدينا اعتقاد دائم أن كل من يحاربه الآخرون هو بطل، وهم يهاجمونه بسبب نجاحه .. أليس من الممكن ان يهاجمني الناس لأنني مخطئ ؟.. هناك فيلسوف بريطاني شهير اسمه (كارل بوبر) تعرض لهذه النقطة بالذات .. قال إن صحة أية نظرية علمية تأتي من قابليتها للنفي، وما لا يمكن نفيه لا يمكن إثباته .. لو أنكرت أهمية ما توصل له هذا العالم المصري أو ناقشته فالسبب أنك حاقد أو تخدم شركات الأدوية العملاقة ..إذن كيف تثبت العكس ؟.. (بوبر) يضع هذه الأمور التي لا يمكن نفيها في إطار العلم الزائف أصلاً.. وعلى كل حال قد مر خمسة عشر عامًا على هذه القصة .. أين علاج الإيدز المصري ؟.. ماذا تبقى من هذه الضوضاء ؟.. لا شيء ... الآن نعرف من كان على حق ومن كان أحمق .. فليرحم الله يوسف إدريس العظيم بعيد النظر كالعادة .. الأهم أن إبراهيم سعدة نشر منذ أعوام في جريدة أخبار اليوم مقالاً مترجمًا عن صحيفة فرنسية.. والصحيفة الفرنسية كانت تتحدث عن أدعياء العلم في العالم الثالث .. تخيلوا من الاسم الذي تصدر القائمة ؟.. لقد وجد طريقه – وطريق مصر - إلى العالمية أخيرًا !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:57 AM
هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية (5)

هذه قصة وجدتها على شبكة الإنترنت تحكي عن زوجة سافر زوجها إلى الخارج، فاشتاقت له (وكانت متقنــة للبرمجــة اللغويــة العصبيــة فراحت تسترخــي وتــردد بينــها وبيــن نفسهــا: لــن يطــول غيابــك .. ستعــود غــداً ..وبالفعــل كــان لهــا ما أرادت ... أتــى الزوج في اليــوم التالـــي .. هــل تعلــم أنك بإمكــانك عن طريـــق تمرســـك بالبرمجــة أن تبرمــج عقــول الآخريــن على فعــل أشيــاء لا يرغبونهــا؟ ... هل تعلم أن العالمــة بالبرمجــة وبتفسيــر الصفــات عن طريــق ملامح الوجــه بدولة الكويت استطاعت أن تبرمج لاعبًا بالملاكمــة على الفوز ببطولــة عالميــة من خلال بثــها لعقــله بإشــارات : ستعــود لأرض الوطــن حامــلاً الكــأس ؟.. هــل تعلــم أن هــذا العلــم استطــاع عن طريــق الله سبحانه وتعالى ثم بالإيحــاء شفــاء أمراض مثل السرطــان، عن طريــق رسم دائرة بالأرض والمشــي يوميــاً عليهــا ذهاباً وإياباً فيتقلــص حجم الدائرة مع عظيــم إيمانــك بإنك تشفـى وأن الدائـرة هـي مرضــك، وسوف تصغر وتصغر وتصغر إلى أن تزول).. نحن لا نتكلم عن تعويذة سحرية أو نوع من الأعشاب المباركة هنا .. أعتقد أن القارئ الكريم قد عرف أننا نتكلم عن (البرمجة اللغوية العصبية NLP) التي صار لها جمهور لا بأس به من المتحمسين في العالم العربي، وصارت تعقد لها الندوات في أكثر من جامعة، كما صارت لها دورات باهظة الثمن ولها مؤمنون بها إلى درجة التعصب كما في المثال الذي قدمته في بداية الكلام، وبالطبع أكثرهم حسن النية يؤمن بما يقول فعلاً .. هناك شاب مثقف أراد إقناعي بألا أهاجمها لأن هذا قد يؤدي إلى إعطاء فكرة خاطئة عنها لدى الشباب، وهي مسئولية أتحملها أمام الله .. أصابتني الدهشة من هذا .. هل هو دين جديد يجب ألا نجدف فيه، أم هي مجرد نظرية تحتمل الخطأ والصواب ؟ أعتقد أن الإجابة أقرب إلى الاحتمال الأول .. هناك دعوة ومؤمنون وهناك أنبياء متأنقون يجوبون الجامعات يبشرون بالنور الجديد ، وهناك دورات غالية بالفيديو بروجكتور يقدمها رجال بقمصان قصيرة الكمين وربطات عنق.. لابد أن الأمر محترم إذن .... عندما تناقش هذه الظاهرة وتقول إنه لا جديد تحت الشمس، وإنه ذات النصب (الكارنيجي) المعروف في ثوب معاصر، يقولون لك: لا تتكلم بدون علم .. أنت لا تعرف إلا قشرة عن الموضوع وهو أعقد من هذا بكثير .. نحن الكهنة وحدنا لنا الحق في إبداء الرأي .. أما أنت فتدفع وتسمع وبس .. لو كنت تعتقد أننا نمارس أساليب (كارنيجي) العتيقة فهذا دليل على أنك لا تفهم شيئًا على الإطلاق .. هكذا نعود من جديد لدائرة الخرافات التي يعطونها طابعًا شبه ديني لحمايتها .. البرمجة تشفي السرطان بإذن الله، وتسيطر على العقول وتعيد الزوج الغائب وتشفي الجرب وتقتل البراغيث.. لا تهرطق ولا تتكلم من دون علم .. الموضوع أعمق مما يستوعبه عقلك السطحي .. فقط هم لا يتكلمون عن العلاج بالحمام ولا الأعشاب .. هم يتكلمون عن علم .. إنه بيع الترام لكن بكروت الفيزا وبأحدث تقنيات العصر .. أرقى صور النصب وأشيكها لشباب العصر المحروم من كل شيء، والذي تعده فجأة بأن يسيطر على عقول الآخرين ويؤثر فيهم ويأخذ منهم أفضل شيء ممكن .. عرفت شبابًا ادخروا كل مليم وجدوه كي يجمعوا ثمن اجتياز هذه الدورات والحصول على شهادة .. كما قلت سابقًا كانت أهم نتائج العولمة أن بعض الأذكياء عندنا درسوا مدارس النصب الأمريكية جيدًا، وعرفوا من أين وكيف يصنع هؤلاء المال، هكذا اكتشفوا هذا الوريد الثري ونقلوه لنا .. في كتاب (كلام فارغ) للرائع (أحمد رجب) قصة بعنوان (أمريكاني) تحكي كيف أن بطل القصة كانت لديه مكتبة زاخرة بالكتب الأمريكية التي تجعلك أفضل وأنجح على الطريقة الكارنيجية .. من ضمن الكتب واحد يجعلك تقلع عن التدخين من دون قوة إرادة ولا عذاب الامتناع ولا هباب .. وبأسلوب أحمد رجب العبقري الساخر يحاكي كلمات المؤلف الأمريكي في الصفحة الأولى: "أشعل سيجارة .. لن أقول لك أن تقاوم .. بل اطلب منك أن تشعلها وتجذب نفسًا .. لذيذة ؟.. هه ... ؟.. سوف أتركك إلى أن نلتقي في الصفحة القادمة بعد ما تكون أنهيت هذه السيجارة !" .. وتنتقل لصفحة 4 و5 و154 فتجد نفس الكلام !.. النتيجة هي أن الرجل الذي قرأ الكتاب ارتفع معدل تدخينه من علبة إلى ثلاث علب يوميًا ! لم أكف عن الضحك كلما تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ تلك النماذج التي يقدمونها .. كلام عام تعرف أكثره ويستحيل تطبيقه أو الاستفادة منه، ويذكرك بدورات علم النفس التي يتلقاها مندوبو الدعاية، لكنهم ينظمونه بطريقة أنيقة (مؤسسية) تجعل الفرار مستحيلاً.. دعك من أن الكلام فيه درجة من السهولة تتيح لأي واحد فهمه، لكنه كذلك فيه درجة من التعقيد تجعل من فهمه يشعر بالرضا عن ذكائه .. العالم الكندي بايرستاين اعتبر هذه البرمجة (خرافة عصبية) وحذر من أنها ستؤدي إلى تدهور مخزوننا الشحيح أصلاً من المنهج العلمي .. بينما يقول العالم ديفيلي عام 2005: بدأت ورش التدريب والعمل وأفلام الفيديو الخاصة بالبرمجة اللغوية العصبية تباع في كل مكان .. لكن الباحثين بدءوا مع الوقت يدركون أنها نظرية غير قابلة للإثبات ولا جدوى من مزيد من البحث فيها .. لم يعد هذا العلم ميهرًا كما كان في الثمانينات .. لقد جاء هذا العلم ورحل لكن الفكرة ظلت حية . بينما يقول عالم اسمه إيزنر: كان هناك حماس شديد لهذا العلم ثم بدأ يخبو إلى أن انتهى فعلا.. الحقيقة أن علماء الدين ارتابوا في هذا العلم واعتبروه كائنًا فضائيًا غريبًا، وبعضهم وجد أنه أقرب ما يكون إلى فكرة البانثستية وألوهية الكون، لكني أعتقد أن هذا نوع من المبالغة .. في كل ما قرأته عن الـبرمجة اللغوية العصبية – اسم طويل صعب أخطئ في تذكره كل مرة - لم أجد بصراحة أي لعب على العقائد الدينية، ورأيي المتواضع أن هناك كثيرين هاجموها من الناحية الدينية قبل أن يعرفوا ما هي ولمجرد أنها كائن غريب .. هناك فارق كبير بين أن تكون البرمجة كلامًا فارغًا بغرض جمع قرشين وأن تكون كفرًا صريحًا كما يوحي كلامهم، وبرغم هذا تجد تحذيرات ثقيلة جدًا من طراز (وهذه البرمجة العصبية وما يسمى بعلوم الطاقة تقوم على اعتقادات وعلى قضايا غيبية باطنية مثل الطاقة الكونية والشَكَرات والطاقة الأنثوية والذكرية، والإيمان بالأثير وقضايا كثيرة جداً، وقد روّج لها مع الأسف كثير من الناس مع أنه لا ينبغي بحال عمل دعاية لها) الشيخ سفر الحوالي من جامعة ام القرى .. الشيخ عبدالرحمن المحمود أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود يقول: (أمرها بدأ يتكشّف.... نعم انقلوا عني يجب إيقاف هذه الدورات، وأنا أحيي القائمين على تحذير الناس منها وفقهم الله( .. بينما يقول الشيخ القرضاوي مع ما نعرفه عنه من اعتدال واحترام للعقل: (البرمجة اللغوية العصبية تغسل دماغ المسلم وتلقنه أفكارًا في اللاوعي ثم في عقله الواعي من بعد ذلك، ‏ مفاد هذه الأفكار أن هذا الوجود وجود واحد‏، ليس هناك رب ومربوب‏، وخالق ومخلوق‏، هناك وحدة وجود‏. إنها الأفكار القديمة التي قال بها دعاة وحدة الوجود‏، يقول بها هؤلاء عن طريق هذه البرمجة التي تقوم علي الإيحاء والتكرار، وغرس الأفكار في النفوس). ثم يقول الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها: كفى عبثاً يا دعاة البرمجة العصبية المزعومة .. على كل حال يمكن تلخيص آراء منتقدي هذا العلم من العرب كما يلي: - الاسم غامض ومشوه ومريب .. من الغريب أن هذا هو رأي العالم بيتر درنث عام 1999 الذي اعتبرها علمًا مزيفًا، وقال لماذا يكون اسمها كذا ؟.. لم لا تكون BYG بمعنى Believe your goal مثلاً ؟ - هذه البرامج المزعومة أصبحت عند الكثيرين ممن فُتنوا بها تُمثل المخرج الوحيد لجميع مشاكل الناس على اختلاف مستوياتهم وفئاتهم الاجتماعية.. - هذه البرامج عبارة عن خليطٍ من العلوم المختلفة التي تقوم على التخيل والإيحاء والمنطق، تعتبر الإنسان في كثيرٍ من الحالات مجرد آلةٍ صماء يمكن إعادة برمجتها حسب الطلب ، ومن ثم تشغيلها وفقاً لتلك البرمجة ؛ ولذلك فإن كثيراً من المهتمين بها يعدونها برامج لهندسة النفس الإنسانية .. في المقال القادم نتحدث بالتفصيل عن نشأة هذه البرمجة الـ .. الحركية العصبية .. اللغوية الحركية . اللغوية العصبية .. ونحاول فهم ما تريده بالضبط .

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 04:58 AM
هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية (6)

رأيته جالسًا في القطار وهي على بعد خطوات .. ليسا معًا لكنهما ينتميان لذات العالم .. نظراته تعسة وقميصه مجعد ولحيته نصف نامية .. يجلس وفي يده مذكرة بخط اليد مصورة تحوي معلومات زراعية.. هذا طبيعي في عصر صار فيه الكتاب عملاً غير أخلاقي. هو إذن طالب في كلية الزراعة ذاهب إلى الامتحان كما هو واضح .. اسمه (عادل).. أعرف هذا يقينًا كما أعرف أن اسمها (رانية).. حرام ألا يكون اسمها رانية .. فتاة العصر التي تلبس حجابًا مزركشًا وجوبًا ضيقة من الجينز وحذاء (كوتشي) والموبايل في يدها، بينما هي تقلب في ملل مماثل صفحات مذكرة مصورة تحوي دروسًا باللغة العبرية .. هي إذن طالبة في الألسن .. واضح تمامًا أن كليهما يشعر بملل قاتل وأن هذه المذكرة تُفتح للمرة الأولى أو الثانية غالبًا .. نظرات عادل تتوه بعيدًا عن المذكرة .. تسبح .. تجول … تنزلق عينه في نظرة عابرة إلى رانية .. تلتقي العينان فيبعد عينيه خارج النافذة .. يتثاءب .. ينظر للسقف .. يغمض عينيه بعض الوقت ثم يفتح المذكرة من جديد .. إنه في مأزق .. بإذن الله ستكون وقعته سوداء عندما يرسب وعندما يعرف (الحاج) ذلك .. لكن لا وقت حتى للقلق .. لابد من قراءة هذا الهراء في ربع الساعة الباقي على القاهرة .. نظرت له شاعرًا بالشفقة، وحمدت الله على إنني لست مكانه .. مهما حدث سوف يتخرج (عادل)، وسوف يجد نفسه بلا عمل .. سوف يفكر في رانية أو غادة أو مها .. ربما يعمل في شركة اتصالات لو كانت لديه واسطة .. ربما يأخذ كورسًا في الكمبيوتر أو الإنجليزية أو إدارة الأعمال، لكنه بالتأكيد سوف يستدين كي يأخذ دورة في البرمجة اللغوية العصبية .. تساءلت في مرارة: ما الذي ستقدمه له هذه البرمجة اللغوية العصبية ؟.. فهم الآخرين ؟.. ماذا يفعل فهم الآخرين أمام البطالة وكيف يقهر الواسطة وكيف ؟.. وكيف ؟ .. كيف يساعدك على أن تتزوج رانية ؟.. ربما يوقعها في حبك، لكن ماذا بعد ذلك ؟ ومن جديد أشعر أن الموضوع هو بيع الترام بالماستر كارد .. بيع الترام في ورق مصقول لامع .. هذا علم لا يهم إلا خبراء الدعاية، ويحتاج إلى مجتمع مترف .. الحياة سهلة في الخارج . كل ما عليك هو أن تجد وتشقى وتتعذب وتؤثر في الآخرين لكي تنجح !.. قصة نشوء هذا العلم معروفة لكل شاب، وهي تعود إلى العام 1975 عندما قرر العالمان الأمريكيان (جرندر) و(باندلر) بالاشتراك مع (باتيسون) أن يحللا مقادير الخلطة السرية التي تؤدي إلى النجاح، بحيث يمكن لأي شخص أن يستعملها في مطبخه .. أن يضعا قواعد لطريقة التعامل مع البشر، وأن يضعا منهجًا لفهم الآخرين ، وقد اعتمدا على ثلاثة نماذج للنجاح هي للعلماء النفسيين فريتس بيرلز وفرجينيا ساتير وإركسون .. هكذا صارت هناك مجموعة من القواعد الجميلة جدًا التي جرت على الألسن مجرى الأمثال : (الشخص ليس هو السلوك).. (الخارطة ليست هي المنطقة) .. (لا يوجد هناك فشل إنما تجارب وخبرات) .. (وراء كل سلوك نية إيجابية)..(كل الناس لديها وسائل النجاح).. (استعمل ما أنت ناجح فيه في مجالات أنت تفشل فيها )، وهو هرش مخ لو فكرت فيه بأمانة.. نفس جو المأثورات الذي يذكرك بتبشير توماس فريدمان للعولمة : (يجب أن تكون مستعدًا لقتل أسراك).. (لا غداء مجانيًا بعد اليوم).. الخ . ويبدو أن هذه المقولات رائجة جدا في أمريكا .. خلطة حريفة المذاق من علم النفس والمدرسة السلوكية وفن التخاطب والفراسة وحكمة المرحومة خالتي، مع الكثير جدًا من الأمثلة.. أمثلة لا تنتهي تصيبك بالدوار .. عندك جهاز محمول يمكنك بشيء من الجهد أن تستخدمه في طلب أرقام .. لكن باقي الإمكانيات مجهولة لك لأن الكتالوج ليس معك .. عقلك كذلك جهاز لا تعرف عنه الكثير ويجب أن تقرأ الكتالوج الخاص به .. "ستمدك البرمجة بدليل الإرشادات حول طريقة تشغيل عقلك ويعرفك على عقلك اللاواعى، كما سيوفر لك التقنيات التي تساعدك على التغيير سواء بحياتك أو بحياة الآخرين، وستزودك بالخريطة التي تجعلك تحقق النجاح في الحياة" هناك دائمًا مفهوم الخارطة في هذه البرمجة .. عامة فهمك للعالم هو الخارطة .. العقل والكلمات يتفاعلان مع الخارطة التي هي العالم .. تعمل البرمجة اللغوية العصبية على أربعة أركان رئيسية هي الحصيلة أو الهدف ( ماذا نريد ؟ ) والحواس والمرونة والمبادرة و العمل (لأنك ما لم تصنع شيئا فإنك لن تحقق شيئًا). يجب أن تفهم البشر الذين تصنفهم البرمجة اللغوية إلى سبعة أنماط ( من يهتم بالناس – ومن يهتم بالنشاطات – ومن يهتم بالأماكن – ومن يهتم بالأشياء – ومن يهتم بالمعلومات – ومن يهتم بالوقت – ومن يهتم بالمال ) أو هم (اللوام – المسترضي – الواقعي – العقلاني – المشتت ) . فاهم حاجة ؟.. بالطبع تفهم لكن هل يفهم عادل ؟ هناك مبدأ إعادة التأطير ومبدأ القولبة .. أن تتخذ نموذجا لشخص ناجح تتبنى معتقداته وتراكيبه اللغوية واستراتيجيته، ثم تكون معتقداتك الخاصة وأنت ما زلت تعتنق معتقدات الشخص السابق .. لو كنت تخاف من الظلام فكل ما عليك هو أن تبرمج عقلك على التفكير كواحد لا يخاف الظلام !.. هكذا نمت البرمجة اللغوية الحركية العصبية الذاتية هذه، وتحولت إلى طريقة لعلاج الاكتئاب والإدمان وعلاج الفوبيا .. صارت نظام تنمية ذاتية يعتمد على الحلقات الدراسية والاستشارات و جلسات العلاج .. تسربت إلى بلادنا العربية وصارت هوجة وموضة لا تنتهي، وهناك مواقع كثيرة تربطها بالإسلام، باعتبار أن الاسلام يحض على البرمجة اللغوية، وأن الأنبياء استخدموا أساليبها بنجاح تام .. طيب لماذا لا تكتفي بالدين إذن ؟ لكن كما قلت في المقال السابق، أعتقد أن أكثر علماء الدين الذين هاجموا البرمجة اللغوية العصبية هاجموها قبل أن يعرفوها جيدًا .. وهذا ليس دفاعًا عنها قدر ما هو دفاع عن مبدأ الدقة، ومن الخطأ أن نتعامل معها كامتداد لليوجا والشامانبة وطاقة التشي ... على كل حال يبدو أن باتلر لم يتعلم السماحة من طريقته هذه لأنه أراد عام 1996 أن يأخذ الكعكة كلها لنفسه، وطالب بأن تسجل الطريقة باعتبارها ملكية فكرية له وحده .. عندما تقرأ الهجوم على هذه الطريقة تجد أنه من الصعب أن تتوقف .. لابد من كتاب كامل يستعرض هذه الآراء .. يقولون إنه بعد 30 سنة من وجودها ما زالت لم تُقيم علميًا بما يكفي .. لا يوجد لها كيان متكامل من الأساليب العلمية القابلة للتطبيق .. عام 1984 قام عالم اسمه شاربلي بتقييم 15 دراسة حول هذه الظاهرة فوجد أن البحث العلمي لا يؤيد جدواها، ونتائجها غير قابلة للتكرار .. غير قابلية النتائج للتكرار هي الصفة المميزة للعلم الزائف أو هرش المخ عدم المؤاخذة .. علماء آخرون قالوا بالحرف: "الـ NLP قد جذبت أتباعًا كثيرين بينما هي لا تزيد على خدعة نفسية".. "حتى التقنيات الناجحة نوعًا التي تمارسها البرمجة ليست من اختراعها بل هي من أساليب أخرى سابقة ..لم يعد أحد يذكر البرمجة اللغوية ضمن أساليب العلاج النفسي .." عالم آخر يقول: "إنها التغيير من أجل التغيير فقط .." يقول ساتام ساسانجيرا عام 2005 إن شعبية الـ NLP ليست دليلا على فعاليتها، بل على قدرة الهراء الخارقة على هزيمة العلم .. إن الـ NLP عجينة نصف مخبوزة من علم النفس الشعبي والعلم الزائف . يقول توني روبينز: البرمجة نفعية جدا .. تضم إلى ترسانتها كل وسيلة تثبت نجاحها حتى لو لم تكن مدعومة علميًا .. لا أحد من مدربي البرمجة قد أجرى أبحاثا حقيقية للبرهنة عليها، طريقة العمل هي: تظاهر بأن الطريقة تعمل .. لاحظ ما تحصل عليه .. لو لم تحصل على نتيجة جرب شيئًا آخر. عن الاسم الغريب تقول مارجريت سنجر إن باندلر اعترف بأنه اخترع الاسم من مجموعة كتب متناثرة على أرض سيارته عندما سأله رجل شرطة عن عمله ..! على شبكة الانترنت قرأت لقارئ عربي ذكي يهاجم أحد أنبياء البرمجة اللغوية في الفضائيات، فيسأله: هل قام تلاميذه بانشاء المراكز الحيوية التي تفيد المجتمع أم قاموا فقط بإنشاء مراكز التدريب لنفس المجال وفي نفس الاتجاه ؟ !! هذه هي الحقيقة .. الطريقة الوحيدة للاستفادة من الـ NPL هي أن تصير مدربًا لها، وأن تؤلف عنها كتابين، وأن تنشئ مركزًا يعلمها .. الذين فعلوا ذلك هم الذين ظفروا بالخير العميم .. ترى هل يفهم عادل هذا ؟.. هل يمكنه أن يفتتح مركزًا لتعليم البرمجة اللغوية العصبية كمشروع عمره الذي يدر الذهب، ويخرس المتحذلقين من أمثالي ؟.. لا أعتقد .. لقد وصل القطار إلى المحطة، وابتعدت (رانية) بخطوات رشيقة لتلحق بالمترو، فلم يعد لدى عادل وقت لسماع أي شيء سوى صياح مراقب اللجنة لأنه يحاول الغش

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:00 AM
ميكروباص وسنوبيزم وأشياء أخرى

لأسباب تتعلق بالنحس، اضطررت ذات مرة إلى العودة من القاهرة إلى طنطا في ساعة متأخرة بعد رحيل آخر القطارات.. وهكذا ركبت إحدى سيارات الميكروباص الواقفة في ميدان رمسيس والتي يصر رجال المرور على أنه لا وجود لها .. منذ البداية لاحظت أن السائق محمر العينين يتكلم بالضبط على طريقة (اللمبي).. نموذج فريد جدًا يصلح لشرح الإدمان عليه لطلبة الطب.. شاب عجن شعره لأعلى بالفازلين، وارتدى سوارًا جلديًا ويعاني حالة متقدمة من الإحساس بالفتونة والعافية والفخر بشاربه.. وانطلق الميكروباص في تلك الرحلة السوداء التي يمكنك أن تتخيلها .. سرعة جهنمية حتى شعرت بأن الميكروباص لا وزن له تقريبًا .. أخطاء قاتلة .. فرملة حيث لا ينبغي أن تفرمل .. الأضواء كلها مطفأة على سبيل (الحرفنة).. كل قاعدة مرور في الكتاب خرقها هذا الفتى .. إنه يسرع في المنحنيات برغم أن أول قاعدة قيادة سمعتها في حياتي هي التهدئة في المنحنيات، من ثم يتحول الميكروباص إلى دراجة أطفال لطيفة تجري على عجلتين .. وعند مدخل أحد الكباري كانت أمامنا مقطورة لا تكف عن إعطاء إشارة الاتجاه إلى اليمين .. هكذا صارت قضية حياته أن يمر من جهة اليمين وإلا فقد رجولته وكرامته .. اقترب جدًا وأوشك على المرور لولا أنه أدرك في آخر لحظة أن الثغرة لا تكفي وأن معنى المحاولة هو السقوط في الماء .. هكذا داس الفرملة بعنف أطار الجالسين .. لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد .. إنه ككل الشخصيات الفمية يعتقد أنه على حق دائمًا .. يخرج رأسه من النافذة ليسب سائق المقطورة بشتائم لا يمكن التلميح لها، وكل ذنب السائق أنه قرر أن يتجه لليمين وأعطى إنذارًا بهذا قبل أن يفعل بخمس دقائق .. من جديد اندفع للأمام ليضغط على سيارة ملاكي تمشي أمامنا.. ضغط عليها جدًا إلى درجة أنه اضطر للفرملة بالعنف بعد ما أوشكت الكارثة على الحدوث .. من ثم أخرج رأسه من النافذة يسب سائق الملاكي وكيف أن (أمه جايباها له) وإنه بالتأكيد رجل مترف رائق البال ذاهب لممارسة الزنا أو عائد منه .. أين الرادار الليلي الذي صدعونا بالكلام عنه ؟.. ولماذا أرى كمين مرور للتفتيش على الأحزمة كل دقيقة في الصباح بينما معظم الحوادث تقع ليلاً ؟.. بهذه الطريقة في القيادة ليس الغريب أن يقع حادث من وقت لآخر.. المعجزة الحقيقية ألا يحدث حادث كل دقيقة.. المعجزة ألا تكون لدى كل سائق ميكروباص مرة واحدة يقود فيها في حياته ثم يموت ويأتي غيره، وكلهم يتوق إلى أن يرى طنطا هذه! (خلص) و(اخطفها) ..كلمتان هما السبب الدائم لمشكلة المرور في بلدنا .. كل حادث لابد أن سببه واحد أراد أن (يخلص) أو وجد فرصة وأراد أن (يخطفها).. حتى هذه اللحظة كنت أرى الركاب هادئين مستسلمين كالخراف، وقد قال لي أحد الجالسين جواري: ـ"هو دايمًا يسوق كده .. ما تركزش وبإذن الله نوصل بالسلامة" لكن صبري كان قد نفد، فلو كان هذا المخبول يتوق إلى تدمير الميكروباص والانتحار فهذا شأنه، أما أنا فليس ضمن برنامجي أن يصير أطفالي يتامى بسبب مدمن أفرط في شرب (التوسيفان) أو تلك الخلطة اللعينة التي يطلقون عليها (مزاج العربجي).. صارحته برأيي في قيادته وكيف إن الميكروباص كاد ينقلب سبع مرات على الأقل .. فقال في غلظة وتحد: ـ"مش انت اللي سايق يا أستاذ.. أنا اللي وازن الدركسيون وعارف أنا بعمل إيه بالضبط .. يعني أنا عاوز أقلب عربيتي ؟" أخبرته بحقيقة حسبتها مفهومة، هي أن كل من انقلبت به السيارة كان يزن عجلة القيادة ويعتقد أنه يعرف ما يفعله ..وبالتأكيد لا أحد منهم تمنى أن يحطم سيارته .., كل هذا مألوف للقارئ ولا يبرر كتابة هذا المقال، لكن ما ليس مفهومًا هو تلك الثورة العامة التي عمت السيارة، وكيف هبت كل تلك الخراف النائمة تصيح بي بمزيج من الغضب الحقيقي ومداهنة السائق: ـ"يا عم ما تفوّلش ... تف من بقك .. بشروا ولا تنفروا !" كان رأسي يوشك على الانفجار من الغيظ .. تأمل معي هذا المنطق .. التحذير هو الذي سيقلب السيارة ويرسلنا إلى الجحيم، بينما كل هذا الذي يمارسه السائق شيء طبيعي والرجل يعرف ما يفعله .. الحوادث لا تقع لأن هناك مستهترين، وإنما لأن أمثالي من الأفندية كغربان البين يصرون على (التفويل) .. طبعًا تمت الرحلة على خير بدليل أنني أكتب هذه السطور، وإن حققت رقمًا قياسيًا جديدًا هو ساعة إلا الثلث من القاهرة لطنطا، لكن هذه القصة ذكرتني بقصة للراحل العظيم (يوسف إدريس) اسمها (سنوبزم)، عن أستاذ الأنثروبولوجي الذي اعتاد ركوب الأتوبيس المزدحم، وفي يوم راقب مشهدًا غريبًا . رجل يتحرش بامرأة إلى درجة محاولة نزع ثوبها .. لما استغاثت المرأة هب ركاب الحافلة كلهم على من ؟.. على المرأة طبعًا .. وتم رميها من السيارة في أول فرصة .. هذا السلوك الجماعي الغريب أثار فضول عالم الأنثروبولوجي فسأل الناس بصوت جهير عن سبب هذا التصرف .. كانت النتيجة أنه تلقى علقة ساخنة وألقي من الأتوبيس بنفس الطريقة .. السلوك الجماعي يتخذ مناحي غريبة أحيانًا، وهو في قصتي يكشف الكثير عن مفهوم القدر في عقولنا .. في هذا المفهوم يعتبر الحذر من الحوادث هو سبب الحوادث، ولا يوجد ما يمكن منعه على الإطلاق و(لو مكتوب لنا نعمل حادثة حنعمل .. حتى لو العربية واقفة).. يا سلام على كل هذا الإيمان والزهد الجديرين بالدخول في تراث التصوف !.. يقود الرجل سيارته بسرعة ثمانين في الساعة وطفله السعيد على حجره خلف المقود، معرضًا الطفل لتهشيم جمجمته مع أول فرملة عنيفة، فلو أنه ارتكب هذه الفعلة في الخارج لشنقوه .. يترك الرجل طفله يتسلق سور الشرفة ويتدلى منها… يناول الرجل صديقه كوب الشاي الساخن فوق رأس طفله .. فإذا تكلمت قال لك في حكمة إن الحذر لا يمنع القدر وإن (ربنا يستر) .. فإذا وقعت الواقعة وهلك الطفل جلس في سرادق العزاء يبكي ويتحدث عن (الوديعة التي استردها الله منا ) و(هذا هو عمره ).. نعم .. كان مكتوبًا أن يتسلق الطفل سور الشرفة وتنزلق قدمه فيسقط في الشارع .. كان مكتوبًا أن ينفجر إطار الميكروباص وينقلب وهو يرمح بسرعة 120 كيلومترًا في الساعة .. كل هذا مكتوب كما كتب أنك أحمق مستهتر، ورعونتك سوف تقودك إلى المهالك .. سبعون بالمائة من الحوادث يمكن منعه .. هذا ما يقوله الغربيون .. كم من حريق ينتظر أن يحدث بسبب عقب سيجارة أو ماس كهربي .. كم من كوب مليء بالبوتاسا الكاوية التي تبدو كاللبن ينتظر الطفل البائس الذي سيشربه .. حادث السيارة المروع الذي سيحدث فجر غد بسبب الرعونة .. كل هذا يمكن منعه .. حتى الأوبئة يمكن منعها لأن هناك فرعًا مهمًا من الطب اسمه الطب الوقائي، فلا تبقى إلا نسبة 30% يستحيل أن تفعل بصددها أي شيء، وهي قائمة البراكين والفيضانات والزلازل، وطبقًا لهذا كان ينبغي أن تكون مصر أكثر بلدان العالم أمنًا، فقد حفظها الله من الكوارث الطبيعية لكننا ملأناها بالكوارث البشرية .. أحيانًا تبلغ القدرية درجة تثير الجنون .. أذكر أن شابًا في العشرين من معارفي أجرى جراحة تافهة، وبسبب خطأ اعترف به طبيب التخدير توفي الفتى على مائدة الجراحة .. قلت لأقاربه إن من حقهم – وربما واجبهم – أن يتخذوا إجراءً قانونيًا .. كان ردهم متوقعًا هو أن التقاضي لن يعيد لهم من مات، ثم أن هذا عمره .. لقد كان مكتوبًا له أن يموت في هذه الساعة .. قلت لهم إنه لو أخرج طبيب التخدير سكينًا وأغمده حتى المقبض في صدر الفتى، فهذا عمره أيضًا .. ولو عممنا القاعدة فلا جدوى من معاقبة القاتل في أية جريمة.. بالطبع لم يكونوا مستعدين لسماع هذا الهراء ، وخبرات آلاف السنين لا يمكن تغييرها لمجرد أنك تريد هذا .. أعتقد أن هذه القدرية سوف تكبلنا للأبد، ما دام لا يمكن منع الحوادث، وما دامت فكرة الاحتياط اعتراضًا على القدر. واجب علماء الدين أن يثبتوا مفهوم (أعقلها وتوكل) في أذهان الناس منذ الصغر، وأن ينموا نوعًا من الوعي المروري ذي الطابع الديني في الأذهان، إذا كان الناس فعلاً متدينين بالقدر الذي يحبون أن يتصوروا أنفسهم به .. الخاطر الأخير الذي جال بذهني بعد مغامرة الميكروباص تلك هو صورة وطن كامل .. وطن كامل يندفع إلى الهاوية، بينما الناس نيام مستسلمون لقدرهم، و(ما تركزش وبإذن الله نوصل بالسلامة)، فإذا فتح أحمق فمه للاعتراض هبوا غاضبين يخرسونه .. السائق يؤكد أنه يسيطر على عجلة القيادة تمامًا لكن الشواهد تكذبه .. ثم إنني استبعدت هذا الخاطر حتى لا يتهمني أحد بـ(التفويل)، فلعلي إذا أسرفت في الحديث عن ضياع الوطن ضاع الوطن فعلاً !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:01 AM
لأنه الأستاذ
بقلم واحد غيري

قبل أن أخط حرفاً في هذا المقال، يجب أن أعترف بأن العبد لله ليس متخصصاً في السينما ولم يدرسها إلا بشكل هاو من خلال مشاهدة الأفلام، وقراءة كل ما وقع في يده عن هذا الفن الرائع. لكني أحسب أن عندي عقلاً يميز، وأعرف الزبد الذي يذهب جفاء وما ينفع الناس. أعرفه وإن كنت لا أعرف غالباً كيف أقدم الأخير.
السؤال الذي أريد أن أسأله هو: هل العبقري (يوسف شاهين) عبقري حقاً ؟.. لنضع السؤال بشكل أدق: هل (يوسف شاهين) المؤلف Auteur قد أضاف شيئاً ليوسف شاهين المخرج ؟...سؤال أمين لا أبتغي منه إلا الظفر بإجابة أمينة .. ويجب أن اذكر القارئ الكريم بأنني أعتبر (الأرض) أعظم فيلم مصري على الإطلاق، ولم أستطع قط أن أرى لقطة واحدة من (باب الحديد) من دون أن أتابع الفيلم حتى كلمة النهاية.
يكتم البعض ابتسامته الخبيثة ويهمس البعض في ضيق: "هي ذي اللعبة التقليدية .. اقذف العمالقة بالحجارة ليُذكر لك أنك يوماً قذفتهم .. جربها الكثيرون مع (العقاد)، وجربها (العقاد) نفسه مع (شوقي) في مستهل حياته حين فتح عليه مدافع الديوان..". لكني أكرر أن هذه هي المشكلة فعلاً.. لا أحد يصدق أو يقبل أو يسمح بأن يكون (يوسف شاهين) أقل من المكانة التي رسمناها له..ومن هنا يأتي السؤال: هل الإمبراطور بكامل ثيابه أم أننا نخشى الاعتراف بعكس ذلك كي لا نبدو حمقى ؟ لماذا؟.. لأنه الأستاذ..
لقد قدم شاهين فيلمه الأخير (إسكندرية نيويورك) وفيه تحدث عن الأمور التي تروق له كالعادة بدءاً بـ(فريد استير) والدراسة في أمريكا الخ، تملق تلك الأخيرة إلى حد لا بأس به، لكن هذا الصنم القاسي لم يتقبل القربان، ورأى أنه دون المستوى طبقاً لكلمات لجنة التحكيم في مهرجان نيويورك .. والنتيجة..سوف تبدأ أعنف حملة ممكنة تتهم رفض المهرجان لفيلم شاهين الأخير بأنه عمل عنصري قذر، وأنه يعبر عن الوجه القبيح الحقيقي لأمريكا. ولن يجرؤ أحد أبداً على مراجعة إمكانية أن يكون الفيلم رديئاً فعلاً. لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
هذه هي مشكلة يوسف شاهين.. إنه تحول إلى Cult غير قابل للمراجعة أو المناقشة. وحتى الكومبارس الذي يقدم للبطلة كوب ماء في أحد أفلامه يعتبر نفسه أستاذاً من أساتذة التمثيل، ويقول في وقار وغموض:" أفضل أن يرى الناس العمل ليحكموا بدلاً من أن أتكلم عنه". وغدا من التقليدي في كلام أي ممثل أن يحكي عن (تجربة التطهير أو الميلاد الجديد) التي اجتازها بالعمل مع شاهين.
يصر شاهين على أنه مفكر .. وهنا أخطر المآخذ التي لا أدري كيف نقبلها في أفلامه .. إلام يفضي المسار الفكري لفيلم (المهاجر) ؟.. رؤية مختلة لقصة سيدنا يوسف مع تنويه واضح إلى أن (الأرض لمن يستطيع أن يزرعها) ولا أعرف إلام يفضي بنا هذا ؟.. ماذا عن الرسالة المضطربة في (وداعاً بونابرت) حول أن العلاقة المثلية بين جنرال فرنسي وشاب مصري هي الطريق الوحيد إلى امتزاج الحضارات والسلام ؟. حل مشكلة التطرف في (المصير) هو أن نرقص أكثر.. وقد نشب خلاف صحفي شهير عندما عرض (حدوتة مصرية) لأنه تجاهل كون الفكرة ليوسف إدريس .. قال يوسف إدريس إن شاهين جاءه بفكرة ساذجة عن ولد اسمه (آدم) وبنت اسمها (حواء) يلتقيان للحب فيبرز لهما رجل غليظ يحمل شومة المفترض أنه (المجتمع).. طبعاً لم يكن إدريس مستعداً لسماع المزيد من هذا الكلام، وقدم فكرته العبقرية التي تدور حول محاكمة إنسان داخل ضلوعه، بسبب إحباطه للطفل بداخله.. وكيف تحول هذا الطفل إلى جلطة تسد شرايينه التاجية. يمكن لنا إذن أن نتصور الفيلم لو خرج بصورته الأولى !
في أفلام شاهين يتكرر ذلك الخلط الساذج بين المتصوفين ورواد الموالد والأصوليين، فهو – كالخواجات تماماً – يضع كل هؤلاء في سلة واحدة تمسك بالدف وتتطوح ذات اليمين واليسار، برغم أنه لا يمكن الجمع بين المتصوفين والأصوليين أبداً، فكلاهما يرى الآخر خارجاً عن الدين. وقد اتهمه د. (عاطف العراقي) أستاذ الفلسفة الشهير بأنه اخترع (ابن رشد) لا وجود له.. ماذا عن الإرهابي الذي يضع أيقونة القنبلة على بريده الإلكتروني ؟... لكن أحداً لا يعلق .. لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
أما عن الجانب الأخلاقي للأفلام فهناك ميزانان في الرقابة .. ميزان للعامة وميزان لشاهين .. هكذا تصفح الرقابة في تسامح أسطوري عن علاقات الحب المثلية التي لا يخلو منها فيلم من أفلامه تقريباً، ولعله تملق لتيار العولمة، وأراهن أنه يفتخر في مناقشاته الخاصة في الغرب بأنه أول من تجاسر على تقديم علاقات كهذه لمجتمع متخلف. تصفح الرقابة عن العلاقات الأسرية المختلة في كل فيلم..عن الاشتهاء الواضح من الأم لابنها في (الآخر)، وتصفح عن اشتهاء الأخت (صفية العمري) لأخيها في (المهاجر)..حتى زوجة الفيلسوف (ابن رشد) لم يرحمها .. إننا نرى في عينيها اشتهاء كاملاً للفتى الفرنسي الذي جاء يتتلمذ على زوجها. وتصفح عن مشاهد كاملة في (إسكندرية نيويورك) لو قدمها سواه لعلقوه مشنوقاً في ميدان (طلعت حرب).. ما معنى هذا ؟. نظارة هيبة العبقرية وضعت على عين الرقيب فلم يعد يرى... لماذا ؟.. لأنه يتعامل مع الأستاذ..
دعك من الميزانسين المحفوظ المكرر في أفلامه. فالناس لا يتكلمون بهذه الطريقة، كأن يقف أحدهم وراء جدار ويطل من نافذة فيه ليكلم الآخر الواقف في الناحية الأخرى. بالإضافة لهذا يبرهن يوسف شاهين عن أنه لا يفهم شيئاً عن الأسرة المصرية المتوسطة التي يقحمها في كل أفلامه. وهو يعتبر ذروة المصرية أن تقول (حنان ترك) لأمها وهي ترقص (خطبني تحت المطر) فتقول أمها دامعة العينين: (مش حاقول رأيي غير لما اشوفه)..
أما عن التمثيل فهو لم يكف يوماً عن خنق موهبة ممثلين عظام مثل (محمود حميدة) وآخرين ليتحركوا في القيود الضيقة التي صنعها لهم، كما لم يكف عن اكتشاف وجوه لا علاقة لها بالتمثيل مثل (هاني سلامة) و(أحمد محرز) و..و... لماذا يقحم داليدا لمجرد أن يثبت أنه يستطيع ؟.. يقول الناقد (سامي السلاموني): "اختار (شاهين) للفيلم (سعاد حسني) ثم (محسنة توفيق) ثم (فردوس عبد الحميد) وفي النهاية استقر على (داليدا).. كيف يصلح لسعاد حسني ما يصلح لداليدا ؟.. معنى هذا أن يوسف شاهين لا يؤمن بقيمة الممثلين، وهو يرصهم كقطع الشطرنج في أفلامه ليقولوا أي كلام". لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
وترى الفيلم أي فيلم فلا ترى معجزة تمثيلية ما.. إن الممثلين متخشبون مسجونون في قيود فولاذية فرضتها شخصية شاهين القوية عليهم، ولا أحد منهم يجرؤ على حركة زائدة .. الكلام يخرج على طريقة (عمر الشريف) في (صراع في الوادي) من شفة عليا مسدلة متصلبة، وكأنه طلقات الرصاص مع نغمة ناعسة ملول لا داعي لها، والمقاطع مدغمة، والتعبير على الوجه يأتي بعد إنهاء الكلام لا معه. وأشك في أن كل من مثل معه عاش أقسى لحظاته وإن كان لا يعترف بهذا.
ماذا عن الحوار الركيك الذي يصر على كتابته على غرار (أمريكا إلي محدش يقدر عليها) ؟.. وهو ينهي المصير بعبارة بالغة العمق (الأفكار لها أجنحة محدش يقدر يحبسها).. ماذا عن الإصرار على فريد أستير الذي لم يكن قد عرض له أي فيلم في مصر عندما انتشرت الكوليرا في (اليوم السادس).. ؟..يقول سامي السلاموني: "كيف عرف القرداتي كل هذا عن (فريد أستير) ما لم يكن قد سافر إلى نيويورك ليحضر عرض فيلمي (في المدينة) و(الغناء تحت المطر) ؟".
لكننا نعرف السبب .. لقد قدم شاهين هذا فقط لأنه يحبه.. كما يمكن أن يقدم فيلماً كاملاً مثل (إسكندرية كمان وكمان) ليثبت أنه راقص بارع و(إسكندراني جدع).. لماذا ؟.. لأنه الأستاذ..
كما قلت في بداية المقال، لا اعتراض لي على يوسف شاهين المخرج .. بل إنه من أعظم مخرجينا وأكثرهم سيطرة على تكنيك أفلامه. لكن – كما يقول سامي السلاموني - ماذا يبقى من أفلامه إذن لو نزعنا التكنيك ؟. وطبعاً لا اعتراض على التصوير والمونتاج لأنه يعمل مع الطاقم الأفضل دائماً...
المخرجون من عينة محمد خان وصلاح أبو سيف وخيري بشارة وداود عبد السيد قدموا أساليب فريدة ناضجة لكن من دون ادعاء، ولم يتهمهم أحد بالعبقرية، كما إنهم – على قدر علمي – لم يتلقوا قدراً زائداً من التدليل .. ..
بالنسبة لي يوسف شاهين هو العبقري الذي قدم باب الحديد والأرض ... هو المخرج فقط لكن لي ألف اعتراض على المؤلف .. فما رأيك أنت ؟

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:03 AM
المزيد من سيد حبارة

إنه (سيد حبارة).. الاسم وهمي طبعًا لكنك سوف تعرفه بالتأكيد .. تراه في كل مكان .. تعرفه من شاربه والنظرة الخبيثة على وجهه، والطاقية البيضاء التي لا ينزعها عن رأسه أبدًا لأنها (من الحجاز).. تعرفه من الدراجة التي يصر على أن يركبها عكس اتجاه المرور.. ينظر راكب السيارة لليسار، متحينًا بكل حواسه فرصة يخطفها كالقط وسط سيل السيارات المنهمر .. عندما تحين الفرصة يثب بالسيارة، ليفاجأ بسيد حبارة مندفعًا كالسهم على دراجته قادمًا من اليمين .. فليجرب أحد راكبي السيارات أن يلمس حبارة في هذه اللحظة، ولسوف تنهمر عليه قائمة فريدة من الشتائم تتعلق بنشاطات أمه الجنسية. إن حبارة يحمل حقدًا هائلاً نحو راكبي السيارات، وفي أول ثورة أو انتفاضة أو شغب سوف يحرق سيارتين أو ثلاثًا قبل أن يعرف سبب الشغب .. سوف تعرف حبارة وهو يركب دراجته في الأيام المطيرة وقد ادخل سروال البذلة في الجورب حتى لا يتسخ، وهو يطلق على هذا لفظ (التقفيز) وقد تعلمه من أيام الجيش، ويحمل في يده عصا (غلية) لا تعرف الغرض منها لكنه مصر على حملها .. يلبس كل ثيابه ويلف حول عنقه كوفية صوفية كأنه في سيبيريا لأنه يؤمن أن البرد هو منبع كل الأمراض .. ولسبب ما يصر على أن يلبس بدلة كاملة في أيام المطر هذه .. سوف يتطاير عليه بعض الوحل من سيارة تمر بجواره، فيتوقف على الفور ويطلق سبة بذيئة ويلتقط قالب طوب من على الأرض ليقذفه في الزجاج الخلفي للسيارة .. من أهم مزايا (سيد حبارة) أنه لا يملك نفسه ساعة الغضب، ولا تهمه العواقب ما دام سيفش غله لحظيًا .. (حبارة) عامل في مصنع او موظف في إدارة حكومية ما ، وهو لا يمارس أي عمل تقريبًا سوى نقل القيل والقال وكيف إن (الملاحظ / المفتش / رئيس القلم) رجل مسخرة ديوث تلعب به زوجته كما تشاء .. يتبادل الدعابات الجنسية مع زملائه خاصة ما يتعلق منها بليلة الخميس والكوارع وضعف الرُكب والجمبري .. يرى جريدة مع واحد من رفاقه فينظر لها نظرة زائغة لا ترى ويقول: "بلد بايظة".. هكذا بلا أية تفسيرات، هنا يطلب منهم رئيسهم مهمة ما فيثور ويختلق مشكلة ويقف لساعات صائحًا: مش منفذ .. لو الوزير نفسه جه دلوقتي مش منفذ .. تنتهي هذه الضوضاء عند أول شخطة حقيقية من (الملاحظ / المفتش / رئيس القلم)، فينفذ لكن حقده يتزايد، ومعه يؤلف المزيد من الحكايات البذيئة عن المفتش ذي الميول الشاذة جنسيًا أو الملحد .. إنه مظلوم دائمًا في نظر نفسه .. غير قادر على الحياة لكنه غير قادر كذلك على الاحتجاج ... (سيد حبارة) قد أيد كل العصور في مصر لكنه يكره الحكام كراهية عمياء .. لا يوجد تناقض هنا .. إنه يكره عبد الناصر بشدة لسبب لا يذكره، لكنه يرى صورته في فيلم أو مسلسل فيصفق له بحماس .. كان يكره السادات ثم مر موكب السادات أمامه فوجد نفسه يصرخ هاتفًا: بالروح .. بالدم . نفديك يا سادات .. منذ أعوام طويلة جاءت مذيعة تلفزيون تسأله عن الشيء الذي لا يروق له في برامج التلفزيون، فقال العبارة التي أعدها وحفظها وسمعها لنفسه عدة مرات: التلفزيون مش بيقدم وعي اشتراكي للناس .. عبارة لا يفهمها لكنه يحفظها ويشعر بأنها عميقة .. بعد أعوام قابلته مذيعة أخرى وسألته عما لا يروق له فقال في حماس واللعاب يتطاير من فمه: التلفزيون ما قدمش حاجة تناسب 6 أكتوبر .. منذ عام جاءت مذيعة أخرى تسأله عن رأيه فقال : التلفزيون بيقدم مناظر خليعة .. برغم هذا هو لا يفوت منظرًا واحدًا من تلك المناظر على الفضائيات التي تأتيه بـ (الوصلة).. يتابع المنظر بعين جاحظة حمراء توشك على الخروج من محجرها .. وهذه الشهوة تتحول إلى حقد والحقد يتخذ طابع الورع المشمئز الغاضب .. هو يشتهي الفنانات جدًا إلى درجة المقت .. وهو يتمنى بالفعل أن يراهن يغتصبن ويمزقن .. وأسعد لحظة في حياته هي عندما يسمع عن القبض على واحدة منهن في قضية آداب .. "هؤلاء القوم يملكون الثروة والجمال والنفوذ لكنهم يفتقرون إلى الدين والأخلاق ويعيشون كالخنازير، ورجالهم يفتقرون إلى الدم الحامي والنخوة، لهذا نحن أفضل منهم" .. من الناحية الدينية (سيد حبارة) لا يمارس الشعائر بأنواعها، لكنه مستعد لأن يتحول إلى أسد مفترس ويمزق أي واحد لو سمع مثلاً أن أقراص لعبة (بوكيمون) تكتب عند حرقها عبارة (سيد لا .. كعبة لا) أو ان عبارة (كوكا كولا) لو رأيتها في المرآة تكتب شيئًا مماثلاً.. إنه متعصب بلا حدود باعتبار التعصب من شروط التدين الصحيح، وهو غير مستعد البتة لقبول الآخر .. مستعد لتصديق أي شيء يسمعه .. رسام الكاريكاتور الدانمركي الذي أهان الإسلام وجدوه ميتًا بصاعقة .. السبراي الذي يرسم شكل الصليب على ثياب المنقبات .. الخ .. تعصب بلا حدود من دون أن يفعل شيئًا واحدًا يثبت به أنه مسلم فعلاً كما أراد له الرسول (ص).. لهذا من السهل جدًا أن تحشد سيد حبارة في أية مظاهرة بشرط أن يكون لها سبب ديني .. كنت أكلم صديقي عن مستقبل المفاعلات النووية في مصر، ثم توقفنا وقد أفزعتنا فكرة أن المفاعل سوف ينشئه المهندس الصيني (وانج هاو تشين) أو الألماني (فرانتس هوفمان) أو الروسي (ميخائيل سولوفيتش)، لكن إجراءات السلامة في النهاية سوف تقع على عاتق (سيد حبارة) !.. يمكنك تخيل منظر المفاعل الموشك على الانفجار، بينما (سيد حبارة) يؤكد أنه سلم العهدة وأن دفتر 118 ليس معه، وأن المفتاح مع النوبتجي المناوب، وأن الملاحظ خصم له ثلاثة أيام دون وجه حق .. الخ .. في كل الاستفتاءات والانتخابات يعتبر سيد حبارة مخزونًا استراتيجيًا للحكومة ..حتى من دون تزوير أو تلاعب في أوراق التصويت، يصدر (الملاحظ / المفتش / رئيس القلم) أمرًا للعاملين بالتوجه إلى اللجان، ويتم شحن (حبارة) هو ورفاقه من (السيدات حبارة) في أتوبيسات إلى لجان الانتخاب وهم يهتفون مؤيدين شيئًا ما .. ثم ينزلون إلى اللجان ليصوتوا بـ (نعم) ويرفعوا عريضة مكتوبة بالدم – دم الدجاج غالبًا – تؤيد أي شيء حتى لو كان قانونًا لمنع التنفس أو منع دخول دورة المياه .. عند الظهيرة يطير فرحًا بذلك الكيس الورقي الذي يحوي علبة عصير و(شاندوتش) .. سيد حبارة لعب دورًا مهمًا في التصويت على التعديل الدستوري الأخير، ونحن نعرف ما سيحدث بالضبط يوم التصويت على التوريث القادم .. سوف تخرج عشرات الأتوبيسات تحمل لافتات التأييد والمبايعة والموافقة .. الكثير من الهتاف .. عريضة بالدم تبايع الابن على طريق الأب .. وهكذا تفيق لتجد أن أسوأ كوابيسك قد تحقق وأن هناك إجماعًا ساحقًا لدى الشعب المصري على التوريث ..لا يوجد تزوير هنا .. سيد حبارة هو من قال نعم.. هذا ما يقدر على عمله (سيد حبارة) .. إنه بالتأكيد أكثر تأثيرًا وأعلى صوتًا مما يقدر على عمله عشرون أفنديًا بالنظارات يقفون هاتفين على سلالم نقابة الصحفيين، بينما تحيط بهم ثلاثون عربة بوكس خضراء.. الآن أنت تعرف من هو (سيد حبارة).. (سيد حبارة) هو المصري العادي الذي يملأ الشوارع .. من قال إن الإنسان المصري ما زال كما كان ؟.. لقد تغير كثيرًا جدًا .. إنه نتيجة بائسة لسنوات من القهر والجهل والتخلف، لكنه برغم هذا قوي جدًا بحكم العدد ويمكنه بالتأكيد أن يحدد مصير هذا البلد لأعوام قادمة .. لقد صنعته حكومات متعاقبة وظروف اقتصادية وسياسية تفوق الوصف، لكن (سيد حبارة) هو من يفرز الحكومات لأن الشعب يستحق الحكومة التي تحكمه .. وهكذا .. دائرة شيطانية لا تنتهي .. المزيد من سيد حبارة .. المزيد من التأييد .. المزيد من الحكومات الفاسدة .. المزيد من سيد حبارة .. وهكذا ... من يقدر على كسر هذه الدائرة ؟.. ليس أنا بالتأكيد .. لا تنس أنني مواطن مصري وبالتأكيد أحمل الكثير من (سيد حبارة) في أعماقي، إن لم أكن أنا هو فعلاً، حتى لو كنت لا أركب الدراجة ولا أضع طاقية بيضاء على رأسي !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:04 AM
لماذا لم يشم عادل الورد ؟

امتحانات التيرم الأول للصف الثاني الابتدائي .. أشق طريقي وسط الزحام نحو اللجنة ممسكًا بكف (مريم) ابنتي الصغير إلى أن أصل للبوابة، فأدفع هذا وذاك من أولياء الأمور الذين يصرون على الوقوف أمام البوابة ليسدوها كأن هذا يجعل أطفالهم أذكى .. وفي النهاية أترك (مريم) لصف من العاملات مخيفات الشكل يناولنها لبعضهن يدًا بيد حتى تغيب في قدس الأقداس بالداخل، الأمر الذي يذكرني بمشهد الأب الذي ترك ابنته رهنًا لدى عصابة المخدرات في فيلم (الباطنية) إلى أن يجلب ثمن الحشيش الذي أخذه..
عدت في موعد الانصراف لآخذها بذات الصعوبة، خاصة مع أحجام الأمهات المرعبة كأنها حروب الديناصورات في العصر الطباشيري .. هنا لاحظت ظواهر عجيبة .. معظم الأمهات لم يعدن لبيوتهن قط وإنما ظللن طيلة فترة الامتحان على الباب يقرأن القرآن .. بعض الأمهات دامعات العيون، وثمة أم ترتجف وتتنفس بسرعة لتزيد قلوية دمها موشكة على الإصابة بحالة هستيرية.. بينما يخرج الأطفال مظفرين وقد بدا عليهم الغرور لأهميتهم المستجدة.. اكتشفت أن الأمهات يحملن جميعًا أسئلة الامتحان ليراجعنها مع الأطفال: جاوبت السؤال ده بإيه ؟.. قلت إيه هو لون القطة ؟.. الحتة دي مش في الكتاب..
ثم يتقلص وجه الأم من صعوبة الأسئلة وتردد بلا انقطاع: ولاد الكلب .. ربنا ينتقم منهم !.. ربنا ينتقم منهم !
سألتهن عن كيفية الحصول على هذه الأسئلة، فدللنني على صاحب مكتبة (شاطر) حصل على ورقة الامتحان وقام بتصويرها، وهو يبيع الورقة بعشرين قرشًا .. برغم إيماني بعبثية الموقف فقد وقفت في الطابور لأبتاع نسخة.. لن أكون الأب الوحيد الذي لم يشتر نسخة من الأسئلة ويكون علي أن أخبر أم العيال بهذا .. فقط رحت أتساءل عن الكيفية التي حصل بها هذا الأخ على أسئلة الامتحان، فلابد أنه يقتسم الأرباح مع أحد الإداريين بالداخل .. عشرون قرشًا في ألف ورقة خلال ساعة.. ليس مبلغًا سيئًا .. دعك من أنه حصل عليها بالتأكيد قبل مرور نصف الوقت كي يتمكن من تصوير كل هذه النسخ ..
عندما عدنا للبيت راجعت مريم الإجابات مع أمها، ثم تفرغت للاتصالات الهاتفية مع صاحباتها .. لماذا لم يشم عادل الورد ؟.. أنا قلت لأن عنده زكام .. مس هناء عدت علينا وقالت هي دي الإجابة الصح .. هكذا ظل الهاتف مشغولاً لمدة ساعتين ..
عندما تأملت في الموقف بعد ما هدأت الأمور وجدت شيئًا غير طبيعي وغير مبرر .. نحن نتكلم عن امتحان نصف العام للصف الثاني الابتدائي !... الصف الثاني الابتدائي !.. هل يستحق الأمر كل هذا الانفعال الزائد والتوتر ؟.. كل هؤلاء الصغار سينجحون بلا شك والمجموع لن يؤثر في مسار حياتهم، وإن لم أكن مخطئًا لن يحرمهم دخول كلية يحبونها..فماذا يصنعون في الثانوية العامة إذن ؟.. عندما لا يتناسب الانفعال مع المناسبة فإن ما تشعر به هو إحساس عارم بالسخف .. رجل يلطم خديه في الشارع لأنه لا يجد علبة الثقاب في جيبه ..
دموع وبكاء ومراجعات في الهاتف .. كل هذا من أجل (لماذا لم يشم عادل الورد ؟) و(ما لون القطة ؟).. هل هذا سلوك فسيولوجي ؟.. هل هذا سلوك عقلاني ؟.. هل هذا طبيعي ؟
في طفولتي – وأزعم أنني نشأت في أسرة مترابطة تهتم بأطفالها – لم يكن أحد يعلق أية أهمية على امتحانات من هذا النوع وبهذا الحجم .. في هذا الوقت كنت في مدرسة مجانية، ولم تكن (الأبله) قد أصيبت بذلك المرض المريع الذي حولها إلى (مس)، ولم تكن أعراض التحول إلى (مستر) قد أصابت الأستاذ .. كان المعلمون قومًا بارعين في مهنتهم ذوي ضمائر حية وثياب رثة – بالمناسبة - لأنهم لم يكونوا يحصدون الآلاف من الدروس الخصوصية... فقط كنت أخبر أهلي أن لدي امتحانًا غدًا فكانوا يعطونني الورق والأقلام اللازمة وينسون الأمر، ولم تبدأ هذه الهستيريا إلا مع دخولي الشهادة الابتدائية .. بدأت مع كثير من التحفظ ..
ما سبب هذا الذعر العام ؟
جاءني الجواب على الفور .. إنه الفراغ الروحي .. المصريون يفتقرون إلى مشروع قومي يضمهم ويوحد مشاعرهم لهذا يختلقون أي مشروع حتى لو كان (لماذا لم يشم عادل الورد ؟).. إنها الضغوط النفسية والاقتصادية والعاطفية والدينية تحاصر المصري الذي لا يجد طريقة لإخراجها إلا على باب اللجان .. فلابد من شماعة .. لابد من قناة لخروج كل هذا الضغط .. هكذا لا يجد المصري هدفًا إلا ذلك الطفل البائس ذا سبع السنوات الذي تقع على كتفيه الصغيرتين مسئولية كل شيء يحدث للأبوين .. وبما أن العصاب معد، فإن هذا التوتر ينتقل للطفل مع الوقت .. سوف يذهب إلى الامتحان شاعرًا بأنه مسئول عن آمال أمة وأحلام وطن .. وسوف يرتجف ويتوتر ويقضي الساعات على الهاتف يناقش لون القطة مع أصحابه .. اثنتا عشرة سنة من التوتر، ثم ينتهي وقوده في الثانوية العامة فلا يظفر إلا بخمسة وثمانين في المائة بعد كل هذه الصراخ .
الشخصية المصرية تعاني درجة عالية من التوتر العاطفي الذي يبحث عن مخرج .. مثلاً قد يأخذ هذا المخرج شكل توتر لا مبرر له كالذي رأيته على باب اللجنة .. هناك هواية صنع أبطال حتى لو كانوا من عينة شعبان عبد الرحيم لمجرد أنه قال (أنا باكره إسرائيل)...
د.(درية شرف الدين) شخصية عظيمة تظفر باحترام غالبية الناس، وقد تولت لفترة من الفترات رئاسة الرقابة على المصنفات ثم اضطرت للاستقالة بسبب ظروف خاصة .. هذا هو كل شيء .. ما حدث هو أن كثيرين حولوها لبطل قومي وأرسل أحدهم لجريدة يقول: هذه السيدة احترمت نفسها ورفضت أن تشارك في كل هذا الفساد فاستقالت !.. الغريب أنها لم تزعم شيئًا من هذا، وكل ما قالته هو أن ظروفها لا تسمح .. لكنه ذلك الجوع إلى بطل يحمل عنا العبء النفسي ويدفع ثمن أرواحنا..
الغضبة العارمة في قضية الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية عظيمة ومفهومة، ولكن أين غضباتكم على نهب مصر وتزوير الانتخابات وتعرية الصحفيات وعلى احتلال العراق الذي يهين المصاحف في دورات المياه ؟. يحتاج الأمر إلى عالم اجتماع يفسر لنا هذا التناقض السلوكي عندما يهان الدين بيد الولايات المتحدة وعندما يهان بيد الدانمرك.
اتصلت بصديقي لأخبره بهذه الخواطر فوجدت الخط مشغولاً.. طلبته عدة مرات على مدى ساعة، وفي النهاية عرفت أن زوجته كانت تجري مكالمة طويلة مع أم (ندى) زميلة ابنته الطالبة في الصف الأول الابتدائي .. السبب هو أنهم - أولئك الأوغاد في المدرسة – قد أنقصوا درجتين من نتيجة الفتاة لأنها قالت إن لون القطة أسود بينما كتاب الوزارة يؤكد أنها بيضاء !.. الأم مصرة على تقديم شكوى وإعادة تصحيح الأوراق، بينما زوجة صديقي تقنعها أن كتاب الوزارة هو الحجة الأخيرة .. ما دام قال بيضاء يبقى بيضاء ... ثم أن هؤلاء لن ينصفوك أبدًا لأن التعليمات تقضي بأن يقللوا عدد من يدخلون الجامعات !
هكذا أنهت أم (ندى) المكالمة، ولن اندهش لو عرفت أنها ابتلعت أقراص الأسبيرين لتقتل نفسها بعد ما فقدت كل أمل في الغد ...
مصر تتحول يومًا بعد يوم إلى مستشفى مجانين كبير .. هل يدرك أحد هذه الحقيقة قبل فوات الأوان ؟

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:05 AM
عن أدب الرعب في بلد مرعوب

ليرحمه الله لأنه قد توفاه قطعًا .. عم (أبو اليزيد) البواب النوبي العجوز طيب القلب، وغرفته الضيقة العامرة بالبراغيث تحت سلم حضانة (حماية الأسرة) بطنطا، وغذاؤه الذي لا يتغير .. رغيف الخبز الأسمر والباذنجان الأسود المخلل الذي كنت أشعر دومًا بأنه جزء من بشرته هو نفسه .. أذكر بجلاء كيف أنقذ عم (أبو اليزيد) حياتي وحياة خمسة من زملاء الحضانة عندما أخفانا في غرفته في ذلك اليوم من صيف 1967 عندما جن جنون (عبد الناصر) فأرسل رجاله يسحبون الدم من بطون الأطفال. يومها جرنا عم (أبو اليزيد) إلى غرفته ونظر حوله بحذر ثم قال لنا هامسًا بلهجته النوبية الساحرة وبياض عينيه الأصفر يلتمع:
ـ"إنتي تقعدي ساكتة لاهسن عبد الناصر ياخد دم من بطنك"
وهكذا جلسنا صامتين في غرفته ونحن نتخيل ما يحدث للتعساء الذين يصرخون في الخارج، بينما رجال عبد الناصر يقيدونهم ويدسون الخراطيم ماصة الدماء في أحشائهم.. وأكلنا الكثير من الباذنجان الأسود على سبيل تزجية الوقت، وبعد ساعة رأيت أمي تركض إلى الحضانة .. لم أرها قط بهذا المنظر المبعثر المذعور المنهك .. نقدت الرجل الطيب بعض المال ثم أخذتني وراحت تجتاز الشوارع الخلفية حتى لا تقابل مصاصي الدماء الحكوميين. وفي الطريق إلى الدار رأيت النسوة يركضن في كل صوب صارخات وعلى وجوههن ذات التعبير الذي رأيته على وجه أمي.. شرحت لي أمي كيف أن هناك أزمة في الدماء بعد هزيمة جيشنا في سيناء، وكيف أن عبد الناصر أصدر أوامره لرجاله أن يمروا على المدارس ليسحبوا الدماء من بطون الأطفال..
فيما بعد عرفت أننا كنا في ذروة انعدام الوزن بعد ما فقدنا ثقتنا في النسر الأسطوري الجميل الذي جاء من أعماق التاريخ ليهزم الاستعمار ويوحد العرب ... وكنا على استعداد لتصديق أي شيء مهما كان سخيفًا .. إن هذه الإشاعة لا تصمد لأي تحليل متأن .. فليس الأطفال بالمصدر الأفضل للدماء، ولو كان هذا صحيحًا فالدماء لا تؤخذ من البطون .. لكنها إشاعة صممت ببراعة لتجمع بين البشاعة (دم يؤخذ من البطن) وإلهاب المشاعر (لا أحد يطيق إيذاء الأطفال)... إشاعة صممت كي تحدث هياجًا شعبيًا تصعب السيطرة عليه..
كان هذا أول عهدي بالإشاعات .. وفيما بعد قرأت كتاب صلاح نصر عن الحرب النفسية وسيكولوجية الإشاعة، فوجدت أن هذه الإشاعة من أبرع ما تم تصميمه لبلد يهوى تصديق كل شيء ..
كتاب صلاح نصر ذاته كان مصدر رعب لا يوصف لنا لأن السلطة غضبت على الرجل، وصار من يقتني كتابه عميلاً أو – على أقل تقدير – وغدًا .. أبي لم يرد التخلص من هذا الكتاب الثمين لهذا أخفاه تحت الفراش .. وعشنا أعوامًا نتوقع أن يقتحم رجال المباحث البيت ليخرجوا الكتاب من مكانه، ثم يوقفونا صفًا إلى الحائط ويفرغوا فينا الرصاص ..
أعتقد أنك قد فهمت الآن موضوع المقال باختصار شديد .. طالما سألوني عن مستقبل أدب الرعب في مصر، فكنت أقول بثقة: لا مستقبل له .. ليس الآن .. نحتاج إلى مائة عام على الأقل ودرجة معينة من الترف الفكري والاجتماعي والحضاري حتى نقرر أن نرعب أنفسنا بأنفسنا .. ليس هذا كلامي بل كلام عميد كتاب الرعب في القرن العشرين هـ .ب. لافكرافت .. يقول الرجل في مقال شهير جدًا كتبه عام 1926 ويحمل اسم (الرعب الخوارقي في الأدب): "يحتاج تذوق أدب الرعب إلى قدرة تخيلية عالية عند القارئ .. بالإضافة إلى قدرته على التجرد مما يحيط به من مؤثرات". كانت أمريكا مشغولة ببناء نفسها عندما كتب لافكرافت، لهذا عاش الرجل حياة ضنكًا ومات فقيرًا. نفس الشيء ينطبق على إدجار آلان بو مواطنه الذي كان يغري القط بالنوم على قدمي زوجته المريضة لتدفئتها.. إن محاولة قراءة لافكرافت وقت الظهيرة وسط زحام المواصلات تجعلك تعتقد أن هذا الرجل مخبول أو (رايق) لدرجة تثير الغيظ ..
أذكر أن فيلم (حرب الكواكب) – حروب النجم إذا شئت الدقة - لم ينجح في مصر .. وقتها كتب الناقد الراحل الرائع سامي السلاموني: الفيلم يدأ بعبارة تقول (حدث ذات مرة في زمن بعيد في مجرة بعيدة .. بعيدة).. هكذا فقد الفيلم أية أرضية له لدى المشاهد المصري الذي لا يستطيع السير في شارع سليمان دون ان ينكسر عنقه .. فكيف يبالي بما يحدث في مجرة بعيدة في زمن بعيد ؟!!
الناس تعشق أدب الرعب لتتطهر من مخاوفها الخاصة .. أن تعيش أفظع التجارب بشكل مقنن لتزداد ثقة في قدرتها على البقاء .. باختصار أدب الرعب هو بروفة موت دائمة...
لماذا يبحث المرء عن بروفة موت وهمية إذا كان فعلاً في بروفة موت واقعية دائمة ؟.. ماذا عن محاولة عبور الشارع وسط الميكروباصات المجنونة بسائقيها (المسجلين خطر) التي تحاول أن تدهم أكبر عدد من المارة ؟.. ماذا عن الوثب من الأتوبيس ؟.. ولو كنت تملك سيارة فماذا عن لجنة المرور ومحاولتك ألا تنظر أكثر من اللازم إلى الباشا كي لا يأمرك: إركن .. ماذا عن شهادة المخالفات لو وجدت أن عليك ثلاثة آلاف جنيهات بسبب استعمال آلة التنبيه ؟.. هل يمكن القيادة في مصر من دون آلة تنبيه ؟.. كيف سمعوا آلة تنبهك أنت بالذات وسط هذه الضوضاء ؟
ماذا عن فاتورة الكهرباء القادمة؟.. وماذا عن فاتورة الهاتف القادمة ؟.. ماذا تفعله لو وجدت أنهم يطالبونك بخمسين ألفًا من الجنيهات لاستخدامك خدمة زيرو تسعمائة أو مكالمات موبايل لم تجرها ؟.. هل تتركهم (يشيلوا العدة ) ؟.. وماذا عن إخطار جلسة المحكمة الذي لم تتسلمه وقد يؤدي بك لدخول السجن دون أن تعرف السبب ؟
ثم ماذا عن أساسات العمارة التي دفعت دم قلبك للحصول على شقة فيها ؟.. هل كان المقاول نصابًا ؟... هل تتحمل الزلزال القادم ؟.. هل تسقط فجأة من دون زلزال لتجد نفسك في الشارع تتسول أو تجد نفسك تحت الأنقاض وتطلع في نشرة التاسعة ؟
وماذا عن مدخراتك لو كنت تملك شيئًا ؟... ما هو القرار الجديد لمجموعة الاقتصاديين الهواة الذين يجتمعون كل صباح باحثين عن وسيلة جديدة لخراب بيتك ؟... لقد صار كل جنيه في جيبك أربعين قرشًا خلال عامين فهل تتحول الأربعون قرشًا إلى نكلة ؟ ... ماذا عن راتبك ؟.. هل ستظل تتقاضاه أم يقول لك عم جابر الصراف: (اتكل على الله) يومًا ما ...؟.. واللحم ؟... كيف يمكن أن تشتري اللحم يوم يصير ثمنه ستين جنيهًا ؟ وهذا سيحدث بإذن واحد أحد لأنه ما من أحد يبالي بمصائبك سواك ...
ماذا عن كوب الماء الذي تشربه والهواء الملوث الذي تتنفسه ؟.. ماذا عن الفراخ المحشوة بالهرمونات ؟.. هل لعبة الجينات تدور الآن في كبدك لتتكون تلك الخلية المحندقة الشقية التي تصر على ألا تموت ؟... هكذا يولد السرطان ببطء لكن بثقة ... كل معارفك وجدوا ذلك الورم في اكبادهم ويبدو أن من لا يجد سرطانًا في كبده اليوم إنسان محظوظ فعلاً..
وماذا عن الكتابة مع المشاغب إبراهيم عيسى في مكان واحد ؟.. كنت دائمًا أنبهر بشجاعة هذا الرجل لكني أجد فيه كذلك تضخمًا لغريزة الفناء الفرويدية... تشعر طول الوقت بأنه يتوق إلى أن يتم تدميره وأن يعود لحالة ذرة الكربون المسالمة .. في كتاب (عمائم وخناجر) وصل الأمر إلى أنه وصف مكانه بدقة في بناية روز اليوسف كي يسهل الأمر على من يريد ذبحه.. طيب هو دماغه كده .. لكن ما ذنبك أنت ؟
ماذا عن زوار الفجر ؟.. وماذا عن صوت البوكس لو وقف تحت شرفتك في الرابعة صباحًا وجاء (عادل بيه) يقول لزوجتك إنهم يريدونك لمدة نصف ساعة لا أكثر .. "مجرد إجراءات روتينية".. ثم تذهب فلا يعرف لك الذباب الأزرق طريقًا ؟.. ترى هل تتحمل التعليق على عروسة والنفخ ؟... يمكنك أن ترحم نفسك وتعترف ولكن بأي شيء بالضبط ؟
ماذا عن ابنتك العائدة من الكلية وقد بدأ الظلام يحل ؟.. ماذا عن ابنك وتلك الشلة المريبة تحيط به ؟.. كم من الوقت يلزم قبل أن يقدم له أحدهم أول جرعة من البرشام ؟... وامتحان الثانوية العامة .. هل هو من المنهج أم خارجه ؟.. الامتحان من المنهج يبشر بتحويله إلى حمار، والامتحان خارج المنهج يهدد بألا يجد كلية تقبله إلا (معهد الدراسات المحلية التناظرية التعاونية) . وماذا عن جلوسه في البيت بلا عمل بعد التخرج ؟... ينظر لك بعينين متهمتين يطالبك بعمل شيء ... مش خلفتونا ؟... يبقى تتصرفوا ...
ماذا عن أزمة المياه واتفاقيات حوض النيل ؟.. ماذا عن قناة سويس إسرائيل البديلة ؟.. ماذا عن ثقب الأوزون والتسخين الحراري ؟...
الحقيقة أن الناس في مصر محظوظون .. فهم ليسوا بحاجة إلى قراءة أدب الرعب لممارسة بروفة الموت .. إن الرعب ضيف دائم معهم خاصة أسوأ أنواعه: الخوف من الغد .. وكلما أمعنت النظر في المسألة ازداد اقتناعي بأن ستيفن كنج واحد فاضي .. وأن لافكرافت راجل (موش تمام). ليرحم الله الجميع.

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:06 AM
شنآن قوم ..

قال لي صديقي الفنان الموهوب: قل ما شئت، لكن أفضل فنان كاريكاتور عرفته مصر بعد صلاح جاهين هو مصطفى حسين ..
قلت له: لكن خطوطه سهلة التقليد، وهناك رسام صحفي معروف لا يفعل سوى أن يقلده حرفيًا حتى أطلقوا عليه (مصطفى حسين تقفيل تايوان)، كما أن هناك جيلاً من الشباب لا يفعل إلا الرسم مثله. قال لي في ثقة: هذا كلام معه لا ضده لأنه بسبق حائز تفضيلاً .. تذكر أن أحدًا لم يرسم ميكي ماوس قبل ديزني .. أي طفل يستطيع بإصبع واحدة أن يعزف (أهواك) لكن أحدًا قبل عبد الوهاب لم يعزفها..
ثم أردف: لقد خلق مصطفى حسين أنماطًا وحلولاً بصرية لا سابق لها .. وبالنسبة لرسم البورتريه هو الفنان الوحيد على مستوى العالم الذي نجح في نقل روح صدام حسين لا ملامحه فقط .. إنه الأستاذية تمشي على قدمين ..
تذكرت هذه الكلمات عندما نشر مصطفى حسين ذلك الكاريكاتور الشهير سيئ السمعة، الذي يظهر المعارضة تنبح كالكلاب بينما رجل يقول للآخر إنهم شموا رائحة الديمقراطية فأصابهم السعار .. كاريكاتور فظ وقاس ويفتقر للحنكة، بل إنه يعكس في ثناياه زلة لا شعورية خطيرة تعترف فعلاً أن الشعب المصري يشم رائحة الديمقراطية للمرة الأولى (إذن ماذا كان أزهى عصور الديمقراطية يفعل طيلة أربع وعشرين سنة؟)، وفي هذه النقطة أقر وأبصم أن مصطفى حسين محق. إنها المواقف التي تحمل في ثناياها هشاشة تغري بالهجوم عليها .. مثل ذلك الكاتب اللوذعى في أخبار اليوم الذي نشر مرثية لمبارك لأنه عاجز عن أكل طواجن البامية والمحشي ... أي حمق هذا ؟ !.. لو كنت مكان مبارك لعاقبته بعنف لأن هذا الكلام الساذج يحمل في ثناياه الرد عليه: ونحن نشفق على الرئيس ونريد أن يعود شخصًا عاديًا يأكل البامية!.. وهو ما قيل بالفعل في أكثر من جريدة ..
المشكلة هي أن مدافع (نافارون) انطلقت لتدك معاقل مصطفى حسين .. فجأة صار فنانًا محدود الموهبة لا قيمة له، ولو لم يرتبط اسمه بالعظيم أحمد رجب لظل نسيًا منسيًا .. صار الرجل طاغية يرمز للفساد يكتنز في بطنه العملاق القرى السياحية وأراضي الدولة ...
إن تاريخ العثرات الصحفية طويل، ومن العسير ألا تجد كاتبًا تورط في شبهة نفاق أو نفاق صريح أو خطأ لا يغتفر .. لدي مقال - أصر على الاحتفاظ به - نشر في مجلة الهلال عام 1951 للعقاد يمتدح فيه الملك فاروق ويصفه بأنه الشمس التي أشرقت على أرض وادي النيل فأينعت .. عام 1951 هو عام بلغت فيه روح المصريين الحلقوم من الملك الفاسد وهو ذا كاتبنا الشجاع يمتدحه في حماس مريب .. وماذا عن مقال أنيس منصور الشهير الذي يدعو فيه لإباحة البغاء لحل مشاكل الشباب ؟.. وغير هذا كثير ...
ثم تعال هنا .. منذ متى كان ثنائي (رجب / حسين) مناضلاً مدافعًا عن الحريات ؟... عندما صدرت التعليمات من فوق – أيام كامب ديفيد - رسم مصطفى حسين الزعماء العرب يجلسون على قصاري الأطفال، ورسم صدام حسين يقتل ضحاياه بالغازات السامة الخارجة من معدته، ورسم الملك حسين أيام حرب الخليج الثانية يتذوق الحليب من ثدي امرأة حسناء ليتأكد من صلاحيته لأطفال العراق .. وعندما تغيرت التعليمات صارا مدافعين عن الحريات وأكبر منتقدين لرؤساء الوزارات (الوزارة في المغارة) ورسوم مصطفى حسين عن الرزاز وزير المالية الشهير بالجباية تكفي لملء مجلد كبير ..
المهم أن كل هذه اللوحات كانت تحمل العبارة (فكرة أحمد رجب).. وهذا يعني أنهما كانا موظفين لدى الدولة لا أكثر ولا أقل، ولم (ينحرف) مصطفى حسين فجأة لأن الكاتب الكبير تخلى عنه .. ويقال إن هذا الكاريكاتور الذي اغضب المعارضة هو اعتذار من الفنان عن كاريكاتور سابق أظهر فيه مصر امرأة انتفخ بطنها بالديمقراطية وتساءل إن كان هذا حملاً كاذبًا أم لا .
مشكلتنا هي أننا لا نقيم بعضنا البعض بموضوعية .. أتمنى أن نقول: هذا فنان رائع لكنه ساذج سياسيًا .. الكاتب الفلاني عظيم الموهبة لكنه فاسد سياسيًا .. لكننا نحكم على الأمور أيديولوجيًا ومن اللحظة الأولى، ونعيب بعد هذا على خصومنا أنهم يفكرون بالكيفية ذاتها .. إنهم لا يبالون بمفكرين من طراز جلال أمين وفهمي هويدي وعبد العظيم أنيس لأنهم ليسوا من معسكر الحكومة كأن هذا يكفي لجعلهم ضحلين.. ونحن ننزع تاج الشعر عن شاعر لمجرد أنه يحب الكتابة عن عيون حبيبته ولا يكتب عن معاناة البروليتاريا .. تأمل نتائج مسابقات القصة التي يكون المحكمون فيها ذوي ميول يسارية .. فيلم فجر الإسلام جيد ومحكم لكننا نعتبره سقطة من سقطات صلاح أبو سيف لمجرد أننا نختلف معه أيديولوجيًا .. لماذا ملأنا الدنيا صراخًا عندما قال بوش: من ليس معنا هو ضدنا .. بينما نحن نفكر بالطريقة ذاتها طيلة الوقت ..؟
هذا هو بيت الداء .. عندما نختلف نختلف بعنف ونرفض كل شيء وننأى عن الموضوعية .. مصطفى حسين رسام عبقري بلا شك وكان بوسعه أن ينجح مع أو بدون أحمد رجب .. يمكنك أن تتهمه بالنفاق إذا كان يدرك معنى ما نشره، أو بالخرق إذا لم يكن يدرك .. لكن لا تنتزع منه عرش الكاريكاتور المصري المعاصر من فضلك، بعد ما لاقى جاهين ربه واعتزل حجازي العظيم بإرادته .. يمكنك أن تتهمه بفساد الفكر لكن لا تتهمه بانعدام الموهبة أبدًا ..
ومن جديد نتذكر كلمات القرآن الكريم البليغة الموجزة حين دعانا ألا يبعدنا شنآن قوم عن العدل.

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:07 AM
شيفرة دافنتشي: متى يتعلم الغرب الحرية منا ؟

أثبتت رواية (شيفرة دافنتشي) أن الغرب ما زالت أمامه أعوام طويلة حتى يتعلم الحرية منا نحن العرب، وحتى يقبل الرأي والرأي الآخر كما نفعل نحن بالضبط .. يا أخي متى يتعلم الفرنسيون والبلجيكيون وسواهم أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وأن رأيي قد يختلف عن رأيك لكني سأموت لأسمح لك بقوله ؟
ما أتكلم عنه هو نغمة الشماتة الواضحة في وسائل الإعلام العربية التي اكتشفت فجأة أن الغرب ضيق الفكر جدًا. فرحة غامرة تغمرنا لأننا والغرب سواء في التعصب وما فيش حد أحسن من حد.. دعك من الانتشاء بفكرة أن هذه الرواية وجهت ضربة قوية للمسيحية بيد واحد من أبنائها، وفات الكثيرون أن المؤلف سحب في نهاية الرواية كل ما قاله عن الفاتيكان، بل يتضح أن من قال هذا الكلام هو شرير الرواية الأساسي.
الحقيقة أن رواية (شفرة دافنتشي) - الرواية التي طبع منها عشرون مليون نسخة بخمسين لغة - قد تحولت إلى حمى تجتاح العالم.. وكان مرشدو متحف اللوفر أول من لاحظ ذلك؛ لأن الناس يأتون لرؤية مسرح الرواية ويسألونهم عن كل مكان ورد فيها .. مئات من المقالات كتبت عنها، وعشرات المواقع الالكترونية أنشئت خصيصا لمناقشتها. الفاتيكان نفسه خصص موقعًا إلكترونيًا للرد على ما جاء بها. دفع الكتاب أيضا ثلاثة مؤلفين غربيين للرد عليه من خلال ثلاثة كتب: (الحقيقة وراء شفرة دافنتشي)، (حل شفرة دافنتشي)، و(الحقيقة والخيال في شفرة دافنتشي).
(دان براون ) مؤلف الرواية ومعلم الإنجليزية السابق ذو الأربعين عامًا، يسيطر عليه في كتاباته هاجسان: فك الشفرات والمؤامرات الحكومية السرية، لذا جمع الاثنين للمرة الأولى في قصته (القلعة الرقمية) عام 1996 .. ثم قدم (ملائكة وشياطين) التي تدور بين مختبر سويسري والفاتيكان.. لكن رواية (شفرة دافنتشي) وثبت به إلى طبقة المليونيرات، وجعلته – حسب ترشيح (تايمز) – واحدًا من أكثر مائة شخصية تأثيرًا في العالم.
قرأت الطبعة العربية التي تملك حقها الدار العربية للعلوم في لبنان.. ورأيي الخاص أن الترجمة ليست سيئة إلى الحد الذي شاع عنها، لكنها مليئة بالأخطاء اللغوية، ولم تعرب (ذو) مرة واحدة بشكل صحيح .. دعك من الطريقة الشامية في حذف أدوات النداء واستبدال حرف الجيم على غرار (مايكل أنغلو) و(لانغدون) فهذه أشياء تضايق القارئ المصري عادة. في الحقيقة ليست الرواية إلا قصة بوليسية عملاقة فائقة الإمتاع وأنا أوافق بشدة الناقد البريطاني مارك لوسون الذي وصفها بـ (الهراء الخلاب)، فيما عدا هذا تتعامل القصة مع شخصياتها من السطح تمامًا .. التكنيك عادي جدًا هو (البناء المتوازي) حيث تتحرك ثلاثة خيوط لثلاث شخصيات وتنمو معها .. ثم تتقاطع هذه الخيوط قرب النهاية. بطل القصة أستاذ جامعي أمريكي لكنه يأتي بما لم يأت به الأوائل، ويدوخ شرطة فرنسا وإنجلترا ويهرب من كل موقف تقريبًا، والكاتب نفسه قال عنه إنه (يشبه هاريسون فورد) أي إنه كان يتحدث عن صيغة أخرى من (إنديانا جونز) عالم الآثار الوسيم خارق الذكاء الذي لا يمكن قهره أبدًا. يقولون إنها تشبه كثيرًا رواية – لم أقرأها – هي (اسم الوردة) للكاتب الإيطالي (امبرتو ايكو) وإن كانت الأخيرة كما يقولون أعمق وأقرب لروح الأدب. .
تدور (شيفرة دافنتشي) حول جمعية سرية - حقيقية بالمناسبة - تدعى (سيون) كان من أعضائها ليوناردو دافنتشي وفكتور هوجو ونيوتن، تحمي سرًا خطيرًا يمس العقيدة المسيحية، وآخر أفرادها هو القيم على معروضات عصر النهضة في متحف اللوفر، الذي يترك أثناء احتضاره رسالة لصديقه الأمريكي (لانجدون) عالم الرموز الدينية. هذا الأخير هو بطل الرواية الأساسي الذي يستدعونه في ظروف غامضة إلى اللوفر ليعاين الجثة . يستغرق الصراع في اللوفر حوالي نصف الرواية، وطرفاه المحقق الفرنسي الذكي العنيف (فاش) والعالم الأمريكي الذي يحاول فك الشفرات العديدة التي تركها له أمين المتحف المتوفى. هناك خط آخر تمثله منظمة (أوباس بي) الكاثوليكية المتطرفة التي ترسل رجلها الأبرص المخلص لدرجة الموت (سيلاس) لقتل من يعرفون هذا السر .
يبدو عجيبًا أن يكون مخ الرجل الذي مات صافيًا وهو يحتضر إلى حد إعداد هذه السلسلة العجيب من الألغاز، حتى ولو كان أعدها من قبل. لغز يفضي إلى لغز إلى لغز: أصل النجمة الخماسية .. الرجل الفيتروفي .. متوالية فيبوناتشي .. نسبة فاي ..هذه الألغاز المرهقة تدل على بحث دقيق قام به المؤلف في تاريخ الفن واللغويات والأديان القديمة، وهذا هو الجزء المثير في القصة الذي أنقذها من أن تكون مجرد رواية لأجاثا كريستي. يحاول لانجدون حلها جميعًا مع صوفي حفيدة أمين المتحف وشريكته في الفرار؛ هذا الفرار المذهل الذي يذكرنا بأفلام الأكشن .. يبدو أن علماء الرموز الدينية الأمريكيين يتدربون على العمليات الخاصة وفرق الصاعقة ضمن دراستهم الجامعية.
على أن الجزء الخطر من الرواية يبدأ عندما يعلن المؤلف الحرب على الفاتيكان.. بل إنه جعله يلعب دور الشرير Villain في أكثر القصة.. إن العالم الفار من الشرطة بتهمة القتل يتذكر فجأة صديقًا بريطانيًا هو السير (لاي تيبينج)، وهو خبير آخر في الرموز الدينية وقد أفنى عمره في البحث عن الكأس المقدسة. لا يبدو ظهور هذه الشخصية المفاجئ مبررًا لكن هذا يعطينا الحق في سماع محاضرة طويلة عن دور الإمبراطور قنسطنطين الروماني في إخفاء دور مريم المجدلية المحوري في المسيحية، وأنه هو الذي قلص دور المرأة في المسيحية عامة وجعل فكرة الأنثى والجنس مؤثمة في أذهاننا (قرأت نفس الاتهام لكنه كان موجهًا لبولس الرسول في كتاب قديم للراحل صلاح حافظ).. مع تلميحات كثيرة لموضوعات مثل العقيدة المثرية وعبادة الشمس ومفتاح الحياة .. الخ ... خلاصة كلام السير المذكور أن الكأس المقدسة ليست سوى السر الذي حرص الفاتيكان على إخفائه طوال التاريخ ليحتفظ بسيطرة دنيوية مطلقة على المؤمنين. أما دافنتشي فكان ينتمي لعقيدة عبادة الأنثى الخالدة.. إنها عشتار .. أستير .. إيزيس .. فينوس .. لهذا حرص في كل الرسوم الدينية على أن يدس رموزًًا وثنية خفية .. الموناليزا ذاتها ليست سوى كائن خليط من ذكر وأنثى معًا (لاحظ أحمد رجب هذا منذ ثلاثين عامًا في مقال ساخر له) .. واسمها مزج بين اسمي (آمون) و(إيزيس). وهنا نجد أن الرواية تخلط بين عقيدة الأنثى المقدسة وسر مريم المجدلية ذاته.
في النهاية يقدم الكتاب اعتذاره للفاتيكان بأن يتضح أن المخرج الأساسي للمسرحية هو السير (لاي تيبينج) نفسه؛ على طريقة القصص البوليسية البريطانية التي يكون القاتل فيها آخر شخص ممكن.. إذن المؤلف يعتذر في النهاية: لا ذنب للفاتيكان في سلسلة القتل ..هذه الجماعة المجنونة هي السبب .. الرجل الذي تكلم بالسوء عن الفاتيكان هو المجرم الأصلي .. بل أكثر من ذلك يفضل لانجدون ترك السر حيث هو.. لأن الإيمان مهم للبشر ومن دونه يضيعون. لكن لا يبدو أن أحدًا قرأ هذا الاعتذار أو اهتم به ..
هذا الاعتذار الواضح في آخر الرواية لم ينقذها من غضب (المركز الكاثوليكي للاعلام) في بيروت الذي طالب بمنع تداول الكتاب. وتم هذا بالفعل. وفي فبراير الماضي وفي بلدة (فنتشي) مسقط رأس ليوناردو أجريت محاكمة للرواية .. لكن لم تكن المحاكمة بسبب ما قيل عن الفاتيكان فيها بل بسبب اتهامها دافنتشي بأنه (شاذ جنسي متطرف)، وفي هذا الصدد عرض المحاضرون صورًا رسمها ليوناردو تثبت أنه كان – بلا فخر - يشتهي الأنثى. كما فندوا اتهام الرواية له بأنه اخترع أسلحة خطيرة .. ثم ظهر مندوب منظمة (أوباس دي) التي اتهمها الكتاب بالسادية والمرض النفسي، والتي تنتمي لها أبشع شخصيات الرواية: الأبرص (سيلاس) الذي يربط فخذه بحزام شوكي ليعذب نفسه والذي يطيع أوامر قسه طاعة عمياء كأنه تابع فرانكنشتاين.. دافع الرجل عن المنظمة وقال إن ما ذكر عنها في القصة هراء.
كل هذا الجو الفكري المنغلق أثار ذهول العرب الذين اعتادوا حرية الرأي حتى صارت طبيعة ثانية ثانية لهم .. لا أحد يصدق هذا الانغلاق الفكري ورفض الآخر.. ربما لهذا تخلف الغرب وتقدمنا نحن..
يقول أحد مواقع الإنترنت: "منع رواية (شفرة دافنتشي) في بلد يتمتع بحريات غير محدودة مثل لبنان، بحجة ان الرواية تسيء للفاتيكان كمؤسسة دينية، هي حجة واهية ولا تتناسب مع حرية الرأي والفكر والعقيدة، التي هي من ابرز سمات الدولة في لبنان! ". وينقل موقع سعودي خبرًا يقول: " قال كريس اليسون وزير العدل الاسترالي يوم الثلاثاء ان المسؤولين الاستراليين مزقوا نسخة من رواية «شفرة دافنتشي» للكشف عن مخدرات غير قانونية كانت مخبأة داخل نسخة للرواية الاكثر مبيعا بعد ان ارسلت الى استراليا من بريطانيا. ".. وعنوان الخبر يوحي بأن الحكومة الأسترالية مزقت الرواية لأنها لا تطيقها. هناك مواقع إنترنت تناقش الآن نظرة الغرب الدونية للمرأة تلك النظرة التي فضحتها هذه الرواية .. ترى لماذا لا تعامل المرأة على قدم المساواة مع الرجل مثل مجتمعاتنا ؟
الحقيقة أن هذه الرواية جاءت في وقتها لتقنع الفكر العربي بأننا (كويسين جدًا) وأن الغرب يعاني ذات عيوبنا وربما ألعن.. لكن على قدر علمي لم يطالب أحد بمصادرة الرواية هناك. لقد صودرت في بيروت لكن من قال إن اللبنانيين ليسوا عربًا ؟..
سيستمر (دان براون) في الكتابة .. ويبدو أنه لن يتخلى عن بطله (لانجدون) لأنه سيقدمه في قصة جديدة يواجه فيها الماسونية .. وهذا يدعم فكرة إنديانا جونز التي قلناها من قبل. ولسوف تغضب منه الجهات الدينية هناك... لكن هذا كل شيء.. لن يتطوع أحد بغرس سكين في عنق الرجل دون أن يقرأ روايته .. لن يضعوا كشك حراسة ينام فيه (بسطويسي) أمام باب بيته..لن يفر إلى هولندا مع زوجته بسبب دعوى حسبة .. لا داعي للشماتة إذن لأننا عائدون إلى دورنا المعتاد قريبًا.. سوف يكتب مؤلف عربي كتابًا ما يشعل الفتيل، ولسوف يصادر هذا الكتاب على الفور وبلا مناقشة .. من كان منا بلا خطيئة فليرجم الغاضبين على (شيفرة دافنتشي) بحجر !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:08 AM
شعث مفارقنا !

القبلية ...
من قال إننا تخلصنا منها ؟...
بيت الشعر العربي القديم الذي يقول:
شعث مفارقنا .. تغلي مراجلنا
نأسو بأموالنا آثار أيدينـــا
هذا البيت تلقيناه جميعًا في المدرسة، وقال لنا مدرسونا – بنبرة إعجاب لا شك فيها - إنه نموذج طيب للفخر عند العرب .. تأمل مدى الاعتزاز بالنفس ؟... إن مفارقهم مشعثة من القتال، ولكن مراجلهم لا تكف عن الغليان كناية عن الكرم .. وهم يؤذون الناس باستمرار لكنهم يدفعون التعويضات .. هل ترى ؟.. الآخرون ضعفاء فقراء ومنحطو النفوس كذلك.. يقبلون بعض المال لينسوا ما أصابهم من أذى ..
ليس هذا فحسب، فالأخ العربي لا يريد أن ينسى القبلية على سبيل الملل أو التعب أو السهو .. لهذا يقول:
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا
ويشرب غيرنا كدرًا وطينا
لماذا تفخر يا أخي بأنك تشرب الماء من النبع صافيًا .. بينما يشرب الآخرون طينًا ؟.. لماذا لا ننظم العملية فيشرب الجميع ماء صافيًا ؟
لكن هذه الروح موجودة في العرب منذ قديم، وكنا نحسبها من سمات الجاهلية، فإذا هي تستمر وتُخلد ونقابلها في كل يوم ... على مستوى الدول وعلى مستوى الأسرة ..
عرفت ذات مرة شابًا رقيق الحال خطب ابنة إحدى تلك الأسر، سأطلق عليها (هـ) لتسهيل الأمور. وكان لها أخ موشك على الزواج بدوره أطلق عليه (م).. صاحبنا رقيق الحال اشترى سجادة أنيقة للصالون من محلات القطاع العام وتركها في شقة خطيبته – كما هي العادة في البيوت المصرية – إلى أن يستكمل تجهيز بيته.. تزوج أخوها (م) قبلهما فذهب الشاب رقيق الحال لتهنئته .. هنا فوجئ بالسجادة مفروشة في صالون أخيها !.. ابتلع دهشته إلى أن تكلم مع خطيبته على انفراد، وقال لها إن العادة جرت على عدم استعمال أشيائه لأن الأمانة تقضي بهذا أولاً، ولأن هذا فأل سيئ ثانيًا، ولأن أحدًا لم يستأذنه ثالثاً، ولأن المعارف المشتركين لن يصدقوا أبدًا أن هذه سجادته هو يوم يرونها في صالون بيته، وسوف يفترضون أن أخاها هو الذي أعان الشاب الرقيق الحال بإهدائه سجادته ..
هنا تحولت خطيبته الرقيقة إلى شيء يشبه مصاصي الدماء، وقالت له إنه: لا يجب أن يقول هذا (عنا) وذلك (لأننا) نعرف ما نفعل ولأن (أخي) ليس بحاجة إلى سجادتك الحقيرة هذه ...
هكذا ابتلع لسانه لأنه كان يحبها فعلاً ولم يكن يريد تدمير الزيجة لأسباب تافهة كهذه .. وبالفعل صارت زوجته ..
بعد هذا بعامين تزوج أخو زوجة (م) وذهبا لزيارة العريس في بيته .. فوجئت الزوجة الشابة (هـ) بأن النجفة المعلقة في الصالون هي نجفة أخيها (م) الذي سافر لبلد عربي منذ عام .. لقد جرؤت الحدأة على فك النجفة التي اشتراها زوجها بماله كي تعلقها في صالون أخيها !.. وقد راحت الزوجة الشابة (هـ) ترغي وتزبد وتتحدث عن انعدام المثل والنساء اللائي لا خلاق لهن .. فذكرها زوجها رقيق الحال في رفق بموقف مماثل حدث منذ عام .. لكنها قالت (إننا) لا نتصرف مثل هؤلاء ..(إننا) نعرف جيدًا ما نفعله .. وما فعله أخي كان استعارة بسيطة لكن هذه سرقة .. ثم إننا اعتدنا أن نشرب الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا ..
ما دمنا نحن من يرتكب الأخطاء ونؤذي فكل شيء على ما يرام والحياة حلوة. الجرم كل الجرم هو أن يفعل بك الآخرون الشيء ذاته لأن هذا معناه أن الخير زال من العالم ..
يوقف الرجل سيارته في عرض الطريق فإذا لامه سائق الأجرة الواقف خلفه، تنطع وتنمر وقال في لهجة منذرة : إنت مش عارف بتكلم مين ؟... ويرمقه بتلك النظرة البوليسية التي تعلم الكل كيف يصطنعها اصطناعًا .. كأنه من عتاة رجال الأمن ذوي النفوذ أو من مراكز القوى في الستينات ..
جرب الآن أن تجعل سائق الأجرة يسد الطريق على نفس الرجل، ولسوف تسمع مواعظ كاملة عن قلة التهذيب وانعدام الأخلاق .. وتنتهي الموعظة بالعبارة الشهيرة: إنت مش عارف بتكلم مين ؟.. ثم يرفع الموبايل في عصبية وقرف إلى أذنه كأنه يطلب (مراد بيه) فلا يقول شيئًا .. فقط يغمغم ثم يغلقه بعصبية أكثر ولسان حاله يقول (أنت إنسان ميت)..
هذا نموذج آخر للشعور القبلي الواضح .. وهذا الرجل لا يفعل إلا أن يمارس عمليًا أسلوب: ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينا..
كل أسرة تريد أن يكون بين أبنائها الضابط ليكون عندها (إبراهيم بيه) تخالف به القوانين وتمشي على أعناق الآخرين .. كل أسرة تريد أن يكون عندها وكيل النيابة والمستشار فإن لم تجد واحدًا ناسبته أو تمحكت في قريب بعيد .. هكذا تستطيع أن تخالف القانون كما تشاء .. إن إبراهيم بيه لقادر على أن يجعلها تشرب الماء صفوًا ويشرب غيرها كدرًا وطينًا ..
بفضل (إبراهيم بيه) أو (سامي بيه) يمكن للأسرة أن تظفر بلائحة أرقام ذات أربع أو ثلاث خانات .. هكذا لا يجرؤ شرطي واحد على الاعتراض ويمكنها إيقاف سيارتها في الممنوع وتهدد من تريد..
لكن حدث بلا حرج عما يحدث لو أوقف واحد من قبيلة أخرى سيارته في الممنوع.. عندها تكون الطامة الكبرى .. أمال إحنا متخلفين ليه ؟
شعث مفارقنا .. تغلي مراجلنا ...
دائمًا (نا) الدالة على الفاعلين .. دائمًا (نحن) و(إحنا) و(عندنا) و(بتاعنا).. والزوجة التي فقد زوجها الوزير منصبه في التعديل الوزاري، فأصيبت بانهيار عصبي لأن كشك الحراسة أمام البناية قد تم رفعه .. كانت قد اعتادت أن يكون هذا (كشكنا) و(حراستنا) و(وزارتنا).. لهذا لم تتحمل فقد هذا الهيلمان لتصير كالرعاع الآخرين الذين لا يوجد كشك حراسة على بابهم ..
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا
ويشرب غيرنا كدرًا وطينا
والمشكلة في مصر أن الأمر تجاوز مجرد لذة قهر الجيران .. إن النجاح الاجتماعي صار يقترن اقترانًا قويًا بالقدرة على خرق القوانين .. مش إحنا .. القانون للفقراء والبسطاء (الذين يشربون كدرًا وطينًا)... أما نحن ففوق القانون ..لهذا كما ذكرت وجد مثال (مش عارف إنت بتكلم مين)... واصطنع الجميع ذلك الطابع المتكبر الغامض كأنهم من رجال أمن الدولة شديدي الخطر، برغم أن هؤلاء لن يلفتوا الأنظار لأنفسهم في إشارة مرور أو طابور مصرف لمجرد التفاخر..
نحن .. نحن ومن بعدنا الطوفان ..
كيف يجرؤ هذا الشرطي على إيقاف سيارتي ؟... أتراه يحسبني من الآخرين ؟.. ألا يعرف أنني من (بني مخزوم) ؟... كيف يعاقب هذا المدرس الفقير ابني في المدرسة ؟.. ألا يعرف ابن من هو ؟... لقد تعبت كثيرًا حتى أبلغ مكانة تسمح لي بمخالفة القانون ولن أسمح لواحد من قبيلة أخرى بأن يحاسبني ..
وهكذا تمضي الحياة في مصر .. لا تدري هل هو وباء مستجد أم هو مرض منذ القدم لم نشف به وتظاهرنا بذلك بعض الوقت ؟.. لكننا لن نتقدم أبدًا ما لم نتعلم كيف نمشط مفارقنا ونطفئ مراجلنا إلا عند اللزوم، وننظم ورود الينبوع ليشرب الكل الماء صافيًا

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:08 AM
ما حدش يعلمني غلط

لابد أنك جربت هذه التجربة أو تذكرها منذ أيام المدرسة .. هات طبقًا مليئًا بالماء وثبت شمعة فيه.. ثم أشعل الشمعة واقلب كوبًا منكسًا فوقها .. سوف تبقى مشتعلة بضع ثوان ثم تخمد ويمتلئ الكوب بالدخان الأبيض ويرتفع الماء فيه .. لماذا حدث هذا ؟... كل الناس تعتقد وكل الكتب المدرسية تفسر ما حدث بأن النار استهلكت الأكسجين في الكوب مما أدى إلى دخول الماء إليه ليملأ نفس الحيز وهو حوالي الخمس.. هذا ما وجدنا عليه آباءنا وهذا ما علمته لابني .. إلى أن وقع في يدي كتاب (الفيزياء المسلية) لكاتب روسي مشاغب هو (ياكوف بريلمان) مشكلته في الحياة هي أن يخبرك بأنك – البعيد – لا تفهم .. بريلمان يقول إن هذه التجربة وصفها الفيزيائي القديم فيلون البيزنطي منذ ألفي عام وقد فسرها بشكل صحيح .. يمكن أن تتم التجربة لو اكتفينا بتدفئة الكوب من دون نار، أو لو استعملنا قطنة مبتلة بالكحول تشتعل وقتًا طويلاًَ.. فالماء عندها سوف يصل لنصف الكوب وليس لخمسه .. ثم أن الأكسجين المحترق لن يختفي من الوجود بل سيخلف ثاني أكسيد كربون .. إذن ليس الموضوع هو احتراق الأكسجين لكنه ارتفاع حرارة الهواء بالكوب مما يؤدي لنقص ضغطه وبالتالي يندفع الماء للداخل تحت تأثير الضغط الجوي ..
هل تريد المزيد ؟.. مثلاً لا يوجد شيء يدعى قوى الطرد المركزي التي تتخيل أنها هي ما يقذف بك من باب السرفيس عندما يدور به السائق المسجل خطر بسرعة في المنحنى .. ما يحدث هو قوة القصور الذاتي تتحرك على مماس دائرة .. طبعًا هذا لن يهمك وأنت تطير في الهواء لتضرب الرصيف لكن يجب أن تعرف اسم القوة التي جرحتك أو فتحت دماغك..
في طفولتي كنت أريد أن أكون ضابطًا ثم كبرت فتمنيت أن أكون طبيبًا وكبرت أكثر فتمنيت أن أكون مفتشًا في الرقابة الإدارية (وهذه ليست دعابة) !... احتجت إلى أربعين عامًا كي أفهم أن مهنة المدرس هي أهم مهنة في الكون، وأن المدرس هو من يصنع الضابط والطبيب ومفتش الرقابة الإدارية ..
أنا قد تعلمت على أيدي أفضل معلمين على الإطلاق عندما كاد المعلم أن يكون رسولاً فعلاً.. كانوا يخافون الله ويراعون ضميرهم ولولا أننا كنا مراهقين قليلي الأدب لقبلنا أيديهم صباحًا ومساء، لكنهم لم يفطنوا هم أيضًا لمعنى اختبار المعلومة وتفنيدها .. اذكر كيف أن مدرس العلوم لوح بالخيرزانة في الهواء وقال لنا: "ج = م X ت .. حد عنده اعتراض ؟"
هكذا ثبتت المعلومة في أذهاننا للأبد !!.. الجهد يساوي حاصل شدة التيار في المقاومة بلا تجارب ولا وجع دماغ .. ولم نتساءل قط لماذا ؟.. ولم نتخيل ماذا لو لم يساو جيم ميمًا في تاء ؟ ..
هناك مشكلة حقيقية في فلسفة التعليم في مصر هي أعمق من مشاكل الدروس الخصوصية والسنة الابتدائية السادسة .. التلقين هو الأساس ولا يتم أبدًا البحث عن المعلومة بشكل جدلي .. حتى هذا التلقين قد يكون خطأ كما رأينا في المثال الأول لأن كل الكتب المدرسية تصر على أن نقص الأكسجين هو السبب، بينما فهمها فيلون البيزنطي منذ عشرين قرنًا ..
هذا يؤدي إلى ان الطريقة العلمية ذاتها مهتزة لدى الكثيرين .. بل لدى من يفترض منهم أن يعلموا الطريقة العلمية ذاتها .. لا اخفي سرًا إذا قلت أن أكثر أعضاء التدريس – باستثناء من هم مختصون بهذا - لا يفهمون مبادئ الإحصاء ولا كيفية تصميم بحث علمي ..
هذا كلام مهم جدًا، وأراه السبب الوحيد الذي يجعل أمريكا قادرة على ضربنا بالجزمة .. بعبارة أخرى هم هزمونا بأفكار (كانط) و(ديكارت) . بطريقتهم العلمية وفهمهم الصحيح للبحث العلمي..
عندما دخل عقار (دي دي بي DDB) مصر – وهو ما يطلقون عليه (الحبة الصفراء) - قرأت بحثًا طريفًا يحمل اسم وزارة الصحة قامت فيه بالتالي: أعطت العقار لمجموعة مرضى بالتهاب الكبد (سي) ثم لاحظت وظائف الكبد ونسبة الفيروس في الدم لعدة أشهر ووجدت تحسنًا ملحوظًا !.. بس كده .. j fpeWh

هنا تشد شعر رأسك .. ألم يسمع هؤلاء عن محموعة ضابطة ؟.. مجموعة لا تتلقى علاجًا أو تتلقى علاجًا مختلفًا أو تتلقى علاجًا وهميًا اسمه (البلاسيبو).. لابد من مجموعة ضابطة لتقارن النتائج أما البحث بهذه الصورة فلا يجرؤ تلميذ في الصف الثالث الإعدادي على تقديمه لمعلمه ..
عندما اكتشف (رو) مضاد الدفتريا السمي جاء بمجموعتين من مرضى الدفتريا .. حقن أطفال المجموعة الأولى ولم يعط شيئًا لأطفال المجموعة الثانية .. بدأ أطفال المجوعة الأولى يشفون على حين تدهور أطفال المجموعة الثانية .. هنا لم يتحمل قلبه الرحيم أكثر .. لا يمكن أن يقتل الأطفال لمجرد البحث العلمي .. هكذا قام بحقن نفس المضاد لأطفال المجوعتين .. شفي البعض ومات البعض ..
لكنه جاءت اللحظة المحتومة عندما جلس كالديك المبتل أمام أستاذه العظيم (كوخ)... القيصر كوخ .. سيد العلم الألماني الصارم .. حكى له ما فعله فكان رد كوخ القاسي هو: لقد سمحت لقلبك بأن يفسد التجربة وبهذا جنيت على ملايين الأطفال الذين سيصابون بالدفتريا في المستقبل .. هؤلاء سيموتون لأنك لم تكمل تجاربك كما يجب ولأن العالم افترض أن علاجك فعال وآمن .. من أدراك أن الأطفال الذين شفوا شفوا بفضل علاجك ؟... لماذا لا يكونون قد شفوا من تلقاء أنفسهم ؟.. أحيانًا تتصرف الدفتريا بهذا الشكل وتشفى بلا علاج .. ربما لو استكملت التجربة للنهاية لوجدت أن عقارك غير ذي جدوى !
كان هذا هو كوخ العظيم يتكلم .. يتكلم فلم نصغ له ولم تصغ له وزارة الصحة في بحثها الذي بالتأكيد تكلف الكثير ..
لو تعلمنا طريقة التفكير العلمية لكففنا عن الذعر المضحك من كسوف الشمس كما حدث منذ أعوام، ولكففنا عن الالتفاف حول بائع دائرة الاستقبال السحرية التي تعمل (بنظرية الأيونات) عند محطات المترو، دون أن يعرف هو ولا أنت معنى نظرية الأيونات هذه .. هذه هي قشرة العلم لا العلم نفسه، مثلما تستعمل برامج المسابقات التلفزيونية الكمبيوتر كمجرد وسيلة إيضاح ملونة رخيصة، لكن الصورة من بعيد ترضي المسئولين: لقد صرنا نجري المسابقات بالكمبيوتر !.. ولكففنا عن تصديق طب الأعشاب غير المجرب .. لو تعلمنا طريقة التفكير العلمي لعرفنا لماذا تساوي جيم ميمًا في تاء ...!

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:09 AM
Mcq

بما أننا في عصر العولمة التي هي – بمعنى آخر – الأمركة، فقد رأيت أن أقدم للقارئ هذا الامتحان السياسي على الطريقة الأمريكية؛ أي الأسئلة متعددة الاختيارات Mcq. حاول أن تجيب عن أكبر عدد في أقصر وقت، وحاول ألا تختلس النظر إلى الإجابات الموجودة في نهاية المقال:
أ‌- ابن لادن حفظه الله:
1- عميل مخابرات أمريكية ما زال يتصل بها منذ أيام الجهاد في أفغانستان.
2-هو النموذج العصري الإسلامي لجيفارا. وقد أوجع الولايات المتحدة بأكبر ضربة في تاريخها.
3- مجرد أحمق يهوى الشهرة الإعلامية، وقد أقنعته المخابرات الأمريكية بأن يختطف فاتورة سبتمبر لنفسه، على طريقة فيلم فؤاد المهندس القديم عندما كان يتبرع بتبني أية جريمة قتل ليكسب احترام فتاته؛ وبهذا مهد للجنرالات احتلال موقعين عظيمي القيمة: أفغانستان والعراق.
4- ربما هذا كله.
ب - ابن لادن خاطب الأمة الأمريكية عشية الانتخابات – بعد صمت طال - مما ساهم بدور لا بأس به في فوز بوش لأنه:
1- رجل بوش وما نحن فيه هو أكبر عملية خداع في التاريخ الحديث. بل هي أكبر من خدعة برجينسكي السابقة عندما دعا للجهاد في أفغانستان فقط لينتقم من الاتحاد السوفييتي.
2- الانتخابات الأمريكية ليست ضمن جدول ابن لادن، وهو لن يؤجل أو يقدم كلمته للمجاهدين بسببها.
3- مجرد أحمق وقد كان توقيته شديد الغباء كأي شيء فعله من قبل. إن قدرات هذا الرجل لا تتجاوز وضع قنبلة في محطة أتوبيس يقف عليها أطفال المدارس كما فعل تنظيمه في مصر في منتصف التسعينات.
4- ربما هذا كله.
ج – كان بوسع الولايات المتحدة أن تعد مسرحية ناجحة عن اكتشاف مخزن لأسلحة الدمار الشامل في العراق، وتجلب الصحافة العالمية لتصور، لكنها لم تفعل.. لماذا ؟
1- لأن الفكرة لم تخطر لهم.
2- لأن محاولة كهذه سوف تفتضح في عصر لا أسرار فيه. إن الفرنسيين والأوروبيين عامة ثرثارون أكثر من اللازم.
3- لأن أمريكا دولة أمينة لا تحاول خداع أحد ويجب أن نُشفى من البارانويا العربية التقليدية.
4- ربما هذا كله.
د- لماذا تصر المنظمات الفلسطينية على إعلان كل شيء عن منفذي العمليات الاستشهادية، بما فيها الاسم والسن والعنوان، بحيث لا يبقى إلا أن يذهب الجنرال شارون بعد ربع ساعة ليهدم بيوتهم ؟. لماذا لا يتعبونه قليلاً بغفلية الفاعل ؟
1- لأنه لا فارق هنالك، والأخبار تنتشر بسرعة، والعملاء كثيرون والحمد لله.
2- على سبيل الفخر وإعطاء الحق لصاحبه.
3- قبل أن تنتحل منظمة أخرى العملية لنفسها.
4- ربما هذا كله.
هـ - الجماهير تثور ضد الحرب في أمريكا وفي أوروبا كلها، لكن الحرب تقع .. البريطانيون غاضبون على بلير لكن بلير يستمر. معارضة كبرى لبوش في أمريكا لكنه ينال فترة أخرى. السبب هو:
1- ديموقراطية الغرب زائفة فشلت لدى أول احتكاك حقيقي.
2- لغة المصالح أقوى وهي التي تحرك الجماهير فعلاً.
3- إنها نهاية عصر الجماهير المؤثرة. افعل ما تريد ولسوف يتبعك القطيع فيما بعد عندما لا يجد حلاً آخر.
4- ربما هذا كله.
و‌- كل شيء في أمريكا يتدنى، وثمة إجماع على أن بوش يحكم البلاد بشكل خطأ لكنهم برغم هذا انتخبوه وفشل كيري الذي تفوق في ثلاث مناظرات. السبب هو:
1- بوش دغدغ الفكر الديني المحافظ عند الأمريكيين، وهو في هذا ابن لادن ثان بروتستانتي. لم يعد الأمريكي مستعدًا لسماع من يبيح الإجهاض ويعتبر زواج الشواذ حرية شخصية.
2- المواطن الأمريكي أحمق لا يعنيه إلا البحث عن صورة عارية الصدر لبريتني سبير.
3- خطاب ابن لادن جعل الأمريكي يعتقد أن تغيير الحصان في وسط السباق خطر داهم.
4- ربما هذا كله.
ز- برغم خسائر الأمريكيين، وبرغم العمليات المستمرة، فلا يبدو أنهم ينوون الفرار من العراق كما فعلوا مع فيتنام والصومال. السبب:
1- كما قال محمد حسنين هيكل: العراق ليس فيتنام ولهذا لا يجب أن نتوقع تكرار السيناريو. فيتنام لم تكن تحوي ربع بترول العالم، وكانت الصين والاتحاد السوفييتي يدعمانها.
2- إن اللحظة لم تأت بعد وسوف ينهار السد قريبًا، ونرى طائرات الهليوكوبتر تنطلق مذعورة من فوق سطح السفارة الأمريكية، بينما تتدلى جثة علاوي المشنوقة من حبل معلق في أحد ميادين بغداد.
3- انتهى عصر الثورات والمقاومة الشعبية الناجحة، بعد ما انهار الاتحاد السوفييتي الذي – ويا للعجب – سعوا كثيرًا من أجل إسقاطه. اتضح متأخرًا جدًا أن كلمة (اتحاد سوفييتي) كانت مرادفًا للفظة (مقاومة فعالة).
4- ربما هذا كله.
ح – في وقت من الأوقات، وصل عدد عمليات المقاومة إلى ثمانين عملية في العراق يوميًا، وبرغم هذا يتكلم الأمريكيون عن 1200 قتيل في عام ونصف. السبب:
1- هم كاذبون.. لو مات جندي واحد في نصف عدد العمليات اليومية لكان عدد القتلى 1200 شهريًا. إن الثلاجات مليئة بجثث الجنود الهسبانيين البؤساء الذين لن يدخلوا أية إحصائية.
2- أكثر عمليات المقاومة العراقية موجهة ضد العراقيين. لا وقت لمهاجمة الأمريكيين.
3- الأمريكي الذي خرج من صلبه رامبو وشوارزنجر لا يموت بهذه السهولة.
4- ربما هذا كله.
هل أجبت عن كل الأسئلة ؟.. إذن قم بعد اختياراتك. لو كانت أكثر إجاباتك هي رقم 1 فأنت عربي أصيل فعلاً، تعاني نظرية المؤامرة بشكل مرضي وهي الطريق الملكي إلى البارانويا. لو كانت أكثر إجاباتك هي رقم 2 فأنت ثائر صغير يؤمن بالمقاومة ويعيش في زمن مكافحة الإمبريالية وجيفارا ولومومبا وناصر .. سوف تلاقي لحظات عصيبة مع من يسخرون من هذا كله باعتباره تراثًا عتيقًا باليًا. أنصحك أن تقرأ قصيدة (إذا) لكيبلنج.. صحيح أنه وغد استعماري لكن القصيدة تلخص الموقف. الخيارات التي يغلب عليها رقم 3 هي خيارات إنسان واقعي ممن يطلقون عليهم (مثقفو المارينز) ومن الواضح أن العصر عصرك ما لم تخرج أمريكا من العراق بفضيحة. أما لو كانت أكثر خياراتك هي 4 فأنت لا تعرف شيئًا على الإطلاق مثل كاتب هذه السطور، وهذا يؤهلنا كي ننضم بجدارة إلى معسكر الخاسرين في الأيام السود القادمة

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:11 AM
جمهور واغش

يجلس الناقد السينمائي الجميل رءوف توفيق في قاعة السينما يحاول أن يفهم شيئًا من الفيلم، لكنه يفاجأ بأن الصوت عال جدًا لدرجة أن الجمهور لا يسمع حرفًا من الحوار.. هناك حيوان ما قد فتح السماعات إلى أقصى طاقة لها، وبالتالي تحولت قاعة السينما إلى معتقل نازي أو جحيم دانتي أو حظيرة مواش حسب التشبيه الذي يروق لك، وبما أنه رجل مهذب خفيض الصوت فقد طلب من هذا العامل أو ذاك تخفيض الصوت بلا جدوى، من ثم اتجه إلى مدير السينما في مكتبه ليفاجأ بحلوف بدين جالسًا يعد كومة من أوراق المال.. نقل له شكواه وعرفه بشخصه لكن المدير رفض في كبرياء أن يخفض ارتفاع الصوت، وقال دون أن ينظر له: "يا أستاذ سيبك منهم .. ده جمهور واغش !" كان هذا في أوائل السبعينات، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها الناقد الكبير هذا المصطلح، فلما سأل عرف أنه مصطلح سوقي معناه (تحت المستوى)، وهو ما يشبه مصطلح (بيئة) الذي نستعمله اليوم. لم استطع قط نسيان هذه القصة، وإن كنت أراهن على أن رءوف توفيق نفسه لا يذكرها. ما الذي كان يمكن أن يحدث لو خفض المدير ارتفاع الصوت ؟.. هذا الإصرار يعكس بلا شك رغبة لا نهائية في الإيذاء والإهانة والاستعلاء .. هذا جمهور واغش فليُعامل كما يُعامل الجمهور الواغش إذن .. أتذكر هذه القصة وقد تحولت حياتنا بالكامل إلى قاعة سينما يصر صاحبها على أننا جمهور واغش، ويصر على ألا يخفض صوت السماعات مع أن هذا لن يكلفه شيئًا . رءوف توفيق يمثل الصحافة ويمثل المثقفين الذين يسودون صفحات الجرائد والمجلات كل يوم فلا يصغي لهم أحد .. تكلم عن الغلاء .. تكلم عن انقطاع المياه .. تكلم عن التعذيب .. تكلم عن الفساد. تكلم عن تدهور التعليم والخدمات .. تكلم عن انهيار الريادة الإعلامية المزعومة .. تكلم كما تريد فأنت جمهور واغش ولن يتعب أحد نفسه بأن يخفض صوت السماعات من أجلك .. من الذي أصر على تغيير عبارة (الشرطة في خدمة الشعب) إلى (الشعب والشرطة في خدمة الوطن ) ؟.. لماذا لا تترك هذا الشعار يا أخي حتى لو كان مجرد شعار، وما أكثر الشعارات الجوفاء في حياتنا ؟ ، لكن لا .. لا يجب أن تنسى لحظة واحدة أنك جمهور واغش .. هل تجرؤ على أن تتصور لحظة أن الشرطة في خدمتك يا جربوع ؟.. ما الذي جعلنا جمهورًا واغشًا أو لماذا يعتبروننا كذلك ؟ .. على قدر علمي نحن أولاد ناس، ومعظمنا يستحم (في المحافظات التي ما زال الماء يصلها)، ومعظمنا حاصل على الإعدادية والله العظيم. هذا التعامل الخشن جعل الناس يتصرفون بالمثل ولا يثقون بالحكومة. ولهذا تتداعى إلى ذهني لفظة (أومرتا Omertà). (أومرتا) معناها مؤامرة الصمت، وهو سلوك شعبي معتاد لدى الصقليين والإيطاليين الذين يتعاملون مع عصابات المافيا .. هنا يصير من الممنوع على المواطنين أن يتعاملوا مع أية جهة حكومية كانت. يُقتل أخوك أو جارك لا سمح الله لكنك لا تبلغ الشرطة حتى لو عرفت القاتل. كل الشهود الذين رأوا الجريمة لم يروا شيئًا .. يقبضون على القاتل فينكر أن المافيا كلفته بأي شيء ولا ينطق بحرف. ينسحب هذا على أي تعامل حكومي لأن الناس هناك كونوا حكومتهم الخاصة التي تديرها المافيا. كنت على الطريق السريع مع صديق لي، عندما رأيت تلك العلامات المعروفة التي تنذر بوجود رادار في طريقنا. إنها الإشارات المتقطعة للنور من السيارات القادمة في الاتجاه المقابل. على الفور خفض صاحبي سرعة سيارته إلى ستين، وتحول الطريق السريع إلى صف من سيارات مهذبة تمشي في سلام كأننا جوقة من الملائكة في موكب سماوي.. ما حدث على الطريق السريع هو مؤامرة شعبية كاملة على طريقة أومرتا لخداع الرادار وخداع الحكومة. مؤامرة اتفق عليها مئات من سائقي السيارات.. من يلتزم بها جدع ومن يخرج عنها نذل ابن نذل وخائن يعمل مع الأعداء. برغم أن الحد من السرعات المجنونة أمر حميد ومن صميم عمل الدولة، فإن هؤلاء يعتبرون الحكومة شرًا من السماء جاء ليخرب بيتك وييتم عيالك، وعلينا أن نتكاتف لمنعه، وأن السائق الذي سوف يظفرون به ليس سوى صاحب عيال غلبان وأرزقي.. عامة يؤمن المواطن المصري أن الدولة تأخذ منه أضعاف ما تعطيه، وهو قد يجد غضاضة في سلب حق بواب العمارة لكنه لا يفوت فرصة لخداع الدولة التي لا يشعر بأنها تقدم له أية خدمات. عرفت عريسين شابين عاكفين على تشطيب عش الزوجية قبل زواجهما بشهر، فكانا بعد رحيل الصنايعية وقبل مغادرة الشقة يتأكدان من أن الأنوار كلها مضاءة، لدرجة أن العريس عاد ذات مرة من الشارع لأنه نسى أن يضئ الأنوار. سألته عن سبب هذا الحرص وقد حسبته تقليدًا شعبيًا لمنع العفاريت أو الحسد أو شيئًا كهذا . قال لي في ذكاء: "لأن هناك شهر إعفاء من دفع رسوم الكهرباء مع العدادات الجديدة، لهذا نحاول أن نكلف الحكومة بعض المال !" مبالغة ؟.. اقسم بالله العظيم أن هذا الموقف حدث حرفيًا، ولا داعي بالطبع لوصف ملامح وجه العريس عندما عرف فيما بعد أن موضوع الإعفاء هذا إشاعة لا أساس لها من الصحة !. على قدر علمي عسير أن يحدث هذا الموقف في أي بلد من بلدان العالم، وهو يعكس قرونًا من انعدام الثقة بين الشعب والحكومة. المشكلة أن هذا الوضع يتفاقم أكثر مع ذلك الإصرار الجهنمي على اعتبارك جمهورًا واغشًا . لا يمكنك أن تعرف أي شيء على الإطلاق .. ليس من حقك أن تفهم .. رأيك لا قيمة له.. لا تبيعوا القطاع العام لكنه يُباع .. لا توقعوا الكويز فتُوقع .. لا تذبحوا القضاة فهي جريمة لا تغتفر لكنهم يُذبحون .. استقبلوا وزير الخارجية الفلسطيني المنتخب لكن لا أحد يستقبله.. نصح المفكرون بأهمية وجود خطوط دبلوماسية قوية مع إيران فلم يبال أحد .. حذر الكل من خطر تعويم الجنيه فعوموه .. لقد صفق الناس في قاعة السينما التي كانت تعرض فيلم (عمارة يعقوبيان) عندما سقط ضابط أمن الدولة مضرجًا بدمه. كم منهم صفق لأنه سفاح سادي عذب الفتى واغتصبه، وكم منهم صفق لأنه يمثل الحكومة التي تزدرينا ؟.. إجابة هذا السؤال تحدد مستقبل مصر ‍!

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:12 AM
الفضائيات... وسقوط الأوهام


يحكي الأستاذ محمد حسنين هيكل عن شاه إيران في أيامه الأخيرة، عندما شعر بوجود مظاهرات عارمة في الشوارع فأرسل خادمه العجوز إلى خارج قصر الطاووس ليتحرى الأنباء، وعاد الخادم ليقول له ما يرغب في سماعه: المظاهرات محدودة يقودها بعض الشيوعيين ولسوف تخمد سريعًا. لكن الشاه لم يسترح لهذا الكلام، فركب طائرته الهليوكوبتر سرًا وحلق في سماء طهران ليرى بعينه كل هذه الحشود التي أمضت ليلتها في الشوارع. وقد سأل طياره في ذهول: هل كل هؤلاء يتظاهرون ضدي ؟. لم يرد الطيار وكانت هذه على كل حال إجابة كافية جدًا. على أن الشاه لدى عودته للقصر أصيب بحالة بارانويا كاملة جعلته يشك في الجميع، وأصدر تعليماته بألا يزور جناحه أحد حتى الإمبراطورة ذاتها..
إنها اللحظة المحتومة حينما يدرك الطاغية الحقيقة .. إنه لا يملك أية شرعية لدى شعبه وإنهم يمقتونه حقًا .. لا صحة لكلام الحاشية ولا مستشاري السوء .. ليس المتظاهرون (قلة حاقدة) وإنما هم الشعب ذاته بلا نقصان .. وهذا يدلنا على حقيقة أخرى مهمة: حتى أعتى الطغاة يعاني حاجة نفسية ملحة لأن يشعر بأنه على حق وأن هناك من يؤيده .. وانهيار هذا المعتقد قاس جدًا بالنسبة له.
كان هذا في الأيام السعيدة التي يضطر فيها الحاكم إلى ركوب الهليوكوبتر أو الخروج متخفيًا ليرى بعينيه كراهية شعبه له، أما اليوم فالكراهية نفسها تتسلل إلى غرفة نوم الحاكم عبر شاشات الفضائيات..
يحدث هذا برغم آلاف المفسرين والمؤيدين ذوي موهبة تبرير كل ما يقوم به الحكام .. يذهب الحاكم لمؤتمر (الفسكونيا) فيسودون الصفحات يشرحون فيها أهمية أن ننضم إلى تيار (الفسكونيا) أخيرًا لأن الزمن غير الزمن وقواعد اللعبة تبدلت، ثم ينسحب الحاكم من مهرجان (الفكسونيا) فيسودون عشرات الصفحات عن عبثية (الفكسونيا) وذلك الوهم الذي ما زال البعض يعيشون فيه. وهي بحق موهبة تستأهل ما ينالون من أجور ومزايا.
إن موقف الحكام اليوم أقرب إلى الكوميديا السوداء لو كانوا يرون الفضائيات – وهو الاحتمال الأرجح من باب الفضول على الأقل - ويسمعون كل ما يقال ضدهم بلا قيود ولا رقابة .. خاصة مئات المداخلات عبر الهواتف الدولية والتي يستخدم أصحابها أسماء مستعارة، ويتصلون من هواتف عمومية على الأرجح. ثمة من يتهمهم بالعمالة والكفر، ومن يتهمهم بالجبن والتخاذل، ومن يحكي الفظائع التي حدثت له على أيدي عسسهم. هكذا تتولد علاقة فريدة من نوعها جديرة بالدراسة ..
لم يعد واحد من الحكام العرب يملك أية أوهام بصدد شعبية مزعومة يحاول الشيوعيون أو الأصوليون تدميرها .. لقد صارت الأمور واضحة واللعب (على المكشوف).. إنهم يكرهونني كالجحيم وأنا كذلك أكرههم .. ولولا عصا الأمن الغليظة لحولني هؤلاء إلى أشلاء ..
من هنا تتولد عقدة السجان المعزول في محيط يمقته.. إنه أكثر الناس قلقًا في السجن. وتدريجيًا يفقد أي ولاء كان يحسبه لديه تجاه شعبه .. فهو غير مدين للناس ببقائه وإنما هو مدين للأمن وللقوى الخارجية ، وليست عليه التزامات من أي نوع تجاههم .. إنها علاقة من انعدام الثقة والمقت المتبادل .. يقول المثل العامي إنه حينما مات كلب العمدة ذهبت البلدة كلها للعزاء، فلما مات العمدة لم يكلف أحد خاطره .. وقد أدرك الحكام هذه الحقيقة وعرفوا أن قيمتهم الوحيدة هي المنصب والقوة ..
هل يعني هذا أن الفضائيات أدت إلى تدهور علاقة الحاكم بالمحكوم في الدول الشمولية ؟.. هذا التدهور موجود وكان سيتفاقم عاجلاً أم آجلاً، لكنها أدت المهمة بشكل أسرع وبأسلوب (توصيل الخدمة إلى المنازل). فلم تعد ثمة مصداقية لمن يكذب على الحاكم بينما لا مصداقية لمن يكذب على الشعب قبل الفضائيات بزمن سحيق. أما إلام يفضي هذا الغليان وهذا الحراك الجيولوجي كله فالعلم عند الله.

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:12 AM
العالم مسطح: هل انقلب سحر العولمة على الساحر ؟

شهدت التسعينات ظهور ثلاثة أسماء سيطرت بقوة على الفكر الغربي: (أسبوزيتو) الذي صار مقترنًا بفكرة الخطر الإسلامي الذي جاء ليحل محل الخطر الشيوعي. و(هانتجنتون) الذي صار مقترنًا بصراع الحضارات .. و(فوكوياما) الذي صار مقترنًا بنهاية التاريخ .. كلهم من الأسماء اللامعة في مؤسسات صنع القرار الأمريكية التي يطلقون عليها (خزانات التفكير Think Tanks) وهم يتقاضون رواتب جديرة بأن تكرههم فعلاً إن لم تكن عندك أسباب أخرى.. من الأسماء العولمية المهمة كذلك الصحفي الأمريكي اليهودي توماس فريدمان الذي لمع في الشرق الأوسط كوجه جذاب لبق قادر على شرح العولمة بوضوح، وهو كاتب عمود الشؤون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز الذي وصف وظيفته بأنها (أهم وظيفة في الكون).. وله كتاب مهم جدًا هو (السيارة اللكساس وشجرة الزيتون - 1999)، لكننا ندرك على الفور أن فريدمان يبشر بدولة واحدة عظيمة ديمقراطية مسالمة وديعة اسمها (إسرائيل).. كما أنه يدعو لمبادئ أقل ما يقال عنها إنها قاسية مثل مبدأ (الاستعداد لقتل جرحاك)، أي أن تتخلى بلا ندم عن أي مشروع خاسر ولا تحزن على العمال المطرودين أو قيم الماضي التي لا نفع لها.
يواصل فريدمان حملته التبشيرية في كتابه (العالم مسطح: : تاريخ مختصر للقرن الواحد والعشرين) .. معنى كلمة (مسطح) انه (متواصل).. زوال الحواجز التجارية والسياسية وتطور الثورة الرقمية جعل من المكن القيام بالبيزنس في ثوان مع بلايين البشر الآخرين عبر الكوكب. يعقد فريدمان في البداية مقارنة بين رحلته إلى الهند والصين ورحلة كولومبوس لاكتشاف عالم جديد، وهكذا يمكن قراءة العنوان على أنه يذكرنا بخوف بحارة كولومبوس من أن سفنهم ستقع خارج حافة العالم المسطح. يرى فريدمان أن مدينة بنجالور الواقعة جنوب الهند هي (العالم الجديد) الذي اكتشفه. ويحذر الكاتب من جدية التحدي الذي تشهده الولايات المتحدة من نموذجي الهند والصين في هذا العالم المسطح. لقد فوجئ بأن بيانات ضرائب أربعمائة ألف أمريكي موجودة في بنجالور، وأنك إذا اتصلت في الولايات المتحدة تشكو خللاً في بطاقة الفيزا، فإن من يرد عليك ويمزح معك هو موظف هندي في ولاية بنجالور !... رأينا فيلمًا في الجزيرة حول هذا الموضوع، ورأينا كيف أن الهنود يتدربون على اللكنات الأمريكية المختلفة حتى لا تشعر بالغربة لو كنت من فلوريدا وكلمك عامل الهاتف بلكنة نيويورك !
لماذا صار العالم مسطحًا ؟.. ينسب هذا إلى عشرة عوامل أهمها سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية حلف وارسو. ثم الثورة العظمى في الإنترنت وبرامج البحث مثل (نت سكيب) الذي ظهر عام 1995 التي جعلت تصفح الإنترنت لعبة أطفال، ثم سعي الشركات العملاقة لتخفيض الإنفاق من خلال توظيف عمالة رخيصة بعشر تكلفة نظرائها الأميركيين. ذلك فضلا عن استيراد الشركات الضخمة في الولايات المتحدة لأدوات الإنتاج بأسعار زهيدة من الهند والصين بدلا من القيام بتصنيعها في الداخل. وإنشاء مصانع الإنتاج في دول جنوب شرق آسيا.. "حينما يكون العالم مسطحًا يمكنك أن تبتكر دون ان تهاجر من وطنك !"
يشير فريدمان الى أن شركة ديل لأجهزة الكمبيوتر لم تعد تقوم بدور صيانة أجهزتها حتى ولو أنها تتعهد بذلك، حيث أصبحت شركة البريد فيداكس تستخدم مهندسي كمبيوتر في مخازن الشحن التي تستعملها ، وهؤلاء يقومون بمهمة الاصلاح والصيانة لأجهزة الديل، أي ان الشركات تتعاون بشكل غير مسبوق.

يقسم فريدمان تطور العولمة إلى 3 مراحل.. مرحلة حتى عام 1800 حين اعتمدت الأمور على الدول الاستعمارية . ثم من 1800 حتى عام 2000 حين اعتمدت على الشركات متعددة الجنسيات، ثم المرحلة من 2000 حتى الآن حين صارت مسئولية الأشخاص المتفوقين الأذكياء. ويطلق على المرحلة الثالثة اسم G3..
ليس فريدمان متشائمًا لكنه قلق، يشعر ان السيطرة الاقتصادية والتكنولوجية تفلت من الولايات المتحدة ..ويستشهد بكلام بيل جيتس: "حينما أقارن مدارسنا الثانوية بما أراه في الخارج أشعر بالرعب .. يظل طلبتنا حتى الصف الرابع هم الأفضل في العالم في الرياضيات والعلوم ، لكن في الصف الثامن يصيرون في الوسط.. حينما يبلغون الصف 12 يكونون في قاع التعليم .. عام 2001 تخرج في الهند مليون طالب جامعة أكثر من أمريكا، وهناك ضعف عدد طلبة البكالوريوس في الصين. ولديهم ستة أضعاف الخريجين الذين يدرسون الهندسة عندنا .. إن أمريكا تتهاوى"
دعك من افتقار الحافز لدى الطلبة.. في الصين بيل جيتس هو بريتني سبيرز بينما في أمريكا بريتني سبيرز هي بريتني سبيرز.
ثم يقدم فريدمان هذا الإنذار: " في عصر العالم المسطح ينبغي على الأبناء أن يدرسوا بجدية وإلا فاز بوظائفهم واحد في الهند أو الصين.. لن نجد إلا الدكتور كومار ليكون طبيب الحي، والمهندس كيماوا ليدير مصانعنا!.."

هذا يقود لاستنتاج عجيب هو أن انتصار العولمة يصاحبه انهيار مؤكد لأمريكا ! .. لقد فهم الآسيويون اللعبة ولعبوها أفضل من الأمريكيين ..
وماذا عن دورنا نحن في هذا كله ؟...لم يتجاهلنا بل خصص آخر 100 صفحة للكلام عن الإسلام العالمي وهو كالعادة يربطه بالإرهاب ويطلق على القاعدة اسم (الإسلاميين اللينيين) .. إنها التعبير الصادق عن فشل العرب في كل مجال آخر.
كعادته يرى فريدمان أن العرب خسروا معركة العولمة ولا دور لهم في اقتصاد السوق والتجارة الحرة والديموقراطية، وبالتالي لا دور لهم إلا كخطر محتمل في القرن الحالي. ويرى أن أمريكا قللت اهتمامها بالتكنولوجيا بسبب انشغالها بالنظر للشرق الأوسط . في هذه اللحظة بالذات وثب العالم للأمام وأسرعت الثورة التقنية. إن التقدم يصنعه أشخاص في الهند والصين، وحتى القاعدة فهمت ثورة الاتصالات بطريقتها.
إنه تحذير لكنه ليس متشائمًا كما قلنا وهو ما يراه بعض الأمريكيين نوعًا من الحمق، لأن بوادر الكارثة بدأت فعلاً... أن الآسيويين سريعو التعلم .. ومعدل ذكائهم أعلى 10 مرات من الأمريكان. وقد تحركوا من أسفل سلسلة الانتاج البسيط الذي يديره الأمريكان إلى تصميم أدوات جديدة ثم تصنيعها. ويعتقد المتشائمون من خصوم فريدمان إن الآسيويين سيسيطرون على كل شيء فلا يبقى للأمريكيين إلا التوزيع في بلادهم. والحقيقة المقلقة لهم هي أن المهاجرين الهنود المتميزين يتركون الولايات المتحدة ويعودون لبلادهم !!
كتاب ممتع بلا شك ككل كتابات هذا الوغد الظريف طلق اللسان. إنه يخبرك أن العالم سيكون رائعًا لكنك ستضيع لو لم تتنبه إلى ان وظيفتك سيفوز بها صيني أو هندي في أقرب فرصة

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:13 AM
البحث عن أم أنس

تصاعد الدم إلى رأسي غيظًا عندما طالعت عدد مجلة روز اليوسف الصادر يوم السبت 21 مارس 2007؛ فقد وجدت في ملزمة الوسط الملونة مقالاً للصحفية نهاد عزت عنوانه (آخر ما أنتجته ماكينة التخلف والتطرف: جلوس المرأة على الكرسي زنا لا شبهة فيه !).. إلى هذا الحد ؟ المقال يتكلم عن موقع إنترنت يدعى موقع (أم أنس)، التي تصف نفسها بأنها (علامة الدارين الدنيا والآخرة) وأنها (سيدة الزمانين ما مضى وما هو آت)، ثم تصدر فتوى تحرم الجلوس على الكرسي استنادًا إلى أربعة أسباب منها أن السلف الصالح لم يجلسوا على المقاعد ولا الأرائك .. إن في استخدام المقاعد ما يوحي بالإعجاب بالغرب، وهذا يهدم ركنًا عزيزًا من الإسلام هو الولاء والبراء .. لم تقل أم انس هذا فحسب، بل اشترطت عدم تقديم الأزهار للمرضى لأن في هذا تقليدًا للغرب، وأباحت كذلك الكذب والتزوير لـ (نصرة أمة الإسلام ضد بني علمان) .. المقال طويل ومليء بأمثلة صادمة قاسية توحي بأننا نتكلم عن مستشفى مجانين كبير .. وعلى كل حال اعتاد المرء على ألا يندهش لشيء .. لقد أمست الهواية المفضلة للعرب اليوم هي التحريم .. يجب ألا يمر يوم من دون تحريم شيء جديد ، وقد حكى الشيخ الغزالي رحمه الله عن ذلك الشاب في دولة خليجية محافظة الذي سأله عن رأيه في الخل .. قال الشيخ في دهشة من غرابة السؤال: "هو حلال" .. هنا نظر له الشاب في ألاطة وقال: "دليلك ..؟".. استشاط الشيخ الغزالي غضبًا وقال للشاب المتحمس: "وما دليلك أنت على تحريمه ؟.. الأصل في الأشياء الإباحة .. كل شيء مباح ما لم يكن هناك نص واضح في القرآن والسنة يحرمه.." سمعت الكثير من تلك القصص، ولذا كنت على استعداد لتصديق ما هو أقل فداحة من هذا الخبر، لكن تحريم الجلوس على مقعد بدا لي ضربًا مبالغًا فيه من الشطط.. ضربًا يفوق قدرتي على ابتلاعه أو تصديقه .. هكذا فتحت شبكة الإنترنت وبحثت عن الأخت (أم أنس) هذه حتى وجدت موقعها .. هنا أصابتني الدهشة .. يمكن لأي طفل أن يعرف بعد ثلاث دقائق أن الموقع ليس دعاية للسلفيين بل هو مخصص للسخرية منهم .. هناك من يقلد كلامهم مع كثير من المبالغة (الفارص) التي لا تخدع أحدًا، ولم يرد صاحبها أن يخدع أحدًا، إلا لو كان المنولوجيست يحاول انتحال شخصية عبد الحليم حافظ عندما يقلده.. مثلاًَ كيف يتحدث موقع سلفي عن المطوّع المريض نفسيًا الذي يتسلى بتحسس أجساد الفتية المُرد، بعد ما يلومهم على عدم صلاة العصر أو حلاقة اللحية ؟.. كيف يذكر حيثيات الكذب فيقول : "وقد استفاد من فتوى جواز شهادة الزور الشيخ العلامة عامص أبو القرون بعد أن مارس اللواط مع أحد الغلمان" ؟.. أو هذا الخبر عن الشيخ نفسه :" لقد عُرف عن العلامة النحرير والداعية النخرير, عامص أبو القرون, عليه الصلاة والسلام ، أنه يهوى ويعشق ويشم وينشق وله في الغرام مواقف مثيرة, وقضايا يقال بأنها خطيرة" .. هل الموقع السلفي سيقول عن أحد الشيوخ: (صلى الله عليه وسلم ) ؟!. .. وهذا الكلام عن ذباب أفغانستان الذي يشارك المجاهدين في طرد الأمريكان: "الذباب !! أعزه الله كما يقوله من ذهب هناك . هذا الذباب العظيم الذي ورد ذكره في السنة المطهرة, يااخوان, أمره عظيم, أي و الله, إنه ما إن يمس جسد الافغاني أو المسلم حتى يعطيه قوة تضاعف قوة أربعة عشر بعيرا, الله أكبر يا إخوان, و يا سبحان الله, انظروا, إذا لدغ جسد الكافر أماته في الحال وجلب له الأمراض التي تتفشى في بني جلدته. يا الله, انظروا يا إخوان: ذباب, ذباب, يرسله الله لنصرة المسلمين حينما ذل المسلمون!" القصة واضحة إذن ولا تحتاج إلى أمثلة أخرى ..هذا الموقع أنشأه من يريد السخرية من السلفيين .. في موقع آخر سلفي (بجدّ) وجدت من يتهم موقع (أم أنس) بأنه مدسوس من الرافضة.. رأيي أنه موقع أنشأه ملحد يريد أن يتسلى قليلاً، لكنه شخص يعرف المجتمع السعودي جيدًا، ويجيد العامية السعودية .. أي إنه شخص (من الداخل).. . المشكلة هنا ليست في الحرب الأبدية بين الوهابيين وخصومهم، فهذه ليست موضوعنا هنا، ولكنها في الأخت العزيزة محررة (روز اليوسف).. هناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أنها لم تتفحص الموقع بدقة وإنما أخذت منه بالضبط ما يناسب وجهة نظرها، وهذا يضعها في قائمة الاستسهال و(الكروتة)، على طريقة المخبر الذي ينتقي كتاب (التنظيم والإدارة) من بين كتب الطالب المعتقل ليثبت أنه ينتمي لتنظيم سري؛ وإما أنها أذكى من ذلك وقد تعمدت تزييف الحقيقة، على طريقة ضابط أمن الدولة الذي يرغب في تلفيق قضية لنفس الطالب البائس .. لا أعرف هل لعبت صحفيتنا العزيزة دور المخبر أم الضابط، لكن القارئ في الحالتين مخدوع، وقد تم تجنيده معنويًا لقضية لا وجود لها أو لم تبلغ هذا الحجم .. لست أدافع عن السلفيين هنا، فهم أقدر على ذلك، لكني أدافع عن مبدأ الدقة والأمانة فيما يُنقل إلى القارئ سواء كانت الحقيقة في صفك أم ضدك .. إن الإنترنت أداة مذهلة لنقل المعلومة، لكنها – للأسف - أداة مذهلة لنقل الخرافات والأكاذيب كذلك . تغريك بالخفة وباستعمال معلومات غير موثقة أو تمت مطالعتها على عجل، ولا يقتضي الأمر إلا الضغط على زر Forward لتسري هذه المعلومة المغلوطة كالنار في الهشيم .. كل خطاب يصلك ترسله إلى ألف عنوان في ربع دقيقة حتى قبل أن تقرأ محتواه .. شركة هوتميل سوف تلغي خدماتها المجانية قريبًا وعليك إرسال هذه الرسالة لألف شخص ..هذه صورة الفتى الذي تعفن بعد ربع ساعة من دفنه لأنه كان يستمع للأغاني .. أيقونة الدبدوب التي ستجدها ضمن ملفات النظام هي فيروس يهودي خطير تم دسه على ملفات المسلمين .. هذه هي الفتاة التي تحولت إلى سلحفاة لأنها أهانت المصحف .. تم تحليل عينة من مشروب البيبسي الذي سقط على ملاءة الفراش فاتضح أنها مليئة بفيروس سي .. وهكذا .. حتى تشعر بأننا أمة مترهلة لا تفعل أي شيء سوى الجلوس أمام الكمبيوتر وتبادل الأكاذيب والهراء .. النقطة الثانية هي ولعنا بعدم استكمال قراءة أي شيء .. تجد في الصحيفة خبرًا يقول: القبض على الممثلة الفلانية وفي حوزتها مخدرات .. تقرأ الخبر بعناية فتجد أن هذا سيكون دورها في فيلمها القادم ..مجرد لعبة صحفية قديمة قدم الطباعة ذاتها .. لكن الموظفين الملتفين حول طبق الفول الصباحي في المصلحة يتناقلون العنوان باعتباره حقيقة لأنه لا أحد يحاول التدقيق.. هذا هو ما فعلته المحررة سواء بقصد أو دون قصد، وهذا الاستعمال أضعف قضيتها ولم يقوها .. نعم هناك الكثير من التطرف والشطط، لكن هذا التلاعب في الحقائق يجعلك تلقائيًا تقف في صف الضحية لا الجلاد .. وللحديث بقية

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:14 AM
طب المصاطب...

في عموده (الفهامة) بجريدة أخبار اليوم بتاريخ 13 نوفمبر 2004، قرأت بكثير من الدهشة ما نشره الأستاذ أحمد رجب على لسان الدكتور عمران البشلاوي الذي وصفه الخبر بأنه (صاحب نظرية المناعة العربية).. يعلم الله ما هي. وقد أعدت قراءة الخبر عدة مرات للتأكد من أنني لا أحلم. فبعد اكتشاف فيروس التهاب الكبد سي بنحو خمسة عشر عامًا ومعرفة كل شيء عن تركيبه الجزيئي، وبعد ما عقد ألف مؤتمر – بلا مبالغة - تناقش كل شاردة وواردة عن الفيروس وابتكار لقاح له وأفضل طرق علاجه، وبعد ما كرس علماء مصريون أجلاء بينهم أسماء ليست أقل من عبد الرحمن الزيادي وياسين عبد الغفار وسمير قابيل حياتهم من أجله، يلقي علينا الدكتور عمران بقنبلته المدوية: لا يوجد فيروس سي بل هي مؤامرة أمريكية قذرة. المشكلة أن هذا الكلام يأتي في أهم موضع تقع عليه عين القارئ في الصحافة المصرية، وبلسان من يحمل الدكتوراه كما قال المقال !..
تذكرت طبيبًا آخر أفردت له جريدة الشعب صفحة كاملة منذ أعوام ليلقي بقنبلته: لا يوجد مرض إيدز ... أمريكا هي التي اخترعت هذا الوهم لتساعد على نشر الشذوذ الجنسي !.. وتأمل معي المنطق المختل برغم أننا نزعم أننا العرب سادة المنطق: أمريكا تريد ترويج الشذوذ الجنسي لهذا لفقت مرضًا وأعلنت أنه ينتقل بالشذوذ الجنسي !.. قبل هذا بأعوام زعم أستاذ جراحة شهير أنه ذهب إلى كينشاسا شهرين فقط اكتشف خلالهما علاج الإيدز ثم عاد !.. في تلك الفترة تبناه كتاب كثيرون، وهاجموا عميد كلية الطب والكاتب الراحل يوسف إدريس لأنهما جرؤا على التشكك في صحة هذا الكلام.. بعد أعوام رأينا صورة هذا الطبيب في الصحف العالمية الفرنسية، ليس لتمجيده ولكن كنموذج لأدعياء الطب في العالم الثالث، وقد كتب الأستاذ إبراهيم سعدة مقالاً كاملاً عن هذه الفضيحة !
المشكلة أن من يشكك اليوم في الفيروس سي هو كمن يشكك في وجود الأفيال !.. تخيل أن يأتي اليوم من يقول: الأفيال لا وجود لها يا جماعة بل هي خدعة قذرة ابتكرتها حدائق الحيوان !.. بالضبط نفس وزن الفضيحة والخبال والإصرار على الخطأ .. وهذا الطراز من المقولات لا يجد طريقه أبدًا إلى المجلات الطبية ، ولكن يجد طريقه إلى الصحافة غير المتخصصة لأسباب واضحة، لكني ألقي باللوم كله على هذا الطراز مما يطلقون عليه (طب المصاطب) حيث لا تجريب ولا توثيق ولا دراسات إحصائية ولا شيء .. مجرد كلام يلقى على عواهنه من عقول أغشتها أبخرة نظريات المؤامرة، والرغبة في الشهرة بأي شكل.
وبرغم هذا تظل غريزة الشك هذه بئرًا يضخ المال لجهات عدة .. ونحن نعرف كم من مليارات حققتها الشركات من الترويج لمنتجاتها التي تعيد تعبئة حبة البركة والثوم (ولماذا لا يستعملهما المرضى مباشرة دون تعبئة؟) كبديل عن الطب المجرب الموثق علميًا، مع إضفاء هالة شبه دينية على الأمر تهدد باتهامك بالكفر لو اعترضت.. وفي النهاية يعترف المرضى في خجل وبصوت خافت بأنهم لم يحققوا ذرة شفاء. ربما كان الثوم رائعًا .. بالفعل هو كذلك .. ولكن الأمور ليست لعبة .. لابد من مرور الدواء بمراحل شاقة (أربعة أطوار) قبل أن يقال إنه فعال. لكن الوضع الحالي هو أن كل من يسكن في بيت ريفي لديه في أرضه نبتة سحرية لا يعرف اسمها ولا خواصها .. لكنه مؤمن بأنها تشفي القلب أو السكري أو السرطان لو قام بغليها وشرب النقيع مرتين يوميًا. إن قصص استخدام الحمام لعلاج الفيروس سي ليست ببعيدة ولم تحدث على كوكب آخر. وفي بعض الوصفات الطبية الشائعة تجد طريقة فعالة لعلاج العقم عند الرجال عن طريق تجفيف ذكر الذئب، وابتلاع مقدار حبة منه يوميًا !.. هل هذا طب ؟.. إنها من وصفات الأطباء السحرة البدائيين، وعلاج الجزء بجزء مثله أسلوب معروف في ممارسات السحر منذ القدم .. لكن هناك من لا يقبلون عن هذا الكلام بديلاً..
المشكلة هي في عقلنا الذي يؤمن إيمانًا مطلقًا بالشائعات ويرحب أشد الترحيب بالخرافة، ويؤمن بأسلوب نقل الكلام شفاهة بدلاً من التجريب المحكم الشاق. قد تكون هذه طريقة جيدة في دراسة معلقات الشعر الجاهلي، لكنها لا تصلح أبدًا لابتكار علاج جديد .. لم تتقدم أوروبا علميًا وتصل إلى ما وصلت إليه إلا عن طريق كانط وديكارت وفولتير الذين علموا العقل الغربي كيف يفكر وكيف يقيس. والنتيجة واضحة الآن .. بوسع أي جندي أمريكي أن يجلس مسترخيًا أمام جهاز وفي يده علبة الكولا .. وربما يصغي لموسيقا الروك كذلك ..يضغط زرًا فتزول مدينة عربية عن الخارطة بكل من فيها من عباقرة يصرون على غلي أوراق النبق لعلاج السكر بدلاً من ابتلاع قرصين من (الجليبكلازيد)...
الخلاصة أنني أدعو الله أن يكون الأستاذ أحمد رجب لم ينقل ما قيل بدقة لأنه غير متخصص، وإلا فنحن في كارثة علمية حقيقية

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:15 AM
روش طحن

منذ البداية لا أنكر أنني وقعت في غرام كتيب صغير كتبه الصحفي الشاب ياسر حماية ، ووجدت فيه حلاً لا بأس به لتفسير الكثير من التعبيرات التي استغلقت على فهمي من تعبيرات شباب اليوم. صحيح أنه كتيب مليء بالأخطاء المطبعية، وصحيح أنه يحتاج إلى إعادة تبويب تجعله أقرب إلى القواميس منه إلى الدعابة. لكن هذا لاينسينا حقيقة أن أول من حاول رصد الظاهرة هو واحد من داخلها وليس من الأكاديميين ذوي الياقات العالية خارجها.
ذات مرة كنت جالسًا في القطار أصغي لشاب يكلم صاحبه، فلو كانت المحادثة باللغة السنسكريتية لفهمت أكثر. لا أنكر أن أكثر هذه التعبيرات يمكن فهمه من سياق الكلام وتعبيرات الوجه، لكن بعضها عسير فعلاً.
كل لغة تتطور مع الوقت، وأية مقارنة بين لغة (المنفلوطي) ولغة (صنع الله إبراهيم) تريك الفارق الهائل.. قارن بين لغة (شكسبير) ولغة (جون جريشام) مثلاً.. وحتى القواميس الإنجليزية الرصينة صارت تحوي قدراً لا بأس به من العامية وربما الشتائم. أذكر المعركة الأدبية النارية بين (العقاد) و(ميخائيل نعيمة) حول لفظة (تحمم) التي قال الأول إنه لا وجود لها في اللغة العربية، بينما أصر (ميخائيل نعيمة) على أنها لفظة مفهومة لأي شخص، فلماذا نسمح لشاعر من البادية ـ والكلام لـ (نعيمة) ـ أن يخترع لفظة لا وجود لها، مثلما اخترع (امرؤ القيس) لفظة (تتفل) لأنها تناسب القافية والوزن وأعلن أن معناها (ثعلب) من الآن فصاعداً، بينما نمنع شاعراً آخر من ابتكار لفظة مثل (تحمم) ؟
حتى على مستوى المحادثة، يسهل أن تجد فارقًا شاسعًا بين لغة أفلام الماضي وأفلام اليوم .. لم يعد أحد يحيي الآخر بـ (سعيدة مبارك) أو يصف الجو بأنه (طقس في غاية البداعة).. هذه لغة تناسب الماضي الجميل حينما كان شوقي بك يذهب مع حبيبته إلى النيل ليركبا فلوكة و "تعال من فضلك خدنا"..وكان المراكبي مهذبًا يرد بصوت ملائكي: "دي ستنا وإنت سيدنا" ؛ فلم يطلب سعرًا فلكيًا ولم يخرج مطواة قرن غزال ويغتصب الفتاة أمام شوقي بك.
تتنازعني هنا كراهيتي ـ التي لا حيلة لي فيها ـ لهذه اللغة الجديدة التي يدور 80% منها حول معنى الاستهتار وعدم الاكتراث وأن الأمر لا يستحق. لغة فيها تحد غريب وقدر لا بأس به من الوقاحة، فأنا ما زلت مصراً على أن لفظة (بيئة) هي لفظة (بيئة) فعلاً. وماذا عن لفظ (موزّة) التي تعني (فتاة جميلة) ؟.. هناك قدر من الوقاحة والاستهتار بالأنثى كأنها شيء يؤكل لا أكثر، والغريب أن الفتيات يقبلن هذه اللفظة باعتبارها (مجاملة رقيقة). يتنازعني هذا المقت مع إيماني بأن على جيلي ألا يفرض تحفظاته على الجيل الجديد .. لقد حورب (سيد درويش) عند ظهوره باعتباره (شاباً لا يحترم أساطين الغناء)، وحورب (عبد الحليم حافظ).. واليوم يُحارب المطربون الشباب لأنهم ليسوا (عبد الحليم حافظ).. كان آباؤنا يزغرون لنا حين نستعمل لفظ (سكّة) ـ بفتح السين ـ بمعنى (الشيء التافه)، واليوم لا يفهم الأب ما يقوله أولاده حتى يوبخهم عليه.. هذه هي القصة دائماً إلى يوم الدين. الشباب يبدو غريباً جامحاً بالنسبة للكهول، والكهول يبدون ماموثات متحجرة عاجزة عن التغير بالنسبة للشباب، و(أحمد عدوية) صار تراثاً كلاسياً راقياً بالنسبة إلى (شعبولا).
أعتقد أن النقلة الأولى الكبرى في لغة الشباب المصري كانت في السبعينات مع مسرحية (مدرسة المشاغبين) التي ولدت مصطلحات جديدة، بل وطريقة جديدة تماماً في المزاح. قبلها كان الناس يضحكون من أسماء مثل (السناكحلي) ومن كوميديا الموقف مولييرية الطابع ومن سلاح التكرار الذي تكلم عنه (برجسون) كثيرًا .. التكرار .. التكرار .. وحتى يصفق المشاهدون فتلتهب أكفهم. جاءت (مدرسة المشاغبين) بأسلوب خاص جدًا من الدعابة؛ ولمدة عشرين عامًا ظل طلبة المدارس يكررون دعاباتها التي لا تخلو من وقاحة واستهتار. النقلة الثانية هي في التسعينات...
هنا يتعرض شبابنا لضغط يفوق بمراحل سُنة التغيير التي تكلمنا عنها.. الظروف القاسية التي يواجهونها، وعلامات الاستفهام التي تملأ المستقبل، ولدت فيهم تحدياً قد يتجاوز ما هو مطلوب أو صحي. إن لغتهم قد اتسعت لتحتوي عوالم الميكروباص والكمبيوتر ومترو الأنفاق والإنترنت..
المعلومات كثيرة جدًا .. الوجوه كثيرة جدًا ...لا سبيل لاستيعاب هذا كله إلا بالسطحية والمزيد من السطحية .. كل شيء يجب أن يتم بسرعة وبلا تعمق .. وهذا يظهر بوضوح في اللغة قبل أي شيء آخر.
لقد تنبأ أندي وارهول – الفنان المجنون غريب الأطوار - بأنه في عام 2000 ستكون فرصة كل إنسان للشهرة ربع ساعة لا أكثر ..يمكن أن نقول إن نبوءته تحققت.. ويمكن أن نضيف إلى الشهرة أن كل معلومة .. كل رأي .. كل انفعال .. فرصته في البقاء ليختمر ربع ساعة لا أكثر ..
أتذكر الموقف الطريف الذي حكاه د. (جلال أمين) عندما كان في الولايات المتحدة وضل طريقه بسيارته .. كانت هناك لافتات كثيرة جدًا تدل على كل شيء وهذه اللافتات جعلت الأمور تختلط عليه .. وهنا خطرت له فكرة غريبة: إنه كان بحاجة بالضبط إلى كم أقل من المعلومات كي يتخذ قراره !.. هذه عبارة جريئة جدًا لا يجسر على قولها إلا من هو في وزن (جلال أمين).. بالفعل كم المعلومات المتدفقة على الشاب عبر الفضائيات والإنترنت وآلاف الصحف يجعله في حيرة حقيقية .. لا وقت لتكوين رأي أو استيعاب أي شيء .. في الماضي كان هناك فيلم أجنبي واحد يعرض أسبوعيًا في برنامج نادي السينما، وكنا نرتب يومنا كله من أجل ساعة العرض هذه، ونلتهم عشاءنا أمام الشاشة .. ثم يعرض الفيلم فتستوعب كل حرف منه .. يتسرب إلى كل خلية من خلاياك .. أما اليوم فمن النادر أن تستكمل الفيلم إلى منتصفه قبل أن تقلب القناة بحثًا عن متعة أسهل..
هناك موضة جديدة أطلق عليها اسم (الروشنة الدينية) هي أغان دينية ملحنة بإيقاع عصري.. وترى الفيديو كليب في التلفزيون، فترى مجموعة من الشباب المتأنق أناقة الحراسات الخاصة يقف متخشبًا كأنه يحرس موكب (إبراهيم بيه)، وهو يردد أسماء الله الحسنى .. سرعان ما تدرك أنه لم يتسرب إلى أرواحهم مما يقولون إلا النغمات .. فقط يحركون شفاههم .. هذه أغان تم تصميمها ببراعة لسد حاجة الأفراح وذلك النشاط المصري الوليد: حفلات افتتاح المحلات الجديدة .. في مرة أخرى راقبت شابًا يرقص في ميوعة وانتشاء على أغنية شعبان عبد الرحيم فائقة الشهرة (أنا بأكره إسرائيل)، فساءلت نفسي: هل يعي أية كلمة من الكلمات التي يرقص على لحنها ؟.. هل يفهم ؟.. هل يهمه أن يكره إسرائيل أو يهيم بها حبًا ؟
إنها السطحية في كل شيء ..
إن لغة (الروشنة طحن) تعبر عن هذا كله .. وسوف تجد من يرصدها بشكل أكاديمي يومًا ما، أما في المرحلة الحالية فإنني أشكر ذلك الشاب المتحمس الذي قرر جمعها في كتيب حتى لا تضيع. وذلك تحسبًا لليوم الذي يتكلم فيه أبناؤه فلا يفهم حرفًا مما يقولون. يومها تبدو عبارة مثل (كله في الأمبلايظ) عتيقة لها ذات رنين (طقس في غاية البداعة) في مسامعنا !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:16 AM
عن شعبولا ومراد بك والجمالية وأشياء أخرى !

كنت وزوجتي نشاهد (شعبان عبد الرحيم) في حلقة من برنامج (من يربح المليون).. وكان المذيع يسأله أسئلة تافهة لكن المطرب الشعبي لا يجيب عن شيء منها، وهكذا بدأ المذيع يلمح له بالأجوبة ويسمح له بالربح .. كل هذا مع ضحكات المشاهدين واسطوانات (شعبان) المعروفة عن ثيابه التي يشتريها من وكالة البلح ورغبته في العودة إلى المكوة لأن الطرب لم يعد كما كان ..الخ .. في النهاية استطاع أن يحصل على مائة وخمسين ألفًا من الجنيهات في بضع دقائق.. قالت زوجتي إن هذا الرجل محدود الذكاء بشكل غير مسبوق، لكن رأيي كان مختلفًا .. لقد خدع المشاهدين والمذيع الوسيم وسخر منهم بمنتهى الخبث ..نحن خرجنا بإحساس زائف بالتفوق والذكاء وهو خرج بمائة وخمسين ألفًا فمن الأذكى ؟..ومن الغبي الحقيقي هنا ؟
الأمر كله يذكرني بقصة المتسول الذي كان السياح يعرضون عليه أن يختار بين عشرة دولارات وربع جنيه، فكان يختار الربع في كل مرة .. إلى أن لامه أحدهم على غبائه الشديد .. كيف تختار يا أبله ربع جنيه وتترك عشرة دولارات ؟.. كانت إجابة المتسول المفحمة هي: لو اخترت عشرة الدولارات لكف السياح عن المجيء لرؤية بلاهتي، ولقطعت مصدر رزقي !
ثمة قصة مماثلة عن التجار المصريين أيام الحملة الفرنسية، وكيف كانوا يرفضون العملات الذهبية لكنهم يقبلون أزرار الجنود الفرنسيين النحاسية ثمنًا لما يبيعونه لهم .. وقد تسلى الفرنسيون بهؤلاء الحمقى كثيرًا.. ثم اتضح فيما بعد أن المصريين لم يريدوا الاحتفاظ بعملات ذهبية فرنسية لأن الفرنسيين سيرحلون حتمًا، ولسوف تعود جيوش مراد بك لتعدم من تجد معه هذه العملات بتهمة الخيانة.. بينما الأزرار النحاسية تعني أن المصري قتل جنديًا فرنسيًا أو سرقه .. دعك من أن سعرها سيرتفع مع الوقت !

لماذا أذكر هذه الأمثلة على (النصاحة المصرية) المعهودة ؟.. السبب هو أنني في إحدى الصحف الحزبية رأيت صورة لواحدة من مظاهرات حركة (لسه) - كما أسميها - المناهضة لحركة (كفاية)، وكانت تظهر فلاحين من قرية ما يحملان لافتة تحمل تأييدًا لرئيس الجمهورية الحالي – وهذا من حقهما – لكنها كذلك تحمل عبارة (لا لفار الجمالية .. اللي عاوز يبقى رئيس جمهورية).. لا أعرف شيئًا عن الذي تهاجمه هذه اللافتة، وليس موضوعي هنا تأييد حركة (لسة) أم حركة (كفاية) .. إنما ما أثار دهشتي ودفعني للتفكير هي تلك الطريقة الفظة في مهاجمة الخصم .. ضرب تحت الحزام لا يتورع عن الإهانة والتشهير.. وهذا يذكرني بصفحة كاملة نشرت في جريدة الأخبار في عهد (موسى صبري – السادات)، والصفحة مليئة بخطابات القراء الذين يهاجمون الأستاذ (خالد محيي الدين) بأقذع القول، وبعبارات أثارت خجلي برغم أنني كنت في المدرسة الإعدادية وقتها .. كأن كل الناس في مصر حلوا مشاكلهم ولم يعد لهم من هم إلا التعبير عن مقتهم الملحمي الأسطوري لـ (خالد محيي الدين)، وترى التوقيع تحت كل خطاب فتجد أسماء يستحيل التيقن من صحتها على غرار (محمد أمين – القاهرة).. الخ ..
طبعًا كان التلفيق واضحًا بشكل فاضح في تلك الصفحة، لكن تلك اللافتة التي أتحدث عنها صادقة بلا شك .. أعني أن أهل القرية هم الذين كتبوها وليس (موسى صبري)..
وتنظر لوجه الرجلين الظاهرين في الصورة فترى العنف والقوة والصفاقة .. واضح أنهما فلاحان وأنهما من الموسرين، وأنهما منغمسان حتى الآذان في هذا الشيء الغامض الذي يجمعون من ورائه الملايين والمدعو (محليات). هناك أذونات اسمنت في الموضوع وتقسيم أراض وأشياء من هذه التي لا أفهمها بسبب غبائي الذي اقترب من حدود التخلف العقلي..
الصفاقة على وجه الرجلين مألوفة ورأيتها ألف مرة من قبل .. إنه تنمر المصري عندما يعرف أنك لن تفيده ولن تضره.. وجه منادي السيارات الذي لم يرق له ما دفعته .. وجه الكمساري الذي أدرك انك لن تتنازل له عن الباقي ..وجه النادل الذي أدرك أنك لن تدفع بقشيشًا ..
منذ أعوام طوال كانت هناك انتخابات صاخبة بالغة الأهمية في مجلس الشعب .. وكنت أجلس في إحدى الوحدات الصحية مع كاتب الوحدة العجوز الطيب الذي يذكرك بصور (بابا نويل).. قلت له إن التغيرات القادمة مهمة جدًا، فقال في حكمة: مش حيفوز إلا الحكومة يا دكتور .. يعني أنا يبقى القلم في أيدي وأكتب نفسي تعيس ؟.. لا والله .. لازم اكتب نفسي سعيد ...

تأملت عبارته طويلاً وفكرت .. هذه هي الحكمة التي اختزنها المصري عبر قرون وقطرها وركزها .. هذا الرجل لم يقرأ كتابًا واحدًا في حياته لكنه ارتشف الحكمة من الأرض ذاتها .. وأمامه أبدو أنا الطبيب المثقف - كما أفترض - ساذجًا..

لقد اكتسب المصري حساسية خاصة به تجعله يعرف اتجاه الريح ويعرف أين ستكون مصلحته وأين ينتظر الخطر .. تلك الغريزة التي يفقدها المثقفون بسهولة تامة.. يقولون إن قبائل البوشمان تملك حاسة التنبؤ وحاسة قراءة الأفكار، بينما الحضارة تنسف هاتين الحاستين نسفًا .. ويبدو أن القياس هنا صحيح أيضًا .. وأنا لا أتكلم عن الذكاء .. أتكلم عن غريزة فطرية تشعر المصري العادي بما ستتجه إليه الأمور .. وهي لا تخطئ أبدًا ..
أهالي تلك القرية عرفوا بفطرتهم اتجاه الريح .. فأر الجمالية هذا لن يصير رئيس جمهورية أبدًا وإلا بدأ عهده بخراب بيوتهم .. لهذا خرجوا يؤيدون الجواد الرابح ويسبون الجواد الخاسر قبل أن تبدأ المباراة ..كاتب الوحدة العجوز عرف الحصان الرابح ببساطة بالغة ..
لماذا يرسم الناس في الأحياء الشعبية صورة مبارك على شرفات بيوتهم ويرسمون على الجانب الآخر صورة (جمال مبارك) ؟..لقد فهمها الوجدان الشعبي (وهي طايرة) وهو ليس على استعداد لأن يقف في الجانب الخاسر أبدا

أمريكا تطالب بالديمقراطية .. أبلة (كوندي) تضغط وتهدد .. المثقفون يتحمسون ويلوحون باللافتات ويتكلمون عن رياح التغيير القادمة، لكن المصري العادي أذكى من هذا كله .. يعرف أنها (هوجة) وتزول، وان أمريكا لا يهمها من الديمقراطية إلا ما تمنحه من وسائل ضغط تبدو مشروعة .. أمريكا يهمها البترول وإسرائيل فقط، وبعد هذا فلتذهب المنطقة كلها للجحيم .. سوف تنتهي الهوجة وتعود الأمور لما كانت عليه بالضبط .. ووقتها تأتي لحظة الحساب ...
هذه هي موهبة المصري الحقيقية عبر القرون .. لا يمكن خداعه بسهولة .. فإذا تظاهر بأنه صدق الخدعة فلأن مصلحته تشير عليه بذلك .. وهو أذكى من أن يمد يده إلى عشرة الدولارات فيقطع عيشه للأبد ..أو يتقاضى الثمن عملة ذهبية فيقطع (مراد بك) رأسه .. أو يظهر ذكاءه فلا يضحك مشاهدو البرنامج على (شعبولا) بما يكفي

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:17 AM
عن مكدونالد والبطة دونالد

من الخصائص المهمة في الإمبراطورية الأمريكية كونها تقدم – كما يقول الأستاذ هيكل – نمطًا معيشيًا وثقافيًا بالغ الجاذبية. إنها الإمبراطورية الأولى في التاريخ التي تستعمل هذا النوع من السلاح. وفي الماضي كان من السهل أن تمقت الإمبراطورية الرومانية بكل رموزها؛ فلم تكن كتابات ماركوس أوريليوس أو خطب بلليني الأكبر تتسرب إلى دارك، أما اليوم فأنت تشتم الولايات المتحدة ثم تقضي الليل كله مع فيلم أمريكي شائق. يذكر أبناء جيلي أيام الحرب الباردة حينما كان الماركسيون يعدونك بجنة البروليتاريا التي ستتحقق بعد الكثير من الدم والعرق والدموع، بينما كان الأمريكيون يقدمون لك بالفعل جنتهم الصناعية ذات اللون والطعم والرائحة، حيث تسبح الحسناوات الشقراوات في بحار البيبسي كولا بينما يرقص ميكي ماوس ويحلق سوبرمان في الجو. إنه (العالم الحر)... تلك اللفظة الأمريكية الاستعمارية التي سادت لتصف كل ما ينضوي تحت جناح الولايات المتحدة خارج الستار الحديدي، أما ما وراء الستار الحديدي فحفنة من الجنرالات الساديين المصابين بالشذوذ الجنسي والذين يتكلمون الإنجليزية (المكسرة)، ومواطنين لا يرغبون في شيء إلا الفرار إلى العالم الحر.
منذ أسابيع قدمت قناة الجزيرة فيلمًا وثائقيًا بريطانيًا عن احتلال العراق، وكان المراسل البريطاني يختبئ مع المارينز خلف دبابة بينما طلقات المقاومة تنهمر عليهم.. هنا قال أحد رجال المارينز دعابة ليزيل التوتر، لكنها تستدعي وقفة عميقة: "تصور أننا لم نقصف قط أية مدينة فيها (ماكدونالد) ؟!". وقد اندهش المراسل البريطاني لهذه المعلومة التي ثبت أنها حقيقية. إن ماكدونالد رمز استعماري قوي يعني أن هذه الدولة غير مارقة، وله ذات ثقل القنصلية البريطانية في الماضي.. بل إن ظهوره في بلد ما يعطيها نوعًا من صكوك الأمان ضد الغزو. ولهذا لا نندهش كثيرًا عندما نعرف أن الصين اعتبرت البطة دونالد عميلة للمخابرات المركزية ومنعت دخولها البلاد لفترة طويلة إبان الثورة الثقافية.
إن الثقافة الأمريكية – على مستوى القراءة أو المشاهدة أو الطعام - هي أمضى سلاح في ترسانة الحرب الأمريكية، والولايات المتحدة قادرة بالفعل على فرض أولوياتها الثقافية .. إنها الدولة الوحيدة التي تشتمها وأنت تستمتع بأفلامها وتتلذذ بمشروبها الشهير.
أنت تشعر بأن من يرتادون محلات الوجبات الجاهزة الأمريكية لا يفعلون ذلك لأنهم يحبونها، بل لما يحظون به من (ممارسة للأمركة) على أرض وطنهم، وهم يدفعون ثمن هذه الممارسة غاليًا ..إن هذه المحلات لا تبيع طعامًا لكنها تبيع جوًا وطقوسًُا وهي تعرف هذا .. يلبس الشاب (الكاجوال وير) مع كاسكيت البيزبول المقلوب على رأسه، ويحمل شطيرة الهامبورجر وفي اليد الأخرى كوب البيبسي يبرز منه الشفاط فيشعر بأنه واحد من هؤلاء السادة في مانهاتن، ويا حبذا لو استعمل لفظة Shit مع كل عبارة .. باختصار هم يرتادون هذه المحلات لكي يكونوا من القوم الذين يرتادون هذه المحلات .. لماذا صار الشباب يصافحون بعضهم على طريقة High five أي تلك المصافحات العالية التي يستعملها لاعبو السلة الأمريكيون ؟... لماذا يلبس الشباب القلنسوات الصوفية على غرار الزنوج الأمريكيين مطربي (الراب) ؟.
عندما أشاهد أفلام الأمريكيين وحلقاتهم الكوميدية من طراز كوميديا الموقف Sitcom أجد غريبًا جدًا أن يفهم المواطن العربي هذه المواضيع أو يتذوقها لكن هذا يحدث.. مشكلة الفتى المراهق الذي لا يستطيع مواعدة Dating أية فتاة في الصف .. مشكلة الفتاة في الذهاب إلى حفل الرقص السنوي .. مشكلة الطفل الذي لا يحقق أهدافًا في لعبة البيزبول .. ثم الدعابات السمجة: "أطرف شيء حدث لي في طريقي لهذا الحفل ..تصوروا أنني لم أجد زيتونًا للمارتيني !" فينفجر الجمهور ضحكًا ومعه يضحك (عباس) أو (حلمي) من فرط طرافة الموقف.. لا زيتون للمارتيني ؟... يا للسخرية!. ثم الكلام عن "بطل الكلية الذي يزن مائة رطل وطوله ستة أقدام".. فتحاول أنت جاهدًا فهم ما يمثله هذا بالمتر والكيلوجرام .. ثم يظهر مقدم حفل الأوسكار الذي مهمته هي التظرف – ستيف مارتن غالبًا - ليقول لنا: "لقد شعرت كأنني في رون هوارد شو !" .. هنا ينفجر الجمهور ضحكًا ويوشك على الاختناق .. أنت مطالب بأن تعرف ما تعنيه هذه الدعابة أو تختنق ضحكًا مع الجمهور ..
حتى على مستوى مجلات الأطفال، لماذا لا يتزوج دونالد صديقته ديزي أبدًا ؟..إنه يحاول الفوز بحبها ومن جديد ندخل في نطاق (المواعدة).. لكن ولا كلمة عن الزواج .. أين الآباء والأمهات في هذه القصص ؟..
ويلاحظ من يتابع الأفلام الأمريكية الحديثة أن هناك نغمة تقديس واضحة لثلاثة أنماط من البشر: الزنجي واليهودي والشاذ جنسيًا.. راجع فيلم (أفضل ما يكون) حيث تجد ثلاثة الأنماط معًا. يسهل قبول العنصر الأول بشرط ألا يتحول إلى عنصرية مضادة، وإن كان العارفون ببواطن الأمور يؤكدون أنها مجرد قشرة سطحية تخفي عطن العنصرية .. يسهل قبول العنصر الثاني بشرط ألا يتحول إلى صهيونية أو تعصب أعمى .. أما العنصر الثالث فابتلاعه عسير جدًا.. لكننا نتعلم كيف نبتلعه بالتدريج، وعلى طريقة راسبوتين في ابتلاع جرعات متزايدة من السم يوميًا ..
إن الثقافة الأمريكية قوية إلى درجة أنها تخدر المواطن الأمريكي نفسه .. هذا المواطن الذي يمسك بعلبة البيرة الباردة ويلبس الكاسكيت بالمقلوب ويصلح هوائي التلفزيون لمشاهدة مباراة كرة القدم .. كرة القدم التي يلعبها على عكس العالم كله. وهو يؤمن فعلاً بأن أمريكا تقود العالم الحر وأن ديموقراطيتها هي النموذج الأعلى للشعوب الأخرى.. هذا المواطن التعس الذي آمن بخطر الشيوعية، ثم بعد سنوات راح يتساءل: كيف قادنا ماكارثي إلى هذا كله ؟ ... هل كنا مجانين ؟.. ثم نسى الأمر برمته وحارب في فيتنام وبعدها بسنوات راح يتساءل كيف وصلنا لهذا ؟.. كيف كنا بهذا الحمق ؟.. ثم سرعان ما نسى وأرسل ابنه إلى العراق .. ولسوف يتذكر الأمر بعد عام أو عامين ليتساءل: كيف تركنا بوش يقودنا إلى هذا الجحيم ؟..
بعد خسارة كيري أمام بوش قرأت رأيًا لأحد المواطنين الأمريكيين يقول: لقد كان كيري رائعًا في المناظرات .. لكننا نؤمن أن المناظرات لا تدل على شيء لهذا كان لابد أن يخسر !..
تأمل معي منطق الأطفال هذا: من يفز في المناظرة لابد أن يخسر الانتخابات لأن المناظرات لا تدل على شيء!.. إذن هل كان على كيري أن يخسر المناظرات ؟.. وما جدواها إذن ... ؟..
كائن مغرور ساذج مخدوع ..هذا هو المواطن الأمريكي .. المواطن الأمريكي المتوسط الذي ليس خبيرًا في مؤسسة (راند) وليس طبيبًا في (مايو كلينيك).. لكنه صار النمط الثقافي الأكثر جاذبية على ظهر هذا الكوكب، وصار على الشباب أن يفرح لما يفرحه ، و يقلق من أجل ما يقلقه حتى لو كان عدم وجود زيتون لشراب المارتيني.. إنها العولمة التي وصفها د. (جلال أمين) بأنها تسري في اتجاه واحد : منهم إلينا .. بينما المفترض أن تسري في الاتجاهين .. لكن الأمريكي يؤمن أنه ليس لدى الشعوب الأخرى ما تقدمه له إلا فطيرة إيطالية جديدة أو وجبة مكسيكية أو أسلوبًا صينيًا جديدًا في التأمل ..
لقد تغلغلت الثقافة الأمريكية في خلايانا وخلايا شبابنا بلا شك .. والمشكلة أن المقابل الفكري المتمثل في الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودًا .. كانت هناك سماء وأرض، وكان هناك أبيض وأسود، وكان هناك ماء ونار .. اليوم لم يعد لدينا إلا الأرض والأسود والنار .. فلابد أن الناس في روسيا الآن يحاولون تحويل الرطل والقدم إلى الكيلوجرام والمتر، أو يبحثون عن زيتون لشراب المارتيني !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:18 AM
عن محرقة المثقفين والمدرعة بوتمكين

ليرحم الله أسامة عبيد .. عندما أتذكره تتداعى لذهني قافلة كاملة من الذكريات التي تمت لثمانينات القرن الماضي.. بيته في شارع الألفي، ونادي التمثيل في كلية الطب، ومسرح مدينة طنطا المتداعي الذي يصلح لتصوير أفلام الرعب، ومكتب أمن الدولة بالكليات الذي يدللونه باسم (رعاية الشباب)، وقصر الثقافة ودخان التبغ الذي تجمد في الهواء، وصرخاته العصبية في مجموعة الممثلين الهواة الذين يعتقدون أن المناداة على الطماطم والتمثيل ينتميان للفن ذاته. أسامة عبيد طالب الطب الذي ظل في السنة الخامسة حتى شاب شعره وتجاوز الأربعين، وصار زملاؤه أساتذة يدرسون له في ذات الكلية .. كان يشتعل بجنون المسرح الذي سرق حياته، لكن النقطة الأهم هي أنه كان ماركسيًا صريحًا بلا مواربة .. في ذلك العصر – أوائل الثمانينات - كان طالب الجامعة الماركسي يواجه خطرين: خطر أمن الدولة وخطر الجماعات الدينية. ولم يكن الطلاق قد تم بعد بين هذين الكيانين. إنها سياسة الحكومة الدائمة: عندما يزداد السكر في الطعام يجب أن تزيد الملح .. إلى أن يتضاعف خطر الملح فتضطر لزيادة السكر من جديد، وهكذا للأبد .. في ذلك العصر كان الخطر هو الملح .. أعني الشيوعيين والناصريين لهذا دللت الحكومة السكر .. أعني أعضاء الجماعات، قبل أن تفيق على أنهم صاروا يسيطرون على الجامعة سيطرة مطلقة، وقبل أن ترفع المقاعد ويتلاشى دخان المنصة ليرى الجميع جثة السادات الممزقة على الأرض ..
في هذا العصر كان أسامة عبيد لا يكف عن التبشير بماركسيته، وكانت هذه المرة الأولى التي ألقى فيها مثقفًا ماركسيًا خارج الكتب، فبدا لي غريبًا ثائرًا بلا لحظة تعب واحدة .. كأنه خرج من أحد كتب جوركي أو شولوخوف. كان يتهمني بأن ثقافتي أفقية لا رأسية لأنني لم أنخرط معه، وكان يقول: "أي مثقف حقيقي هو يساري بشكل تلقائي"، لكني أعترف بأن هناك عاملاً مهمًا جعلني أبتعد عن دائرته هو الخوف .. كنت أتخيل دائمًا تلك الغارة الليلية أو الصباحية على داري والزنزانة المليئة بالماء والكرابيج والكلاب والصعق بالكهرباء، فكان هذا يقضي على أي حماس لي لفهمه أكثر .. فقط كنت أحتفظ بصداقته من بعيد، وأحضر مسرحياته التي كان يخرجها في حماس مشبوب كأنه بصدد الإعداد لثورة .. دخان التبغ والمقاعد المغبرة التي يعلوها طن من التراب، والخيش والفئران التي تجري على قدمك قبل أن ترفعها، والوجوه الغريبة التي تجلس في آخر القاعة ولا نعرف من أصحابها على الإطلاق .. أذكر كذلك تلك المسرحيات التي كان يختارها ذات الطابع الملحمي البريختي: (مارا صاد) و(غول لوزيتانيا) و(بهية وياسين) .. المسرحيات التي كانت تقدم في مهرجان الجامعة وكان هو يصر على أن يدس فيها آراءه الخاصة ...
عرفت مدى فقر الإمكانيات ورثاثة كل شيء والممثلين الذين لا يعرفون ما هو التمثيل أصلاً، ومصر في مسرحياته هي دومًا فتاة شاحبة رديئة التمثيل جاء بها من مدرسة التمريض، لكنها باردة قادرة على تحمل صراخه وانفجاراته العصبية التي لا تنتهي .. وكنت أتساءل كيف يستطيع أن يستخلص فنًا من كومة الركام هذه ..
لم يكن أحد يفهم ما يقول .. لم يكن أحد يعبأ بما يقول .. فقط جهة واحدة كانت تهتم وترصد وتراقب ..
تذكرت هذه الأحداث وأنا أقرأ مأساة الفنانين الذين التهمتهم النار في بني سويف. هناك أخبار متضاربة بهذا الصدد ولست متأكدًا بصراحة من موضوع إغلاق المسرح بالجنزير عليهم من الخارج، وربما كانت إشاعة تناثرت وصدقها الجميع، لكني أعرف شيئًا واحدًا هو أن موضوع الجنزير كان يحدث حرفيًا أيام أسامة عبيد ..
إن هذا الحادث البشع يكشف عن جوانب كثيرة من فكر الأمن والنظرة العامة للفن والشخصية المصرية نفسها .. عن جانب الإهمال حدث ولا حرج.. أذكر أنني كنت أحضر محاضرة يلقيها مهندس معماري شاب، قال لنا ضاحكًا إن هذه القاعة التي نجلس فيها تخالف أبسط قواعد التصميم الهندسي التي يعرفها أي طالب في إعدادي هندسة ، وأشار إلى الباب وقال: أي مكان يعقد فيه اجتماع عام يجب أن تفتح أبوابه للخارج لا للداخل، وإلا هشم الناس بعضهم في حالة هلع الحريق على باب لا ينفتح .. في الغرب يعرفون هذا الموقف جيدًا ويطلقون عليه Theater Panic لكن المشكلة في مصر أننا نعرف .. لسنا جهلة بل نعرف لكن أين التطبيق ؟
ما زلت أذكر بروفات أسامة عبيد والمخبرين الجالسين أفواجًا في الظلام على مقاعد المشاهدين، حتى أنني قلت له ساخرًا: أنت تساهم في تثقيف رجل الأمن بروائع المسرح العالمي، ولولا هؤلاء لما وجدت جمهورًا تقدم له عروضك. تذكرت رجال الأمن المركزي الذي يقفون خارج باب المسرح كأنهم يحرسون تسربًا نوويًا في مفاعل .. تذكرت كل هذا وقلت لنفسي: ما سر هذه النظرة التي تنظر بها أجهزة الأمن للمثقف والتي تدفعها لإهماله وتقديم قبو متداع يقدم فيه عروضه، ثم الشك فيه ومراقبته إلى درجة محاصرة عمله بالجنازير ورجال الأمن المركزي ؟
الإجابة هي أن الدولة تمقت المثقف وتشك فيه فعلاً.. إنه كائن منكوش الشعر متحذلق يلبس سروالاً من الجينز زمامه مفتوح، ويدخن كمحرقة الجثث، ويلبس نظارة سميكة تم لحامها بالنار، من وراء زجاجها ترى عينيه صغيرتين مستدقتين كعيني بقة .. إنه فقير كالأبالسة وثرثار ومزعج .. إنه يقول كلامًا غريبًا لا يفهمه أحد، وقد تعلم رجال الأمن أن يشكوا في أي كلام غريب غامض ... منذ خمسين عامًا تعلم رجال الأمن أن أي كلام لا يفهمونه هو أفكار شيوعية على الأرجح يقولها رجل شيوعي كافر وابن كلب غالبًا ...
في كتابه الظريف (الطريق إلى زمش) يحكي عمنا الثرثار محمود السعدني عن صول المعتقل الذي دخل على المعتقلين يسأل عن أي رجل (متعلم ونبيه).. فمن يلبي نداءه إن لم يكن د. (لويس عوض) ؟.. اتضح أن الصول يريد من ينظف بالوعة المجاري المسدودة، ووقف المعتقلون يكتمون ضحكهم وهم يرون أستاذ الأدب الإنجليزي الوقور يشمر كميه ويمد يده العارية في البالوعة ليخرج ما بها من قاذورات.. لو صدقت هذه القصة فهي نموذج مثالي لرأي الدولة في المثقف عامة ..
وما زلت مع تداعيات الحادث الذي ذكرني بمسرحيات أسامة عبيد .. لم يكن الأمر بهذا الخطر .. لم تكن أية مسرحية من مسرحيات أسامة قادرة على إحداث ثورة .. لسنا في (مونمارتر) هنا .. فلماذا يهتمون بها إلى هذا الحد ؟.. مخبرون وأمن مركزي وأجهزة تنصت وملفات .. هذا يقودنا إلى التفكير في حاسة النقد العبقرية العالية لدى الطغاة .. إن الطغاة أغبياء في كل شيء، لكنهم في هذه النقطة بالذات شديدو الذكاء والحرص.. وقد أبدى المخرج الكندي المشاغب كروننبرج إعجابه الشديد بذكاء الطغاة حين يشمون الخطر في أفلام مخرج أو قصائد شاعر، بينما النقاد غافلون عنه ..وقد تجاهل النقاد الألمان الفيلم السوفييتي الرائع (المدرعة بوتمكين)، فمن الذي شعر بأهميته وخطره ؟.. (هتلر) شخصياً !! .. عندما كان يصرخ في رجاله: أعطوني فيلمًا مثل المدرعة بوتمكين أو موتوا !
ليرحم الله فنانينا الذين افترستهم النيران فدفعوا ثمن أخطاء الحكومة وأخطاء الشخصية المصرية ذاتها.
ليرحم الله أسامة عبيد الذي قتله الفشل الكلوي .. لقد كان نموذجًا للمثقف الثوري الذي لم يفهم رجال الأمن حرفًا مما يقول، لكنهم فهموا أن عليهم أن يحاصروه ويراقبوه ويضيقوا عليه الخناق، ولن أندهش لو كان ملفه ما زال مفتوحًا في مكتب ما بوزارة الداخلية برغم مرور أعوام على وفاته

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:18 AM
لعنة الوضع الوسط !

قناة ناشيونال جيوجرافيكس هي أربع وعشرون ساعة من الفن الرفيع الراقي. إنها تريك معجزتين في آن: معجزة الظاهرة الطبيعية، ومعجزة أن ينقل لك إنسان هذه الظاهرة بهذا الجمال . أي انها تريك معجزة تصوير المعجزة !.. من ضمن برامج هذه القناة الأثيرة عندي برنامج اسمه (الذهاب إلى النهايات القصوى Going to extremes).. بطل البرنامج صحفي بريطاني اكتشف في منتصف العمر أنه لم يعش حياته وعلى الأرجح لن يعيشها .. يقول إنه في سن متوسطة، يتقاضى راتبًا متوسطًا، ونجاحه متوسط وبيته متوسط وشكله متوسط .. هكذا قرر أن يطلق العنان لجنونه ويجرب الحد الأقصى من كل شيء : يرتحل إلى أبرد مكان في العالم في سيبيريا وأسخن مكان في العالم في أثيوبيا .. يجرب أكثر البلدان جفافًا وأكثرها رطوبة .. أكثرها ارتفاعًا وأكثرها انخفاضًا .. وهكذا ..
برنامج ذو فكرة ذكية ولا شك، والأهم أنه يجعلك تسترجع حياتك فتدرك انك من المبتلين بالوضع الوسط .. وهذا يجعلك لا تنتمي لأي مكان على الإطلاق .. إن إمساك العصا من منتصفها والرقص على السلم لا يختلفان كثيرًا في الواقع، لكن الأمر يتوقف على براعتك في التعبير وقدرتك على تهذيب الخدعة الكبرى التي تعيشها..
أنا من الطبقة الوسطى التي تجاهد كي لا تنزلق لأسفل وتكافح كي تصعد لأعلى، فلا تكسب إلا تحطيم أظفارها على الغبار الذي يبطن الحفرة .. لست فقيرًا بحيث أحتمل شظف العيش، ولست ثريًا إلى حد يجعلني اطمئن على أطفالي يوم أموت .. في مقال بديع للساخر الراحل محمد عفيفي يقول: "المانجو تسبب مشكلة ضميرية مزمنة للطبقة المتوسطة، لأن الفرد من هذه الطبقة يمكنه شراؤها مهما غلا ثمنها، لكنه يعرف أن زيادة قطع عدد ثمرات المانجو على المائدة يقابله نقص في عدد قطع اللحم على ذات المائدة !".
عندما أمشي في الأزقة والأحياء العشوائية أبدو متأنقًا متغطرسًا أكثر من اللازم، وأثير استفزاز سكان هذه العشوائيات .. بينما عندما أمشي في بيانكي أبدو دخيلاً مريبًا فقيرًا أكثر من اللازم... عندما يقع تهديد على أحد سكان العشوائيات فإنه يصرخ مناديًا (سوكة) و(شيحة) وسرعان ما يبرز له عشرون بلطجيًا يحملون ما تيسر من (سنج) وماء نار وكلاب شرسة .. هذه هي الحماية الحقة.. بينما عندما يشك (عيسوى) بيه في شيء فإن البودي جارد صلع الرءوس ذوي السترات السود الذين يدسون سماعات في آذانهم يبرزون لك ليقولوا إن الباشا يأمرك بالابتعاد عن هذا الشارع .. فمن يحمي ابن الطبقة الوسطى ؟.. لا أحد ..
عندما تتزوج لن تظفر إلا بعروس من الطبقة الوسطى .. لن تظفر بـ (عطيات) حارة العواطف التي تؤمن أن (ضل راجل ولا ضل حيطة) ولن تتزوج (إنجي) التي رأت فيلمي (إيمانويل) و (قصة أو) عشر مرات .. إن عروس الطبقة الوسطى ابنة الأستاذ عبد الجواد موجه الجغرافيا تؤمن أن الارتباط بك ثمن لابد من دفعه مقابل الظفر ببيت وأطفال .. إنها أنثى الطبقة الوسطى التي تؤمن في لاوعيها بأن الحب خطيئة حتى في ظل مؤسسة الزواج ..
هذا عن انتمائك للطبقة الوسطى، فماذا عن كونك في منتصف العمر ؟... هل تذكر (هيام) أو (رانية) زميلة دراستك التي همت بها حبًا ثم تخلت عنك عند قدوم أول عريس جاهز (لأنها يجب أن تضع مستقبلها في الاعتبار) ؟.. جرب اليوم أن تحب (مروة) أو (هبة) طالبة الجامعة الحسناء ولسوف تتركك من أجل زميلها المفلس (الروش) الذي لا يملك إلا شبابه، والذي يعرف آخر أغنية لتامر حسني، ويعرف كيف يميز بين حلا شيحة وعلا غانم بينما كنت أنت تعتبرهما نفس الممثلة..
هذا عن العمر الوسط فماذا عن الزمن الوسط ؟.. لست في زمن جيفارا والقومية العربية ومؤتمر باندونج ومظاهرات الشباب واجتماعات المثقفين مع سارتر.. لقد ولى هذا الزمن، لكنك كذلك لا تبتلع فكرة العولمة التي هي الأمركة بمعنى آخر .. وما زلت تعتبر توماس فريدمان مغرضًا كاذبًا، وتعتبر بوش دمية في أيدي المحافظين.. وفي الجهة الأخرى يقف ابن لادن والزرقاوي يقدمان لك بديلاً مغريًا من الذبح والدخول بالطائرات في ناطحات السحاب.. فأين تقف بالضبط ؟
هذا يقودنا للتساؤل عن الموقف الوسط .. كنت تصغي لشباب الجماعات الدينية فتبهرك جديتهم والتزامهم والطريقة البارعة التي يجدون بها مخرجًا لأنفسهم وسط كل هذا الحصار .. ثم تصغي للشباب اليساري فتفتنك ثقافتهم وعمق قراءتهم والنظرة العلمية الصارمة التي يخضعون لها كل شيء .. ثم تعود لدارك لتتساءل: من أنت بالضبط ؟
صديق لي يعاني عقدة الوسط هذه، وكان يتوق إلى أن تكون له مغامرات نسائية لكن العمر فاته، قال لي في ضيق: "قبل أن أدخل الكلية كانت تسيطر عليها ثقافة الهيبيز والتحرر وكان جون لينون بطلاً قوميًا، ثم دخلت الكلية في أوائل الثمانينات فخرج أحدهم أمام المدرج وصاح: فليجلس الأخوة في جانب والأخوات في جانب لو سمحتم .. لا نريد أن نحرج أحدًا ... وألغيت كل حفلات الكلية.. وهكذا سيطرت الجماعات الدينية على سني الدراسة، وكان الفتى يقول لزميلته صباح الخير فتأتيه باكية في اليوم التالي تطالبه بإصلاح غلطته !.. هكذا تركنا الجامعة .. هل تعلم ما يحدث في الكليات اليوم ؟.. الزواج العرفي يتم عيني عينك، وهناك طرق عجيبة للزواج مثل أخذ الموافقة على الموبايل أو أن يبلل كل من الطرفين طابعًا بلعابه ثم يلصقه على جبين الطرف الآخر .. الحق إنني اخترت الزمن الخطأ كي أوجد !"
فكرت في كلامه فوجدته يعزف على نغمة لعنة الوضع الوسط التي أتحدث عنها .. وكما قلت من قبل: إن إمساك العصا من منتصفها والرقص على السلم لا يختلفان كثيرًا في الواقع، لكننا نحاول إقناع أنفسنا بأنهما مختلفان ..
من يدري ؟.. ربما أمشي في ذات الدرب الذي مشى فيه ذلك الصحفي البريطاني .. ربما أختفي في الأيام القادمة فيعرف من يسألون عني أنني أستكشف جبال الهيملايا أو الوديان الثلجية في سيبيريا !

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:20 AM
من فعلها ؟

" أتوقع حدوث استقرار أمني في المستقبل القريب في العراق خاصة بعد تشكيل حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري وتولي جلال طالباني رئاسة العراق"
إيهاب الشريف في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) قبل مغادرته القاهرة يوم 31 مايو 2005 إلى بغداد
***
إنها قصة بوليسية مكتملة الأركان.. قصة بوليسية مرعبة أحدثت أسى عميقًا ممزوجًا بالاشمئزاز والذهول والمرارة في بر مصر؛ لأنها مأساة بدت للجميع غير ضرورية وكان يمكن تفاديها ..
قصة بوليسية مكتملة الأركان هي .. الدافع معروف .. إنه خليط من الانتقام الدموي ودفع الدول إلى التفكير مرتين قبل التعاون مع حكومة العراق؛ وكما قال (هيكل): "هناك استراتيجية لما يجري في العراق .. استراتيجية شنيعة لكن يمكن فهم دوافعها .. إن لعبة (الصدمة والرعب) لعبة يلعبها اثنان وليست قاصرة على الأمريكيين" .. الفاعلون معروفون وسوف نعلن عريضة اتهامهم بعد قليل، لكن ينقص الجريمة ركن واحد: الجثة .. لا توجد جثة ولا صور ولكن الحكومة المصرية بادرت إلى تأييد القصة التي نشرها موقع إنترنت متطرف، وأعلنت وفاة الشريف يوم الخميس. فما معنى هذا ؟.. رجل الشارع استنتج على الفور أن الحكومة المصرية تعرف ما هو أكثر وأن لها مصادرها.. لكن أين كانت تلك المصادر بينما الشهيد (إيهاب الشريف) في قبضة خاطفيه ؟
إنه مساء السبت 2 يوليو .. ليل بغداد المظلم ..بالتحديد في حي المنصور الذي شهد آخر هتاف لصدام منذ عامين قبل سقوط بغداد بيوم ..سيارة جيب شيروكي بيضاء تقف جوار كشك لبيع الصحف .. ورجال شرطة يبحثون عن رجل مصري وقور في الحادية والخمسين من العمر ..
حالة الارتباك العامة تدلك على أن المختفي صاحب السيارة شخص عظيم الشأن ..شهود العيان يحكون عن رئيس البعثة الدبلوماسية المصري إيهاب الشريف الذي ترجل من سيارته ليبتاع جريدة، من ثم برز له هؤلاء المسلحون في سيارتين من طراز (بي إم دبليو)، وأرغموه على ركوب سيارتهم لأنه (جاسوس أمريكي)...
كيف عرفوا شخصيته وكيف توقعوا أنه سيبتاع جريدة ؟... لعلها عادة من عاداته أو كانوا يراقبون سيارته منذ فترة، وهذا يشير إلى اختراق كامل للأجهزة الأمنية العراقية وربما حرس السفارة .. هنا يتساءل رجل الشارع: منذ متى يخرج السفراء في بلد خطر مثل بغداد دون حراسة ؟.. ومنذ متى يبتاعون صحفهم بأنفسهم بينما في مصر يصعب عليك أن تقابل سكرتير مدير مكتب الجوازات ؟.. لاحظ أن الشريف هو ثاني دبلوماسي مصري يُختطف في العراق بعد محمد ممدوح قطب الذي اختطفته جماعة تدعو نفسها (كتائب أسد الله) في يوليو منذ عام .. وظهر في ذلك المشهد المعتاد البشع مقيدًا بينما يقف وراءه الملثمون يتلون بيانهم والعلم الأسود في الخلفية .. بعد هذا أطلق سراحه لأنه (يتمتع بوازع ديني وأخلاق مهذبة) وكأن الشريف رحمه الله لم يكن كذلك ..
ألم يكن هذا كافيًا كي تتخذ الحكومة العراقية وحرس السفارة المزيد من الحذر ؟..
في شقته بمدينة نصر تحاول ابنته (إنجي) الطالبة بكلية الإعلام الاتصال به أكثر من مرة لكن هاتفه المحمول مغلق .. تتوجس خيفة لكنها لا تصارح أحدًا بمخاوفها ..
الحكومة العراقية تبحث عن الفاعلين .. إنه مأزق حقيقي لها لأن هذه الصفعة تأتي في الصميم لتبين عجزها عن حماية من يجب أن تحميهم ..هذا ارفع دبلوماسي عربي في العراق حاليًا .. . في ذات اليوم تحدث عدة هجمات على أكثر من دبلوماسي لعل القصد منها الخطف ولعله الاغتيال .. لكن الدبلوماسيين ينجون جميعًا فيما عدا سفيرنا ..
ثم تدور الأحداث بسرعة وبذات السيناريو المعتاد .. بيان على الإنترنت من تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين يعلن اختطاف السفير مع عرض حشد من البطاقات الشخصية والرسمية ... وتحت عنوان (الصارم البتار على سفير الكفار) جاء في البيان ذي اللغة (القاعدية) الواضحة: " قررت المحكمة الشرعية بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، تحويل المرتد سفير دولة مصر الموالية لليهود والنصارى إلى المجاهدين كي ينفذوا حد الردة فيه." .. حتى هنا توقع رجل الشارع أن المفاوضات ستستغرق عدة اشهر ثم يفرج عن الرجل مقابل (الحلاوة) كالعادة .. الحلاوة التي بلغت ستة ملايين دولار في بعض الحالات.. حتى عندما ظهر على الشاشة معصوب العينين قلنا لنفسنا إن هذا المشهد يتكرر كثيرًا .. لكننا رأينا أن البيان انتقل للتهليل: " "جاء اليوم الذي نثأر فيه لإخوتنا وإسلامنا من طاغوت مصر وزبانيته، ونحمد الله تعالى أن مكننا من أسر أحد أئمة الكفر سفير مصر المدعو إيهاب الشريف الذي كان يعمل لدى السفارة المصرية في دولة اليهود اللقيطة."
والبيان يحمل اسمًا (قاعديًا) آخر من تلك الأسماء المنذرة بالذبح، وهو (أبو ميسرة العراقي).. الناطق الإعلامي للتنظيم ..
هنا فقط لعب الفأر في عبنا وقد تذكرنا أن الشريف سبق له رئاسة بعثة مصر في تل أبيب. بل كان هو القائم بأعمال السفارة المصرية لدى إسرائيل في فترة انقطاع الاتصالات الدبلوماسية. قد نختلف أو نتفق مع التطبيع لكن لماذا أرسلوه هو بالذات دون سواه إلى العراق ؟.
رجل الشارع قلق .. الكل ينتظر .. ترى هل كانت هناك مطالب لمختطفيه ؟.. لو كان الأمر كذلك فلماذا لم تنفذها الحكومة المصرية ؟.. لكن الأحداث تتحرك إلى نهايتها المحتومة كأنها مأساة إغريقية نعرف نهايتها سلفًا .. مجموعة أبي مصعب الزرقاوي – الشهير بالذباح - أعلنت في بيان يوم الخميس على موقع على شبكة الانترنت أنها قتلت الدبلوماسي المصري الذي تحتجزه رهينة:
"بيان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يعلن قتل سفير الطواغيت إيهاب الشريف." وجاء في البيان "نعلن نحن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أن حكم الله تعالى في سفير الكفار، سفير مصر قد نُفذ ولله الحمد."
الحكومة المصرية أيدت النبأ على الفور، فلم يعد من داع لمحاولة تكذيبه أو الشك فيه .. وعدت الحكومة الأمريكية باستجلاء ملابسات الحادث، وأرسلت الحكومة المصرية وفدًا لإجراء مفاوضات تسلم الجثة .. فقط ندعو الله أن يكون هؤلاء أكثر حذرًا فلا نراهم مقيدين أمام الراية السوداء غدًا...
ما زال الحادث غامضًا وسوف تتضح حقائق كثيرة فيما بعد لكن رجل الشارع المصري .. سائق التاكسي والقهوجي والواقفين في طابور الخبز .. هذا الرجل قد فحص الأدلة وأصدر حكمه – الذي لا استئناف فيه - على السادة الآتية أسماؤهم:
1) الإهمال: كيف تترك رجلاً بهذه الأهمية يمشي وحده بلا حراسة في عاصمة خطرة مثل بغداد، وبعد عام من سابقة معروفة خطف فيها محمد قطب ؟
2) سوء الاختيار: ألم يجدوا رجلاً يرسلونه إلى بغداد إلا القائم بالأعمال في تل أبيب ؟.. أم أنه اختير لهذا الغرض بالذات كعلامة على حسن النية تجاه الحكومة الأمريكية ؟
3) سوء التوقيت: وهو ليس سوء توقيت بالضبط ... راجع المتهمين الرابع والخامس.
4) هوشيار زيباري وزير خارجية العراق: الذي سارع من بروكسل إلى إعلان أن مصر ستكون أول دولة عربية ترفع تمثيلها الدبلوماسي إلى درجة السفير. كأنه يريد (تدبيس) الحكومة المصرية بإعلان قرارات لم تنفذ بعد .. الفقيد وصل العراق منذ ثلاثة أسابيع لا أكثر فتلقاه الأخ أبو مصعب الزرقاوي على الفور.
5) الحكومة المصرية ذاتها: قرار تعيين سفير لمصر بالعراق صدر خلال زيارة أبله كوندي لمصر .. وبشكل شبه سري .. فما معنى هذا ؟ .. رجل الشارع استنتج وجود صفقة لإنقاذ بوش من المستنقع العراقي مقابل أن ينسى لبعض الوقت عفريت الإصلاح السياسي الذي حل عليه .. صفقة دفع الشريف ثمنها كما هو واضح ..
6) روح التطرف العامة التي صنعت وحوشًا قادرة على ذبح رجل باك مقيد اليدين .. أقسم بالله العظيم أنني رأيت منذ أشهر ندوة دينية في قناة (إقرأ) ، كان المحاضر يحدث فيها مجموعة من الشباب السعودي الملتحي عن عملية ذبح مرتد في تاريخ الإسلام الأول، فراح يصف بالتفصيل كيف تم الذبح، وكيف سال الدم وكيف راح الرجل يتلوى كالشياه .. كانت عيناه تلمعان استمتاعًا وانفجر الشباب يضحك في بشر ورضا كأن الهلال السعودي أحرز جول المباراة الوحيد. ثم يتساءلون من أين يأتي التطرف وكل هذه الدموية ؟.. أبو مصعب الزرقاوي حضر ندوات مماثلة كثيرة وضحك مع الضاحكين بلا شك. لاحظ أنني لا أناقش الحدود لكني أناقش الاستمتاع الوحشي السادي بها.
7) في النهاية نتهم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين باعتباره – فقط - اليد التي نفذت.. !

رحم الله إيهاب الشريف .. كان محترفًا نفذ ما صدر له من أوامر، فحمل على كاهله أخطاء الجميع .. والمشكلة تزداد تفاقمًا لأن خروج أمريكا من العراق يعني إعلان الزرقاوي خليفة بغداد في اليوم الثاني ويعني أنه كان على صواب طيلة الوقت، وبقاءها يعني أن تبقى عاصمة الخلافة وثاني أهم دولة عربية محتلة .. منك لله يا صدام ويا بوش

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:21 AM
القطرات الاخيرة

كأن الأمر كذلك: عندما قامت ثورة 1919 امتدت يد الزمن العملاقة تعتصر ضرع مصر الحلوب، ولسنوات عديدة سالت منه بسخاء قطرات مثل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ – الطبيب والأديب كليهما – وسيد درويش وأم كلثوم وعبد الوهاب .. الخ .. الزمن يمضي وقد مر نحو القرن، وهاهي ذي القطرات الأخيرة تتدفق من الضرع قبل أن يجف: هيكل .. صلاح جاهين .. بيكار ..جلال أمين ... لا ندري كم من الوقت يجب أن يمضي قبل أن يمتلأ الضرع بالخير ثانية، لكني أعرف جيدًا أن إسماعيل دياب كان بين تلك القطرات الأخيرة..
وصوت إحدى سيمفونيات بيتهوفن ينبعث من جهاز الهاي فاي – من بين أشياء نادرة امتلكها في حياته – وأمامه فنجان القهوة، كانت تعن له فكرة ساخرة فيضحك، ويمتزج الضحك بشخشخة السعال في صدره الذي أرهقه التدخين .. هناك في تلك الشقة الصغيرة – التي لا يملكها - في ميدان الجيش كان يغمس فرشاته باللون وبضربات محكمة خبير يولد على الورق غلاف جديد .. غلاف تشم فيه رائحة رواية لتولستوي أو دستويفسكي أو بلزاك .. وبشكل ما كنت أشعر أنه ينتمي لذلك العالم وانه كان صديقًا شخصيًا لجوركي وديكنز وموباسان .. كان يتذوق الأدب كأفضل نقاده وكانت ثقافته موسوعية ..
أرمق الصورة المعلقة على الجدار خلفه وأتساءل عن معناها .. صورة زيتية لرجل ملقى على الأرض محطمًا منهكًا .. يمد يده إلى إناء فارغ مقلوب أمامه .. ما معنى ذلك ؟
اسمه إسماعيل دياب .. كان يعرف الكثير لكنه لم يتصور قط أن رسومه محفورة في جيلين على الأقل ممن لم يقرءوا الأدب إلا مرسومًا بريشته الساحرة شبه التأثيرية .. منذ كانوا أطفالاً يقرءون قصص دندش وباسل في مجلة سمير حتى عرفوا أن هناك من يدعى جي دي موباسان وبلزاك ...
كنت تلمح في وجهه الطيب المجعد الذي رأى كل شيء، وشعره الأشيب تلك السمات التي لا تخطئها العين .. سمات الناسك الذي يردد: "فلتزأر العاصفة" ويرمق الحياة في ترفع باسم.. تلك النظرة التي رأيتها من قبل في عيني نجيب محفوظ وغاندي وماركيز وتشيكوف ومانديلا.. يشعل لفافة تبغ أخرى ويقول في فخر: "أنا لا أملك أي شيء وأحمد الله على هذا .."
اسمه إسماعيل دياب .. لم يكن يتكلم كثيرًا عن نفسه .. وبصعوبة بالغة تعرف أنه ابن الإسماعيلية .. تخرج في كلية الفنون الجميلة عام 1962 .. هذه الدفعة ضمت أسماء ليست أقل من اللباد وجميل شفيق وعبد الغفار شديد ..
كانت تجاعيد وجهه خارطة مفصلة لتاريخ الصحافة المصرية بعد الثورة .. لقد عمل في أخبار اليوم وروز اليوسف ودار الهلال (مجلة سمير) ودار المعارف والأهرام والهيئة العامة للكتاب .. وكان في حياته سر أكثر جمالاً هو أنه شقيق الأديب محمود دياب .. لم أعرف هذا إلا عندما أخبرني به .. محمود دياب .. الكاتب الثائر الذي تنبأ بالتحولات المرعبة التي توشك أن تعيد الاستعمار الخفي إلى مصر .. مسرحية دنيا بيانولا .. مسرحية تتنبأ بالخراب الذي يقودنا إليه الانفتاح، وللمرة الأولى نرى تيمة العائد من الخارج ليهدم بيت الأسرة القديم وهي تيمة استعملها الجميع فيما بعد .. يوسف السباعي كان ضمن الموجودين في العرض الأول وقد كان رحمه الله من قادة كتيبة الانقلاب ضد مثقفي الستينات، وقد أدرك بفطنته الإشارات التي يرسلها هذا العرض .. وقد ظل يشاهد الأحداث متذمرًا ثم انفجر فجأة واصفًا المسرحية بأنها كلام فارغ وتهريج .. هنا انفجر فيه محمود دياب بدوره .. وكانت هذه نهاية المسرحية ..وبعد أيام احترق المسرح كأن الأقدار تأبى إلا أن تشارك في هذه اللعبة العبثية ..
محمود دياب يدرك حقيقة أن الزمن لم يعد زمنه وأن قواعد جديدة توضع للعبة، وهو ذا يعتزل العالم في شقته الواقعة خلف مستشفى هليوبوليس .. يرقب الناس من الشرفة مشمئزًا مندهشًا من قدرتهم على الحياة وسط هذا الزيف .. يوم 10/10/1983 يموت محمود دياب غريبًا محبطًا كما مات من قبله ومن بعده جمال حمدان ورجائي عليش ونجيب سرور وآخرون لن يتوقفوا عن الدهشة فالحزن فالانكسار فالموت ..
الآن يخيل إلي أنني أفهم الصورة الزيتية المعلقة على الجدار وراء الفنان ..
اسمه إسماعيل دياب .. وكانت ذكرى أخيه من اللحظات النادرة التي يتكلم فيها عن نفسه كثيرًا وبلا توقف ..يتكلم عن أولاد أخيه هشام وهالة وهبة .. أذكر يوم جلبت له مقالاً طويلاً نشر في مجلة وجهات نظر عن محمود دياب، ورأيت الفرحة الطفولية تغزو وجهه ..كان يحتفظ بكل ما كتب أخوه ولا اعتقد أنني كنت واجدًا أية نسخة من الظلال في الجانب الآخر إلا تلك التي أقرضني إياها .. دعك من الهرميتات الصوفية التي كان يطالعها أكثر من مرة أسبوعيًا والتي أثرت حنقه عندما اعترفت بأنني لم أفهمها أو فهمتها ولم أفهم المراد بها ..
لم أكن أعرف أن له ابنًا في العقد الرابع من العمر.. (وائل) مصمم جرافيك في الأهرام.. وابنة هي (جيهان).. موظفة في الثقافة الجماهيرية .. كان يقول لابنه: "يا بني أنا عمري ما كنت معاك أب .. أنا صاحبك وأخوك.".
تلقى الكثير من عقود العمل بالخليج، لكنه لم يسمح لنفسه بالسفر خارج مصر إلا للسياحة .. من على شاكلته جميعًا لا يعرفون لأنفسهم عملاً ولا بيتًا ولا قبرًا خارج مصر .. سافر لأمريكا عام 1978 وقضى ثمانية أشهر يدرس تصميم المناهج الدراسية .. قضى في الرياض يومين لا أكثر .. ثم عاد .. دائمًا يعود .. لم يقم أي معرض خاص قط .. معرضه الدائم كان على أغلفة الكتب .. مرسمه الصغير في المسافرخانة بالحسين احترق عام 1997 ومن وقتها استقر في شقته الصغيرة بميدان الجيش .. يعمل في تصميم روايات مصرية للجيب الموجهة للشباب ويبدي رضاه عن هذا العمل .. رسومه تحفر نفسها بقوة في تعاريج مخ جيل كامل.. لا يتحدث عن أجره فهو يقبل أي مبلغ يكفيه ليحيا .. بينما دور النشر الأخرى جميعًا تتصارع من اجل الاستئثار به .. فلتزأر العاصفة .. فلتزأر العاصفة ..
الآن يتكلم عن اللوحة المعلقة على الجدار .. لقد رسمها يوم 6 يونيو عام 1967 عندما عرف الحقيقة .. إنه ذات الشرخ الذي تجده في نفسية كل مثقفي الستينات ..يسهل أن تعرف ما شعر به في تلك اللحظات القاسية ..
كان في عالم الرسم يعشق التأثيريين .. يعشق جوجان ورينوار وديجا .. لكنه كان يحمل حبًا خاصًا لرمبرانت .. هذا الجو المظلم الذي يخترقه الضوء الذهبي القادم من اليسار .. هذا الزيغ كان يروق له، خاصة عندما عرف أن رمبرانت كان واهن البصر في أيامه الأخيرة .. في الوقت ذاته كانت عدسة عينه تزداد إعتامًا واستطاع ان يرى العالم كما رآه رمبرانت .. وأن يفهمه ..
بالنسبة للمصريين كان يعشق بيكار ومحمود سعيد .. صديق عمره محمد قنديل الذي تزوج ابنه – ابن إسماعيل دياب - ابنته .. زهران سلامة .. اللباد .. جميل شفيق .. رمزي مصطفى ..
اسمه إسماعيل دياب .. وعندما توفي في صمت وسلام في ذلك الأسبوع الصاخب الحزين، كان العالم يتحدث عن وفاة رفيق الحريري وثابت البطل .. لكن الشباب الذي عشق أعماله – الآلاف منهم - أقام له حفل تأبين لا يوصف على شبكة الإنترنت وفي منتدياتها .. طلاب مدارس إعدادية .. طلاب جامعة .. خبراء كمبيوتر .. خبراء علم وراثة .. أطباء .. مهندسون .. معلمون .. محاسبون .. كلهم بكوه بحرقة دون أن يطلب منهم أحد شيئًا، وولد اقتراح بعمل معرض دائم على الإنترنت له، كما اقترح البعض أن تصدر القصص التالية بغلاف أسود لأنهم لا يقبلون أن يروا رسامًا آخر على الأغلفة .. والعالم يتحرك ولا يشعر بكل هذه الشموع الموقدة في ذكراه وسط ظلام شبكة الإنترنت .. ولو شعروا بها لأصابهم الذهول ..
اسمه إسماعيل دياب .. أبي ومعلمي ..وقطرة أخيرة من ذلك الزمن الجميل الذي ضاع .. كان فنك أجمل من حياتك .. وكانت حياتك أجمل من فنك .. فشكرًا على كل شيء

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:22 AM
حسد

اليوم أعترف بالحقيقة التي أخفيتها عن الناس منذ الطفولة ..
أنا أحسد بقوة ..
أحسد طفلاً سوف يحقق كل الأشياء التي فشلت أنا في تحقيقها
(الشاعر الروسي إيفتوشنكو)
***
يجب أن أعترف بهذه الحقيقة .. لقد نجح هؤلاء القوم في تحقيق ما عجزت عنه أنا .. ربما أداري الحقيقة بالكثير من التعالي .. التحذلق .. ترفع الطبقة الوسطى، لكني أدرك يقينًا أنني فشلت في فهم قواعد اللعبة منذ البداية وهي ذي النتيجة واضحة جلية، وهي أن الزمن ليس زمني ولا البلد بلدي.
لقد رأيتهم قادمين .. كنت في المدرسة الثانوية بينما السادات يضع المتفجرات تحت الصرح الذي شيده عبد الناصر طيلة عقدين من الزمن، ولم أعلق أهمية كبرى على هذا .. عرفتهم بوجوههم السوقية الشهوانية .. عرفتهم بأصواتهم الجهيرة .. وكما قال الناقد السينمائي الراحل سامي السلاموني: "تعرفهم من كروشهم وفتحة صدر الطرزانات وصفاقة من شبع بعد جوع .. منهم الطبيب والمحامي والمهندس والعامل، لكنهم صاروا طبقة واحدة لها شكل واحد وطموحات واحدة، وربما تستمع لنفس المطرب..".. كتب هذه الكلمات يوم قام احدهم بنشاط محبب لهم ألا وهو غرس سكين الفاكهة – حتى المقبض - في بطن ابن شقيقة عبد الناصر .. فقط عين السلاموني الحساسة استطاعت التقاط الرمز وراء هذا المشهد ..
كنت أجلس في غرفتي أطالع الطيب صالح وكافكا وطه حسين، وأعلق رسوم محمود سعيد ورينوار، بينما كان هؤلاء يزحفون كالقمل في كل مكان .. ثمة نشاط بشري غريب هو أن تذهب لبور سعيد وتلف القماش على خصرك وتضع عشرين ساعة حول ساعديك كي تتجنب الجمرك ..نشاط آخر غريب اسمه المتاجرة بالدولار في السوق السوداء .. هذا النشاط يقومون به جميعًا لكني - وكل أمثالي – عاجزون عنه .. ربما لأنني أترفع عنه .. ربما لأنني أخشاه .. ربما لأنني لم أفهم قواعد اللعبة بعد .. ربما لأنني (مش وش بهدلة) وبلغة أدق: كان لدي ما أخسره .. هم لم يكن لديهم ما يخسرون .. هذه هي عقد الطبقة الوسطى التي تكبلك إلى الأرض ..
إنهم يمارسون الاختلاس والرشوة والمحسوبية على نطاق واسع .. ثم أنهم لا يخجلون .. ينشئ السادات حزب مصر فينضمون جميعًا له ويكتب احدهم على طريقة فكتور هوجو: لو كان أعضاء حزب مصر خمسة فأنا منهم .. ولو كانوا واحدًا فأنا ذلك الواحد ..
ثم يترك السادات حزب مصر لينشئ الحزب الوطني الديمقراطي عندها – في اليوم ذاته - لا يبقى بين جدران حزب مصر واحد من هؤلاء .. مشكلتي أنني بطيء التفكير أكثر من اللازم .. أرى هذا الموقف فأقضي عشر سنوات أحاول استيعابه .. بينما هم جميعًا فهموها (وهي طايرة).. لقد انتهوا من استخراج الدهن من الزلط ودهن الهواء بالدوكو ، بينما أنا ابن الطبقة الوسطى ما زلت أعتقد أن المستقبل لي أنا .. رأسي مقبرة أثرية تضم رفات ناصر وجيفارا ولومومبا حيث أحرق البخور وأتكلم عن بطولة سنموت حنا مع النحاس، وأحفظ كل حرف قاله كاسترو لناصر عندما التقيا في القاهرة..
إنهم يتاجرون في الأراضي .. إنهم يحصلون على تصاريح البناء غير القانونية . إنهم يقوون علاقاتهم بكبار رجال الشرطة .. بينما يستطيع أصغر شرطي مرور أن يجعل الدم يتجمد في عروقي .. ثم يقررون أن يتدينوا فجأة، وتظهر زبيبة صلاة عملاقة لكل منهم، ويلبسون الجلابيب البيض، ويسافرون للعمرة عدة مرات في كل عام وينشئون الشركات التي تبيع حبة البركة والعسل الأبيض، ويديرون المدارس التي تحمل في نهاية اسمها لفظة (الإسلامية).. ويعودون ليتهموا بطيئي الفكر بالتسيب الديني، ولا بأس من غرس سكين في عنق نجيب محفوظ فهذه كما قلت من هواياتهم المحببة، والرجل هو الآخر لم يفهم قواعد اللعبة برغم ذكائه الشديد..
وتتأمل سلوكهم فتجد أنهم يمارسون ثلاثية المنافق حرفيًا: يحدثون فيكذبون .. ويعدون فيخلفون .. ويؤتمنون فيخونون.. لكنهم جهيرو الصوت قادرون على الصراخ في أي وقت ليخرسوك ..
ثم يكتشفون فجأة أن مصر تضم مسلمين ومسيحيين ويقررون أن هذا خطأ وأن هذا سبب مشاكلنا الاقتصادية التي يعاقبنا بها الله.. دعك من أنهم اكتشفوا فجأة أن هناك صعايدة في الجنوب وأن هذا شيء ظريف جدًا.. وتبدأ نكات الصعايدة التي يطلقها الحشاشون في ملاهي شارع الهرم لتشق مصر إلى نصفين..
إنهم يسودون المقالات في الصحف تبرر كل ما تفعله الحكومة مهما كان خطأ أو جائرًا .. إنهم يهتفون : بالروح بالدم نفديك يا سادات.. ويوم اغتيل السادات لم يكن أحدهم مستعدًا لتبديل جلسته المريحة لينقذه .. وعند المساء كانوا قد نسوا كل شيء عن السادات وراحوا يرتبون أوراقهم للعهد الجديد .. فإذا جرؤت على انتقادهم صرخوا بأعلى صوتهم أنك من (حزب أعداء النجاح)..
إنهم لا يملكون ذرة ثقافة لكنهم يعتنقون شعار روكفلر: حسابي في المصرف دليل على أن الله راض عما أفعله .. وهم يؤمنون – كخلاصة الفلسفة البراجماتية الأمريكية - بأن الفقير مسئول عن فقره بشكل ما .. ربما لأنه أغبى من اللازم .. أبطأ من اللازم .. أجبن من اللازم .. والمشكلة أنني بدأت أعتقد هذا ..
تاجروا في الحشيش والبرشام والبودرة واليوم يزرعون البانجو ويدخنونه لأنهم أدرى الناس بأن (دماغهم متكلفة) وهم حريصون على حفظ التوازن الكيميائي لآلة صنع المال هذه .. إنهم يأخذون القروض ويفرون لكن – وهذا لغز – تظل البلد بلدهم، بينما أنت الباقي فيها والذي سيدفن – مفروسًا - في ترابها تشعر بشكل ما أنك مجرد ضيف عابر ..
***
نعم .. في لحظات كفاحي المرهقة كي لا أنزلق إلى طبقة أقل أقول لنفسي إنني فشلت .. كان الزمن يتغير وفشلت أنا في فهم ذلك، بينما هم فهموا منذ البداية .. لقد امتلكت بعض الثقافة السطحية لكني افتقرت تمامًا لذلك النوع الخاص من الذكاء الذي يطلقون عليه (نصاحة) .. ربما لو لم يكن لدي ما أخسره .. ربما لو فهمت أسرع من هذا ..
لكني لن ألقى باللوم على أحد سواي .. لا توجد بدايات متأخرة للعبة وليس بوسعك أن تتعلمها في سن الأربعين كما أنها لا تُدرس في المدارس .. ولهذا فشلت كل محاولة لي في دهن الهواء بالدوكو أو خرم التعريفة أو اعتصار الدهن من الزلط ... ولهذا أقولها بكل صدق: أنا أحسد هؤلاء القوم .. فقد امتلكوا الأرض وما عليها .... وربما يمتلكون المستقبل كذلك وإن كنت أدعو الله أن يتعلم ابني فن دهان الهواء قبل أن يحدث هذا

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:23 AM
451 فهرنهايت : عندما تصير النار هي الحل !

لأسباب واضحة اختار مايكل مور عنوان (فهرنهايت 911) لفيلمه الشهير الذي يهاجم عصابة بوش بضراوة.. لقد استطاع بأنفه الحساس أن يشم رائحة ذلك العالم الشمولي الكابوسي الذي تتحدث عنه الرواية.. حرارة ما جرى في 11 – 9 كانت هي الدرجة المناسبة لحرق ملكة النقد والتعقل لدى الأمريكيين، ولم يخيب الأمريكيون أمله .. لقد شاهدوا الفيلم في حماس .. ثم انتخبوا بوش لفترة ثانية بالحماس ذاته.. !.. إن المواطن الأمريكي يتعامل مع هذه الأمور بمنطق عسير الفهم نوعًا: يبكي لدى مشاهدة فيلم عن فظائع أمريكا في حرب فيتنام ثم يذهب ليتطوع هناك في الأسبوع ذاته .. لم لا ؟.. أليس هو ذات المواطن مستلب الوعي الذي تتحدث عنه رواية برادبوري فائقة الشهرة ؟
رواية راي برادبوري التي كتبها عام 1953 - والتي احتفل العالم منذ عامين بمرور خمسين عامًا على صدورها - صارت معلمًا ليس في أدب الخيال العلمي فقط، ولا في الأدب السياسي فحسب، بل إنها أضافت مفاهيم جديدة إلى اللغة الإنجليزية ذاتها .. ولسوف تجد أن الكلام عن السلطة الشمولية القمعية وغسل وسائل الإعلام لعقل البشر لا يكتمل إلا بذكر (451 فهرنهايت) و(1984) رائعة أورويل و(عالم جديد شجاع) لهكسلي .. وليست مصادفة أن مور قدم مقاطع كاملة من (1984) في فيلمه المذكور ...
***
دركت أن صناعة كاملة للخوف قد ازدهرت في الولايات المتحدة‏,‏ وان الأخ الأكبر الذي تحدث عنه جورج أرويل في رائعته‏451‏ فهرنهايت قد اظهر بعضا من ملامحه‏.‏
د‏.‏ عبدالمنعم سعيد – جريدة الأهرام 24 فبراير 2004
***
طبعًا هذا خطأ.. إن (451 فهرنهايت) قصة برادبوري بينما أورويل صاحب (1984) .. لكن الخلط بين القصتين شائع في أذهان الجميع .. فكلا القصتين جاء من ذات العالم ..
راي برادبوري كاتب الخيال العلمي الأمريكي الملتزم الذي ولد عام 1920 .. والذي اشتهر بمجموعاته القصصية (الرجل المرسوم) و(شيء شرير من هذا الطريق يأتي)، هو كاتب متشائم كأكثر كتاب الخيال العلمي المعاصرين، الذين لم يعودوا في سذاجة هـ. ج. ويلز الذي أيد الحرب العالمية الأولى باعتبارها (الحرب التي ستنهي الحروب جميعًا)، ثم اتضح أن التقدم لا يلغي الحروب بل يأتي بالحروب المتقدمة !.. يجب ألا ننسى أن الإنسان استعمل الطاقة الذرية كقنبلة قبل أن يفكر في أي استخدام سلمي لها .. وبرادبوري يؤمن كآخرين أن سيطرة السلطة الشمولية على أنفاس البشر هي مسألة وقت لا أكثر ..
كثير من الناس لم يقرءوا الرواية لكنهم بالتأكيد شاهدوا الفيلم العميق الذي قدمه فرانسوا تريفو عام 1969 .. وفي كل مرة تدور مناقشات لا تنتهي .. هذا نوع من الأعمال الأدبية التي خلقت لتبقى أبدًا ..
يسهل على من يحلل القصة أن يجد علامات تشابه لا حصر لها مع الواقع الأمريكي (الجمهوري) المعاش اليوم .. كما يسهل عليه أن يدرك أن السيناريو يتحرك طبقًا لخطة واضحة دقيقة .. لكن ماذا عن مصر ؟... نفس الشيء يحدث في مصر، ولكن على الطريقة المصرية الشهيرة .. أي (بالبركة).. لا توجد خطة ما .. لا شيء في مصر يتم وفق خطة من أي نوع .. ولكنه نوع من الغريزة الحيوانية التي علمتنا أن النار هي الطريقة المثلى للخلاص من المشاكل .. وأن من يفكر هو – على الأرجح – عميل أو شيوعي أو ابن كلب بشكل ما ..
إن (مونتاج) – لاحظ الاسم - رجل المطافئ يمارس عمله بحماس .. سوف نعرف أن رجل المطافئ في هذا العصر – وهو مستقبل غير بعيد - مهمته محددة جدًا : أن يحرق .. يحرق الكتب التي تعامل معاملة المخدرات ..ربما يحرق مالكيها كذلك .. ودرجة الحرارة المفضلة للحرق هي 451 فهرنهايت .. إن هذا العصر قد استغنى تمامًا عن الكتب واستبدل بها ثقافة الصور المرئية . كل بيت فيه تلفزيون عملاق لا يغلق تقريبًا .. أربع شاشات على الجدران وثمة طريقة إلكترونية تسمح لمعدي البرامج بأن يخاطبوك بشكل شخصي. إن مونتاج جزء من النظام .. أحيانًا هو النظام ذاته .. إلى أن يُلقى حجر في بركة حياته الراكدة .. هذا الحجر هو فتاة رقيقة ما زالت تحاول أن تعيش بالطريقة القديمة.. تسأل أسئلة .. تتمهل فلا يأخذها تيار الحياة المندفع .. إنها تقول له: "الصبية في عمري يتسلون بقتل بعضهم .. لقد أطلقت الشرطة الرصاص على ستة منهم العام الماضي .. ومات عشرة منهم في حوادث سيارات.."
***
" وصور إيذاء المؤمنين بالسيارة كثيرة: نذكر منها ما يلي
: 1- التفحيط والتطعيس، وهما عبث بالأرواح والأموال وقد مرّ حكمهما -- المزاح بالسيارة حيث يقوم بعض الشباب بالمزاح مع من هو خارج السيارة، فيتوجه بالسيارة إليه، ويزيد من السرعة كأنه يريد أن يدهسه، فلما يصل قريبا منه يضغط على الفرامل! ومثل هذا المزاح لا يجوز؛ لما فيه من ترويع المسلم وتخويفه. "
موقع كلمات - 12 ربيع الأول 1426 هـ
***
مونتاج) يعيش مع زوجته التي تنتمي لهذا العالم أكثر من اللازم .. زوجته التي لا تكف عن متابعة إعلانات التلفزيون وتنتحر كل ليلة، ثم تصحو في الصباح وقد نسيت ذلك!.. في الفيلم قامت الممثلة جولي كريستي بالدورين معًا كجزء من الرمز الصعب. ثم تأتي الطامة الكبرى من عجوز صممت ألا يحرقوا كتبها .. بل فضلت أن تحترق معها .. "كل هؤلاء المخابيل يفضلون الموت مع كتبهم .. هذا نمط سلوكي معتاد"
هذه هي الهزة التي تدفع (مونتاج) دفعًا إلى أن يسرق كتابًا أو كتابين ليعرف سر هذه الأشياء الممنوعة التي يفضل الناس أن يحترقوا معها .. وتدريجيًا يندمج في هذا العالم السحري، ويحاول أن يتفادى شكوك رئيسه الذي يقول له: "في الماضي كانت الحياة هادئة تسمح بالاختلاف .. ثم في القرن العشرين تسارعت الحركة .. صارت الكتب أقصر ثم اقتطعت لتكون مجرد تعليق في كتاب مختارات .. أدر عقل الإنسان في آلة الطرد المركزي لتتخلص من كل الأفكار غير المجدية المضيعة للوقت .. انشر المزيد من الرسوم الهزلية في الكتب .. أعط الناس صورًا أكثر .. الرياضات الجماعية ممتعة وتغري بعدم التفكير.."
***
" مباراة الترسانة مع إنبي انتهت بفوز الترسانة بهدف وترددت الشائعات بأن إنبي ترك المباراة للشواكيش مقابل انتقال عمرو سماكة لاعب الترسانة لإنبي في الموسم المقبل"
محمد رضا - جريدة الأهالي 13 إبريل 2005
***
يواصل رئيسه في المطافئ غسل مخه: "كلمة مثقف صارت سبة كما يجب لها أن تكون ..تذكر كيف كنت في طفولتك تكره الصبي الذكي في الصف، وتختصه بالضرب والتعذيب بعد الدراسة .. إنه خوفنا المبرر من أن نكون أقل من الآخرين .. خذ صراعاتك إلى المحرقة يا (مونتاج).. النار تحل كل شيء .. النار نقية طاهرة ..ولأسباب كهذه قمنا بتخفيض سن دخول الحضانة عامًا بعد عام .. حتى أننا اليوم ننتزعهم تقريبًا من المهد إلى الحضانة . أعط الناس مسابقات يربحون فيها إذا ما تذكروا أسماء الأغاني الشهيرة أو أسماء عواصم الولايات .. أو كم من القمح أنتجته ولاية (أيوا) العام الماضي !.. أحشهم بالحقائق سريعة الاحتراق حتى يشعروا بأنهم أذكياء .. !
***
" وسقط من الشباب من سقط جرحي خلال تدافع الحلوين لاستقبال البطل العائد وتهشمت بعض السيارات خلال نفس الاستقبال‏!‏ ولكن معلهش كلها خسائر لاتذكر مقابل الانتصار العظيم الذي تحقق بفضل البطل المغوار محمد عطية‏!!‏ وكله علشان مصر‏!!‏ ‏ وبالفعل استطاع الشباب ان يفرض التغيير ولكن فقط في هذه المجالات‏!!‏ وبنفس فلوس ماما وبابا انهالت ملايين المكالمات التليفونية علي القناة الفضائية "
لبيب السباعي - جريدة الأهرام 26 إبريل 2004
***
يقول مدير المطافئ: "التلفزيون يغرقك في بحر من الأصوات والألوان بحيث لا تجد الوقت لتفكر أو لتنتقد .. إنه يقدم لك الأفكار جاهزة .."
***
"مدينة الكويت، الكويت ( Cnn) -- أحيا نجوم "ستار أكاديمي" حفلتهم على مسرح أرض المعارض في الكويت، الخميس وسط مشاعر الفرح والطرب التي تجلت داخل القاعة، وغضب وامتعاض المتظاهرين من الإسلاميين الرافضين فكرة الحفل أساسا. فبعد ساعات من انتهاء الحفل، أعلن النائب الإسلامي، وليد الطبطبائي، أنه سيقدم طلب استجواب برلماني في حق وزير الإعلام الكويتي محمد أبو الحسن، الذي أصدر قرار الموافقة على إقامة الحفل."
موقع منوعات - 8 مايو 2004
***
يقول مدير المطافئ: "دعني أؤكد لك أن الكتب لا تقول شيئًا .. لو كانت قصصًا فهي تتكلم عن أناس لا وجود لهم .. لو لم تكن قصصًا فالأمر أسوأ.. أستاذ يعتبر الآخر أبله، وفيلسوف يحاول خنق فيلسوف آخر .. كلهم يكافحون محاولين محو النجوم وإطفاء الشمس .. فقط النار تستطيع أن تطهر كل هذا"
***
"كما أكد د. مجد حيدر صاحب دار ورد السورية، والمشاركة فى المعرض من خلال جناح مؤسسة روزاليوسف أنه تم مصادرة خمسة عناوين من مطبوعاته: هى رواية إحدى عشرة دقيقة للروائى البرازيلى باولو كويليو. وروايتا الوميض والوعول للأديب السورى حيدر حيدر، وروايتا ليلة الغلطة والحب الأول الحب الأخير المترجمتان عن الفرنسية للأديب المغربى الطاهر بن جلون. أما نبيل نوفل مدير دار الآداب اللبنانية فأكد مصادرة عناوين من إصدارات الدار هى رواية مسك الغزال للروائية اللبنانية حنان الشيخ، وهى رواية صادرة من أكثر من ربع قرن وروايتا خفة الكائن التى لا تحتمل والحياة هى فى مكان آخر للأديب التشيكى ميلان كونديرا المقيم فى باريس، والمرشح لنيل جائزة نوبل للآداب، ورواية مريم الحكايا للكاتبة اللبنانية علوية صبح. هذا بالإضافة لعدد آخر من الكتب التى صودرت من عدة دور نشر أخرى منها كتاب الدنيا أجمل من الجنة الصادر عن دار النهار اللبنانية للكاتب المصرى خالد البرى. وديوان أدونيس أول حب أول جسد الصادر عن دار الساقى. كما منعت مؤلفات دكتور نصر حامد أبو زيد من العرض فى دار الطليعة. "
جريدة العربي الناصري 6 فبراير 2005

***

.. سرعان ما يصير (مونتاج) رمز النظام عدوًا له .. مطاردًا .. يضطر لحرق زملائه .. ثم يفر .. يعبر النهر لتزول رائحته عن كلاب الشرطة، وعلى شاشة التلفزيون يرى عملية إعدام كاملة لرجل آخر يفترض أنه هو (مونتاج).. لقد بحثت السلطات عن أي رجل يمشي وحده في الشارع .. ربما هو مؤرق أو غريب الأطوار .. كانوا بحاجة إلى أحمق يمشي في الشارع لينقذوا ماء وجوههم وهاهو ذا .. لقد تم إعدامه أمام العدسات من دون أن يظهر وجهه لحظة واحدة ..

***
.......................... !!!!!!!!
***

يندمج مونتاج مع الثوار الذين اعتزلوا المدنية .. يعيشون وحدهم بعيدًا عن العالم وقد جعلوا مهمتهم هي الحفاظ على تراث البشرية الأدبي والعلمي .. كل واحد منهم حفظ كتابًا بعينه حتى صار هو الكتاب ذاته .. رجل هو التوراه .. رجل هو هاملت .. رجل هو رحلة الحاج .. هذه أجمل مشاهد الرواية وهي التي يتذكرها الناس كلما تحدثوا عنها .. تنتهي الرواية وقد نشبت الحرب النووية وأبيدت عاصمتهم فلم يبق من أمل لدى البشر الباقين إلا أن يحاولوا استعادة ما اختزنوه في صدورهم من تراث ..
انتهت الرواية الرائعة التي هي أقرب إلى نبوءة تحققت فعلاً .. تحققت عندهم بسبب الشهوة إلى السيطرة على العقول .. وتحققت عندنا بسبب ذلك الخوف الحيواني الغريزي من التفكير .. ذات الخوف الذي جعل الخديوي عباس الأول يعيد البعثات العلمية إلى مصر - وكان علي مبارك ضمن أفرادها - لأن (الأمة الجاهلة أسهل في حكمها من الأمة المتعلمة).. وهي غريزة يبدو أننا لن نتخلى عنها بسهولة

ايهاب احمد عمر
25-01-2008, 05:25 AM
هذا ما لدي الان :) .. و هي مقالات نشرت في موقعي روياتي و الموقع الرسمي لــ د.احمد
و هنالك مقال ينشر له كل يوم ثلاثاء في جريدة الدستور و سوف احاول ان انقله لكم اسبوعيا باذن الله تعالي
تحياتي :)

أحمد يحيى
25-01-2008, 05:37 AM
يا عم براحه شويه أنا شغال وراك كوبي بيست منك لله تعبتني..
:madmido:


ماشي يا عم على العموم تُشكر على المجهود..
:D:D

زهره حبيسه
12-02-2008, 03:11 AM
مرض النوم :rayek:

ان الحديث عن مرض النوم يعني الحديث عن ذبابة تسي تسي .. عنالناجانا .. عن ديفيد بروس .. عن طفيل التريبانوسوما .. و يستحيل الحديث باختصار اوبحياد لانه موضوع ممض طويل
..
ان مرض النوم واحد من الكوابيس التي اختارت القارة السوداء البريئة لتعيش فيها ،هذا قدر الافارقة .. مساحات شاسعة من بلادهم بسط عليها عمى الانهار سيطرته ، ومساحات شاسعة غرس فيها مرض النوم عصاه .. البلهارسيا تعلن هيمنتها على وادي النيل .. و بقاع هائلة تقتلها الملاريا و ال ( كالا ازار ) ..
لكني سأتحدث هنا عن مرض النوم بالذات ..
في البداية كان الافارقة يجهلون سببه ، و كذا كانت الارساليات و الحملاتالاستعمارية .. ان المريض تعس الحظ يدنو من الانهار في الكونغو او جامبيا او اوغندا .. و بعد بضعة أيام يعاني من الصداع و الحمى و تتورم بعض الغدد الليمفاوية في عنقه، ثم يبدأ مسيرة النهاية .. النهاية البطيئة جدا التي قد تقضي عامين حتى تكتملالصورة الكابوسية..
ان وجه المريض يتخذ صورة غبية حزينة غير معبرة .. سلوكه الاجتماعي يتدهورباستمرار و يصير عصبيا سخيفا احمق ، و لو لم يضع الأطباء مرض النوم مرض النوم فيحسبانهم – في المناطق الموبوءة – فمن الوارد ان ينتهي المريض في مستشفى الامراضالعقلية ..
لكن المعاناة لم تنته بعد .. ان كل هذا يعد ضربا من المزاح بالنسبة الى مرحلةتدهور الجهاز العصبي .. تبدأ الرجفة .. يبدأ النوم في كل لحظة و كل حين .. ان النومفي اثناء الاكل يعتبر من علامات التشخيص الجيدة ، و كثيرون من هؤلاء يموتون جوعا مالم يعتن الأهل باطعامهم قسراً ..
الآن تبدأ مرحلة الغيبوبة النهائية . .النومالنهائي الأبدي الذي يتصل بالموت في موضع ما ..
و لقد استطاع العلماء ان يميزوا ضربين من داء النوم : النوع السائد في جامبيا وهو ما وصفناه بالضبط .. و النوع السائد في روديسيا و هو أقل اعتيادا على الجهازالعصبي للانسان .. لهذا يهاجم القلب بشراسة أكثر و قسوة اكثر .. ان المريض به اكثرحظا لأنه يموت بهبوط القلب قبل ان يمر بذلك التدهور القاسي في وعيه و ذكائه ..
كان هذا الداء الوبيل يفرض سيطرته على افريقيا .. جاعلا مساحات هائلة من ارضهاالخصبة ارض ( لا انسان ) كما يقولون .. كان رجال القبائل يموتون ، و المبشرونيموتون ، و جنرالات القوات الاستعمارية يموتون .. و ما كان احد يعرف كنه ما يحدث ..
حتى جاء ديفيد بروس ..
*******************************

يا له من رجل ديفيد بروس !
بروس جراح الجيش البريطاني العصبي المتمرد ، الذي يرفض الالتزام بالنظام ، ويستجلب غضب رؤسائه ..
بروس الذي لم يحاول ان يخلق بينه و بين رجال القبائل ، ممااثار حنق ذوي العقلية الاستعمارية ..
كان بروس لا يبالي بالحرب .. كل ما يعنيههو رغبته في مطاردة الميكروبات عبر احراش افريقيا ، و في البداية ارسله الجيش معزوجته عام 1894 الى ( مالطة ) , كي يدرس تلك الحمى العجيبة التي تهشم عظام الجنودهناك ن و تبلل أسرتهم بالعرق ليلا .. لم يستغرق وقتا طويلا حتى يجد الباكتيرياالمسببة لحمى مالطة و كانت نصيحته لقادة الجيش : لا تعيشوا مع املاعز و الابقار فيمكان واحد .. اغلوا اللبن جيدا قبل شربه مع تهشمي قشرته في اثناء الغليان ، و فيمابعد خلدوا اسمه بأن اطلقوا على الباكتيريا التي اكتشفها اسم ( بروسللا )
كانت هذه محطة ترانزيت توقف عندها في طريقه الى الناتال في افريقيا .. ثم انطلقالى أرض الزولو ليستقر مع زوجته في ابومو ..
كان هناك مرض عجيب اسمه ناجانا – معناها المكتئب بلغة الزولو – يصيب الخيول ، وكان الجواد التعس يصاب باكتئاب شديد ثم يكف بصره و يموت .. لقد جعلت الناجانا اكثراراضي الزولو مناطق محرمة على الجنود ..
اجرى بروس تجاربه على الخيول ، و استنزف كثيرا من دمها في اثناء المرض ليفحصهتحت المجهر مع زوجته الباسلة .. اخيرا استطاع ان يرى الطفيل اللعين يسبح – كشيطان – بوساطة غشاء رقيق، و حركته تختلف عن حركة الباكتيريا الحمقاء الخرقاء ..كانت حركةوغد يعرف جيدا ما يفعله ، و اين يوجه ضربته التالية .. يلتف حول كرة الدم في رشاقةثم يتراجع و يضربها ضربة موفقة بارعة .. و يكرر ذلك مرارا ثم يواصل رحلته ..
-" لقد وجدت التريبانوسوما ! هذا هو ما يسبب مرض الناجانا ! "
و في الحيوانات المحتضرة كان يشعر ان دمها ليس كرات حمراء تحوي تريبانوسوما ، بلالعكس ! و لكم اقشعر جلده من مشهد كهذا ..
و بدأ بروس البحث عن الطريقة التيينتقل بها الطفيل من حيوان لآخر .. كان الوطنيون يتحدثون عن ذبابة اسمها تسي تسي ،و قد قرر أن يصدقهم، و قام بتشريح الذبابة ليجد الطفيل بداخلها ..
-" ان ذبابة تسي تسي هي ما ينقل الناجانا .. تخلصوا من الذبابة لتنجو من الوباء .. "
و قد كان ..
و هكذا حين بدأت اوغندا تعاني من ازدياد مروع في حالات مرض النوم ، لم يجد رجالالجيش الا الطبيب المشاكس كي يدعوه لمعرفة سبب هذا المرض ..و انتقل ( بروس ) معزوجته الى اوغندا .. و كان معه طبيب شاب يدعى نابارو و مهندس يدعى جبسون يجيد كلشيء من انشاء الجسور الى اصلاح اجهزة المجهر ..
في دم المرضى وجد بروس الطفيل ذاته .. تريبانوسوما .. لقد كان سبب الناجانا فيالناتال و هو هنا يسبب مرض النوم .. وجده في دم المرضى و في السائل النخاعي الشوكيالذي استخلصه من ظهورهم ..
-" اذن لابد من القضاء على ذبابة تسي تسي في اوغندا "
قال له الحاكم الاوغندي الاسطوري ابوللو كاجوا :
-" كل هذا جميل .. المشكلة انه لا توجد تسي تسي في اوغندا ! "
اذن هناك خطأ ما .. لابد من تسي تسي .. و لكن أين ؟
كانت ناك ذبابة تعيش في اوغندا جوار الانهار حيث ظل الاشجار ، و حيث ترتفعالرطوبة ، و كان الوطنيون يدعونها ( كيفو ) .. و الواقع ان كيفو في اوغندا هي نفسهاتسي تسي في الناتال .. و لقد بدأ بروس مشورعا ضخما بالاتفاق مع الحاكم ابوللو كاجوا .. علّق خارطة اوغندا على الحائط ، و راح يتلقى المراسلات من كل جهات البلاد .. مراسلات تتعلق بحالات مرض النوم الجديدة ، و مراسلات تتعلق بالعثور على ذبابة كيفوهذه ..
كلما وصله خبر عن حالة جديدة كان يغرس دبوسا اسود على الخارطة ، و كلماوجد الاهالي ذبابة كيفو غرس دبوسا احمر .. هكذا صارت الخارطة تحدد بوضوح انالدبابيس السوداء و الحمراء لها توزيع واحد ..
و في الوقت ذاته كان يتلقى بالبريد عينات من الذباب من كل مكان في اوغندا ، فكانيشرّحها و يفحصها بعناية .. الحق انه كان عملا جبارا لا تقدر عليه سوى منظمة دوليةفي عالم اليوم ، و الاهم ان المواطنين السود تعاونوا معه بنظام و دقة و تحضر يستحيلان نجدهما لدى مجتمع من البيض ، و لعل جزءاً كبيرا من هذا يعود الى ادراكهم لخطورةالمرض و حزم الحاكم ابوللو ..
و في النهاية و بعد جهد مضن وقف بروس امام القواد البريطانيين و حكام البلادالسود و قال :
-" ان ذبابة تسي تسي او ( كيفو ) هي المسؤولة عن نقل الوباء في البلاد .. يجبابعاد الأهالي عن مناطق الانهار .. يجب تحريم الصيد .. يجب قطع الاشجار على مسافةعشرين مترا على جانبي الانهار ، كي تفقد الذبابة الظل الذي تحتاج اليه للتكاثر ، وبعد عام عندما يكون المصابون بالمرض قد ماتوا يمكن العودة للانهار ثانية.. سيكونمرض النوم قد انتهى و لن تنقل الذبابة شيئاً .. "
و بدأ تنفيذ الخظة بحماس شديد ، و بالفعل – بعد عامين – بدا ان المرض قد تلقىضربات موجعة حاسمة .. و بدأ ينحسر ..
فجأة بدأت التقارير تتوالى عن ظهور الوباءمن جديد .. لم يفهم بروس شيئاً .. انها الطبيعة الخبيثة المراوغة تلعب العابها غيرالمفهومة من جديد .. حمل عتاده و عاد الى اوغندا ثانية ..
توجد صورة فوتوغرافية نادرة تظهره جالسا على الأرض ، وسط دائرة من الوطنيينالاوغنديين عراة الجذع .. ثمة دائرة تحيط بدائرة .. و على كل وطني يجذ الذبابة علىظهر الجالس امامه ان يقتلها ، ثم تنتقل الذبابة الى بروس الجالس في المركز ليجزعنقها و يضعها على شريحة .. لقد لدغه الذباب كثيرا لكنه لم يصب بشيء ، و هو شيء لميفهمه قط ..
و في النهاية عرف بروس قصة الوباء كاملة .. المرض يبدأ بالانسان المريض الذيتلدغه الذبابة .. الذبابة تطير و تلدغ انسانا سليما ليصاب بالمرض . لكن الذبابةكذلك قد تلدغ وعلا .. و من ثم يصاب الوعل بالمرض و يلعب دور المستودع الاحتياطيللعدوى .
و هكذا قد يتوارى الوباء عدة اعوام ، و يموت المرضى ، و لا تظهرحالات جديدة .. ثم فجأة .. هوب ! ينقل الذباب العدوى من المستودع – الوعل – الىالبشر من جديد ..
و هكذا تظل سياسة برس في مكافحة الداء فعالة ، لكنها تحتاج كما نرى الى ابادةالذباب ، و ربما الوعول كذلك ..
حقا لقد كان ديفيد بروس رجلا من طراز نادر ..
==========================
د. احمد خالد توفيق:)

*أنس*
13-02-2008, 02:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
جزء مهم من مقال د . أحمد خالد توفيق يوم الثلاثاء 12/2/2008
فى جريدة الدستور :

الخاطرة الثانية تتعلق بنقطاع الانرنت ك
( أيام الشهاب الأولى ) قصة بدأتها منذ أعاوم ولم تنته قط بسبب وساوس الرغبة فى الإتقان ، والشعور بأن الواقع يجرى أسرع منها بمراحل ... ثم جاءت الضربة القاصمة عندما قرأت ( أغنية الطوف الحجرى ) لساراماجو فوجدت أنه تناول الفكرة ذاتها تقريبا وبالتالى لن يصدق أحد أننى لم أستوحها منه .. هكذا انتهى مشروع هذه القصة وأعتقد أن مسوداتها ستروق لزوجتى لأنها صالحة لتتشرب زيت قلى البطاطس . فى قصة أيام الشهاب يهوى شهاب غريب الأطوار على الكرة الأرضية فينفصل العالم العربى - بشكل مستحيل فيزيائيا -
ككوكب منفصل وحده فى الفضاء ، ويكون على العرب الذين يتهمون الغرب بكل شىء أن يجربوا الحياة بعد ما ينفد كل ما لديهم من أدوية ومأكولات ومياه غازية وأقراص صلبة ومولدات كهرباء .. ليس هذا فحسب .. بل سيكون عليهم الحياة من دون فوانيس رمضان ولا مسابح ولا سجاجيد صلاة ، فكل هذه الأشياء تصنعها الصين لنا !!
هذا هو محور القصة .... كيف نستطيع الحياة يوما أخر من دون غرب ؟ من دون فضائيات وإنترنت نستخدمها فى شتيمة الغرب . ومن دون كاميرات فيديو نصور بها عمليات ذبح الغربيين ؟؟
من جديد أدركت أن زمن روايتى انتهى عندما حدث انقطاع الانترنت ، وصرنا معزولين تماما عن جنة المعلومات فى الخارج .
هذا جعل الصورة واضحة مرعبة بلا خيال روائى أو كلام فارغ .. من دون غرب نحن يتامى فاقدو الرؤية فى الظلام كأن ( طيور الكروان أكلت عيوننا ) لا يمكن أن أرسل رسالة إلكترونية لبيت صديقى المجاور لبيتى . لأنها يجب أن تمر على خادم انترنت فى الخارج .


المقال كاملًا كما وضعه الدكتور العزيز " أحمد خالد توفيق" في رده هنا
http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=721411&postcount=284

"الخاطرة الأولى تتعلق بالصمت الرهيب الذي ساد شوارع المدينة أثناء مباراة فريقنا مع ساحل العاج، انتهى فجأة مع صيحات التهليل، وفي لحظة صار الشارع مسدودًا بالسيارات التي لا تكف عن إطلاق آلات التنبيه .. والشباب يطل بجذعه من نوافذ السيارات ليبعثر السجائر على المارة، والناس تقبل بعضها على الخدين في كل شارع بعد ما جعلتهم كرة القدم أخوانًا. لقد انتصرنا على فريق ساحل العاج المرعب والفهد الآدمي الأسود (دورجبا) الذي يكفي شكله ليتوقف قلبك ذعرًا. فجأة نسى المصريون كل مشاكلهم التي تزن جبالاً واكتشفوا أن هذا هو أفضل العوالم الممكنة.. شعب غلبان طيب القلب فعلاً يكفي أي نصر لإرضائه. خطر لي وأنا أراقب هذا المشهد أن كرة القدم لعبة خطيرة فعلاً.. بل إنها من أهم محاور الأمن القومي. قديمًا كان أباطرة الرومان يؤمنون أن الشعب لا يحتاج إلا للخبز وألعاب السيرك، والشعب المصري بالفعل لا يريد سوى الخبز وكرة القدم. لمسة واحدة من قدم هذا اللاعب أو ذاك جعلت الناس تنسى كل إساءة، وترقص في الشوارع طيلة الليل. هذا شأن كل الشعوب النامية التي تعلق أهمية قومية وطنية على لعبة. إذن كرة القدم يجب أن تندرج ضمن قضايا أمن الدولة، وهي من أهم عوامل السخط الشعبي أو الرضا .. لو سمحوا لي بأن أكون طاغية لجعلت من فريقنا القومي أقوى فريق في العالم، وأتيت له بأعظم المدربين ووفرت له كل الإمكانيات.. اللاعب الذي يفشل في تسديد ضربة جزاء يعدم بلا مناقشة، والمدرب الفاشل يغيب وراء الشمس .. ثم تفرغت لنهب البلاد وسرقة ثرواتها وحرمت الشعب من كل شيء. لن يشعر أحد بشيء وحياتك لأن النصر التالي سوف يغيبهم عن الوعي.. أتذكر كلمات راي برادبوري في رائعته (451 فهرنهايت) عندما يقول أحد رموز السلطة الشمولية القمعية التي تحرم الكتب: " أدر عقل الإنسان في آلة الطرد المركزي لتتخلص من كل الأفكار غير المجدية المضيعة للوقت .. انشر المزيد من الرسوم الهزلية في الكتب .. أعط الناس صورًا أكثر .. الرياضات الجماعية ممتعة وتغري بعدم التفكير.. أعط الناس مسابقات يربحون فيها إذا ما تذكروا أسماء الأغاني الشهيرة أو أسماء عواصم الولايات أو كم من القمح أنتجته ولاية (أيوا) العام الماضي !.. أحشهم بالحقائق سريعة الاحتراق حتى يشعروا بأنهم أذكياء .. !"

الخاطرة الثانية تتعلق بانقطاع الإنترنت: (أيام الشهاب الأولى) قصة بدأتها منذ أعوام ولم تنته قط بسبب وساوس الرغبة في الإتقان والشعور بأن الواقع يجري أسرع منها بمراحل.. ثم جاءت الضربة القاصمة عندما قرأت (أغنية الطوف الحجري) لساراماجو فوجدت أنه تناول الفكرة ذاتها تقريبًا، وبالتالي لن يصدق أحد أنني لم أستوحها منه. . هكذا انتهى مشروع هذه القصة وأعتقد أن مسوداتها ستروق لزوجتي لأنها صالحة لتتشرب زيت قلي البطاطس. في قصة (أيام الشهاب ...) يهوي شهاب غريب الأطوار على الكرة الأرضية فينفصل العالم العربي - بشكل مستحيل فيزيائيًا - ككوكب منفصل وحده في الفضاء، ويكون على العرب الذين يتهمون الغرب بكل شيء أن يجربوا الحياة بعد ما ينفد ما لديهم من أدوية ومأكولات ومياه غازية وأقراص صلبة ومولدات كهرباء .. ليس هذا فحسب .. بل سيكون عليهم الحياة من دون فوانيس رمضان ولا مسابح ولا سجاجيد صلاة، فكل هذه أشياء تصنعها الصين لنا !
هذا هو محور القصة .. كيف نستطيع الحياة يومًا آخر من دون غرب ؟.. من دون فضائيات وإنترنت نستخدمها في شتيمة الغرب ، ومن دون كاميرات فيديو نصور بها عمليات ذبح الغربيين ؟..
كل الأمم شاركت في لعبة الكراسي الموسيقية الحضارية هذه، وكلها فقدت عروشها بعد حين، لكن الإمبراطورية الرومانية ظلت إيطاليا وهي دولة محترمة متحضرة، والإغريق صاروا اليونان وهي دولة لا بأس بها، والفرس صاروا إيران وهي دولة نصف نووية.. لماذا لم نستطع نحن الاحتفاظ بالحد الأدنى من التحضر الذي يجعلنا دولة ذات شأن ؟..
من جديد أدركت أن زمن روايتي انتهى عندما حدث انقطاع الإنترنت، وصرنا معزولين تمامًا عن جنة المعلومات في الخارج. هذا جعل الصورة واضحة مرعبة بلا خيال روائي أو كلام فارغ.. من دون غرب نحن يتامى فاقدو الرؤية في الظلام كأن (طيور الكروان أكلت عيوننا ) .. لا يمكن أن أرسل رسالة الكترونية لبيت صديقي المجاور لبيتي، لأنها يجب أن تمر على خادم إنترنت في الخارج ..
السبب كما عرف الجميع هو انقطاع كابلين بحريين من الكابلات التي تمد مصر وبعض دول الخليج بالإنترنت، وهذا حدث أمام سواحل الاسكندرية. الكابلان هما كابل فلاج وكابل سيميوي 4 وهما كابل الإتصال الأساسي والكابل الاحتياطي البديل له، والذي من المفترض أن يعمل في حال انقطاع الكابل الأول، مما اضطر المسئولين إلى استعارة بعض الـ Band width من دول جنوب شرق آسيا. هناك سفينة قادمة من أوروبا مختصة بإصلاح الكابلات تحت الأعماق .. العملية معقدة .. هناك غواصون وسونار وأجهزة كشف أعماق و.. و .. بينما نحن عاجزون عن صنع قلم رصاص .. لابد من انتظار الخواجة إذن ..
عدد الكابلات نفسه ارتفع حسب مواقع الأخبار الغربية إلى خمسة كابلات .
تفسير القطع لن نعرفه أبدًا، ويتراوح بين حادث أو سمكة قرش وقحة أو اصطدام سفينة أو مؤامرة قذرة ضمن خطوات الاستعداد لضرب إيران. لاحظ أن أكثر دولة تأثرت بهذا الانقطاع هي إيران بينما لم تتأثر العراق وإسرائيل .. كذلك هذه الكابلات تتدلى على عمق حوالي 300 متر تحت سطح المياه وقد تصل إلى القاع في بعض المناطق، مما ينفي اصطدام أية سفينة بها وإحداث القطع. وزير الاتصالات لم يستبعد فرضية المؤامرة في تصريحات صحفية أكد فيها ميله إلى الاعتقاد بوجود شبهة تعمد، خاصة بعد قطع الكابل الثالث، وقال : "يبدو أن الموضوع كبير وخطير وغير مسبوق".
لا يعنيني السبب قدر ما تعنيني تلك الصورة المرعبة لدولة - بل دول - في ظلام معلومات كامل لأنها تعتمد على كل شيء من الخارج، وفي زمن اقتربت فيه الانترنت جدًا من أهمية الماء والنور. هذا خط حياة يشبه خط الهواء الواصل إلى رائد الفضاء خارج كبسولته، بحيث يكفي قطع هذا الخط ليموت رائد الفضاء ..
ماذا أعددنا لهذا اليوم وما هي البدائل ؟.. لا تتعبوا أنفسكم بالتفكير ولتدرسوا ما فعلته دولة صغيرة مثل إيطاليا أو ماليزيا لتتفادى هذا الخطر .. ماذا فعلته إسرائيل ؟.. هل نظام (إنترنت 2) هو الحل فعلاً ؟.. هذه قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن قضية مياه النيل، ويجب أن تدرس بعناية.
في الواقع إن أسباب القلق على مصر تتزايد يومًا بعد يوم .. طائرات إسرائيلية في جنوب إسرائيل معدة للوصول إلى أسوان والسد العالي.. احتباس حراري وارتفاع في مستوى البحر ينذر بأن تتحول الاسكندرية إلى قارة الأطلنطيد المفقودة، لأجد أن بيتي في طنطا صار شاليهًا يطل على البحر المتوسط !.. إنفلونزا دجاج توشك أن تتعلم مهاجمة البشر .. غلاء .. اضطراب اجتماعي .. شبكة إنترنت مربوطة بكابل يتيم يسهل قطعه..
نصيحة لفريقنا القومي .. لا تخسروا أمام الكاميرون مساء الأحد من فضلكم ..!... نحن في أمس الحاجة لهذا النصر !"

holy assassin
20-03-2008, 02:51 PM
فليتألموا


لو تصالح كل العرب مع إسرائيل فلن أكون أنا ضمن القائمه بالتأكيد , لآننى ألعنهم و ألعن الآرض التى يمشون عليها , و أكره منظرهم و لون علمهم و لغتهم . أنا من جيل أوشك أن ينقرض تعلم أن يكره إسرائيل بحق.. أطفال بحر البقر الذين ماتوا بالقنابل كانوا فى سنى وقتها بالضبط , و كان يمكن أن أكون أنا لو فضلت الطائرات محافظه الغربيه على الشرقيه ..

كنت اتابع فى شغف برنامج ( ماما سلوى حجازى ) فى التلفزيون , و عرفت ذات صباح أن الاسرائيلين اسقطوا طائرتها .. لماذا؟.. لآنهم أولاد كلب طبعاً .. أنا من جيل عرف فى المدرسه قصه دير ياسين و كفر قاسم و رأى أباه يبكى يوم إستشهاد ( عبد المنعم رياض) ..

أنا من جيل تعلم أن يكره كل ما هو إسرائيلى و ما زال منظر حروفهم العبريه يجعل الشعر ينتصب إشمئزازاً على ساعدى لآنه يذكرنى بمنظر أقدام العنكبوت .

كان هذا قبل أن يعم السلام الآرض , و يبحث منافق ما فى مكتبه الإذاعة عن أغنيه أم كلثوم ( بالسلام إحنا بدينا بالسلام ) و يقوم بإعاده إحيائها مع لقطات من أغلفة مجله أكتوبر للسادات و بيجين و هما ينظران لبعضهما فى شوق و حنان , و بيجين يضحك فى رقه الملائكة لآننا ( مهما كنا و مهما كنتم من حقوقنا و من حقوقكم .. الحياة و السلام .. يا سلاااااام! ) . و كانت الآغنيه تدوى بينما الطائرات الإسرائيليه تقصف المفاعل العراقى , و بينما جثث صابرا و شاتيلا تملآ الشوارع فيقئ المراسل الفرنسى الذى رأى المشهد برغم أنه سد أنفه بمنديل .

ربما أنا متأخر عن عصرى و ربما عفا الزمن على , لكن هل تغير الاسرائيليون حقاً بما يكفى لجعلى متخلفاً ؟.. جثه إيمان حجو الرضيعه التى لم يعد لها ظهر – حرفياً – تؤكد إنهم لم يتغيروا .. صرخات أبى محمد الدرة تؤكد إنهم لم يتغيروا .. هدى الطفلة التى تهز جثه أبيها محاوله جعله يفيق بمعجزة ما تؤكد إنهم لم يتغيروا .. جثث الآطفال التى تتناثر ليلاً نهاراً على شاشه الجزيرة تؤكد إنهم لم يتغيروا .. الطفلة المصرية التى قتلت على أرضنا و بين أهلها تؤكد إنهم لم يتغيروا ..

لا سبيل للتعامل مع هؤلاء و لا لغة يفهمونها سوى لغة الصواريخ التى تهوى على رءوسهم. أعرف يقيناً أنهم زائلون و أن فرصه حياتهم فى وسط معاد كاره لهم يفقوهم عدداً معدومه. و كما يقول الصحفى الآمريكى الذكى جيمس بنكرتون : " من المستحيل إخضاع الإسلام . لم يحدث قط فى أى مكان من العالم – ما عدا فى سجن ( أتيكا ) الآمريكى فقط – أن استطاعت أقليه بيضاء أن تسيطر على أغلبيه مسلمه " . لكنى اتألم حقاً لآننى لن أرى هذا المشهد فى حياتى . سوف يحتاج الآمر إلى ثلاثين عاماً أخرى على الآقل , و عندها ربما يتذكر أخر راحل منهم أن يطفئ النور قبل أن يركب الطائرة العائده إلى أوروبا كما يقول أحد مفكريهم ساخراً .

يبدو لى أنهم قرروا قتلنا بطريقه أكثر نظافه و أناقة عن طريق ارتفاع ضغط الدم من الغيظ . كل هذه المذابح على الشاشه و لا أحد يعلق كأن ما نراه على الشاشة جثث دجاج أعدموه وقاية من إنفلونزا الطيور , و مجلس الآمن عاجز عن الإدانة , و بوش يرى كعادته أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها , ثم ينتفض العالم غير مصدق لبشاعة الجريمة التى حدثت فى القدس الغربية .. يا للهول !... أوه نو .. ! .. ماى جاش ! ... فلسطينى يقتل المدنيين ؟ .. جود هيفنز .. يهب بوش ليدين بأعنف عبارة . و يجتمع مجلس الآمن بسرعه البرق . ثم أقول لنفسى إن إسرائيل مجرد ولاية أمريكيه أخرى تم زرعها هنا , و علينا أن نتعامل على هذا الآساس و نكف عن تصديق هراء الشريك الكامل و كل هذا السخف , أمريكا لن تتخلى عن تكساس أبداً .. هذا مفهوم . ..

أتذكر هنا مقطعاً من " صلاة الجندى" للعبقرى الآمريكى مارك توين , يسخر فيه من فكرة الحرب , لكن الغريب أن هذا ما أريده للآسرائيلين فعلاً : " يا رب ساعدنا على أن نملآ قلوب أراملهم بحزن لا طائل منه .. ساعدنا على طردهم من بيوتهم مشردين منبوذين فى الخراب الباقى من أرضهم المدمرة, عراة يتضورون جوعاً و ظمأ .. يعانون قيظ الشمس و برد الشتاء محطمى الروح أنهكهم العذاب ... يسألونك رحمة القبر لكنهم يحرمون منها . من أجلنا يا رب دمر أحلامهم و افسد حياتهم .. اجعل خطاهم ثقيلة و اغرق دربهم بالدموع , و لطخ الثلج الآبيض بدمهم النازف من أقدامهم . نسألك هذا يا رب يا من هو ملاذ من يطلبون عونه بقلوب مفعمة بالندم .. أمين !!! "

سئمت أن نكون نحن المظلومين كل مرة , و أن نسعى كالمطلقات نطلب حقوقنا فى ردهات مجلس الآمن .. سئمت مشاعر المظلوم الذى يكنس السيدة زينب و أريد أن أستمتع و لو مرة واحدة بمشاعر الظالم أو – على الآقل – مشاعر الذى لا يجرؤ الناس على ظلمه . بعبارة أخرى نجح هؤلاء القوم فى جعلى أفقد جزءاً من إنسانيتى .. فى حرب "73" نشرت الصحف صورة جثة طيار إسرائيلى متفحمة , و كان مربوطاً بالسلاسل لمنعه من القفز من طائرته لو إنطلقت صورايخ " سام 7 " نحوه .. هذه صورة إنسان إحترق حياً لكن بائع الصحف علقها فى فخر , و بيعت الجريده فى دقائق وسط التهليل و الإنتشاء .. لا يمكن أن تلوم هؤلاء المنتشين .. فلتلم من جعلهم كذلك ..

رأيت أمس فى التلفزيون مشهد غمرأة فلسطينيه طيبة يمكن أن تكون أمى أو أختى و هى تصرخ مستغيثة بينما كلب بوليسى يمزق ذراعها .. كلب إسرائيلى إبن كلب طبعاً .. و ماذا عن طالبه المدرسه الثانويه المحجبه الرقيقه بنت الناس التى ظهرت على " الجزيرة" منذ أعوام لتقول إن جندياً إسرائيلياً أرغمها و زميلاتها على التعرى , ثم راح يمارس الاستمناء و هو يتسلى بعرض الستربتيز المجانى هذا ؟ .. قالتها و إنفجرت فى البكاء .....

نعم أنا أكره إسرائيل بقوة , و لا شئ يسرنى مثل ألمهم و دموعهم و صرخاتهم و دمهم يبلل الطرقات .. منظر طواقم الإسعاف و رجالها الملتحين بطاقيتهم المضحكة على مؤخرة الرأس كأن الواحد منهم استعار سروال طفلته الرضيعة , و هم يشدون الشريط الآصفر حول مكان الانفجار .. هل يوجد أجمل من هذا ؟ , و هى الهديه التى لم أتلقها إلا فى حرب 73 و مع العمليات الاستشهادية و مع الشيخ حسن نصر الله بعد ذلك .

ربما أنا من جيل منقرض إلى زوال , و ربما عجزت عن فهم العالم و تغيراته كما عجزت عن فهم معنى كلمات ( نفسنه) و ( تثبيت ) و ( حلاقة ) فى عصرنا هذا , لكنى لن أتغير .. و ما يسعدنى بحق هو أن هؤلاء المجانين يواصلون جرائمهم بشكل يفوق تحمل الجهاز العصبى لأى إنسان , بحيث يكسبون كل يوم اعداء جدداً بين الشباب و الأ جيال الصاعدة التى فتحت عيونها لترى المذابح . فى لحظه من اللحظات قبل الانتفاضه الثانيه نامت القضيه فعلاً , و صارت علاقة الشاب بالاسرائيلين هى سائحه عاريه الصدر رأها فى دهب أو شرم الشيخ , ثم تنبه الجميع إلى أن هذه السائحة تقتل و تذبح كذلك ... رهانى أن هذا المقت و كل هذه النيران لن تذهب سدى .. سوف تحرقهم يوماً ما بطريقة ما . نعم ... لا أجد عبارة أنهى بها مقالى أبلغ من : أنا باكره إسرائيل و أقولها لو أتسأل .. لو حتى أموت قتيلاً أو أخش المعتقل .. هييييييييييييه !



أحمد خالد توفيق / جريده الدستور / الثلاثاء11 مارس 2008

holy assassin
01-04-2008, 04:39 PM
(إذن هو الدلاى لاما)

تم نشره بجريدة الدستور يوم الثلاثاء 1 ابريل 2008




مصر بلد جميل ذو تاريخ عريق ، و قد حباها الله بشمس دافئه طيله العام ، مع هواء عليل و مناظر خلابة ، لهذا يقصدها السياح من أرجاء الآرض لينعموا برؤية أثارها العظيمه التى تنطق بعظمة التاريخ ، و ينعموا لاسباحة فى مياهها الجميلة أو يمارسوا رياضة الغطس فى البحر الاحمر حيث الشعاب المرجانية رائعة الجمال .


و قد قال ( مصطفى كامل ) : لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً ، لهذا يبكى السياح لآنهم ليسوا مصريين ، و يحقدون على مصر كثيراً . و لقد عاشت فى مصر شعوب كثيرة شربت من مائها و امتزجت بحضارتها ، لهذا نقول بحق إن مصر أم الدنيا ، و ..


أراك تتساءل : هل جن الرجل ؟ ... ما هذا الكلام الذى يكتبه ؟ . أقول لك إننى لم أجن لكنى أكتسبت الحكمة فجأة ، و قد تعلمت الكثير من رأس الذئب الطائر لو افترضنا جدلاً أن ( إبراهيم عيسى) ذئب . لقد قررت أن أكتب كلاماً يحقق لى المعادلة الصعبة : ألا أسجن أو اثير غضب أحد ممن نستعيذ بالله من غضبهم ، و فى الوقت نفسه يحفظ لى مكانى فى جريدة ( الدستور) . الحقيقة أن هناك حلولاً اسهل مثل أن أتفرغ للكتابة فى مجلة ( ميكى ) ، لكنهم لا ينشرون صورة الكاتب هناك ، و هذا سيقلل من مكانتى فى البيت كما تعلم .


بحثت كثيراً جداً عن قضية لا تثير حفيظة أولى الآمر .. مستحيل .. كل شئ زفت و هباب و لابد أن يغريك بإبداء الغضب فالتورط فى كلام يودى فى ستين داهية.. يبدو أن العرب الذين كانوا يكتبون فى وصف الأطلال و الناقة كانوا يفعلون هذا كى لا يسجنهم سادة القبيلة لو تكلموا عن شئ أخر.


لو تكلمت عن إسرائيل كالعادة فأنا أقع فى عش الدبابير ، خاصة إنى سأكتب و أنا أغلى تحت تأثير مقال الأستاذ ( هويدى ) الذى كشف عن قيامنا بتصدير الغاز الطبيعى النادر لإسرائيل بملاليم ، مع الالتزام بالتصدير حتى بعد نفاذه عندنا .. يعنى لن يكون عندنا غاز لكننا سنشترى غازاً بسعر باهظ نصدره لهم بملاليم ، و الأدهى ان دولة مثل أسبانيا ستأخذ الغاز منا بذات السعر الرخيص لتبيعه بسعر السوق .. ليه كده ؟ .. هل إسرائيل تبتزنا بشئ ما ؟ ... هل معها ( النيجاتيف ) على رأى استيفان روستى ؟ .. لماذا تبيعون حق ابنى فى الحياة ؟ .. أنا متنازل عن حقى لكن ماذا عنه هو ؟ . اماذا تصرون على ذبح الدجاجة و سرقه كل مسمار فى السفينة ؟.. . لماذا لا تبقونها طافية ؟ .. محمد على أراد حلب مصر لكنه قرر أن يسمنها و يحسن تغذيتها جيداً أولاً .. فلماذا لا تتعلمون منه ؟


هل أتكلم عن الرغيف و أزمته و الرجل النحيل البائس ممزق الثياب الذى رأيته يركض فى الشارع و هو يحتضن عشرة أرغفة فاز بها من الطابور ، حتى ليوشك على البكاء ، فقط لينقض عليه صبى على دراجة ليخطف منه رغيفين ؟.. هل هى المجاعة إذن ؟ .. هل نحن مقبلون على ذلك العصر الرهيب الذى قرأنا عنه ( أكل حمار الوالى ثم أكل جثة اللص الذى أكل حمار الوالى) ؟


هل تتكلم عن البطالة ؟.. عن المستقبل ؟.. عن أزمة التعليم ؟.. عن المرور ؟.. عن؟... عن ..؟..


هل تتكلم عن انتخابات المحليات ؟.. أنت تعرف جيداً أنك لم تعد تتابع حرفاً من هذه الأمور منذ 73 سنة. ربما تتكلم عن كرة القدم و تشتم فى الحضرى قليلاً ، لكن هذا مجال خطر .. قد تدوس على لغم لا تعرف أنه لغم ..


هل أتكلم عن قصة حب شبابى الفاشلة ؟.. محاسن التى تخلت عنى بعد ما تقدم لها مهراجا يملك طائرة بوينج و عدة جزر و قدم لها ماسة الكوهينور على سبيل الشبكة ؟.. بدا لى الأمر رقيعاً ، خاصة و أنا لا أكف عن ابتلاع أقراص ضغط الدم و لا توجد ثلاث شعرات سوداء متجاورة فى رأسى .. حب إيه زفت إيه ؟!! .. دعك من أن المقال قد يقع فى يد أم العيال ، و هذا يجعلنى فى موقف لا يقل خطورة عن غضب الكبار على .. على الأقل غضب الكبار معناه أن أموت مناضلاً ، أما غضب أم العيال فمعناه أن أموت نذلاً منكراً للنعمة.


وجدتها .. ! .. الحل العبقرى الوحيد هو أن اكتب عن مشكلة ( الدلاى لاما ) ... سوف أكتب عن الصين المفترية التى تمنع هذا الروحى البوذى من العودة إلى التبت حيث ينتظره المؤمنون . أمريكا قلقة و تطالب بتفسيرات من الصين .. جميل جداً.. هكذا انا عرفت اتجاه الريح و أين أكون آمنا .. سوف اشتم فى الصين للصبح . سوف أتضامن مع سكان التبت و أسود الصفحات من أجلهم . لم لا ؟.. لماذا نتوقع أن يتعاطف العالم معنا و لا نتعاطف مع العالم ؟.. أليس هذا أقرب للتحضر ؟


قلت لصديقى إننى سأحلق شعرى زيرو و أحمل كيساً خيشياً للشحاذة و أخرج حافى القدمين إلى الشارع كما رأيت الناشطين الأوروبيين يفعلون فى التلفزيون . قال لى إن هذا ليس عملاً عاقلاً لآن رجال الآمن سيعتبروننى مجنوناً أو شيئاً أخر لا أستطيع كتباته هنا، و لسوف يعتنون بى فعلاً . بتحب الدلاى لاما يا روح أمك ؟.. طيب تعال !..
هكذا عدلت عن هذه الفكرة و قررت أن أكتب مطالباً الصين بأن تعيد الدلاى لاما للتبت و أن تسمح بالحرية الدينية لسكان هذا البلد . حتى إننى بدأت تألف أغنية جديدة لشعبان عبد الرحيم تناسب طريقته فى مواكبة الأحداث كأنه نشرة التاسعة:
فيه ناس كتيرة ياما .. خلاص حتتنقط
ما تسيبوا الدلاى لاما .. يرجع للتبت..
يا صين رجعى جيشك .. و بلاش الافترا
خليكى فى فوانيسك .. و الشنط و الورق ... هيييييييه !


حقاً هى ليست أغنية جيدة لكنها تؤدى الغرض ، و أرجو ألا يتجاهلها شعبان كما تجاهل رائعتى السابقة ( قتلوا بناظير بوتو .. كل الحلوين بيموتوا .. ما تخلوا باكستان تختار لنفسها .. نعم . من زمان و لا حدش قدها .. هيييييييه ! ) ..


نعم ، صدقنى . .. بعد الحكم الصادر ضد إبراهيم عيسى و زكيبة القضايا التى تنتظره ، لم أعد طفلاً .. كنت بحاجة لهذا الدرس كى أعرف طريقى و كى أعرف عن أى شئ أكتب بالضبط . كنت أتعقد أننى ذكى بما يكفى و أننى يمكن أن أقتدى بالكاتب الشهير (.......) و الكاتب الشهير (........) الذين يكتبون بطريقة ( الحكومة سيئة و تضيع كل جهود مبارك للإصلاح ) ، و هى طريقة خبيثة ناجحة تضمن لك رضا الجميع ، و تحتفظ لك لدى رجل الشارع بصورة المناضل الذى لا يخشى فى الحق لومة لآئم . هذه مدرسة تختلف تماماً عن مدرسة عيسى و قنديل التى نعرفها حيث لا سقف من أى نوع ، لكن من الواضح أن سقف الحرية يهبط يوماً بعد يوم ، و أن هذه المدرسة الخبيثة نفسها خطرة..
إذن هو الدلاى لاما حتى إشعار آخر ...

د/احمد خالد توفيق 1أبريل 2008

............

العزيز: holy assassin
تمت إعادة الكلمات المحذوفة من المقال..وذلك لسوء فهم من قبلي لطريقة معاملة الأعمال الأدبية التي تحوي كلمات مخالفة لقوانين المنتدى بالنسبة للكتاب و الأعضاء على حد السواء..

أعتذر عن سوء الفهم الذي وقعت فيه للجميع.. :)

تحياتي لك

ruminant

holy assassin
04-04-2008, 03:04 PM
عن إيرفنج و درشوفتز و آخرين




لو أنك كنت مواطناً إسرائيلياً لبدت لك الحياة مجموعة من المفاجأت السارة ، مع كل صباح هناك من يحج إلى إسرائيل ليقدم فروض الطاعة و يعدهم بالحماية .. ربما إلى درجة البكاء .. ها هو ذا ماكين المرشح الجمهورى للرياسة يقصد إسرائيل ليبكى عند حائط المبكى ، ثم يزور الأردن ليعلن و هو هناك أنه سيجعل القدس عاصمة أبديه لإسرائيل .. قالها فى الإردن و لم يقلها فى إسرائيل ، و لسبب ما لم يضربه أحد بالجزمة، ميركل الألمانيه تزور إسرائيل لتعتذر للمرة المليون عما فعله هتلر ، و تؤكد أنها خادمة إسرائيل للآبد.

كل هذا التدليل و برغم ذلك تجد ثلاثة اعضاء فى الكنيست لا يعجبهم العجب .. يقول أحدهم فى تعصب : نحن لا نريد من ألمانيا سوى الغواصات و السلاح .. لكن ليس لها أن تأمل فى أى تطبيع ثقافى من أى نوع لآننا لن ننسى ما فعلوه بنا .. ثم كيف تجرؤ هذه المرأة على استعمال اللغه الألمانيه الكريهة فى مكان مقدس كالكنيست ؟!.

اليوم نتحدث عن رجلين أكاديميين غربيين كرس كل منهما قلمه و علمه للدفاع عن قضية .. الأول : كرس حياته لكى يثبت أن إسرائيل دولة سفاحين تتلاعب بذكريات الهولوكوست الغامضة كى تبتز العالم و بالتالى هو يسبح عكس التيار تماماً أما الثانى يتبنى عكس هذا الرأى و يغنى مع السرب .

الرجل الأول هو : المؤرخ البريطانى ديفيد إيرفنج الذى فتح فمه و قال إن الإمبراطور عار تماماً .. إنه عالم مهم و لكن سمعته زي الزفت فى العالم الغربى و تهمته يشيب لها الولدان و هى ( إنكار المحرقة) ، و هى تهمه تفوق الكفر بمراحل و تعى أنك معاد للسامية و ناز .

مشكلة الرجل هى أنه منذ كتابه الأول ( قصف درسدن ) أبدى ميلاً واضحاً إلى تبرئة النازيين من معظم ما لصق بهم من تهم ، و القى بالكثير من الجرائم على عاتق الحلفاء و خاصة تشرشل الذى اتهمه بأنه عنصرى قاس و كذوب . لهذا لم يكن هجومه على إسرائيل مفيداً لنا إلى هذا الحد لأنه صنف ضمن الفكر النازى الجديد .

أدرج الرجل ضمن قائمة ليست طويلة جداً من منكرى الهولوكوست و منهم جارودى و روبير فوريسون و إرنست زوندل الذى قال إيرفنج إن كتاباته جعلته يقتنع بعدم بعدم حدوث الهولوكوست .. كل التحاليل الكيمائية لم تثبت وجود غاز ( زيكلون ) فى الأماكن التى يزعم اليهود أنها كانت أفران غاز .. كيف يباد ستة ملايين يهودى و برغم هذا مازالت أعداد الناجين من المحرقة تتزايد كل يوم ؟.. ( لماذا ينقل النازيون اليهود من امستردام و بروكسل إلى معتقل أوشفيتز) الذى يبعد خمسمائة كيلومتر لمجرد حرقهم ، بينما كان يمكن عمل هذا خارج المدن التى أسروهم فيها ؟ ) .

و يقول كذلك : ( معسكر " أوشفيتز " كان مجرد معسكر عمل له ظروف سيئة ، و قد مات الكثيرون فيه كما مات سواهم طيلة سنوات الحرب ) .

عندما اتهمه الكتاب الغربيون بأنه ينكر الهولوكوست استشاط غضباً ، و قال : أنا لا أنكر الهولوكوست لسبب بسيط هو أنه لا يوجد شئ اسمه الهولوكوست أصلاً !..

ألقى تلك المحاضرات النارية فى النمسا هكذا صدرت أوامر اعتقال ضده . فى تلك السنوات ، كان إيرفنج قد صار الرجل غير المرغوب فيه رقم واحد لدى حشد من الدول ، و صار من المألوف أن تصدر الصحف و عليها صورته أثناء طرده من دولة تلو الأخرى . و صدر فى فرنسا أمر باستدعائه للمحاكمة طبقاً لقانون جيسو ( Loi Gayssot ) الذى يسمح لك بأن تشكك فى الله و فى المسيح لكن لا تشكك فى الهولوكوست ، لكن الرجل بالطبع لم يذهب لفرنسا . وسط هذا كله كان يواجه سيلاً من القضايا المرفوعة ضده حتى أنه اشهر إفلاسه عام 2002 .

لقد حارب الرجل كثيراً من أجل ما يؤمن به . كانت نهاية فراره هى النمسا عام 2005 ، حيث تم اعتقاله و محاكمته خلال أربعة أيام ، و قد وجد الرجل نفسه مضطراً للاعتذار و سحب كلامه و إبداء الندم الشديد قائلاً : ( الآن أعرف أن النازيين أحرقوا ملايين اليهود .. كنت مخطئاً عندما قلت أنه لا توجد غرف غاز .. أنا آسف يا حضرات ) .

لكن المحكة رأت أن ندمه غير أصيل و غير صادق .. و وصفه القاضى بعبارة قلما نسمعها فى المحاكمات : ( بأنه مثل عاهرة لم تغير أساليبها .. إن إيرفنج مزيف للتاريخ و ليس مؤرخاً و هو يعتبر أنه لم تكن هناك محرقة و لا غرف غاز .. ) هكذا صدر الحكم عليه بالسجن و قد أدهشه هذا لأنه كان واثقاً من البراءة ، كما قال و حجز تذكرة طائرة للندن . و قد عاد إلى آرائه القديمة بمجرد أن عرف أن الإنكار لا يجدى . لقد ربحت الرقابة فى العالم الغربى و أخرس مفكر جرؤ على إعلان رأيه .. كتب البعض على إستحياء عن حرية القول التى تمت مصادرتها فى مجتمع ديمقراطى ، لكن الجميع تنهد فى ارتياح لأن هذا المزعج قد خرس قليلاً .

الآن أقدم لكم بكل فخر وغداً أمريكياً اسمه ( آلان درشوفتز) .. هو محام شهير تخصص فى القضايا سيئة السمعة ، و أستاذ تاريخ فى هارفارد ، و له مظهر وديع مضحك يذكرك بالممثل الكوميدى ( وودى آلن ) . هذا الرجل متخصص فى الدفاع عن إسرائيل مهما فعلت و بشكل لا يمكن تصديقه .. كلما قامت إسرائيل بمذبحة ما كتب أنها تقف فى مقدمة عشر دول تعنى بحقوق الإنسان فى العالم . ( بأى معايير تظل إسرائيل صاحبة أنقى سجل حقوق إنسان وسط دول الشرق الأوسط ) .. للأسف نحن نعرف على الأقل أن هذه الجملة صحيحة .

لقد أصابته الأنتفاضة بإسهال مقالات و كتب ( التعبير ليس من عندى بل هو لكاتب أمريكى ) يدافع فيها محموماً عن إسرائيل ، و يلومها على شئ واحد هو رقتها الزائدة مع الفلسطينين .

عندما كتب أساتذه هارفارد عريضة تطالب بمنع تصدير السلاح لإسرائيل سخر منهم بقسوة و هدد بمقاضاة كل من يوقع على هذه القائمة . و هو صاحب المقال الشهير فى واشنطن ( واشنطن بوست ) الذى يطالب فيه إسرائيل بأن تدمر قرية فلسطينية مقابل أول خرق لوقف إطلاق النار . برغم كل شئ أثار هذا الاقتراح غضب الأمريكيين و كتب أحدهم : ( تدمير بيوت القارب الأبرياء لانتحارى .. هذا كلام يحرمه القانون الدولى .. لا فارق بين هذه السياسة و تدمير النازيين لبلدة " ليديس " الذى يدينه مستر درشوفتز .. هوفقط يقبل هذا عندما يتعلق الأمر باليهود !.. لكنه على كل حال أكثر رقة من كاتب آخر أسمه ( ناتان ليون ) طالبا بإعدام كل أقارب منفذ أى عملية استشهادية !..

كتب درشوفتز يؤيد بشدة قتل إسرائيل للمدنيين اللبنانيين فى حرب 2006 ، و كالعادة راح يعبث بيتعريف كلمة ( مدنى ) قائلاً إنها لفظة لا معنى لها مع الحروب الحديثة . نحتاج إلى لفظة جديدة تعرف المدنيين فى عصر يختلط فيه هؤلاء بالإرهابيين .

من المعروف فى الغرب أن درشوفتز يؤيد تعذيب الفلسطينيين بشدة ، و له نظرية خاصة اسمها ( القنبلة التى تتكتك ) لانتزاع الاعترافات . و يقولون إنه ليس ضد الإرهاب الذى يمارس ضد اليهود و اليهود فقط . .. و بالذات فى إسرائيل .

كتب جيمى كارتر عام 2006 كتابه الشهير ( فلسطين .. سلام و ليس تفرقة عنصرية ) الذى أدان فيه إسرائيل بشدة و عبارات واضحة ، حتى إنهم اتهموه بان كتابه منسوخ من المواقع الأصولية الإسلامية . قال كارتر إنه كتب كتبه ليوضح حقائق لا يفهمها الأمريكان ، حيث يتنافس طرفان على ذات الأرض لكن أحدهما يملك قوة عسكرية ساحقة ، ( ما من أحد فى امريكا مستعد لسماع وجهة نظر أخرى .. لا يوجد جدل حول أى شئ قد يحرج إسرائيل ..) .

طبعاً خرج درشوفتز يتحدى كارتر لمناظرة علنية ليخرسه ، لكن كارتر رفض فى إصرار لأنه غير مستعد للمناظرة مع شخص يجهل كل شئ عن الوضع فى الشرق الأوسط .

إن هذه الأصوات المعارضة موجودة و منها القس جيسى جاكسون الذى قال : إن الفلسطينيين صاروا زنوج الشرق الأوسط ، و منهم تشومسكى العظيم ، لكن تظل هذه الأصوات خافتة جداً عاجزة عن التأثير .. دعك من رأس الذئب الطائر المتمثل فى أمثال إيرفنج الذى يستمتع الآن بالسجن ثلاث سنوات .. ترى كم من اساتذة العالم الغربى يقبلون أن يشاركوه أكل العيش و الحلاوة النمساويين فى لومان فيينا ؟


د/ أحمد خالد توفيق - جريدة الدستور - الثلاثاء - 25مارس 2008

holy assassin
09-04-2008, 12:13 PM
مقاله ( عبقرية النفاق) لـ د/ أحمد خالد توفيق المنشورة فى جريدة الدستور أمس الثلاثاء 8/4/2008

على الرابط التالى هنــــــــــــــــــــــــــــا (http://www.4shared.com/file/43523339/8c57ae11/__online.html)




عبقريه النفاق




عندما قلت فى الأسبوع الماضى إننى قررت التفرغ للكتبة عن الدلاى لاما و حكومة الصين ، منعاً لانزلاق قدمى فى قول كلام يغضب الكبار، كتب لى أحد القراء : هناك حل ثالث و هو أن تنافق .. الأمر سهل ) .

فعلاً لم يخطر هذا ببالى من قبل لكن الفكرة بدت جديرة بالتأمل . النفاق ليس عملاً سهلاً أو هيناً بل هو يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التحكم فى العواطف و فى تعبيرات الوجه و انتقاء الكلمات . عندما يجلس الرجل مع امرأة يمقتها و يشمئز منها ، فإن خروج ابسط كلمة مجاملة تغدو كالولادة المتعسرة .. الكلمات لها ثقل الحجارة و وعورتها . فقط يجتاز هذا الاختبار الرجال الموهوبون الذين يستحقون لقب جيجولو أو ( Womanizer ) كما يقول الغربيون .. هذا رجل استطاع أن يتحكم فى لسانه و ملامح وجهه كى يخرج الكلمة الثقيلة . بعض هؤلاء العباقرة ينجح فى برمجة عواطفه كذلك بحيث يعتقد صادقاً أنه يحب هذه المرأة .. باختصار : النفاق ليس لعبة للهواة ، و من يحسن النفاق يستحق المكافأة التى سينالها من حظوة و نفوذ و ثراء ..

رأيت منذ أيام على إحد الفضائيات مناظرة ثلاثية على الهواء بين أحد قيادات الإخوان و أحد رؤساء التحرير الحكوميين و سيدة حقوقية أوروبية ، و كان الكلام عن المعجزة التى جعلت عشرة الاف مرشح إخوانى للمحليات يذوبون فلا يبقى منهم إلا بضعة عشرات ، سوف يذوبون بدورهم فلا يبقى منهم أحد . كانت تهمة ( تزوير الانتخابات قبل أن تبدأ ) قوية و كلام السيدة منطقياً و مرتباً .. هنا وضعت يدى على قلبى تعاطفاً مع رئيس التحرير الذى يواجه سيل الاتهامات هذا ، خاصة و قد انضم المذيع نفسه لمن يتهمون الحكومه المصرية بالقمع و التزوير . ماذا سيقول ؟.. هذا رجل يعتمد مستقبله و نفوذه و ثراء أولاده و فيللا الساحل الشمالى و زفاف البنت فى اكبر فنادق القاهرة على الكلمات التى سيقولها حالاً ..

لكن الرجل بدأ يتكلم .. قال إن هذا دليل على على أن الأحزاب المصرية – باستثناء الحزب الوطنى – لم تستطع تربية كوادر صالحة لخوض التجربة ، و لم تستطع خوض عملية الانتخاب الطبيعى الداروينى فالموت للفاشلين .. الخ . لم يكن مقتنعاً .. كانت عيناه تحويان عدم التصديق ، و من الواضح أنه غير سعيد بما يقول ، و الأسوأ أنه الرجل الذى يأتون به دوماً للدفاع عن الحكومة فى أى شئ تفعله .. وضع عصا فى مؤخرة المعتقلين .. تعرية الصحفيات .. تزوير الانتخابات .. إلخ . الغاز لإسرائيل .. إلخ .. هو دائماً هناك ليرد و ليبدى إعجابه بحكمة الحكومة و غباء المعارضين و قلة أدبهم .

لا شك فى أنه تنفس الصعداء عندما انتهى البرنامج و تخلص من هؤلاء المزعجين الثلاثة ، لكنى أسألك بصراحة : هل تستطيع أن تحل محله ؟ .. هل يمكنك أن تدافع بهذه الكفاءةعن شئ لا تؤمن به ؟ .. أنت لا تستطيع .. هو استطاع و لهذا استحق ان يظفر بكل ما ظفر به .. ربما أوصلته العبقرية فيما بعد إلى أن يقنع نفسه بأنه يحب الحكومة فعلاً ، لكن عينيه – كما قلت لك – كانتا تشيان بأنه لا يصدق حرفاً مما يقول .. إنه ما زال فى مرحلة مغالبة النفس قبل أن يصل إلى حالة السلام النهائى النيرفانا ، و عندها يحب الأخ الأكبر على رأى الخواجة أورويل ..

خناك خبر قرأته منذ أعوام – و لست متأكداً من صحته بصراحة – عن مذيع نيجيرى كان يقدم نشرة الأخبار ، و فجأة تصلب و صمت .. ثم قال للمشاهدين : ( معذرة .. لا أستطيع المضى فى قراءة هذه الأكاذيب ) .. هذا الخبر لو صح حدث فى نيجيريا ، أى أنه يحدث فى بلد أفريقى نام لا يتمتع بوجود هؤلاء العباقرة الموهوبين ...

كنت اقرأ ما يكتبه بعض رؤساء التحرير الحكوميين فى صفحة جريدة كاملة لابد انها تلتهم ثلاثة أو أربعة آلاف كلمة بلا مبالغة .. كلام لا اول له و لا آخر و لا رأس و لا ذيل .. أسأل نفسى عن الموهبة البشرية التى أوتيها هؤلاء لكتابة كل هذا الهراء .. الأمر قد تجاوز مجال الأحكام الأخلاقية إلى مجال الانبهار بقدرات بشرية خارقة ، مثل ذلك الساحر من جزر الكاريبى الذى رأيته يلتهم عشرين ضفدعة حية دون ان يموت أو يقئ .. ألا يستحق هذا المجهود مالاً و نفوذاً ؟

احياناً يكون دافع النفاق هو الخوف .. منذ أعوام قبل غزو العراق رأيت مناظرة على شاشة الجزيرة بين دبلوماسى كويتى هادئ الأعصاب قوى الحجة ، و رئيس تحرير جريدة عراقية متوتر عصبى .. الموضوع كان عن احتلال الكويت ، و قد كان العراقى يعرف أنه يدافع عن قضية باطلة اصلاً ، لكنه كان يداقع عن حياته أولاً .. و تساءلت عما كان سيقوله لو كانت الحلقة تذاع من بلد غير العراق .. أعتقد أنه كان سيقول ما يقوله الكويتى بالضبط ..

يذكر التاريخ للشاعر ابن هانى الأندلسى بيتين مدح بهما الخليفة الفاطمى المعز لدين الله قائلاً :

ما شئت لا ما شائت القدار ...
فاحكم فأنت الواحد القهار
و كأنما أنت النبى محمد ...
و كأنما أنصارك الأنصار !!

قيل إن هذين البيتين كانا شؤماً أدى لسقوط دولة المسلمين فى الأندلس ، لكن لا تنكر أن الرجل ضحى بالكثير جداً .. لقد قبل أن يستحق الاحتقار طيلة حياتة ، و أن يظل دارسو الأدب العربى يلعنونه ، و أن يصير اسمه نموذجاً للنفاق للأبد ، خاصة و الشعر لا يموت و سيظل يطاردك حتى يوم القيامة . و أعتقد أنه نال الكثير مقابل هذين البيتين .. هذا رجل قبل أن يصير غريباً وسط أهله و قومه و أن ينعزل و أن يعتبره عامة الناس كلباً ، و أن يربطوا بين صورته و صورة فتاة الليل المستندة على عامود نور و بين شفتيها المصبوغتين سيجارة .. قبل الرجل هذا كله فهل ترضون له أن يبيع نفسه مقابل لا شئ ؟ .

عم أحمد فؤاد نجم يقول ( نبدأ كلامنا عن الأشعار و اللى صانوها .. بيرم و خيرى و كل الناس و اللى صانوها . أما الكلاب عند الجواسيس و اللى خانوها .. فدول كلاب كلاب و ما يتذكروش هنا بالمرة .. الله الله يا بدوى جاب اليسرى ) . قد تلصق بعم نجم تهماً كثيرة لكن تهمة النفاق لن تكون بالتأكيد من بينها .

نعم .. للنفاق ناسه و قومه الموهوبون القادرون على أن يكونوا مكروهين . ليس لعبة للهواة و لا يمكن تعلمه فى سن متأخرة .. لهذا لا يبقى أمامى سوى المجال الذى أعتقد أننى يمكن أن أبرع فيه : لماذا لا تسمح الصين للدلاى لاما بالعودة للتبت ؟.. و لماذا لا تسحب جيوشها من هذا البلد الصغير التعس ؟... سؤال وجيه جداً أرجو أن اتلقى عند رداً أكثر وجاهة ..


د/ أحمد خالد توفيق - جريدة الدستور - الثلاثاء - 8 ابريل 2008

holy assassin
15-04-2008, 04:09 PM
فجر الموتى



كنت أطالع الصحف بنصف تركيز عندما وقعت عيناى على أخبار صارت معتادة عن متظاهرين وقوات أمن و إطارات مشتعلة و طلقات مطاطية و غلاء و ..و.. ثم قرأت أن المتظاهرين هاجموا قصر الرئاسة ! ...ماذا ؟ ... هنا فقط بدأت اشعر أن هناك خطأ ما .. تحفزت و اعتدلت فى جلستى لأقرأ الخبر بعناية أكثر ، فوجدت انه يتحدث عن هايتى .. هايتى التى لا نسمع عنها إلا فى أفلام الزومبى المرعبة حيث لا يكف الموتى عن حفر قبورهم للخروج ، تمر الآن برعب من نوع جديد شديد الواقعية .

هايتى التى تتقاسم جزيرة " هسبانيولا " مع جمهورية الدومينكان ضمن جزر الأنتيل .. واحدة من افقر دول بلاد العالم حيث يعيش الغالبية على دولارين فى اليوم ، بينما التعداد ثمانية ملايين .. هذا ما تقوله وكالات الأنباء التى ترى أن هذا الدخل منخفض جداً و أن هذا التعداد عال جداً ..

مظاهرات خبز عنيفة هناك بدأت منذ يوم الثلاثاء ، و أدت لمقتل اربعة أشخاص و مقتل عشرين ( بس كده ؟ ) . و بين الجرحى مصوران أصيبا بجروح طفيفة برصاص مطاطى أطلقه جنود حفظ السلام البرازيليون العاملون فى إطار بعثة إحلال الاستقرار فى هايتى . تتناقل وكالات الأنباء هذه الأخبار . مئات التاس أغلقوا الشوارع التى صارت السطوة فيها للدهماء و البلطجية ، و لم تستطع قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام عمل اى شئ .. المارد قد خرج من قمقمه كما هى العادة هذه الأيام . قوات الأمم المتحدة اضطرت لفتح النار على بعض المتظاهرين . سبب المظاهرات هو ارتفاع سعر الأغذية الذى جعل الحياة مستحيلة بالنسبة لكثيرين . فى عام واحد ارتفع سعر الأرز و الحبوب و الفاكهة 50% ..

يقول رئيس الوزراء الهايتى ( جاك إدوار الكسيس ) إن هذه المظاهرات تحركها قلة مدسوسة أو قلة يحركها تجار المخدرات و المهربون و أنصار الرئيس المخلوع ( جون براترن أريستيد ) . و يقول إنه رصد عشرة ملايين دولار للمعونات الغذائية و تخفيض ثمن الأسمدة و توفير فرص العمل .

الرئيس ( رينيه بريفال ) على شاشة التلفزيون لا يكف عن طلب الهدوء من المتظاهرين . الحكومة الأمريكية – كالعادة – تطالب مواطنيها بعدم الخروج للشوارع و البقاء على إتصال بالسفارة الأمريكية .. هذه هى العادة الأمريكية فى تخريب كل بلد ثم نصح الأمريكيين هناك بالحذر . الأخبار لا تتوقف ... جنود الأمم المتحدة يمنعون حشداً من المواطنين من اقتحام القصر الرئاسى فى العاصمة ( بور أو برينس ) . المتظاهرون حاولوا تحطيم بوابات القصر و هم يرددون : ( نحن جياع ! ) .. قبل أن تستخدم قوات الأمم المتحدة الرصاص المطاطى و الغازات المسيلة للدموع لتفرقتهم ، و يعتقد أن بريفال كان داخل القصر وقت هجوم المتظاهرين الجائعين عليه . و لا بد أنه واجه لحظات توتر قاسية جداً ما لم يكن قصره مزوداً بممر سرى تحت الأرض .

قال محللون إن الرئيس بريفال و المجتمع الدولى ركزا أكثر من اللازم على الاستقرار السياسى فى هايتى على حساب الاستقرار الاقتصادى ، و ناشد برنامج الأغذية العالمى التابع للأمم المتحدة المجتمع الدولى بأن يساعد فى توفير الغذاء الأساسى ، يقول أستاذ اقتصاد هايتى ( هناك العديد من الطلاب الجامعيين الذين لا ينتظرهم أى مستقبل زاهر . إنهم يأملون فى الحصول على بعض مصادر الدخل لتلبية الحاجات الماسة ).

التشابه فى الأحداث مرعب .. ذات السيناريو يتكرر حرفياً تقريباً فى مصر و إندونيسيا و الكاميرون و بوركينا فاسو و ساحل العاج و السنغال و موزمبيق .. صحيح أنك تشعر بغم شديد عندما تكتشف أن بلدك صار فى قائمة واحدة مع هذه البلدان المنسية ، كأن مصر عزيز قوم ذل ، بينام هى تتصدر قوائم من نوع انفلونزا الدجاج و التهاب الكبد سى .. لكنك تدرك بوضوح أن غضب الجياع واحد فى كل مكان .. تحطيم و حرق سيارات و هياج لا يمكن التحكم فيه .. حتى الإطارات المشتعلة يبدو أنها لغة دولية . لا يمكن اتهام قلة مدسوسة قى كل مرة و لا يمكن اتهام الشيويعيين ( أولاد الحرام ) كما فعل السادات ، و إنما بوسعك أن تتهم الجوع الذى يسلب الإنسان إنسانيته و امله فى الغد . لو جاع أطفالى فلا نزل القطر ، و ليذهب التعقل و الخوف للجحيم .

النقطة الثانية المهمة هى أن المشكلة عامة و تثير توجس العالم . جاك ضيوف مدير منظمة ( الفاو ) قال إن أسعار الغذاء فى العالم قد ارتفعت بنسبة 45 بالمائة خلال الأشهر التسعة الماضية و هناك نقص فعلى فى الأرز و القمح و الذرة . فى عام 2007 وحده قفزت أسعار منتجات الألبان حوالى 80 بالمائة و الحبوب 42 بالمائة . تتوالى الأخبار السيئة من تايلاند .. من الهند .. من الفلبين حيث تراقب القوات المسلحة بيع الحبوب ، و تهدد الحكومة بسجن من يقومون بإخفاء المواد الغذائية بغرض بيعها بأسعار أعلى فى المستقبل . كما نشرت باكستان حراساً لحماية مخازنها . مشكلة فى المكسيك مع ارتفاع ثمن الأرز .

هناك جو عام من التشاؤم مع توقعات أن يستمر الغلاء حتى عام 2015 ! .. طبعاً سيكون الفقراء قد شبعوا موتاً أو التهموا بعضهم . هناك متفائلون يرون أن الظروف القاسية التى حدثت مثل الجفاف فى استراليا . إلخ .. لن تتكرر .. سوف تزول و تتحسن الأمور ، لكن خبرتنا هى أن ما ارتفع يهبط فى كل شئ ما عدا الأسعار ، و لو جففوا المحيطات ليزرعوها قمحاً فلن ينخفض سعره .

الأزمة تعم العالم و علينا أن نفهم هذا و نواجهه بصراحة.. هناك دراسة ممتازة نشرتها جردية البديل فى 13 أبريل لمحمد عبد الحافظ على ، عضو المجلس المحلى بمحافظة القاهرة يقترح فيها خطة محكمة تضمن وصول 120 رغيفاً بلدياً و 33 رغيف فينو و كيلو مكرونة إلى كل مواطن فى القاهرة شهرياً ، مع تحقيق فرص عمل لعشرة آلاف شاب و توفير هامش ربح ممتاز . هل اهتم أحد بقراءة هذا الكلام ؟ .. لماذا لم يرد عليه أحد ؟ .. و لو كان الخبير مخطئاً فلماذا لم يظهروا لنا أخطاء هذه الدراسة و تخبطها ؟ الاحتمال الأول هو أنهم لا يقرأون .. و الاحتمال الثانى هو أن هناك من يريد استمرار هذا الوضع لاعتصار أكبر منفعة ممكنة ، و هى فرضية خاطئة طبعاً لن تجلب سوى المزيد من الطوب و إطارات السيارات المشتعلة . المشكلة الحقيقة تأتى عندما يكون خالقو السوق السوداء هم المسئولون عن منعها .. أن يكون الحل الأمنى هو الوحيد و يصمت صوت الاقتصاد ليعلو صوت القنابل المسيلة للدموع و الذخيرة الحية أحياناً .. أن يتم اتهام كل من يتساءل بأنه قلة مندسة منحرفة .. أن تواجه المشكله باعتقال جورج إسحق و محمد عبد القدوس .

كما قلت سابقاً ترتبط هايتى فى ذهنى بالزومبى ... الموتى الجياع الذين تآكل لحمهم و تمزقت ثيابهم و امتلأت جلودهم بالبثور ، يخرجون من القبور ليلتهموا الأحياء .. إنه ( فجر الموتى ) كما يدعى الفيلم الشهير .. المصادفة الغريبة أنه من هايتى بالذات تخرج مظاهرات الجياع لتنفذ السيناريو ذاته ...

إن الزومبى خارجون من قبورهم .. إنهم قادمون ليأكلونا ما لم نكن قد صرنا منهم فى المرة القادمة .. فماذا أعددنا لهم غير القنابل المسيلة للدموع و الرصاصات المطاطية ؟


د/ أحمد خالد توفيق- الدستور- الثلاثاء- 15 ابريل 2008

================================================== ===
شكراً لكل من كتب كلمه شكر لنا هنا فى الموضوع ..و أعذرونى على الاخطاء الطباعيه التى تكون فى المقالات أحياناً.

holy assassin
23-04-2008, 09:06 PM
البحث عن جسر



منذ عام أو عامين طلبت المدرسة من إبنى جسراً .. نعم . انت لم تخطئ قراءة الكلمة .. طلبوا منه نموذج جسر كشرط للنجاح فى مادة المجالات . اقترح المدرس – أو المستر حسب التعديل الأخير – على الطلاب أن يبتاعوا الجسر من مرسم معين حدده لهم بالاسم و العنوان . و قد حاولت أن أصنع الشئ بنفسى فى البيت لكن الولد – قليل الأدب – أبدى اشمئزازه من النتيجة و قال إن هذا ليس نموذج جسر ، بل نموذج ضفدعة مصابة بسرطان المثانة . هكذا اتجهت إلى المرسم المذكور لأجد رجلاً أصلع راضياً عن نفسه ، يجلس وسط فوضى عارمة و يدخن بكثافة ، و حوله عشرات الجسور التى صنعها من الورق المقوى و الإسفنج الرغوى ، و عرفت أن ثمن الجسر خمسة و عشرون جنيهاً دفعتها فى صمت . و فى يوم الامتحان كان الشارع يعج بالطلبة الذين يحمل كل منهم جسراً لا يختلف عن الذى فى يد ابنى ، و خطر لى مدى سخف هذه الخدعة .. المدرس يعلم جيداً أن كل هولاء التلاميذ ابتاعوا جسورهم من المكان ذاته ، و يعرف أنه ما من واحد منهم ضيع وقته فى نهايه العام فى صنع جسر معقد التركيب يفوق قدراته كطفل .

فى العام التالى عرفت من ابنة خاله التى تصغره بعام أن المدرسة طلبت منها جسراً . هذه المرة الجسر يباع فى المدرسة بعشرة جنيهات لمن يرغب !.. هكذا اتضحت معالم اللعبة .. كل الجسور التى سلمها التلاميذ العام الماضى تباع هذا العام بسعر أرخص ، و يمكننى بسهولة تخيل مدرس المجالات يدخن مع الرجل الأصلع الراضى عن نفسه و هما يقتسمان دخل هذه العملية ( تذكر عدد الطلاب المهول ) !.. و على الأرجح سوف يباع هذا الجسر العام التالى بخمسة جنيهات ..

ابنتى مشكلة اخرى لأن مدرستها لا تكف عن طلب هذا الشئ المدعو ( نشاطات ) .. كأنها لا تفعل أى شئ فى البيت سوى تصميم هذه النشاطات ، و فى النهاية هم يخدعون أنفسهم أو يخدعوننا لا أدرى ، لأنهم بالقطع يعرفون أن أولياء الأمور هم اللذين يسهرون ليلاً يصنعون هذه الأشياء ، أو هم يتوجهون إلى أقرب مكتب لتصميم الوسائل التعليمية لدفع مبلغ لا يقل عن خمسين جنيهاً شهرياً لشراء وسائل جاهزة .. التلميذ لم يتعلم شيئاً جديداً .. الأبوان أضاعا وقتاً و مالاً .. لم يستفد سوى المدرس الذى يهمه إرضاء المفتش جداً ، و صاحب المكتب طبعاً .. و سط هذه الأزمات الاقتصادية الطاحنة ، و الجو المكفهر المنذر بمجاعة أو ما هو أقرب لها ، تشعر بأن أمراً غير مكتوب صدر لكل واحد ممن تقابلهم : تصرف .. فلينج كل بنفسه ..

هكذا يلعب الكل على الكل و يحاول الكل خداع الكل . أنت تعرف أن فاتورة الكهرباء مبالغ فيها ، و كل شهر يمر موظف يتفقد عداد المياه فى بيتى و يقرأ المكتوب ، ثم تأتى الفاتورة لتجد رقماً ثايتاً باهظاً مع ملحوظة من مرفق المياه إن العداد معطل .. أقسم بالله أنه ليس معطلاً و لو كان كذلك فلماذا يأتى الموظف أصلاً و ما الذى يدونه فى كل مرة ؟ .. إنهم يسرقونك فماذا تفعل ؟..

تذهب لهذه المصلحة أو تلك ليكتشف الموظف أن ورقك ناقص و الأختام غير واضحة ، فتغادر المكان محنقاً لتبدأ رحلة أوديسيوس من جديد ، لكنك على الباب تقابل دوماً ذلك الأخ الذى يعرض عليك إنهاء أوراقك مقابل عشرين جنيهاً .. معه موتوسيكل يصر على تسميته ( مكنة) دائماً و هو ينطلق به ليقوم بعمل غامض ما ، و المهم أنك تأخذ أوراقك كاملة خلال نصف ساعة .. طبعاً من الواضح أنه يقتسم المبلغ مع الموظف الذى رفض أوراقك .. جربت هذا الموقف فى أكثر من مكان ، حتى إننى صرت أبحث عن ذلك الرجل فى لهفة لينهى آلامى . ذات مرة قابلت احدهم فى هيئة الكهرباء فصحت فى فرحة : ( أنت فين يا عم ؟ )

إن كانت الرشوة قد صارت ديناً فلماذا تمارس طقوسه بشكل سرى ؟ .. لماذا لا تنتشر المعابد فى كل مكان ؟ . لماذا لا يضعون لافتة تقول : ( على السادة الراغبين فى دفع الرشوة أن يتجهوا إلى مكتب الرشاوى جوار دورة المياه مع الشكر ) ؟ . المشكلة هى إننى لست خبيراً فى هذه الأمور و لا أعرف الموظف المرتشى من الشريف . واحد من رفاقى قال لأحد موظفى المرور بلهجة الخبير الذى فهم الحياة : ( أتوص بينا و بعدين احنا مع بعض .. هه؟ ) . هنا ارتفعت جاعورة الموظف ترج البناية رجاً ( مع بعض يعنى إيه يا أستاذ ؟

هذه هى المشكلة .. مادامت محاربة الرشوة مستحيلة فلماذا لا يسهلون الأمور على من لا يعرفون كيف يرشون ؟.. و ماذا عن التعساء الذين لا يعرفون كيف يرتشون ؟.. أذكر كاريكاتوريا قديماً جداً للرائع حجازى يمثل موظفاً مكفهراً مقطب الجبين ، و مواطن يقول همساً لصاحبه : ( عصبى و بيكره نفسه و بيعامل الجمهور معاملة زى الزفت ، لأنه شريف و مش بياخد رشوة ! )

هناك لكل شئ فى مصر باب خلفى .. المهم أن تدفع .. و استطيع أن أرجمهم بحجر إلى هذا الحد لأن الحياة قد صارت مستحيلة على شريحة لا بأس بها من الناس ، و حتى مبلغ الألف جنيه شهرياً الذى كنا نعتبره الحد الأدنى لأمان الشاب صار بلا قيمة تقريباً . معنى هذا أن هولاء لا يجدون قوت يومهم ، لكنهم لم يخرجوا على الناس شاهرين سيوفهم بل هم يمدون أيديهم من تحت المنضدة .. لقد اختلط مفهوم الصواب و الخطأ تماماً ، حتى أننى أتساءل عن الصورة التى كان يوسف إدريس سيكتب بها رواية ( العيب ) لو كتبها اليوم .

هناك باب خلفى للتفوق الدراسى اسمه ( الآى جى ) حيث تدفع مبالغ فلكية من المال لتضمن لابنك مكاناً فى كلية محترمة . عندما يحصل الجميع على 120% فضياع درجة واحدة من ابنك فى الامتحان معناه أن مستقبله قد انتهى . الكل سعيد و الكل يربح من هذا النظام الدراسى ما عادا الأسرة طبعاً .. هناك سائق سيارة أجرة فى طنطا قال لى فى حماس : ( ربنا يخليلنا الآى جى يا باشمهندز ) . لأنه يوصل عشرات الطلاب إلى القاهرة عدة مرات أسبوعياً .. هناك دروس خصوصية كذلك .. و فى النهاية يكتشف الأب القادر أنه لم يعد قادراً إلى هذا الحد . لكنه الباب الخلفى كالعادة .. هكذا يجد الأب أن عليه أن يسرق من مكان ما .. غالباً يسرق من مدرسى الآى جى أو سائقى سيارات الأجرة ..

حدثنى ابنى عن نظام تمهيدى جديد للآى جى يبدأ من الصف الثالث الإعدادى ، و اقترح أن ادرس الموضوع بجدية !... لقد وجد هولاء القوم انهم لم يعتصروا ما يكفى من مال ، فقرروا أن يغروا الناس بوجود باب خلفى آخر .. فى عملية التعليم بالذات تلعب عدة عوامل ، منها الخوف من ألا تكون قد قدمت لابنك كل ما يجب .. الخوف من أن يسبقه رفاقه .. من هذه العوامل أنك تعرف أن المستقبل مدلهم أصلاً و يجب أن تعطى الطفل كل سلاح ممكن .. منها الفشخرة و الرغبة فى التميز .. المهم أنك تحتاج لقوة شخصية كاسحة كى تتجاهل هذا الأختراع الجديد . هذه لعبة لا تخيب أبداً ..

سوف أبحث عن شئ اختلسه أو أسرقه ، فإذا وجدت فلسوف أقدم أوراق الولد فى هذا النظام التعليمى الجديد ، و إن لم أجد فلسوف أكتفى بصفعه مع تذكيره بأن أبى لم يترك لى سوى اسمه و التربية الحسنة ، تلك التركة التى اشعر بأننى موشك على فقدها لو استمرت الأمور كما هى !


د/أحمد خالد توفيق - جريدة الدستور - الثلاثاء - 22 ابريل 2008

زهره حبيسه
26-04-2008, 04:43 AM
(نهاية التاريخ).. 300 صفحة من السخف!

http://www.boswtol.com/aldiwan/images/193/kasakees_08.jpg
"سيء لدرجة أنه ممتع".. هذا ما يقوله الغربيون عن الأشياء السيئة، وهو قول مقنع إلى حد ما. لابد أن الأمر لا يخلو من لذة ماسوشية ما ورغبة في عقاب النفس، هي ذات الرغبة التي جعلت الطبقة الوسطى تهيم حباً بـ(شعبان عبد الرحيم) و (اللمبي)، فكلاهما سيء لدرجة الإمتاع.

أقدم هنا سجل شرف من نوع فريد.. الكتب التي أرى أن رداءتها تصل لدرجة العبقرية الملهمة. طبعاً –لأسباب تتعلق بالمحامين والإفلاس والإنذارات على أيدى المحضرين– لن نتناول هنا إلا عدداً محدوداً من الأعمال العربية الرديئة، وهذا لا يدل على قلتها.
نهاية التاريـخ
بقلم فرانسيس فوكوياما
المبرر الوحيد لتحمّل هذا الكتاب هو الترجمة الممتازة للدكتور "حسين أحمد أمين"، فيما عدا ذلك يكون عليك أن تتحمل ثلاثمائة صفحة ونيّفًا من السخف، يحاول إقناعك بأن التاريخ قد انتهى والحمد لله بانتصار النموذج الرأسمالي الذي برهن على أنه الأقوى والأفضل. ولا عجب.. إن المؤلف –ذا الأصل الياباني- هو المبشر الأهم بعصر العولمة، ونظرية نهاية التاريخ أشهر من نار على علم..

على كل حال هناك مثلث أسماء يسيطر على الفكر الغربي اليوم: (أسبوزيتو) الذي صار مقترنًا بفكرة الخطر الإسلامي الذي جاء ليحل محل الخطر الشيوعي. و(هانتينجتون) الذي صار مقترنًا بصراع الحضارات.. و(فوكوياما) الذي صار مقترنًا بنهاية التاريخ.. وكلهم من الأسماء اللامعة في مؤسسات صنع القرار الأمريكية التي يطلقون عليها (خزانات التفكير Think Tanks) وهم يتقاضون رواتب جديرة بأن تكرههم فعلاً إن لم تكن عندك أسباب أخرى.. من الأسماء العولمية المهمة كذلك الصحفي الأمريكي اليهودي "توماس فريدمان" الذي لمع في الشرق الأوسط كوجه جذاب لبق قادر على شرح العولمة بوضوح، والذي وصف وظيفته بأنها (أهم وظيفة في الكون).. وله كتاب مهم جدًا اسمه (السيارة اللكساس وشجرة الزيتون)، لكننا ندرك على الفور أن "فريدمان" يبشر بدولة واحدة عظيمة ديمقراطية مسالمة وديعة اسمها (إسرائيل)..

ما يحاول "فوكوياما" أن يبشر به في كتاباته هو أن العولمة شيء لا مفر منه.. فلا تحاول أن تقاوم.. والعولمة هي الأمركة بالضبط.. إذن الأمركة شيء لا مفر منه.. تقول لا بأس إذا كان هذا يقرب بين ثقافات العالم، لكن "فوكوياما" يؤمن بأن اتجاه تبادل الثقافات يجب أن يكون في اتجاه واحد.. من أمريكا إلى الصين واليابان والعرب وسواهم.. أما هؤلاء فلا يوجد لديهم شيء يمكن للأمريكان أن يتعلموه..

يبدأ الكتاب باستعراض الأنظمة الأخرى التي انهارت سواء كانت شيوعية أو شمولية، وعلى رأسها النظام الشيوعي والذي حسب الغرب أنه قادر على البقاء.. ويعطي مثالأً ساخرًا هو أن الشيوعيين قضوا الوقت في أكل الأناناس على سطح القمر دون أن يكون لديهم ما يكفي من طماطم على الأرض. إن الدول الآسيوية التي اتجهت إلى الرأسمالية نجحت في إحراز نجاح اقتصادي شامل، دعا الصين إلى مراجعة إيمانها المطلق بالشيوعية. وفي النهاية قال "يلتسين" في خطبة له عام 1991 إن بلاده تعسة الحظ لأنهم بدءوا تجربة الماركسية فيها بدلاً من أن يجربوها في بلد أفريقي ما.

يرى المؤلف أن دول العالم الثالث هي التي حققت للشيوعية الحياة كل هذا الوقت، وكلما فشلت ألقت باللوم على الاستعمار أولاً ثم على الاستعمار الجديد ثم على الشركات متعددة الجنسيات ثم على التبعية (كأن هذه ليست حقائق)..

بعد هذا يستعرض الكثير من آراء "أفلاطون"، و"كانط"، و"روسو" و"هيجل"، و"نيتشه" في استعراض عضلات مرهق الهدف منه تحطيمك تمامًا وجعلك عاجزًا عن الاعتراض.. ويؤمن "فوكوياما" أن خاتم البشر الذي تتحدث عنه الأديان والفلسفات ليس سوى المواطن العادي المتمتع بالديمقراطية الليبرالية (الأمريكية).. وبالوصول إليه تنتهي الحروب والمنازعات الإقليمية والاضطرابات.. و(لن تهب علينا عواصف دين جديد من وسط رمال الصحراء).. وهو تلميح رقيق إلى دين الجزيرة العربية.. حتى خاتم البشر كما تراه المسيحية، وهو قدرة الفقراء على أن يكونوا قوة إذا اتحدوا، يراه "فوكوياما" نوعًا من تحويل الأفراد إلى قطيع.. وهذه هي الشمولية ذاتها؛ لأنها تحول المجتمع إلى أفراد متشابهين ومن يختلف منهم عن الآخرين يكن مصيره مستشفى المجاذيب..

يقول "فوكوياما": "إن من ينظر للتاريخ ير عربات متفرقة تذهب كل عربة في اتجاه.. لكن التاريخ في النهاية سيثبت أنه ليس مجنونًا.. سوف ترى كل العربات تدخل المدينة، عندها تدرك أنه كانت هناك رحلة ما ولهدف محدد.. هكذا مهما تفرقت السبل فالخاتمة هي نمط الديمقراطية الغربي عمومًا والأمريكي تحديدًا.."
كتاب اليوم يسبب لك عواطف متناقضة: فهو من الأهمية بحيث لا تستطيع أن تتجاهله بقلب مستريح، وإنني لأنصح كل من يهتم بالاقتصاد والعلوم السياسية أن يدرسه بعناية، وفي الوقت نفسه تحاول جاهدًا إرضاء لضميرك أن تقرأه بعناية لكنك تفشل؛ لأنك تشعر طيلة الوقت بأنه يدافع عن قضية مستحيلة، ولأنه مرهق ممل إلى حد لا يطاق. هناك مقال قديم كتبه "فوكوياما" يلخص القضية، وفي رأيي أنه كان أوفى وأكثر إحكامًا، لكن الرجل شعر بأنه مضطر إلى كتابة كتاب كامل هو الماثل بين يديك، ويجب أن تشكرني على أنني أعفيك من عذاب قراءته.. لا مانع طبعًا من إرسال مساعدة مالية صغيرة كتعبير معنوي عن هذا الامتنان

د.احمد خالد توفيق:)

http://www.boswtol.com/aldiwan/nkasakees_193_03.html

زهره حبيسه
02-05-2008, 02:57 AM
فن القصة القصيرة.. اعرف فنون الطبخة!



د.أحمد خالد توفيق:)
http://www.boswtol.com/aldiwan/images/194/kasakes_04.jpg




اختلف كثيرون حول الدكتور "رشاد رشدي".. والسبب أن اسمه يذكر دائماً -مع د. "محمد عناني" و(يوسف السباعي) وغيرهما- مرتبطاً بالثورة المضادة التي قام بها "السادات"؛ لتصفية كُتّاب الستينات. إن كُتّاب الستينات رمز مهم من رموز الناصرية، وقد كانت لهم السيطرة على الحركة الأدبية حتى أطيح بهم في حركة التصحيح التي يختلف الجميع تقريباً حول قيمتها وصدقها. وأنا ناصري أقرب إلى التعصب، لكن هذا الكتاب وقع في يدي في سن لم أكن أعرف فيها تلك الخلفيات؛ مما جعلني أقرؤه بتجرد من حيث قيمته ككتاب له وجوده المستقل المتفرد، وبلا أية تحيزات أيديولوجية مسبقة. في ذات السن تقريباً شاهدت أوبرا (عيون بهية) التي كتبها الدكتور "رشاد رشدي"، وبرغم حداثة سني فقد أدركت أنها سخيفة.
لكن هذا الكتاب كان عصا الساحر التي أوقعتني في هوى القصة القصيرة، وجعلتني أعرف بالضبط عناصر ومقادير الطبخة التي تصنع هذا الفن الساحر. أنا مدين لهذا الأستاذ العظيم بطريقته السهلة المرنة التي ظلت تعيش داخلي طويلاً. هذا -إذن- من الكتب التي أحسبها قد وجدت طريقها إلى خلاياي لتقيم هنالك للأبد.
اسم الكتاب هو (فن القصة القصيرة). الطبعة الأولى صدرت عام 1959 عن مكتبة الأنجلو المصرية شارع "محمد فريد"، وتتكون من 192 صفحة. لطباعته ذات الطابع الرخيص العملي المغري بالقراءة والمميز لكتب الستينات، كطابع أغاني "أم كلثوم" القديمة مقارنة بأغاني "إليسا" المبهرجة بالتكنولوجيا. والسعر الذي ابتاعه أبي به مكتوب على الغلاف: ثلاثون قرشاً، وهو ثمن باهظ طبعاً بمقاييس تلك الأيام.
منذ اللحظة الأولى يخبرنا الكتاب بحقيقة صادمة: القصة القصيرة ليست بالضرورة قصيرة في عدد الصفحات.. هناك روايات كتبت في خمس صفحات، وقصص قصيرة كتبت في مائة صفحة. ثم يحكي لك نبذة مهمة عن تاريخ نشأة هذا الفن منذ القرن الرابع عشر في أوروبا في شكل فني اسمه (الفاشيتيا). ثم ظهور الأب الحقيقي للقصة القصيرة "جيوفاني بوكاتشيو" بقصصه (الديكاميرون) التي تحكي عن رجال ونساء التقوا في قصر أحدهم أثناء انتشار وباء الطاعون، وقرروا أن يحكوا قصصاً قصيرة اسمها (النوفلا) لتزجية الوقت. وهي قصص تتحدث في الغالب عن الخيانات الزوجية ونهاياتها هي الموت أو الزواج.
ثم جاء العملاق الفرنسي "موباسان" في القرن التاسع عشر وشعاره هو: لنحْكِ قصصاً عن أشخاص عاديين في عالم عادي. وكان يرى أن المهم هو (اقتناص اللحظة).. لحظة قصيرة عابرة في حياة أناس عاديين تصلح لتكون قصة، أما إذا أردت أن تعرف كل شيء عن الأبطال بعد هذه اللحظة فسبيلك هو الرواية لا القصة القصيرة يا صاحبي. غصب
نأتي الآن إلى تشريح القصة ذاتها:
أولاً: يجب أن تقص القصةُ أخباراً.. ويجب أن ترتبط هذه الأخبار ببعضها.. ويجب أن يكون للخبر بداية ووسط ونهاية.. هذه هي القواعد الأرسطوطالية منذ قديم الأزل. أية محاولة مفتعلة لربط أخبار غير مترابطة منطقياً هو ما أطلق عليه أرسطو اسم (القصة الخبرية)..ومكانها سلة مهملات القصص.
وهنا نلاحظ مزية مهمة في الكتاب هي أنه لا يكف عن تقديم قصص قصيرة كاملة كأمثلة. وهي أمثلة واضحة جدّاً وغير متعالية. ثم يخبرنا الكاتب بالحقيقة التي لم أنسها قط: القصة الجيدة لا يمكن تلخيصها.. أما القصة الخبرية فيسهل ذلك؛ لأنها لا تزيد على مجموعة أخبار. وهي تكتفي بتقديم الفعل دون الفاعل ولا المفعول به، ولتوضيح مثاله يقدم لنا قصة (في ضوء القمر) وهي تحفة من تحف الفرنسي (جي دي موباسان).
بعد هذا ينتقل د. "رشاد" إلى توضيح أن القصة القصيرة يجب أن يكون لها معنى يرمي له الكاتب في النهاية. يجب أن يحاول أن يقول شيئاً ما ..كل تفاصيل القصة ترمي إلى نقطة واحدة هي التي كتبت القصة من أجلها.. هذه هي (نقطة التنوير).
وكما هي العادة لا يتركنا حائرين نتظاهر بالفهم، بل يقدم لنا قصة قصيرة مفككة لـ"سومرست موم" وقصة قصيرة محكمة لها نقطة تنوير واضحة لـ"كاترين مانسفيلد". أحياناً ما أشعر أنهم يتحاملون على (موم) لكن القصة التي أوردها د. "رشاد" في هذا المثال فاضحة فعلاً. لقد تهاوى سيد القصة البريطاني الوقور أمام ضربة صائبة من الفتاة الرقيقة المريضة "كاترين مانسفيلد".
من دون نقطة التنوير تظل الخيوط كلها معلقة ولا معنى لها .. ثم تأتي نقطة التنوير فنفهم: رباه!... هذا ما كان يريد قوله منذ البداية !.. ونقطة التنوير هي أهم ما يميز القصة القصيرة عن الرواية. الرواية تقوم على التجميع وتأخذ راحتها في الوصف، أما القصة القصيرة فمهمتها التركيز. الرواية تتابع النهر من النبع إلى المصب، بينما القصة القصيرة تهتم بدوامة واحدة على صفحة مياهه.
يقدم لنا من جديد نموذجاً أقوى للكاتب الإيطالي "لويجي برانديللو". ثم يأتي د. "رشاد" لنصيحة أخرى بالغة الأهمية وينساها الجميع (بمن فيهم أنا): لا تصف شيئاً لمجرد الوصف، بل لأن بطلك يراه كذا ولأن هذا مهم في السياق. لا يعنينا أن تكون الفتاة جميلة إلا إذا رآها البطل كذلك، وكان لهذا دور في الأحداث..
ويهاجم الكاتب الأدباء الذين يستعملون الفصحى في حوار الشخصيات؛ لأن هذا يبعد القصة عن الواقعية .. ويرى -ولا أوافقه على الإطلاق- أن استعمال الفصحى في الحوار جزء من تراثنا المتشبث بالجوهر اللغوي.
النصيحة التالية هي: لا تقرر شيئاً يفرض على الشخصيات ... لا تقل إن "إيفان" كان تعساً بل دع القارئ يعرف هذا من كلماته وأفعاله. ويورد لنا قصة (شقاء) لتشيكوف. تلك القصة سعيدة الحظ التي تجدها في كل كتب دراسات القصة القصيرة تقريباً.
على كل حال سوف نلاحظ في الكتاب أن (سومرست موم) ارتكب كل أنواع الأخطاء تقريباً، برغم هذا أجده مسلياً جدّاً، لذا كونت نظريتي الخاصة عن الموضوع: يمكنك أن تكتب عملاً شائقاً برغم أنك تخالف الكثير من القواعد.
كتاب (فن القصة القصيرة) كتاب شديد الأهمية والإمتاع، ولا أعرف إن كان العثور عليه ممكناً اليوم أم لا، وهل قدمته مكتبة الأسرة أم لا. لكني أنصحك بأن تقتنيه فوراً إذا وجدته في أي مكان.


http://www.boswtol.com/aldiwan/nkasakees_194_05.html

د.احمد خالد توفيق:)






-----------
المقال دا انا قريته قبل كدة في روايتى من زمااااااا:yupy:ااااان.

محمد توفيق
20-05-2008, 11:12 PM
مولد ستنا اسرائيل (http://www.dostor.org/?q=node/2388)


د. احمد خالد توفيق


جلست لمتابعة حديث محمد حسنين هيكل بمناسبة ستين عامًا علي النكبة علي قناة الجزيرة مع مذيع الجزيرة «محمد كريشان»، فاحتج ابني - لأنه يرغب في متابعة فيلم لـ«جاكي شان» علي قناة أخري وقال: «يعني ح يقول إيه جديد ؟.. كل حاجة زي الزفت.. والجغرافيا والتاريخ .. إلخ».
شخطت في الولد كي يذهب ليذاكر، لكنني كتمت ابتسامة لأنه بالفعل كلام لا يخلو من المنطق.. منذ أعوام نقابل هيكل ليناقش الوضع الحالي، وفي كل مرة نكتشف أن الوضع غاية في السوء ونحسب أننا ضربنا القاع، لكن يتضح في اللقاء التالي أن هناك قاعًا آخر أسوأ.. في اللقاء السابق لم يكن هناك قتال في الشوارع في لبنان ولا السودان، والله وحده يعلم ما سوف يحدث في اللقاء التالي.

بالطبع يقول هيكل هذا لكنه يقوله «بشياكة»، مع الكثير من «وهو بالجغرافيا ضروري.. الخ.التاريخ حتمي» و«أنا مستعد أفهم ده..» و«فشلنا في تحويل الذكري إلي ذاكرة .. فشلنا في فهم حقائق القوة علي الأرض..» .. إلخ .. مع مشكلة تضايقني مع هيكل عندما يتكلم لا عندما يكتب، هي كثرة الخيوط والأفكار التي تذيب بعضها.. يعني لا يمكنك أن تعرف أبدًا السبب الثاني بعد ذكر الأول، لأنه سينتقل إلي ذكر أسماء أشخاص تورطوا في......... أنا عاوز أقول... ثم يتوقف لأنه تذكر موقفًا طريفاً حدث له وهو في لندن مع السائق روبين .. ثم لا يكمل القصة لأنه تذكر بيتًا من الشعر يقول .وهكذا. وهكذا ..
والسؤال هو: ما الذي نستطيع عمله ؟.. نعم كنا سيئين وفشلنا في تحويل الذكري إلي ذاكرة، فمن أين نبدأ وكيف نصحح ؟.. هل من شيء يمكن لرجل الشارع عمله غير شراء سم فئران من الصيدلية وشربه ؟

رأيي دومًا هو أنه من السذاجة أن نتوقع من الولايات المتحدة أي شيء فيما يتعلق بقضية فلسطين، أو - علي الأقل - أي شيء ليس ضدنا. يمكن تسهيل الأمر بأن نتخيل أن إسرائيل مثل فيرجينيا أو تكساس .. لو استغنت الولايات المتحدة عن تكساس أو فيرجينيا لأمكننا أن نتوقع منها شيئًا من الحيادية تجاه إسرائيل. ولهذا أغتاظ في كل مرة يظهر ذلك المتحدث الغاضب أو ذاك علي شاشة التليفزيون ليقول: «يا نهار اسود !... لقد اتضح أن الولايات المتحدة ليست شريكًا حياديًا.. الكيل بمكيالين .. الخ ...». ماذا تتوقع يا أخي وكم مرة يجب أن نُصفع علي قفانا لنفهم أخيرًا ؟.. لقد تلقينا صفعات مماثلة بمعدل صفعتين في الشهر لمدة ستين عامًا، وبرغم هذا نصر علي أن نُصدم في كل مرة ..

برغم هذا شعرت بغيظ شديد حاولت مقاومته، وأنا أشهد الاحتفالات بالعيد الستين لدولة إسرائيل.. بالفعل تذكرت كل فعاليات المولد الأحمدي بتفاصيلها.. الفرق الصوفية والمداحون جاءوا من كل أطراف الأرض طلبًا للمدد من الحبيبة الغالية إسرائيل. ثم لماذا ستون عامًا ؟.. ما أهمية هذا الرقم بالذات ؟.. اعتدنا أن تكون الاحتفالات عند اليوبيلات المعروفة سلفًا، لكن اختيار ستين عامًا بالذات تم تفصيله كي يلحق بوش بهذا المولد قبل أن يذهب.
كان اللقاء مؤثرًا حتي سال الدمع من عيني وأنا أري ذلك الأحمق «دوبيا» يقف في الكنيست ليلقي خطابه. الإسرائيليون عمليون جدًا ويصغون باهتمام لكن. ليسوا علي استعداد لسماع كل هذا الهراء العاطفي، هم فقط يريدون معرفة ما يستطيع تقديمه فعلاً بعد كل ما قدمه لهم. واضح طبعًا أنهم يسخرون منه في جلساتهم الخاصة . كانوا جالسين صامتين بينما هو يوشك علي البكاء تأثرًا وقد زال أي شك في سلامة حالته العقلية.. هذا رجل «بتاع ربنا» فعلاً يعيش في عالم توراتي كامل. قديمًا قالوا: «إذا كلمت الله فأنت تصلي، أما إذا اعتقدت أن الله يكلمك فقد حان وقت أن تذهب لطبيب نفسي جيد». هذا رجل يكلمه الله يوميًا ويأمره بأن يبيد العرب وأن يمنح كل شيء لإسرائيل لأنها تضمن عودة المسيح من أجل «هرمجدون» العظمي. ولولا افتقاره الثقافة العربية لبدأ اللعاب يتساقط من فمه وهو «يفقر» مرددًا : «الله حي .. أولمرت جاي».

لو رأي راء النفاق.المريخ هذا المشهد لحسب أن الإسرائيليين هم الدولة العظمي بينما بوش تابع ذليل جاء يستجديهم. كل هذا التملق وهذا النفاق .. يقول لهم ما معناه».: «تصوروا أن منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن انتهاكات إسرائيلية ؟... هل جن هؤلاء الناس ؟.. كيف يتحدثون عن أروع دولة ديمقراطية في العالم بهذه الطريقة ؟».
ثم يتهدج صوته وهو يقسم أن إسرائيل - عليا النعمة - أحلي وأجمل وأرشق وأظرف أمة عرفها التاريخ. يقول هذا بينما الدماء تغرق الشاشات الفضائية التي تصور ما يحدث في قطاع غزة، حتي لتوشك علي أن تسيل من التليفزيون. يقول هذا بينما يموت حديثو الولادة ببطء في الحضانات التي لم تعد تعمل..

المشكلة هي أن هذا الرجل لم يعد مطالبًا بشيء، وهو لا يستجدي الأصوات من أجل فترة ثانية. يقولون إن الرئيس الأمريكي يكون أقرب للحياد والتفاهم مع العرب في فترته الرئاسية الثانية، لكن هذا الرجل أكثر تعصبًا مما كان، وهذا يدل علي أن إسرائيل بالنسبة لأمريكا أكثر بكثير من حليف أو دولة صديقة . إنها «عين أمها» ....

ثم ينتقل إلي الوعد الأهم: «أنتم 7 ملايين أمام خطر الإرهاب الذي يحيط بكم من كل ناحية، لكنكم لستم وحدكم.. إن معكم شعب الولايات المتحدة كله !» . هذا يعني أننا نواجه قارة كاملة وليس دولة فقط. ثم ينتقل إلي هاجسه الأبدي حول إيران بعد ما كان العراق قديمًا : «ترك المشروع النووي الإيراني جريمة في حق الأجيال القادمة». ثم انتقل إلي الوعد الذي يهدئ الحمقي قليلاً: «بعد 60 سنة ستحتفل إسرائيل بمرور 120 سنة علي ميلادها، وتكون للفلسطينيين دولتهم !».

هكذا !... الدولة الفلسطينية التي وعد بأنها قريبة، سوف توجد فعلاً بعد ستين سنة من الآن ، وهذا يعني أن أطفالنا - لو اعتنوا بصحتهم جيدًا - قد يرون ميلاد هذه الدولة لأنهم سيكونون في السبعين!. دعك طبعًا من الركاكة التي اشتهر بها علي غرار: «بعد سنة من الآن سيكون عمرك قد ازداد سنة».
ما يثير الغيظ أكثر هو أن «ماكين» لو ربح الانتخابات - وأنتم تعرفون أن هذا سيحدث - فمعني هذا فترة ولاية ثالثة لبوش لأن الرجل يعتنق نفس مصفوفة الآراء. لا فارق علي كل حال لأن أمريكا لن تتغير. أمريكا تفرض الأولويات والأعداء.. والمصيبة أن هناك من يصدق أن إيران عدونا الوحيد فعلاً وحزب الله كارثة حلت علي المنطقة .. لاحظ الاهتمام العربي المحموم بلبنان وإيران وهو اهتمام لم يكن موجودًا منذ عام مما يدل علي محركه الأصلي .. إسرائيل تريد رأس حزب الله .. إذن أمريكا تريده . إذن العرب يريدونه، ومن أجله تنعقد المؤتمرات وتحط الطائرات في المطارات..

بيني وبينك .. أنا بدأت أعتقد أن أمريكا ليست شريكًا نزيهًا في عملية السلام فعلاً.. ربما كانت غير محايدة كذلك ..!

الدستور


20-5-2008

holy assassin
24-05-2008, 01:51 PM
ثقافة الفورورد

يمكن أن أصنف الخطابات التى تصل لبريدى الإلكترونى إلى أربع مجموعات : المجموعة الأولى هى أرملة الرئيس الأفريقى الراحل ( أومنا مومبا ) التى اختارتنى أنا بالذات من بين كل سكان الأرض ( لأننى موح بالثقة) ، و تريد أنا أساعدها فى الحصول على المليارات التى اختلسها المرحوم زوجها من شعبه و وضعها فى حساب بمصرف سويسرى ، و المكسب مناصفة بيننا .

المجموعة الثانية من الخطابات هى ( تامى ) و صديقاتها اللاتى رأين صورتى و وجدننى وسيماً و يرغبن فى أن يعرفننى اكثر .. طبعاً ( رأيناك ) و ( وجدناك وسيماً ) هو تناقض مصطلحات واضح لهذا أضم هذه المجموعة للمجموعة الأولى . يطلقون على هذا النوع من الرسائل اسم ( سبام spam ) و بصراحه لم أجد لها معنى فى القاموس سوى نوع من لحم الخنزير المعلب ، لكنها تعنى إغراق الإنترنت بنسخ من رسالة واحدة غالباً ما يكون محتواها إعلاناً عن منتج ردئ أو طريقة زائفة للثراء ..

المجموعة الثالثة من الخطابات هى الخطابات الحقيقية التى يصلح لها هذا الاسم . المجموعة الرابعة هى مجموعة ثقافة تمرير الرسائل دون توقف لفهم ما يتم تمريره ، و من هذة الأمثلة ذلك الخطاب الذى يصلنى مرتين يومياً منذ عام 1996 و الذى يهدد بأن شركة ( هوتميل ) سوف توقف خدماتها المجانية ما لم يتم تمرير هذا الخطاب لعشرة آخرين لتتأكد من أن الحساب مستعمل فعلاً . كان الشركة بحاجة إلى هذه الطريقة و كأنها عاجزة هن معرفة إن كنت أستعمل حسابى أم لا ..

ما يثير علامات إستفهام حقيقية هى ( رسائل الحماس الدينى ) .. منذ أسبوع وصلتنى رسالة موجهة لى و نحو مائة عنوان آخر ، تقول إن هولندا تنوى إلغاء القرآن ( هكذا فى النص) و قد وضعت موقعاً على الإنترنت ليتم التصويت فيه إن كنا نوافق أم لا .. كيف يمكن أن تلغى هولندا القرآن ؟.. هل يقصدون إلغاء تدريسه أو تداوله ؟.. الرسالة لم توضح .. ثم ما قيمة هذا النوع من التصويت ؟.. إن من يحارب ديناً قد إتخذ قراره مسبقاً و لن يغيره بداعى الديمقراطية ، و الحوار معه قد يؤذى و لا يفيد . على كل حال تطلب الرسالة من المسلمين المتحمسين أن يدخلوا الموقع ليصوتوا ضد إلغاء القرآن و ذلك بالضغط على المستطيل الأحمر .

بصراحة لم ابتلع هذه الرسالة ، و دخلت الموقع لأجده مكتوباً بالهولندية التى لا يجدى معها أن تعرف بعض الألمانية مع الفتاكة المصرية ، و هكذا استعملت مترجم ( ألتافيستا ) لأحول النص من الهولندية إلى الإنجليزية فكان كالتالى :
■ هل توافق على التجنيد الإجبارى للبالغين فى هولندا ؟... ( نعم / لا )
المستطيل الأحمر يعنى أنك ضد التجنيد الإجبارى ، و هذا يعنى أن المسلمين فى العالم كله قد أدلوا بصوتهم معارضين التجنيد الإجبارى للبالغين فى هولندا !

ما هذا السخف ؟.. هناك من يسخر منا بلا انقطاع و نحن فى كل مرة نلتقط الطعم بسذاجة و حماس . لابد أن هذه الرسالة قد تم تمريرها لعدة آلاف من المسلمين المتحمسين الذين دخلوا الموقع ضد التجنيد الإجبارى ، ثم مرر كل منهم الرسالة لمائة واحد آخر .. لابد أن مبتكر هذه الدعابة قد آلمته بطنه من فرط الضحك ..

قديماً كانت هناك صورة الفتاة العمانية التى تحولت لمخلوق شبيه بالقرد ، و انتشرت جداً عبر النت ثم عرف الجميع أنها مخلوق وهمى ابتكره فنان . يبدو أن هناك محاولة استفاقة لأن هناك كثيرين قاموا بجمع الأكاذيب المشابهة و أرسلوها على سبيل التحذير :

■ الشاب الخليجى الذى كان يسمع الأغانى و قد فتحوا قبره بعد ثلاث ساعات ليجدوا جثته مشوهه تصرخ .. طبعاً عرفنا فيما بعد أنها صورة فتاة محترقة ..

■ قصة إسلام نيل أرمسترونج بعد سماع الآذان على ظهر القمر و التى نفاها رائد الفضاء بعبارات واضحة .

■ لوحة استاذ التخدير بطب المنصورة التى تظهر غابة كتبت أشجارها ( لا إله إلا الله ) .. طبعاً أضاف من لفق الخبر أن السلطات النمساوية تمنع زيارة هذه الغابة و تتكتم أمرها ، و بح صوت أستاذ التخدير محاولاً إثبات أنه هو من رسم هذه اللوحة .. لقد انفصلت لوحته عنه و صارت لها حياة مستقلة !

■ صورة مكة التى تضئ وحدها وسط كوكب الرض المظلم .. طبعاً تكتمت ناسا خبر هذه الصورة و أخفتها كما يقول الخبر ..

■ صورة مايكل جاكسون مع أحد الدعاة الإسلاميين فى الخارج بعد ما أعلن إسلامه .. الخبر لا أساس له من الصحة ، و ما لا يعرفه الكثيرون هو أن الظاهر فى الصورة هو تمثال مايكل جاكسون الشمعى الموجود فى متحف مدام توسو البريطانى .

الأمر يتجاوز الحماس الزائد غذن ، بل هى معجزات تم دسها بعناية من شخص يهمه أن يسخر منا ، أو يهمه ان يكتشف المسلمون الحقيقة فيصدمون فى لحظة ما . و قد وجد أحد الأذكياء صفحة فى موقع ( اللادينين العرب ) تبين كيفية نسج مؤامرة من هذا الطراز .. فى البداية يقترح أحد العضاء أن يقوموا بنسج حكاية خرافية ( على الطريقة المعروفة ) و يقوموا بوضعها على أكثر من منتدى ، حتى إذا شاع أمرها كشف اللادينيون عن الحقيقة و انفجروا فى الضحك .

هكذا اقترح أحدهم تلفيق قصة عن ذبذبات فوق صوتية تصدر عن النباتات ، و قد قام العلماء بتسجيلها و دراستها على جهاز ( أوسيلوسكوب ) فوجدوا أنها تسبيح .. و قد قال العالم المسئول عن التجربة ( مايك روجرز ) إنه لا يوجد تفسير لهذه الظاهرة ، هذا قبل أن يعلن إسلامه .. هكذا ولدت القصة ببطء بطريقة ورشة العمل هذه و صار لها رأس و ذيل . كان لدى أحد الأعضاء تحفظ فى حالة نجاح الخدعة أكثر من اللازم أن تفلت من صانعيها و لا يصدق أحد انهم لفقوها فعلاً ، لذا صمموا على أن يضعوا توقيعاً خفياً يكشفون عنه عند اللزوم . تذكرت فيلم ( incognito ) الذى يقوم فيه البطل بتزوير لوحة لرمبرانت ببراعة لدرجة انه يقضى باقى الفيلم هارباً من الشرطة بتهمة سرقتها !.. الطريف أن موضوع هذه المعجزة بدأ يتسرب إلى شبكة الإنترنت فعلاً ..

هناك كذلك الخطاب المتحمس الذى يصلك صائحاً : ( الحقوا .. هناك غرفة لمهاجمة الرسول " صلى الله عليه و سلم" فى الموقع التالى ) . و يذكر لك الموقع متاكداً من أن كل من تصله الرسالة سوف يدخله . النتيجه هى رواج كامل للموقع التافه الذى لم يكن يزوره خمسة فى الشهر .. هكذا دخل الجميع الموقع و قرأوا الهجوم ..

الأمر خليط من الغباء و حسن نية الدب الذى قتل صاحبه ، و سوء نية من يلفق هذه الخبار فى البداية ، مع لمسة ماسوشية لا يفهمها سوى طبيب نفسى كأن من يرسل الرسالة يروج فعلاً لهذا الكلام عن دينه مع التظاهر بالاستنكار و الغضب ..

الخلاصة أن هذا الاختراع قد بدأ يفلت من أيدينا ، و يتحول إلى أداة لنشر الأكاذيب بسرعة لا تصدق .. يجب أن نتوقف لحظات امام الرسالة التالية لنقرأها و ننتقدها قبل أن نضغط على زر الفورورد فى المرة القادمة .

==============================================
د/أحمد خالد توفيق - جريدة الدستور - الثلاثاء - 6/5/2008

toma
27-05-2008, 12:36 AM
أبطال العرب الجبابرة: هناك رسالة ما، أموت وأعرفها!



فيما بعد عرفت أن د. نبيل فاروق كان هناك في ورشة العمل تلك، وأنه اختلف مع المحاضرين بشدة؛ أولاً لأنه استغرب بعد كل هذه السنوات من كتابة السيناريو أن يأتي من يلقي عليه محاضرة في كتابة السيناريو، ولأنه كان يشعر بذات ما نشعر به: ثمة شيء ما لا نعرف ما هو لكنه موجود بقوة. كنت أنا من المحظوظين الذين تلقوا هذه الدعوة لحضور ورشة عمل في فن كتابة السيناريو، تنظمها شركة (أ ك كوميكس) التي تنشر سلاسل (أبطال العرب الجبابرة)، وعرفت أن مجموعة من الأسماء المهمة جدًا في عالم القصص المصورة دعيت لذات الورشة. بيني وبينك لم أستطع الحضور من طنطا خصيصًا لأن العضمة كبرت، لكني تمنيت أن أكون هناك لأسألهم عدة أسئلة.

فجأة ظهرت هذه السلسلة ولاقت شعبية لا بأس بها بين الأولاد والدليل هو ابني . لكني لم أشارك الواد قليل الأدب ذات الحماسة لأني وجدت هذه القصص استنساخًا لما تقوم به الشركات الكبرى مثل (مارفل) و(أكشان كوميكس) و(دي سي كوميكس) .. عندهم حشد لعين من سوبرمان والوطواط و(الرجال إكس) والعنكبوت و(فتى الجحيم) و(العملاق الأخضر) و(الأربعة المذهلون) ..الخ ..كلهم ضخام كالثيران مقنعون يطيرون في الهواء ولهم شخصيات سرية .. حالة إسهال أبطال حادة لن تجدي معها بعض أقراص الفلاجيل.. في لحظة ما تتصور أن كل مواطن أمريكي يلبس تحت ثيابه بذلة خاصة .. ثم يفر إلى أقرب زقاق ليبدل ثيابه ويطير في الهواء .. إذن لماذا أبحث عن البديل المحلي إذا كان المستورد متوافرًا وبالتأكيد أفضل؟

هناك من قصص أبطال العرب طبعات فاخرة وأخرى شعبية لمحدودي الدخل. ترى أبطال هذه السلاسل فتجدهم نسخة أخرى من ذات الأبطال الأمريكيين لكن الأسماء عربية والبيئة شبه عربية .. كأن هذا هو فن القصص المصورة ولا فن سواه.. هناك شخصية فرعونية تشبه قصص سوبرمان، وهناك فتاة اسمها (جليلة) وأخرى تدعى (آية).. من رأوا هذه القصص أبدوا اعتراضًا عربيًا جدًا هو أن البطلات شبه عاريات وكبيرات الصدر.. لكني عندما قرأت هذه السلاسل مدققًا وجدت أشياء أخطر من هذا (دعك من أن البطلات كبيرات الصدر فعلاًJ)... أنا أكره البارانويا العربية المعتادة وأسلوب دس مؤامرة في كل شيء، لهذا أقدم حقائق دون أن أستنتج منها أي شيء...

لماذا تحدث الأحداث في شرق أوسط غير محدد الهوية؟.. القدس واضحة جدًا بقبابها ومعالمها لكن اسمها هنا (مدينة جميع الأديان).. ويتكرر هذا عدة مرات .. لماذا ليست هي (القدس)؟.. هناك شرق أوسط كبير به مفاعل نووي عملاق اسمه قريب جدًا من (ديدمونه) يحاول (المخربون) تدميره من حين لآخر .. هل تبدو هذه الصيغة مألوفة؟.. ربما ....

شركة (أ ك كوميكس) لها جهاز دعاية شديد الكفاءة بلا شك، ومن الواضح انهم أحدثوا دويًا إعلاميًا لا بأس به .. يؤكدون أنهم يسوقون في الولايات المتحدة وكندا (هييه .. عندنا تصدير أخيرًا) وتهتم الصحافة الغربية بهم اهتمامًا خاصًا .. هناك مقالات عدة في موقع الشركة منها مقال (نورث كاونتي تايمز) الذي يبشرنا بأن (هؤلاء الأبطال جاءوا بالسلام أخيرًا للشرق الأوسط!) .. ثم تلاحظ المجلة أن الصراع على مدينة الأديان استمر 55 عامًا وهي ذات فترة الصراع العربي الإسرائيلي .. يقول أحد مواقع الإنترنت: حواجب البطلات رفيعة .. وهذه جرأة في العالم الإسلامي المنغلق!

عندما يتحدث أصحاب المشروع مع محرر (واشنطن بوست) يتحدثون بصراحة لا كما فعلوا مع محررة (روز اليوسف). (دانييل ويليامز) - واضح طبعًا من الاسم أنه يهودي - يقول : "هدف السلسلة هو عبور الفجوة الثقافية التي اتسعت عبر السنين .. يقول صاحب فكرة السلسلة (أيمن قنديل) - وهو أستاذ اقتصاد بجامعة القاهرة - إن علينا أن نصنع أبطالنا العرب ليكونوا مصدرًا للفخر في كل أرجاء العالم العربي. مصر ليست لديها صناعة قصص مصورة خاصة بها (ما لم تعتبر النقوش الهيروغليفية كذلك).. إن هذه المنطقة ستشهد فوضى لبعض الوقت .. لكن بعد هذا سوف يستقر الغبار ويأتي السلام عن طريق تطوير واكتشاف أنفسنا .. هذه السلسلة إذن ناتج مهم لعملية العولمة.. كتب القصص (مروان النشار) وعهد بها لستوديو في البرازيل للرسم، أما النص الإنجليزي فكتب في كاليفورنيا .. وكانت المشكلة مع الستوديو هي أن البرازيليين يريدون رسم البطلات بالبكيني بينما هذا غير مستساغ في مصر. يقول (النشار): هناك دول عربية يراجع فيها الرقيب القصص صفحة صفحة ليسود صدور النساء. ويقول كذلك: كنت أرى قصص الرجل العنكبوت فلا أنفعل بها لأنه يعيش في نيويورك، وكنت أتساءل لماذا لا يوجد عرب يقدرون على تسلق الجدران؟"

والله العظيم هناك عرب كثيرون يتسلقون الجدران يا عم (مروان) ويكفي أن تسأل في أقرب قسم شرطة.. أما موضوع أن مصر لم تعرف الستريبيس فماذا كان يفعل العظماء (حجازي) و(عدلي رزق الله) و(مأمون) و(اللباد) و(محمد حجي) و(إسماعيل دياب) إذن؟.. (اللباد) قدم لنا تجربة لم تحدث في العالم قط هي رسم قصة أطفال (ستريبس) كاملة بأسلوب الكولاج وفن البوب.. كان هذا في مجلة سمير في الستينات. دعك من محاولات دار الهلال غير العادية في السبعينات.. تصور قصة (الجمال الأسود) وقد جعلوا منها ألبومًا لكل عمل نحت أو تصوير يمثل الحصان في تاريخ الفن؟.. هؤلاء كانوا يحبون ما يفعلون، ولو كنا في دولة متقدمة لصنعت لهم التماثيل في الميادين. نحن قرأنا هذه القصص في طفولتنا، ولو كنا قد صرنا مواطنين محترمين – وهذه نقطة تحتمل الخلاف – فالفضل يرجع لهذه القصص التي أعدها وأخرجها ورسم أكثرها مصريون.

ثم تعال هنا .. ما العربي في مجلتكم بالضبط؟.. تيمات أمريكية وكل شيء يبدو مترجمًا للعربية .. رسامون برازيليون .. حوار أمريكي ... ما العربي في هذا كله؟..

والله العظيم الأمر لا يتعلق بالبارانويا العربية، ولا يتعلق بالحقد المهني باعتباري ممن يكتبون السيناريو للقصص المصورة (الذين ألغى البروفسور أيمن قنديل وجودهم بكلمة واحدة)، وليس استعداء لأحد على أحد .. أنا أؤمن أن الطريقة الوحيدة للرد على الفن هي بفن أفضل منه، لكني فعلاً أشعر بشيء لا يريحني في هذه القصص .. هناك رسالة ما بس أموت وأعرفها..


د. أحمد خالد توفيق

*أنس*
27-05-2008, 02:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مقال د. أحمد خالد توفيق بجريدة الدستور اليوم الثلاثاء 27/5/2008


مخلوقات كانت رجالاً (1)
لا يوجد ثقاب يا حضرات.. هذه هي الحقيقة المريعة التي أدركتها بعد البحث في عشرة أماكن، والسبب كما قال لي البقال هو أن سعره سيرتفع ليصير جنيهين إلا الربع للقاروصة بعد ما كان جنيهًا. كما تعرف تكفي أي إشاعة في مصر عن ارتفاع سعر شيء ما كي يختفي من علي ظهر البسيطة. قال لي البقال هامسًا: «هل تصدق أن المشابك الخشب اختفت كذلك ؟»!
لا أعرف أهمية المشابك الخشب ولست مستعدًا للغضب من أجل اختفائها.الثقاب شيء تافه، وهذه الزيادة لعب أطفال بالنسبة لما حدث للزيوت والمكرونة واللحم والبنزين، لكن هذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لي فرحت أردد:
«ربنا ياخدهم أو ياخدنا !!»
والبقال ينظر لي في دهشة من ذلك الطبيب الذي فقد أعصابه لأن سعر الثقاب ازداد خمسة وسبعين قرشًا. لابد أنه تساءل عن مدي شُح هؤلاء الأفندية. لكن الثقاب ليس كل شيء بل هو آخر قائمة مرهقة من الأعباء التي تتضاعف يومًا بعد يوم وبسرعة لا تصدق بعد العلاوة إياها، حتي إن ذات البقال قال لي ذات يوم ساخرًا:
«سعر الزيت النهارده كذا.. أصل أسعارنا بتتغير كل يوم زي الصاغة !»
ربنا ياخدهم أو ياخدنا.. هذا حل عادل بالنسبة لي، والثقاب مهم لنا إذا أردنا أن نحرق أنفسنا فلماذا يختفي ؟..
ماذا يريد هؤلاء القوم منا ولماذا لا يتركوننا نحيا ؟... لماذا يصحون كل يوم من نومهم ليجعلوا الحياة أعقد ويتأكدوا من أننا نزلنا طبقة في السلم الاجتماعي ؟.. لماذا لا يكتفون ويرحلون بما سرقوه منا إلي جزر الكاريبي ليعيشوا كالملوك، ويتركوننا نحيا بما تبقي في هذا البلد ؟ .. وما الفارق بين أن تكون ثروة الواحد منه 20 ملياراً أو أن تكون 21 مليارًا ؟. هم فقط يريدون أن يعتصروا الليمونة حتي آخر قطرة .. لن يركبوا الطائرات المتجهة إلي سويسرا قبل أن يتأكدوا من أن آخر موظف قد صار حافيًا وآخر طفل قد مات بسوء التغذية وآخر سنتيمتر مكعب من الغاز الطبيعي تم ضخه لإسرائيل، عندها فقط يسافرون وينسون كل شيء عن مصر. .. ربما يظهر واحد منهم في التليفزيون السويسري ليتنهد ويقول: مصر أم الدنيا. .. واحشاني قوي...!
منذ أيام جاءني ذلك الشاب المصرفي المتأنق الذي أفرزه عصر الانفتاح بكثرة في مجتمعنا .. قميص قصير الكمين وربطة عنق ومن حزامه تتدلي عشرات الأجهزة المبهمة التي توحي بالأهمية، وكما يصف صنع الله إبراهيم هذا النمط فهو يستعمل طيلة الوقت لمحات من ثقافة غربية سطحية، وغالبًا يبيع الهواء. لابد من استعمال لفظة CEO وSale وShare في كل جملة تقريبًا. جاءني يقنعني بأن.أدفع ألف جنيه شهريًا لمدة ثلاثين عامًا وسوف أظفر في النهاية بمبلغ كذا !! ..نظرت له وابتسمت .. هل أنت واثق من أن مصرفك سيكون موجودًا بعد ثلاثين عامًا ؟... هل سأكون أنا موجودًا ؟ .. هل مصر نفسها ستكون موجودة إذا استمرينا بهذا المعدل ؟ لم يرد .. ضحك في عصبية وقال: «دي حاجة بتاعة ربنا بقي.. هيء هيء هيء..!»
المشكلة هي أنك قد تكون ميسور الحال نسبيًا، لكنك لا تضمن أي شيء من أي نوع. عرفت جراحين زملاء لا يكفون عن العمل والكسب، برغم هذا يشعرون بقلق مريع من الغد، ومن اليوم الذي قد يصيرون فيه عاجزين عن العمل، فالجراح مثل أي شخص آخر (شغال علي دراعه). مهما ادخروا في المصرف فمن الوارد أن يفيقوا ليكتشفوا أن ما ادخروه صار يساوي 31 جنيهًا لا أكثر، أو أن المصرف ذاته لم يعد له وجود البورصة ؟.. هذا مكان مناسب كي تفلس فيه، وسوف تدرك وقتها أنه ليس مكانًا للاعبين الصغار بل هو مكان لعب العمالقة الذين يخصصون مبلغًا لا بأس به للخسارة ..
من اشتروا عقارات صاروا عاجزين عن التصرف فيها بسبب الافتقار إلي السيولة.. أعرف أشخاصًا يملكون أراضي وشققًا لكنهم عاجزون عن بيعها رغم ارتفاع سعرها كل يوم.. من الممكن أن يجدوا من يدفع علي أقساط لكنك تعرف جيدًا أنه لن يدفع سوي قسط واحد ويكون عليك أن تلجأ للتقاضي وأن تقضي باقي حياتك في المحكمة ..
وماذا عن افتتاح مشاريع صغيرة ؟.. في شارعنا تجد في كل يوم مكبرات صوت ودي جي وتصوير فيديو وحلوي توزع، وقبلات علي الخدين وخيلاً ترقص مع افتتاح محل جديد. ثم تجلس في المحل فتاة شاحبة سيئة التغذية بالشبشب الزنوبة تنتظر أي زبون.. بعد شهرين يُغلق هذا المحل بسبب الكساد وتبدأ الدورة من جديد. الدورة التي لم يستفد منها سوي مصور الفيديو والدي جي..
أتكلم هنا بالطبع عن الأشخاص الذين يكسبون نسبيًا، ولديهم رأسمال صغير يريدون. أن يضعوه في شيء مضمون، فماذا عن الذين يعيشون من اليد إلي الفم وهم يتزايدون كل يوم ؟
كنت أمر جوار طابور من طوابير الخبز، عندما رأيت ذلك الرجل الأصلع ممزق الجلباب ذا الستين عامًا يخرج من الطابور بولادة عسرة حقيقية .. فمه مفتوح في لهفة والعرق يبلل جبينه وهو يحتضن كومة من أرغفة الخبز في حنان ووله حقيقيين.. صورة مجسدة للخلاص والفرحة والظفر ..
رأيته يتوقف إلي جوار الرصيف لحظة ليتأمل جيدًا في روعة ما حققه، وفي اللحظة التالية رأيت علي دراجة ذلك الصبي. الذي تشي ثيابه بأنه حرفي، ينقض علي الرجل ليخطف بضعة أرغفة من الكومة وينطلق مبتعدًا بسرعة البرق. في ثوان تحول وجه الرجل إلي الحسرة المجسمة ودموع الغيظ احتشدت في عينيه لكنه صار عاجزًا عن الغضب أو السباب .. شيء ما في عينيه يشي بأنه فقد إنسانيته فلم تبق لديه من عاطفة إلا الجوع والظمأ...
قلت لنفسي: الحمد لله أنني لست المسئول المباشر عن هذا الرجل ولا الفتي السارق. برغم هذا كل واحد فينا مسئول .. يجب أن تتذكر هذا وأنت تدخل فراشك ليلاً..
خطر في ذهني عمنا «مكسيم جوركي» وما كان سيكتبه لو رأي هذا المشهد. بطبيعة الحال كان أقدر علي رؤية هذه التفاصيل، وقد قرأت له منذ زمن سحيق مجموعة قصصية رائعة اسمها (مخلوقات كانت رجالاً.) ترجمة (سعد توفيق) تحكي عن مجموعة من النماذج البشرية التي (أكل عليها الدهر وشرب وقضي حاجته)- علي رأي بلال فضل الذي أفتقده كثيرًا- وهذه النماذج تعيش كلها في مسكن رخيص الثمن شديد القذارة أقام فيه الكاتب لفترة ما من فترات شبابه الصاخبة. بالفعل هي مخلوقات كانت رجالاً وكان يمكن أن تحصل منها علي نفع أكبر بكثير من الوقوف ساعات في طوابير الخبز أو سرقته.
قررت أن أكتب في الأسابيع القادمة عن هذه المخلوقات التي كانت رجالاً في عالمنا هذا، والتي أفقدها الفقر الكثير من إنسانيتها.. أكتب عنها لأنني لا أملك أن أقدم لها شيئًا آخر... وللحديث بقية.


وصلة المقال :
http://www.dostor.org/?q=node/3151

محمد توفيق
03-06-2008, 01:30 PM
مخلوقات كانت رجالاً «2» (http://dostor.org/?q=node/3941)


بقلم د. أحمد خالد توفيق

القصة واقعية تمامًا، لكن لو كانت قصة بوليسية ولو كان كاتبها أحد أساطين القصص البوليسية من وزن «أجاثا كريستي» أو «إيلري كوين»، لكان اسمها «قضية سرقة الحقنة الشرجية»، ولبدأت كما يلي:

أشعل المفتش «أرشيبالد مكالستر» من سكوتلانديارد غليونه وجلس في مقعده الذي كان مقعد طبيب القسم منذ دقائق، وقال للطبيب مفكرًا:
ـ«ما زلت لا أفهم القيمة المادية لهذه الحقنة الشرجية حتي يقوم أحد بسرقتها».

قال الطبيب: «لا قيمة لها علي الإطلاق.. عامة هي مجرد كوز صديء من الصفيح يتصل بخرطوم، ولدينا واحدة فقط في قسم الرجال وواحدة في قسم الحريم. نحن لا نستطيع الاستغناء عنها لأننا ننظف قولون مرضي الغيبوبة الكبدية بانتظام، وعامل القسم هو الذي يجري هذه العملية. منذ أسبوعين تبرع أحد فاعلي الخير للقسم بحقنة شرجية أنيقة «زي العروسة» لونها أزرق جميل.. هكذا صار لدينا ثلاث حقن شرجية، لكن مشكلة الروتين والبيروقراطية بالنسبة لهذه الهبات هي أنها لا تدخل دفاتر العهدة إلا بعد إجراءات معقدة .. وهذا يعني أنه لا صاحب لها .. كلما ابتعنا شيئًا بالجهود الذاتية وقعنا في ذات المشكلة، وسرعان ما يُتلف أو يسرق»

ـ«من الممكن أن يحتفظ بها الطبيب في خزانته».
ـ«هذا يعقد الأمور أكثر .. لأنها مطلوبة طيلة الوقت تقريبًا»
فكر المفتش قليلاً ثم طلب استدعاء عامل القسم ..

دخل العامل متوترًا وقبل أن يوجه له أحد أي اتهام راح يقسم أغلظ الإيمان أنه لا يعرف أي شيء عن مصير الحقنة . فقط هو كان يضعها في الحمام.. يعلقها فوق ماسورة الماء الصدئة وقد استعملها عشر مرات في يوم الجريمة.

ـ«في العاشرة مساء أمس دخلت الحمام مع عم «شحاتة» لأجري له الحقنة لأن ابنه غير موجود، هنا فوجئت بأن الحقنة ليست في مكانها .. لقد جن جنوني وفتشت كل مكان في القسم .. هكذا اضطررت أن أستعمل الحقنة القديمة»

سأله المفتش «مكالستر» وهو يعيد إشعال غليونه: «هل لاحظت أن هناك من يهتم بها بين مرضي القسم ؟»
قال العامل: «كلهم .. منذ ظهرت بلونها الأزرق الجميل والكل ينظر لها بإعجاب واشتهاء.. حتي إنني أنذرت حكيمة العهدة من أنني أخشي أن تُسرق .. قالت لي إن هذه ليست مسئوليتها».
بالنسبة للمفتش كان العامل بعيدًا عن دائرة الاشتباه لأنه يتعرض لإغراءات كثيرة مع أجهزة أغلي ثمنًا ومنذ أعوام طويلة. يجب أن تنحصر دائرة الشك في الوجوه الغريبة عن القسم ..

راح يفكر بحيرة وهو يتأمل سحب الدخان:
ـ«هذه سرقة محيرة .. ما الذي يمكن أن يفعله المرء بحقنة شرجية قذرة استعملها العشرات قبله ؟.. إن بيعها صعب جدًا علي ما أظن».
يمكن أن يسرقها المرء لو أراد أن يفتتح مستشفي خاصًا لكن هذا يعقد الأمور لأنه قد يؤدي لاتهام الأطباء كذلك. وفجأة بدا أنه وجد طرف الخيط .. طلب من الطبيب قائمة بأسماء المرضي الذين تقرر خروجهم اليوم. .. كان هناك ثلاثة مرضي. .. مريض منهم اسمه «بيومي أبو سمك» يتلقي حقنًا شرجية بانتظام.

طلب المفتش أن يري عم «بيومي» هذا، وكان المريض العجوز يجلس فوق فراشه الذي فرش عليه جريدة، وفوق الجريدة انتثر خليط من الأرز والفول والخضار وبقايا الدجاج والجبن القديم .. طعام المستشفي مع الطعام الذي يرسله أهله.. إنه يجلس القرفصاء حتي أنك لتحسب قدمه الغليظة الحافية صنفًا من أصناف الطعام الذي يأكله. . جوار الرجل كانت حاجياته التي حزمها بانتظار قدوم أسرته ليعيدوه لقريته...
ـ«بسم الله».
قالها عم «بيومي» لمفتش سكوتلانديارد لكن هذا لم يرد المجاملة، ومد يده يعبث في حاجيات الرجل ثم بحركة درامية مد يده إلي لفافة صغيرة وفتحها، وأمام عيون الجميع ظهرت الحقنة الشرجية الزرقاء. صاح الجميع في ذهول غير مصدقين أن هذا العجوز الطيب يمكن أن يسرق شيئًا ثمينًا كهذا، ودمعت عينا عامل القسم وهو يدرك أن العجوز خدعه. لو كان الأمر بيده لشنقه هنا والآن .

قال المفتش وهو يشعل غليونه في رضا: «الأمر منطقي وبديهي يا عزيزي «واطسون».. الحقنة الشرجية لن تُباع .. هناك في الغرب نوع من الجنس الشاذ اسمه Enema sex لكنه غير معروف في بلدكم لحسن الحظ. .. إذن من سرق الحقنة سرقها لاستعماله الشخصي فقط .. كي ينظف قولونه في بيته. هكذا ضيقت دائرة الاشتباه.. شخص يوشك علي مغادرة المستشفي ويشعر بالذعر لأنه لا يملك ثمن حقنة شرجية يعالج بها نفسه في بيته. هكذا اختمرت فكرة الجريمة في ذهنه وأحسن التنفيذ وكاد يفلت بفعلته لولا أن المفتش مكالستر هنا».

كان العجوز يبكي بحرقة، عندما تدخل الطبيب المقيم ملاحظًا: «أنا كتبت لك الخروج صباح اليوم فمن أين جئت بهذه الوجبة ؟»
بصوت خفيض اعترف العجوز بأنه سرق صينية من الفتاة التي توزع الوجبات لأنه كان جائعًا ، وقد أضاف للصينية بقايا طعام أمس .. عمت السعادة الجميع بينما قال المفتش في رضا وهو يلبس معطفه:
ـ «كانت من أعقد القضايا التي قابلتها في حياتي المهنية، لكن خلايا عقلي الرمادية لم يعجزها أن تحل قضية الحقنة الشرجية»

كما قلت لك : القصة واقعية تمامًا لو أنك حذفت المفتش لأن التحقيق قام به الطبيب المقيم نفسه، وهي تثير أسئلة كثيرة عن مريض فقير وعامل فقير وممرضة فقيرة وطبيب شاب فقير في واقع يزداد قسوة كل يوم. عم «بيومي» الذي سرق حقنة شرجية باعتبارها نوعًا من الرفاهية يستحق مكانه بلا شك ضمن المخلوقات التي كانت رجالاً.

من ضمن هذه المخلوقات - وما دمنا في عالم المستشفيات - ذلك الفتي الذي كان مصابًا منذ أعوام بمرض مزمن نادر يجعله يبقي في المستشفي فترات طويلة جدًا، وقد لوحظ أنه يختفي من فراشه والمستشفي كثيرًا، ويعود محملاً بأعذار لا تنتهي تدفع الطبيب المقيم إلي شطب عبارة «خروج هروب» التي كان قد كتبها في كراسة العلاج. لكن أشياء كهذه لا تظل سرًا .. وقد انكشف الأمر.عندما لاحظ أحد الأطباء شابًا يتسول بقرب مسجد «السيد البدوي» علي كرسي متحرك، ولاحظ أن الكرسي المتحرك قد كتب علي ظهره بحروف واضحة «باطنة رجال». الفتي لم يكن يفر من المستشفي فقط بل كان يفر بالمقعد المتحرك كذلك ليستخدمه أداة للتسول !. بالطبع سببت هذه القصة مشاكل لا حصر لها لعمال القسم ورجال الأمن الذين لم يستطيعوا فهم الطريقة التي كان الفتي يخرج بها كل مرة. حدث هذا منذ أعوام طويلة فلا أعرف إن كان الفتي ما زال حيًا أم توفي لكني أعرف أنه كان مدمنًا للبرشام كذلك. عندما تكون فقيرًا ومدمنًا فلا مفر من أن تتحول إلي لص أو متسول أو تاجر مخدرات.. هكذا تصير الأمور ....
ولنا لقاء آخر مع مزيد من المخلوقات التي كانت رجالاً في الأسبوع القادم


الدستور

3-6-2008

holy assassin
10-06-2008, 06:18 PM
مخلوقات كانت رجالاً ( 3 )


هل تراها ؟.. بالتأكيد يمكنك ذلك.. من مكانك في الشرفة وكوب الشاي في يدك، تراها وهي تمشي في الشارع صباحًا وتمارس عملها اليومي ...
ما هو عملها اليومي ؟... التنقيب في أكياس الزبالة طبعًا .. الأكياس السوداء عدو البيئة إياها، والتي يضعها سكان كل بناية أمام بنايتهم بانتظار قدوم الجرار، وهذه الأكياس هي هدف هذه المرأة التي لا اسم لها ولا وجه لها... إن وجهها مغطي بطرحة سوداء، وهي تجد السير في حذر وقد تعلمت الكثير من طباع القطط الضالة وشراستها وحذرها وتوجسها الدائم.. قط أسود كبير يفتح الأكياس ويبحث فيها عن شيء يؤكل .. شيء يلبس.. فردة حذاء قديمة هنا وكيس من الخبز الذي انتهت صلاحيته هناك. ..
تعرف أنه لو رآها أحد السكان لشتمها أو ضربها، لذا تختار هذه الساعة المبكرة من النهار حيث لا أحد سواها والقطط الضالة ، ومن خلفها يمتد أثرها .. أكياس فرغت من محتواها وقد اتسخ مدخل كل بيت من هذه البيوت .. لكنها كما قلنا تعلمت طباع القطط فلا يمكن أن يضبطها أحد أبدًا. ...
من أين جاءت؟.. أين تبيت ليلتها ؟.. الجواب سهل .. لقد جاءت من حيث يأتي هؤلاء. .. تلك المخلوقات التي كانت رجالاً والتي تجدها في كل صوب وكل ركن. ...
عندما تتواري هذه المرأة - القط تظهر أم «آية». أم الواقفة. عدة أعمال في وقت واحد، فهي تنظف السيارات الواقفة .. في الواقع هي تزيدها قذارة، لكنها ترفع المساحتين علامة لا شك فيها علي أنها أنجزت عملها. تبيع الشاي لبائعي الخضر وعمال البناء في كل مكان .. تبتاع الخبز لربات البيوت - عندما كان هناك خبز - وتبتاع الخضر من السوق، وأحيانًا تجلس علي الرصيف تقطف الملوخية أو تقور الكوسة لواحدة من ربات البيوت المشغولات. لا يتم تنظيف أي شقة في الحي كله إلا ووجدت أم «آية» تقف في الشرفة وهي توسع المراتب ضربًا .. أحيانًا تقوم بالصويت علي من يموت من السادة كذلك وتشارك في غسل نسائهم.
بما أن الفقر والمرض والإدمان هي عجلات دراجة ثلاثية، فإن أم آية لها ابنة مصابة بعيب خلقي في الصمام الأورطي وأختها مصابة بسرطان القولون، وهي نفسها مصابة بسقوط رحمي يجعلها تبول علي نفسها باستمرار . لكنها لا تملك ترف الاعتراف بالمرض، لأنها ترتجف من اليوم الذي لا تقدر فيه علي العمل.
قالت لي ذلك في اليوم الذي رأيتها فيه متورمة العين مع هالات سوداء كأنها حيوان «الراكون» الذي نراه في الموسوعات المصورة. قالت لي إن زوجها أوسعها ضربًا، لأنها لم تعطه المال الذي كسبته :
ـ«كل مرة يصرف القرشين علي الطينة والمية..»
بسذاجة بدا لي تصرف هذا الرجل شاعريًا.. إنه مولع بالزراعة إذن وهو اهتمام راق، لكنها ضحكت كاشفة عن فم لم تبق فيه سوي سن واحدة وأخبرتني في صبر أن الميه هي «البوظة» والطينة هي «الحشيش». هكذا رزقت هذه المرأة بالذات بزوج ينفق كل مليم تكسبه علي الكيف، ولا يعمل علي الإطلاق، لتصدق عليه مقولة «سوفوكليس» في مسرحية «أوديب» عن رجال مصر التي أثارت غيظي عندما قرأتها يومًا ما..
ولهذا فهمت سر سعادتها البالغة يوم رأيتها تمارس عملها برغم أن وجهها كله كان متورمًا. قالت لي في مرح، خفيفة كالعصفور:
ـ«بالك إيه ؟.. مش أبو آية طلقني !!»
أبو آية يمكن الخلاص منه، لكن كيف يمكن الخلاص من الفقر ؟.. وكيف تعيش اليوم وحصار الحياة يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم ؟.. الله أعلم. لكنك تراها بسهولة وهي تحوم حول محل الجزار القريب من دارنا .. تقف علي بعد خطوات وتنظر للحم في اشتهاء، وتكرر من دون مناسبة:
ـ«كل سنة وانتو طيبين ..»
فتجهد ذهنك محاولاً تذكر أية مناسبة هذه .. لا توجد أية مناسبة دينية أو وطنية .. ربما هو عيد ميلاد الجزار ؟.. تكرر «كل سنة وانتوا طيبين» مائة مرة وتحوم من جديد، حتي تأتي اللحظة المصيرية التي يمد فيها الجزار يده إلي قطعة لحم تزن خمسة جرامات ولا تقبل أن تأكلها قطة محترمة، فيلفها في كيس ويناولها لها في اشمئزاز. تنطلق في منتهي السعادة عالمة أنها لن تذوق ذرة من هذا اللحم، لكن أولادها سيفعلون ... لقد شفّت هذه المرأة حتي لم تعد تريد أي شيء لنفسها، بل لهؤلاء التعساء الذين جاءت بهم للعالم.
في وقفتها عند الجزار شيء يذكرني بالقطط الضالة... القطط التي تقف حول المحل مهمومة قلقة بدورها .. هكذا الفقر عندما يذيب الحدود لا بين الطبقات بل بين الأنواع ذاتها، حتي توشك أن تسمع ذلك القط الأجرب يقول لذلك القط الأعور: «الأخ ملقاط والا هجام ؟» وتوشك أم آية أن تموء.
تنصرف أم «آية» فقط ليحتل مكانها أمام الجزار أبو «عماد» أو أبو «صلاح» .. معدل التقاطر قد صار عاليًا جدًا.. متسول كل ثلاث دقائق ...
من نهاية الشارع تري «رضا» الصغير ذا الست أعوام قادمًا والمكوة تحت إبطه علي قطعة خشب كانت مسند مقعد، وهو يرفع ذراعه عاليًا بشماعة عليها سروال مكوي.. بمعجزة ما يتمكن ألا يتسخ طرف السروال بالغبار برغم قامته القصيرة، وهو يدق جرس الباب ثم يستفيد من وقته بأن يشوط قطعة طوب صغيرة إلي أن ينفتح الباب. «رضا» يتمني أن يلعب طيلة اليوم، لكن أباه يريد فعلاً المبلغ البسيط الذي عليه من هذا العمل، دعك من أن الأسطي «بيومي» ليس سيئًا ولا يضربه كثيرًا. تفتح له الباب ربة البيت وتسأله عن الثمن، لكنه مهتم أولاً بأن يسترد الشماعة .. هذا أهم ما في الموضوع والسبب الأول لتلقيه الضربات. صوت البام بام طاخ طوخ يلفت نظره بشدة فيطل من فرجة الباب ليري طفلين بثياب حسنة يلعبان «بلاي ستيشن»، فينسي نفسه ويزحف بضع خطوات ويندمج تمامًا مع الشاشة حيث دراجة بخارية تطارد سيارة وتطلق عليها النار.
يتمني أن تتأخر ربة البيت قليلاً لكنها تعود سريعًا وتعطيه المال وتفاحة فاسدة وجدت أنه من الأفضل أن تعطيها له بدلاً من رميها! .. بهذا تجمع بين الإحسان والتخلص من التفاح الفاسد. وينصرف رضا الصغير .. لا يعنيه أنه صغير السن جداً .. لا تعنيه الأسئلة الكثيرة عن الغد وكيف يتعلم ويتزوج ويسكن. .. لا تعنيه حقيقة أن هذه الأسرة التي تبدو ثرية قد بدأت تئن بدورها من الغلاء... كل هذا لا يعنيه. ما يعنيه هو أنه سيعرج علي الحارة القريبة ليلعب الكرة الشراب لمدة عشر دقائق مع الواد بطاطة، وسوف يزعم للأسطي أن صاحبة البيت هي التي أخرته.. إن المستقبل رائع .. رائع لدرجة لا توصف. ....

=============================================
د/ أحمد خالد توفيق - جريدة الدستور - الثلاثاء - 10 يونيه 2008

http://www.dostor.org/?q=node/4762

*أنس*
18-06-2008, 02:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


مخلوقات كانت رجالاً «4»

موكب الزفاف الفاخر يتقدم نحو مدخل قاعة الأفراح الكبري، والعريس والعروس يتظاهران بالسعادة، يحيط بهما أفراد الأسرة والأصدقاء، وقد خرج الجميع لاقتناص الفرص. ابن فلان بيه وابنة علان بيه.. إنه لحدث مهم حقًا. هناك تلك الفرقة التي تقوم بالزفة، وهم كالعادة مجموعة من الفتية يحملون الدفوف وفي وجه كل منهم أثر من مشاجرة قديمة بالمطاوي، ولا تفهم أي حرف من الذي ينشدونه سوي أن كل مقطع ينتهي بكلمة «الليلة».. يضغطون عليها لتعطي إيحاءات بذيئة غامضة. . من مكان ما تدوي زغرودة ويقذف أحدهم بقطع الشيكولاته الفاخرة فوق العريس فتساقط. علي الأرض. هنا - من مكان ما وبطريقة ما - ظهر هؤلاء الصبية الثلاثة بثيابهم القذرة المرقعة .. وثبوا كالقرود من وراء الأشجار لينقضوا علي قطع الشيكولاته علي الأرض. فما إن استعاد القوم رشدهم حتي انهالوا بالركلات علي هؤلاء الثلاثة.. هؤلاء الأوغاد الذين شوهوا صورة الفيديو وطابع الرقي العام ..
ـ«وله يا ابن الـ .وسع يا له !»
للركلات مزية مهمة هي أنها تبقيك بعيدًا عن هذه القذارة .. لا تتسخ بذلتك ولا يداك ..
لكن الصبية تلقوا الضربات وهربوا وهم مفعمون بالسعادة .. لقد امتلأت الأيدي بالشيكولاته وهذا هو ما يهم في الوقت الحالي. صديقي الأديب كان واقفًا ضمن الواقفين فنظرت له ونظر لي وعرفنا أننا نفكر في الشيء ذاته .. قلت له هامسًا: «جوركي» بيناديني ! أي أنني تخيلت ما كان «مكسيم جشك.» سيكتبه لو رأي هذا الموقف.. هؤلاء الصبية آتون من عالمه بلا شك ..
من أين يأتون فعلاً ؟.. إلي أين يذهبون ؟.. لا أحد يعرف .. بعد أن يأكلوا الشيكولاته سوف يبحثون عن شيء آخر يسرقونه، ثم ينامون في الشارع إلي أن يظفر بهم «توربيني» آخر يغتصبهم فوق سقف القطار التوربيني ثم يلقي بهم من فوقه ليموتوا.. هذا بالنسبة لسعداء الحظ منهم ..
بالطبع كل هذه القصص واقعية تمامًا ولا دور لخيالي فيها، لكني قمت بتغيير الأسماء. لم أنس بعد قصة «عادل» مريض الصدر الذي كان مصابًا بعدة كوارث في الرئتين، وقمت في جلسة علمية بعرض صورة الأشعة الخاصة به وعليها اسمه الكامل. يومها قالت لي د. «وفاء الشيمي» أستاذ الأمراض الصدرية: "كان يجب أن تحذف الاسم.. هو مش كفاية اللي هو فيه. لم أنس عبارة اللوم هذه قط، وتذكرت أننا أحيانًا نعامل هؤلاء التعساء كأشياء حتي إن لم نتعمد القسوة ..
عم «حسن» واحد آخر من تلك المخلوقات التي كانت رجالاً..
بواب البناية العجوز الطيب .. إنه واحد آخر ممن يعملون كل شيء في كل وقت لأي شخص. .. يعيش مع زوجته وابنه في المدينة بينما يترك بناته مع عمتهن في قريته. إنه لا يستطيع أن يطمئن لوجود بناته المليحات مكتملات الأنوثة في هذه المدينة المليئة بالشباب الرقيع .. الشباب الذي يحلق شاربه ويركب سيارات فاخرة «أمه جايبهاله» يصدر بها صوت فرملة عالية. هذا دليل كاف علي رقاعتهم، وعندما يمسح سيارة واحد من هؤلاء بالمنشفة فإنه يعرف يقينًا أن هذا الفتي ذاهب لممارسة الكبائر بأنواعها .. لا .. لن تصمد أي بنت من بناته أمام وغد من هذا النوع.
فقط يسمح لابنه بأن يوجد هنا معه، وقد لمحت الطفل ذات مرة فأدركت أنه مصاب بمرض عضال .. لا أعرف ما هو بالضبط لأنني لست خبيرًا في أمراض الوراثة لكنه كارثة. ولهذا أرسلته مع عديد من التوصيات إلي أحد أساتذة طب الأطفال من أصدقائي.. افعل كل شيء ولا تأخذ منه مليمًا .أرجوك. ..
يتصل بي أستاذ الأطفال مذعورًا بعد ما رأي الطفل .. هذه حالة لابد من دخولها المستشفي حالاً.. إنها حالة متقدمة. المرض النادر الفلاني، ولابد من أن تكون في المستشفي هنا والآن، وإلا فهو غير مسئول عما سيحدث..
لكن عم «حسن» يرفض .. يرفض بإصرار .. يقول لي :
ـ «سعادتك أنا مش عايز له دخول.. أنا عاوز شوية برشام وإبر بس..»
أوكد لنه أننا ستجاوزنا هذه المرحلة منذ زمن، وأنه لن يدفع مليمًا لأن المستشفي مجاني .. أستاذ الأطفال وعد بألا يدفع الرجل شيئًا .. لكن عم «حسن» مصر. ...
هنا فقط أفهم الحقيقة: قطار الحياة سريع لا يسمح له بالقفز منه لمرضه أو مرض أحد من أسرته. معني دخول المستشفي هو أن يستغني عن زوجته عدة أيام لأنها ستكون مع الطفل. حياته لا تسمح بهذا الترف.. هناك أفواه جائعة في القرية تحتاج إلي من يطعمها، وهناك فتيات لابد من تزويجهن وتجهيزهن، وهو لن يقدر علي ذلك في غياب زوجته. أما النقطة الثانية الأهم فهي أن الطفل بحالته الحالية يتيح له الظفر بما يهبه ذوو القلوب الرحيمة، أما دخول المستشفي فهو الخراب التام.. لم أصدق هذا التصور حتي أكده لي عدد من سكان العمارة: الرجل ليس راغبًا في العلاج بل هو راغب في التسول فقط .. لو أردت أن تخدمه فلتعطه ما تيسر من مال في جيبك، لكن لا تتفلسف بعقلك المترف الذي أتلفته الكتب، ولا تزد متاعبه وتشعره بأنه أب قصر. ..
من الغريب بالفعل أن الرجل صار يتحاشاني كالطاعون. لقد كانت حياته تسير علي وتيرة منتظمة قاسية لكن يمكن التنبؤ بها، فجئت أنا لأشعره بأنه مقصر وأن هناك الكثير مما يقدر علي عمله... هكذا لم يعد يطيق رؤيتي، وما زال طفله مريضًا وحيًا بمعجزة ما ... المخلوقات التي كانت رجالاً.. هذه المخلوقات يرغمها القهر أحيانًا علي أن تفقد بعض آدميتها، من ثم تصير أكثر قسوة. .. هذه القصة لم أمر بها لكن أحد الأطباء من أصدقائي الموثوق بكلامهم تمامًا عاشها كاملة بما تطرحه من علامات استفهام. الصغير «جمعة» مصاب بالتهاب رئوي متقدم وهبوط في القلب .. أمه فلاحة تعسة نحيلة مذعورة يبدو أنها تعيش بمعجزة ما. تم دخول الرضيع ليلا إلي قسم الأطفال وقلبه يكافح كي ينبض كل نبضة، وتم وضع قناع الأكسجين علي أنفه الصغير لأنه الشيء الواهن الذي يبقيه حيًا. جوار فراش «جمعة» أم أخري محنكة أكثر فقرًا تجلس ورضيعها في حجرها وكان قد شفي تقريبًا . إنها تراقب جارتها المذعورة أم «جمعة» وتمصمص بشفتيها وتوصيها ببضعة أشياء تنتهي دائمًا بكلمة «يا شابة» أو «يادلعدي»...
صديقي الطبيب يجلس في مكتبه، وأم «جمعة» تترك رضيعها علي الفراش إلي أن تجد دورة المياه في تلك الممرات المظلمة، وتطلب من جارتها المحنكة أن تعني به. ينهض الطبيب ليدخل العنبر فيفاجأ بمشهد لا يفارق كوابيسه.. «جمعة» الصغير مقلوبًا علي ظهره كسلحفاة أزرق اللون يجاهد طلبًا للهواء وصدره يعلو ويهبط بطريقة مثيرة للشفقة، أما قناع الأكسجين فقد انتزعته الأم المحنكة ووضعته علي أنف ابنها هي !.. لقد اعتقدت أن الأكسجين شيء ثمين ومفيد للجميع، لهذا قررت أن تسرق بضعة أنفاس منه لرضيعها في غياب أمه .. لم تكن تنوي ترك «جمعة» حتي الموت. .. بالتأكيد كانت ستعيد القناع في الوقت المناسب، لكن الفقر يولد غريزة «الاستخسار» حتي لو لم يكن رضيعها بحاجة لهذا....
وما زلنا مع المخلوقات التي كانت رجالاً....

زهره حبيسه
23-06-2008, 12:45 AM
مدموازيل "دو موبان".. (http://www.boswtol.com/aldiwan/nkasakees_201_04.html)
"قلب محظية وجسد خليلة"! (http://www.boswtol.com/aldiwan/nkasakees_201_04.html)
على بص وطل


د. أحمد خالد توفيق

http://www.rewayatnet.net/forum/images/201/kasakees_04.jpg
"سيئ لدرجة أنه ممتع".. هذا ما يقوله الغربيون عن الأشياء السيئة، وهو قول مقنع إلى حد ما. لا بد أن الأمر لا يخلو من لذة ماسوشية ما، ورغبة في عقاب النفس، هي ذات الرغبة التي جعلت الطبقة الوسطى تهيم حباً بـ(شعبان عبد الرحيم) و(اللمبي)، فكلاهما سيئ لدرجة الإمتاع.
أقدم هنا سجل شرف من نوع فريد.. الكتب التي أرى أن رداءتها تصل لدرجة العبقرية الملهمة. طبعاً -لأسباب تتعلق بالمحامين والإفلاس والإنذارات على أيدى المحضرين- لن نتناول هنا إلا عدداً محدوداً من الأعمال العربية الرديئة، وهذا لا يدل على قلتها).
يصيبني نوع من الحساسية كلما تعلق الأمر بالقصص الرومانسية الفرنسية، برغم أن هذا ليس رأي كثيرين على رأسهم مخرجنا العظيم الراحل (حسن الإمام). لكن هذه الرواية تفوقت عليها جميعاً، خاصة مع ترجمة رديئة حوّلت القراءة إلى عذاب مقيم. إنه مترجم لبناني من الذين يصرون على (إيقاف المتهم) بدلاً من القبض عليه، ويذهبون إلى (المخفر) بدلاً من قسم الشرطة، ويحبون (الرومانطيقية) لا الرومانسية، ويتمسكون (بالصرعة) بدلاً من الموضة.. وصورة الغلاف لا علاقة لها بالقصة، وهي سمة دائمة في الأدب الرديء -أو النشر الرديء- إذا شئنا الدقة.
القصة تبدأ بخطاب يكتبه شاب اسمه الشيفالييه "ألبرت" إلى صديقه.. كل هذه القصص الرومانسية تحب أسلوب الخطابات؛ لأنها (تكشف عن خبايا النفس) كما يعتقد كاتبوها، وهي على كل حال تعطي الكاتب انتقالاً مريحاً بين ضمير الشخص الأول وضمير الشخص الثالث كلي المعرفة.. هذا الفتى في الثانية والعشرين من عمره ما انفكّ يبحث عن شيء ما.. شيء ما لم يجده برغم مئات النساء اللاتي قابلهن. ويستعرض كل أنواع النساء فلا يجد واحدة منهن تستأهل شرف أن تكون محظية له. أو كما يقول (قلب محظية وجسد خليلة)!.. إنه شاب ثري بلا عمل تقريباً إلا كتابة الشعر الذي لم يره أو يسمعه أحد..
ثم يصف لصاحبه فتاة يميل إليها في السادسة والعشرين من عمرها. يقرر أن يطلق عليها اسم "روزيت".. مع هذه الفتاة يجد كل العواطف وكل الحب لمدة خمسة أشهر.. لكنه ما زال يشعر بضيق.. وقبل أن تتساءل في غيظ: "عايز إيه بالضبط يا بني؟"، تكتشف أنه يريد أن يعرف كيف يفكر الآخرون.. ثم يتطور هذا التفكير إلى أنه يريد أن يعرف كيف تفكر النساء.. يبدو أن الملل يدفع هذا الفتى دفعاً إلى أن يتحول إلى امرأة!..

هنا يظهر في عالم الفتاة فارس وسيم رشيق اسمه "تيودور دو ساران" ومعه تابعه الصبي الذي لا يقل عنه جمالاً.. لا نعرف بالضبط لماذا يقيم عند الفتاة.. لكن الفتاة تنبهر بهذا الـ(تيودور) ويبدأ حبها يخفت للأخ "ألبرت". وتتبارى مع الفارس وتابعه في سباق خيول، فيسقط التابع عن الجواد لتكتشف "روزيت" أن التابع ليس سوى فتاة مراهقة جميلة تتنكر كالرجال. لا نعرف ما حدث بعد هذا؛ لأن الفتى "ألبرت" ما زال مصراً على كتابة الخطابات لصديقه.. هذه المرة نجد أنه يحب بشدة.. يحب من؟.. يحب ذلك الفارس "تيودور" طبعاً!.. بالنسبة لنا نحن القراء قد خمنّا عند هذا الجزء أن "تيودور" ليس سوى فتاة متنكرة كرجل، لكن "ألبرت" لا يعرف..
هنا ننتقل إلى رسالة تكتبها الفتاة التي انتحلت شخصية "تيودور" إلى صاحبتها.. كانت مشكلتها في حياتها البتول المهذبة أنها تريد أن تعرف ما يقوله الرجال وما يفعلون إذا اختلوا بأنفسهم. فهي تؤمن أنهم اتفقوا على التقنع بقناع واحد عندما يتعاملون مع الأنثى. هذا رأي لا بأس به.. وإن كان نفس الفضول يغمرني بصدد ما تقوله النساء وحدهن. هكذا تعلمت الفتاة كيف تبارز بالسيف وكيف تركب الخيول وكيف تتنكر كرجل. وهكذا استطاعت أن تختلط بالرجال وتسمعهم وهم يضحكون ويشربون.. ولم يخب ظنها كثيراً في أنهم مجرد خنازير. بل إنها -مضطرة- شاركت أحدهم الفراش لأنه حسبها رجلاً مثله، وكانت ليلة سوداء لم تنم فيها لحظة حتى طلع الفجر وصحا من نومه. وفي نهاية الخطاب تناشد صاحبتها ألا تكون الرأي السيئ عنها وعن فضيلتها !
ننتقل الآن إلى المشهد المحتوم Scene a faire الذي لا تخلو منه قصص التنكر هذه: إن الفتى الذي صار صديق (تيودور) يدعوه إلى بيت أخته الأرملة (روزيت) حبيبة (ألبرت). هذه هي أول مرة في القصة يقال إنها أرملة. ويبدو أنه أضمر أن يزوج أخته هذا الفارس الوسيم النبيل. هكذا نجد أن الحب ينشأ بين الأخت والفارس الوسيم الذي هو في الحقيقة فتاة.. و(تيودور) الذي هو في الحقيقة فتاة مغتاظ من الرجال لأنهم يظفرون بحسن الأنثى، بينما الأنثى صاحبة الكنز ذاته لا تملك إلا أن تعطيه!

إذن (ألبرت) وحبيبته يحبان (تيودور) الذي ليس (تيودور) لكنه فتاة متنكرة.. هل أفلت منك الخيط؟. لن ألومك كثيراً.. على كل حال لو اتضح أنني فتاة وأن المؤلف هو زوج خالتي فلا تتضايق كثيراً..
المهم أن (تيودور) قرر أن ينهي هذه الصراعات بأن يرحل، مما يحزن (روزيت) وأخاها وعمته التي تمنت أن تجد عريساً لابنة أخيها. وتقرر (روزيت) أن تغري الفارس الشاب للمرة الأخيرة.. هنا أجزاء من الرواية لا يمكن الكلام عنها لكنها تلعب بإفراط على عنصر (الترانسفستية) وهي تيمة عالجها الماركيز (دو ساد) في كتاباته بشكل أفضل.. المهم أن الأخ يقرر فجأة أن يثور لكرامته ويدعو (تيودور) للمبارزة.. وتكون النتيجة هي أن يجرحه (تيودور) ويفر..

في النهاية تقرر الفتاة (تيودور) أن تكشف عن حقيقة شخصيتها لـ (ألبرت) لأنه العريس الأفضل حتى هذه اللحظة. وتخبره بحقيقتها.. وفي الصباح تفر من عالمه نهائياً لأنها لا تريد أن يملها..
ماذا حدث بعد ذلك؟... أعترف أنني لا أعرف لأنني تخلصت من الكتاب عند هذا الحد. وقبل أن تطري ذوقي النقدي دعني أخبرك بأنني نادم على هذا الفعل؛ لأن الكتاب رديء رديء إلى درجة أنه مسل.. ولو كنت لم تفهم ما أعنيه فلتعد قراءة مقدمة هذا المقال!!


-----------
زهره :)

محمد توفيق
02-07-2008, 01:45 AM
مخلوقات كانت رجالاً «5» (http://dostor.org/?q=node/7156)


د.احمد خالد توفيق

خبر شديد الروعة نشرته جريدة« الأهرام» في 16 سبتمبر 2007، وهو يحكي التالي بالحرف:
«تعرض أحد تجار الصاغة بالعريش لسرقة منزله أثناء خروجه لشراء بعض الاحتياجات ، هذا علي الرغم من إحكام وإغلاق النوافذ والأبواب، لأنه يحتفظ بالمجوهرات داخل منزله ، وبعد ساعة ونصف فقط عاد فوجد جميع المصوغات وتقدر بـ 250 ألف جنيه قد سرقت . وأمر اللواء منتصر شعيب - مدير أمن شمال سيناء- والعميد علي أبوزيد- مدير إدارة البحث الجنائي- بتشكيل فريق بحث برئاسة الرائد أحمد رمضان -رئيس مباحث قسم ثاني العريش - وتبين أن أحد الطلاب وصديقًا له يقيمان بجوار منزل الصائغ شوهدا بعد السرقة مع مجموعة من أصدقائهما........»
جميل جدًا .. هذا ما اعتدناه في الحوادث المماثلة .. طبعًا شوهد السارق وصاحبه في أحد الملاهي الليلية يشربان أغلي الخمور وينفقان بسخاء علي الراقصات والليالي الحمراء.. لكن الخبر يقول:
«شوهدا بأحد المطاعم الكبري بالعريش يتناولان شاورمة ويشربون مياهاً غازية غالية الثمن، وبسؤالهما عن مصدر النقود التي بحوزتهما انهارا واعترفا ، والطريف أن أحد اللصين وجه العتاب لزميله أثناء التحقيق: قلت لك بلاش شاورمة البوليس هيشتبه فينا.. وإنت صممت عليها أهم قبضوا علينا»!
يا نهار أسود !... حتي اللصوص تدني حالهم إلي هذه الدرجة ؟.. لم يقبض عليهما وهما يلعبان القمار في فندق فاخر، ولكن قبض عليهما وهما - هذان الوغدان الشرهان - يأكلان الشاورمة ويشربان المياه الغازية غالية الثمن. ثم ما هي المياه الغازية «غالية الثمن» هذه ؟.. «كانز» يعني ؟.. وهل أكل الشاورمة صار مصدر اشتباه يدفع مخبري الشرطة للشك في مصدر هذا الـ ؟...
هذان لصان أكثر غلبًا وبؤسًا من أية ضحية محتملة، والدليل أنهما جائعان .. سرقا ربع مليون فكان أول شيء فعلاه هو شراء ساندوتشي شاورمة.. والفتي الفطين يعرف جيدًا أنه قام بجريمة شنعاء بأكل الشاورمة، حتي أنه يوجه اللوم لصاحبه علي هذا الاستعراض الأحمق الذي قاما به. ليس عندي تفسير لغرابة هذا الخبر سوي أن يكون ساندوتش الشاورمة في العريش ثمنه خمسة آلاف جنيه!
تذكرت صديقًا لي يعد نفسه أنه لو رزق بمليون جنيه، فلسوف يكون أول شيء يفعله هو شراء كيلو من الكفتة والتهامه وحده، دون أن يشعر بتأنيب الضمير الذي يلازم المصري من الطبقة المتوسطة عند التهام اللحوم!
تغير أنماط اللصوصية، والاهتمامات غير العادية لدي اللصوص تثير دهشتي وتعطي فكرة أفضل عن التغيرات الاجتماعية. في المقال الأول حكيت عن سرقة الخبز من الطابور بطريقة (اخطف واجر)، وبعد هذا قرأنا عن عصابة متخصصة في السطو علي الخبز. هناك تنظيمات عصابية كاملة مهتمة بسرقة أغطية البلاعات.. السؤال المنطقي هنا هو مدي الاستفادة من غطاء بلاعة، لكن الإجابة هي أنها ثروة ثقيلة من الحديد الزهر يسهل بيعها. وهكذا تتحول الشوارع ببطء إلي غربال مليء بالثقوب، ونسمع عن السيدة الوقور التي مشت في شارعها ليلاً فسقطت في بالوعة.. لا تنس أن هناك من يسرق اللمبات من أعمدة النور كذلك . هكذا وجدت هذه السيدة الوقور نفسها في موقف لا تحسد عليه، بينما سائق سيارة نصف نقل ابن حلال يربطها بحبل غليظ «سلبة» ويتعاون مع أولاد حلال آخرين علي إنقاذها..
هناك تلك القرية قرب مدينتي التي استيقظت علي رائحة عطنة تجتاح المكان، وبالتدقيق والبحث اتضح أن هناك عصابة تخصصت في سرقة أبواب المقابر الحديدية.. يعني تصحو القرية لتجد أن كل مقابر أعزائها مفتوحة. وماذا عن المطب الصناعي الذي اضطروا لإزالته لأن هناك من يسرق في كل مرة اللافتة التي تنذر بوجوده . هكذا تكررت الحوادث كلما اندفعت «سارة علي الطريق السريع لتكتشف المطب فجأة، فيضغط سائقها الفرامل وتنقلب.. ماذا يمكن عمله بلافتة كتب عليها «احترس .. أمامك مطب صناعي» ؟.. هناك بالتأكيد جهة ما تشتري هذه اللافتات ومعها كل أغطية البلاعات وبوابات المقابر!
يعود ابني من الدرس الخصوصي مذعورًا ليخبرني أن صديقين له كانا يقفان أمام البناية التي يقطن فيها المدرس، عندما فوجئ أحدهما بمن يضع نصلاً حادًا تحت عنقه من الخلف ويأمره بأن يعطيه الهاتف المحمول وما معه من مال. ثم يفر هاربًا ليكرر الفعل ذاته بعد يومين .. يحدث هذا في الثانية بعد الظهر في أحد أهم شوارع مدينتي وأكثرها ازدحامًا، ولم يحدث في شارع مهجور مقفر ليلاً. يخبرني ابني أنهم أخبروا «المستر»الذي كان مدرس رياضيات لحسن الحظ، لهذا أخذ الفرجار العملاق الذي يدرسون به والذي يصلح كرمح. ونزل إلي الشارع ليبحث عن اللص .. طبعًا لم يجد أحد! ... لابد أن هذا اللص مخلوق كان رجلاً يومًا ما، ولابد أن البانجو أودي بعقله حتي يفعل هذا كله في الزمان والمكان الخطأ..
في كارثة تسرب أسئلة امتحان الثانوية العامة في المنيا - ومصر كلها علي الأرجح - نكتشف أن المتهم الأول وهو رئيس لجنة، قد حصل علي رشوة من أربعة متهمين مقابل تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة. هذه جريمة شديدة الخطر فلابد أنه تقاضي مليون جنيه علي الأقل مقابل هذا .. لكنك تكتشف أنه فعلها مقابل 3600 جنيه كما ورد في جريدة الدستور عدد 27 يونيو صفحة 3 هذا نموذج فريد للسرقات الرخيصة .. كما كانوا يقولون: الشرف غال يجلب ثروة حقيقية لمن يبيعه. لكننا في هذه الحالة نقابل من يبيع الشرف بأرخص الأثمان أو بلا ثمن تقريبًا!
ألا تري معي أن هذه مخلوقات كانت رجالاً فعلاً ؟
وماذا عن ذلك الشاب الذي يقف علي باب دورة المياه العمومية ليناولك قطعة صابون ومنديلاً ورقيًا مع ابتسامة متملقة ؟ .. طبعًا من أجل ما سوف تلقي به في علبة المناديل الفارغة جواره. باختصار هذا شاب مفعم بالطاقة والنشاط صارت مهنته في الحياة أن يتأكد من أن البك قضي حاجته جيدًا. الشاب الآخر الغارق في العرق والغبار الذي يدق بابك ليعدك بـأنك لو اشتريت زجاجتين من منظف الأرضيات الفلاني فلك زجاجة ثالثة هدية .. وماذا عن الشاب الذي يستوقفك وأنت متعجل ليسألك وهو يسد الطريق سدًا عن «الملك الفرعوني الذي شيد من أجله تمثال رمسيس ». تقول بذكاء: رمسيس يا أخي .. فيصيح في انتصارمبروك. .. أنت فزت وسوف تحضر حفلنا غدًا وتنال جوائز قيمة، لكن عليك دفع عشرة جنيهات كتأمين. .. في الحفل سوف تعرف الكثير عن نظام «التايم شير» الخاص بنا، وكيف يصير ذلك الشاليه الجميل ملكك للأبد أسبوعًا كل عام..
أبتلع ريقي وأفتح النافذة طلبًا لنسمة من الهواء النقي. هذه المخلوقات التي كانت رجالاً تتكاثر ويمكن أن تجدها في كل ركن وتحت كل حجر. سوف تأخذ حقها في الحياة بأي شكل ممكن عندما تدرك أن الموت لأطفالها محتوم ولا مفر منه .. أكثرها ما زال يقاوم بعناد مثل «أم آية» وبعضها خرج علي الناس شاهرًا سيفه فعلاً. .. إما أن تجد نفسك بينهم غدًا أو أنت عدو لهم..
عندها أين سنكون وماذا سنفعل نحن الذين لن نستطيع الفرار إلي سويسرا ؟.. أرجو من الإخوة الاقتصاديين العباقرة أن يردوا !

الدستور

1-7-2008

sea_lover
08-07-2008, 07:11 PM
سيكو: عندما يلقون بالمرضي في الشارع :


سيارة أجرة تتوقف في شارع في لوس أنجلوس ويفتح سائقها الباب ليلقي بامرأة عجوز تلبس ثياب المستشفي الخفيفة علي الرصيف، ثم ينصحها بأن تعني بنفسها وينطلق بسيارته، ويهرع المارة؛ ليروا ما شأن هذه المرأة ليكتشفوا أنها لا تعي أي شيء تقريبًا وفي حالة ذهول تام. ويكتشفون أنها كانت مريضة في مستشفي قريب ثم نفد ما معها من مال فتخلص منها المستشفي بهذه الطريقة التي - علي حد وصف أحد الشهود - تحدث بشكل متكرر..
هذه الواقعة حدثت بالضبط في مصر منذ وقت قريب، وتدل علي أننا تلاميذ مخلصون للعولمة، لكنك تندهش فعلاً عندما تتذكر أنها وقعت في أمريكا، وتري تفاصيلها في مشهد مؤثر من فيلم «سيكو Sicko» الذي قدمه المخرج الأمريكي المشاغب مايكل مور عام 2007.

الفيلم درس لهؤلاء المنبهرين بالمجتمع الأمريكي والتجربة الأمريكية. الذين لا يكفون عن الكلام عن السوق الحرة والخصخصة، وأن المجتمعات نضجت بما يكفي كي تستغني عن «ماما» الحكومة.. يقولون: لقد شفينا من الأوهام، ولن نعود لعصر عبد الناصر الذي حقق للمصريين اشتراكية الفقر تارة واشتراكية الحقد تارة أخري. هذا الفيلم يلقن هؤلاء العباقرة درسًا قاسيًا.. إن المجتمع الأمريكي مجتمع يلتهم نفسه بالمعني الحرفي للكلمة، وبشهادة مخرج أمريكي يحب بلاده حقًا. لكن هذا لا يمنعه من أن يعلن في بداية الفيلم أن بلاده تقع في الموقع السابع والثلاثين في ترتيب الخدمات الصحية.. أي إنها تقع بعد كوستاريكا وقبل سلوفينيا!

في بداية الفيلم نري مشهدًا قاسيًا لرجل ليس لديه تأمين صحي.. هكذا يقوم بخياطة جرح بليغ في ساقه أمام الكاميرا مستعملاً إبرة الخياطة. هناك رجل آخر فقد إصبعين من يده .. خيَّره المستشفي بين أن يدفع 600 ألف دولار ويعيدوا له الإصبع الأصغر أو يدفع 12 ألفًا؛ كي يثبتوا له الإصبع الأوسط !.. فضَّل الرجل أن يثبت الإصبع الأوسط لأنه أرخص ولأنه إصبع الخاتم وهو رومانسي! يخبرنا الفيلم أن هناك خمسين مليون أمريكي بلا تأمين صحي، وأن 18 ألفًا سيموتون هذا العام بسبب عدم وجود أية رعاية صحية لهم. هناك عجوز علي أبواب الثمانين من عمره يعمل في جمع القمامة ولا يستطيع التوقف أو التقاعد، ببساطة؛ لأنه يتمتع بمظلة التأمين الصحي ما دام يعمل.
شركات التأمين الصحي العملاقة هناك أشبه بعصابات المافيا، وقد رشت كل أعضاء الكونجرس تقريبًا. وهذه الشركات لديها محققون مهمتهم أن يفتشوا تاريخك كأنك قاتل.. إذا احتجت لجراحة أو خدمة صحية ما، يبحثون عن خطأ ما في تاريخك المرضي.. خطأ يتيح لهم رفض الدفع.. هناك قائمة بملايين الأمراض التي لا يشملها التأمين الصحي.. هكذا يحصلون علي المليارات ولا ينفقون إلا ملاليم!

لقد بدأ هذا النظام المرعب في عهد نيكسون عام 1971، واستمر حتي جاء بيل كلينتون وزوجته النشيطة هيلاري التي صممت علي أن يصير حق العلاج مكفولاً للجميع.. يجب أن يكون العلاج مسئولية الدولة. وكأنها داست علي ذيل الشيطان ذاته هبَّ رجال شركات التأمين المنتفخون بالمال الحرام يصرخون: هذا يعيد تدخل الدولة في الصحة.. إنها تفتح الباب للطب الشيوعي!. الشيوعية! .. الويل!.. كل رجال الكونجرس يخطبون مطالبين بأن يبقي العلاج بعيدًا عن رقابة الدولة.. «فنحن نحب أمهاتنا مثل هؤلاء وأكثر». يقول مور ساخرًا: نعم .. لا شك في أنهم يحبون أمهاتهم، لكنهم لا يحبون أمهاتنا بالقدر ذاته!

هنا يريك المخرج مشهدًا فريدًا: أمريكان يعبرون الحدود إلي كندا لكي يظفروا بالرعاية الصحية !.. وتقول فتاة أمريكية شابة إنها أصيبت بسرطان عنق الرحم، لكن شركات التأمين الصحي الأمريكية رفضت علاجها؛ لأنها أصغر سنًا من أن تصاب بهذا السرطان!.. ويقول له أمريكي: هنا لا تساومك المستشفيات علي ثمن إعادة أصابعك المبتورة !. ثم نكتشف أن أمريكيين كثيرين يتزوجون كنديات؛ كي يتاح لهم الظفر بخدمات الرعاية الصحية الكندية.

يسافر مور إلي بريطانيا ليري نظام الرعاية الصحية هناك، ويسأل كل من يلقاه عن تكاليف العلاج، فيضحكون في سخرية، لأن كل شيء بالمجان هنا.. الحكومة تتحمل كل شيء، وهو نظام محكم بدأ عام 1948 . ويقول أحد المرضي: «نحن لسنا في أمريكا والحمد لله !". بل إن مور يكتشف وجود خزانة في مستشفي هامر سميث فيعتقد أنها المكان الذي يدفع فيه المرضي تكاليف العلاج.. يتضح له أن هذه الخزانة لا تتقاضي ولكن تدفع .. تدفع للمرضي تكاليف المواصلات لدي عودتهم لديارهم! ويخبره طبيب بريطاني إنه يتقاضي مكافأة إذا خفَّض عدد كبير من مرضاه ضغط دمهم أو مستوي الكولسترول لديهم! . لهذا يعيش البريطانيون ثلاثة أعوام أكثر من الأمريكان!
هل يعيش الطبيب البريطاني في زقاق ويركب المواصلات العامة؟.. بالعكس.. لديه شقة فاخرة مريحة وسيارة حديثة. يقول الطبيب لمور: «لو أردت أربع سيارات وقصرًا ومنتجعًا فلسوف تجد أن راتبك غير كاف.. لكن لو أردت حياة هادئة مريحة كهذه فراتبك يوفرها بالتأكيد»
هل هذه شيوعية؟... هل وجود خدمات مجانية تقدم للمواطنين بلا تمييز خيانة لمبادئ الرأسمالية؟ لماذا إذن لا تتقاضي الحكومة الأمريكية ثمن إطفاء الحرائق ولا ثمن المكتبات العامة ولا المدارس الابتدائية؟

يسافر مور إلي فرنسا؛ ليكتشف أن الأوضاع أفضل هناك ولدرجة تثير الغيظ.. يخبره مجموعة من الأمريكان أن الإجازات المرضية مفتوحة وإن إجازة الوضع ثلاثة أسابيع مدفوعة الأجر، والحكومة الفرنسية تتحمل إرسال فتاة تغسل للأم الثياب أو تساعدها في رعاية الوليد وربما تعد لها العشاء.
يعود مور المذهول إلي الولايات المتحدة وهو يتساءل: إذا كانت الولايات المتحدة تعامل فقراءها بهذا الشكل، فماذا تفعل مع أفضل مواطنيها؟.. ماذا عن رجال الإطفاء في نيويورك الذين كرمهم بوش وتشيني وسواهم دامعي الأعين متأثرين من أجل هؤلاء الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم من أجل ضحايا 11 سبتمبر؟.. نكتشف أنهم في أسوأ حال.. معظمهم يعاني تليفًا في الرئة أو أمراضًا تنفسية مزمنة، ومنهم من طاردته الكوابيس والأمراض النفسية من جراء العمل في المنطقة «صفر». هؤلاء لم يهتم بهم أحد ولم يعالجهم أحد.

وفي مظاهرة تمثيلية درامية كالتي يحب مور وضعها في أفلامه يأخذ هؤلاء المرضي إلي كوبا حيث معسكر جوانتانامو الذي تزعم الحكومة الأمريكية أنها تعني بالمساجين فيه علي أعلي مستوي. يحاول إقناع سلطات السجن بعلاج هؤلاء فلا يرد عليه أحد. هكذا يأخذ هؤلاء المرضي إلي مستشفي مجاني في كوبا ويرينا كيف أنهم عولجوا كأفضل ما يمكن مجانًا. حتي علي مستوي الدواء، تدخل مريضة صدرية إحدي الصيدليات الكوبية لتسأل عن ثمن بخاخة استنشاق ضرورية لها. تكتشف أن ثمنها يعادل بنسين «قرشين» بينما هي تدفع لها 120 دولارًا في الولايات المتحدة! . لا تجد ما تفعله سوي البكاء غير مصدقة..

الخلاصة: لا يدخر مايكل مور جهدًا في إقناعك أن الولايات المتحدة هي الجحيم بعينه. إنها قد تكون الجنة للأثرياء ذوي النفوذ، لكنها قاسية جدًا علي الفقراء والمستضعفين وغير القادرين علي الكسب. لكنه ينهي الفيلم بعبارة عميقة: «سر قوة أمريكا هو قدرتها المستمرة علي تصحيح أخطائها». هذا صحيح..لكن مصر لا تملك هذه القدرة ومستمرة بعناد في اتجاهها مهما تبين أنه خطأ.. لهذا يجب أن نتذكر «سيكو» جيدًا جدًا كلما تقلص دور الدولة في العلاج، وكلما مشينا معصوبي الأعين وراء العولمة معتقدين أنها الحل.

كلمة أخيرة: في كل مرة يبرهن الموت علي أنه رفيع الذوق يجيد انتقاء الفرسان النبلاء الحقيقيين؛ كي يلفهم بعباءته ويرحلوا معه، وها هو ذا فارس نبيل آخر قد رحل لتصير الحياة أكثر قسوة، لولا أنه ترك لنا الكثير مما لم نحسن قراءته وفهمه بعد. عبد الوهاب المسيري بابتسامته المتواضعة الشهيرة ونظرة العالم المترفع، وعبارته المتفائلة الدائمة: «إسرائيل تحمل في داخلها بذور فنائها»، قد صار رمزًا مهمًا يذكرنا بأن مصر ما زالت قادرة علي المخاض والإنجاب. يكفينا أن نري الحزن الحقيقي في عيون الشباب كي نعرف أن أمثال هذا الرجل لا يموتون أبدًا.

د. أحمد خالد توفيق

محمد توفيق
15-07-2008, 03:50 PM
مزيد من الألغاز في قضية الغاز! (http://dostor.org/?q=node/8793)


بقلم د. أحمد خالد توفيق

الارتباط الشرطي البافلوفي يمارس دوره في الكتابة مثل أي شيء آخر. إن اللعاب يسيل والغدد الهضمية تبدأ في العمل لدي رؤية أو شم طعام شهي. وهذا الارتباط الشرطي يتكون بالتدريج لدي المرء كلما قرأ الحروف المكونة لاسم معين. لابد أن تقرأ المقال لو رأيت هذه الحروف حتي قبل أن يعي عقلك من تدل عليه.. تعتدل في جلستك وتصلح من وضع نظارتك علي عينيك ، كي تتابع جيدًا. مثلاً من المستحيل أن تتجاهل حروف اسم هيكل أو هويدي أو جلال أمين أو بلال فضل أو طارق الشناوي أو اسم واحد من الشباب اللامعين مثل محمد عبية وميشيل حنا.. الأسماء التي لم أذكرها هنا تعود لضيق المساحة وضعف الذاكرة ولا تعود لأنني أكره أصحابها كالجحيم لا سمح الله!


اسما «نبيل شرف الدين» و«خالد رمضان»من الأسماء التي تعلمت أن أقرأ ما كتب تحتها مهما كان وفي أي ظرف، لأنهما كاتبان يعرفان قيمة الحرف ويعرفان أن الكتابة عمل يختلف عن تسويد صفحة بيضاء قبل السفر للإجازة في بيانكي؛ لهذا توقفت طبعًا أمام المناظرة المكتوبة التي نشرت في عدد «الدستور» 173 صفحة 6 عن الغاز الطبيعي.


الأستاذ «نبيل شرف الدين» يري في مقاله أن هذه الضوضاء حول موضوع الغاز نوع من العصاب الجماعي يردده البعض كالببغاوات بلا فهم. الحربجية يدقون طبول داحس والغبراء، لأنهم من شعب عاطفي بامتياز، والقومجية والإخوانجية لن يتورعوا عن إرهاب أي رأي مخالف، بينما هم لم يدرسوا الأمر جيدًا ولا يعرفون أننا بهذا امتلكنا ورقة ضغط رهيبة علي إسرائيل. الشركات الإسرائيلية سوف تضغط في الكنيست ضد أي قرار يمس أمن مصر لأن هذا يهدد مصالحها في الغاز المصري. دعك من أن قيام إسرائيل بشراء كميات هائلة من الغاز تحسبًا لقيامها بحرب لن يمر دون أن تعرفه أجهزة الأمن المصرية. لابد من أن نكف عن الشعارات ونقبل حقيقة أن إسرائيل قوة إقليمية ودولية ويجب التصرف علي أساس المصالح لا العاطفة. بيع الغاز هو الطريقة الوحيدة لمواجهة تمدد النفوذ القطري «نسبة لقطر»التي تحاول أن تلعب دور «إسرائيل الخليج». أي محاولة لنقض اتفاقية الغاز سوف تعرضها إسرائيل علي مركز التحكيم الدولي وسوف يكون الحكم ضد مصر ويلزمها بدفع تعويضات ضخمة. هذا هو تقريبًا ملخص مقال الأستاذ «نبيل».


هذا المقال يحمل آراء صادمة طبعًا، وهو مقال شجاع بالتأكيد، لأنه يمس صميم معتقدات الجماهير.. أصعب شيء في العالم ليس أن تقف ضد الحاكم ولكن أن تقف ضد الجماهير بأن تقول ما يثير غيظها، ومواقع الإنترنت التي تتيح للقراء الرد علي كاتب المقال خير دليل علي ذلك.. مثلاً لو هاجمت المدرسين والمناهج الدراسية لظفرت برضا الناس، بينما لو أنصفت الحكومة نوعًا واتهمت الطلاب وأهاليهم بأنهم مسئولون عن ظاهرة الدروس الخصوصية لمزقوك شر ممزق. تكلم عن مؤامرة الغرب لهدم حضارتنا وديننا ولسوف يصفقون لك.. تكلم عن أننا سيئون جدًا وأننا أكبر عدو للإسلام ولسوف ينصبون لك المشانق. أذكر أن الشارع المصري كله كشَّر عن أنيابه وشمَّر عن ساعديه تأهبًا لصدور الحكم في قضية فتاة العتبة الشهيرة منذ أعوام.. والمتهم فيها كان محاسبًا هزيلاً مصابًا بشلل الأطفال، افترسته الصحافة تمامًا إلي درجة أن مجلة أسبوعية نشرت صورته علي غلافها من دون سروال. حولته الصحافة إلي وحش جنسي هائج يغتصب البنات في الميادين العامة، وهنا صدر حكم القاضي النزيه الشجاع ببراءة المتهم، لأن الأدلة غير كافية والقصة غير مقنعة، وكان هذا كافيًا لتفجير سخط الناس، لأنه قال بالضبط ما يخالف قناعاتهم وهو عمل أسطوري شبه ملحمي.. مقال الأستاذ نبيل شجاع ملحمي بالتأكيد وأقر له بهذا.. لكنني كذلك أختلف معه في كل حرف قاله !


الأستاذ نبيل قال رأيه وهو رأي محترم يصدر من شخص لم يعرف عنه النفاق أو تملق الحكومة.. رجل قال كلمته وانصرف، لكنه يطرح عدة مقولات يصعب قبولها، والمشكلة أن الكاتب يري أن هذا هو الحق الوحيد الذي لم يفهمه الدهماء وأن من لا يري رأيه ضيق الأفق قصير النظر عاطفي أكثر من اللازم. وبالتالي:
1- من يرفض تصدير الغاز لإسرائيل حربجي يدق طبول داحس والغبراء، ومتشنج.
2- المنطق البارد العقلاني يقول إنه لابد من تصدير الغاز لإسرائيل.
3- إسرائيل حقيقة إقليمية لابد من قبولها وإلا كنا من القومجية والإخوانجية..
4- التمدد الإقليمي القطري هو الخطر الحقيقي علي المنطقة حيث ستصير قطر هي إسرائيل الخليج !
5- باختصار غير مخل: الصفقة عمل عبقري يدل علي فهم مطلق لموازين القوي وحقائقها علي الأرض بالجغرافيا والتاريخ علي حد قول عمنا الكبير هيكل.
لو تابعت الفضائيات لسمعت طبول القومجية الغوغائية عالية حقًا، لكن هناك نوعًا آخر من الطبول يدق بلا توقف.. هناك دائمًا ذلك المتحدث المتجهم - بالطبع لا أقصد الأستاذ نبيل بحرف من هذا، لأنني أحترمه بشدة - الذي رسم سمات الثقافة والتحضر علي وجهه وقلب شفته السفلي وراح يردد: «ألن نكف عن العنتريات وترديد المعلقات؟.. متي نفيق؟.. متي؟». يقولها كلما تحدث أحد عن تبديد ثروتنا أو كرامتنا أو تاريخنا.. وهنا تتساءل أنت: إنهم في إسرائيل حريصون علي مصالحهم وأمنهم القومي بجشع وتأن يذكرانك بالصائغ اليهودي الذي يزن الذهب، فلماذا لا يلومهم أحد هناك علي هذه العنتريات والتمسك بالماضي؟.. إسرائيل كلها قامت علي فكرة الماضي... لكن الغاز فعلاً من صميم مصالحنا وأمننا القومي ومستقبل أولادنا، فهل الكلام عنه من العنتريات؟


كان رد الأستاذ «خالد رمضان»مقنعًا جدًا، لكني أضيف له أنني لا أتخيل أن هناك تخطيطًا بعيد المدي لمصالحنا، وإنما الأمر يتعلق بمصالح شخصية ضيقة وأنت تعرف كما أعرف يا أستاذ نبيل أن هذا ما حدث فعلاً.. لقد بيع الغاز بنفس منطق بيع صيدناوي أو هضبة الأهرام.. عمولات ومكافآت وأرصدة تتضخم، لكن لا تحدثني من فضلك عن الأنشوطة التي لففناها حول عنق إسرائيل لتضيق متي أردنا، ولا تحدثني عن خزانات تفكير تخطط للمدي البعيد، ولكن ما يحرك الأمور هو المقولة الشهيرة "أنا مليونير.. هذا هو ديني" أو - باللغة العامية: «خلليها تولع». ولو كان كل هذا مخططًا له بدقة كما تقول أنت، فلماذا راجعت الحكومة نفسها وراجعت السعر المهين الذي قبلت به تصدير الغاز؟.. الناس تراجع الأخطاء لا الخطط بعيدة المدي التي لا يفهمها الغوغائيون دعاة داحس والغبراء. وهل لو انتوت إسرائيل شن حرب علي مصر ستخرج للسوق العالمة باحثة عمن يبيع لها غازًا، فيسمعها رجالنا ويعرفون بنيتها في الحرب؟.. وهل تتوقع أن ينهض عضو في الكنيست ليصرخ: لن نحارب مصر.. إن غازنا يعتمد عليها !.. بصراحة الكلام غير مقنع.


أما ما يطالب به الغوغائيون والقوميون والإخوانجية فهو معرفة الحقائق ومحاسبة المسئول لو كان هناك خطأ ما.. لقد صحونا ذات يوم لنجد أن القرار حقيقة واقعة وحذر الأستاذ هويدي أكثر من مرة من هذه الكارثة، وهو ليس غوغائيًا ولا قومجيًا ولا إخوانجيًا كما تعرف، فمن حقنا أن نتساءل. لا أحد يدق طبول الحرب لكننا نحاول منع بيع السلعة التالية - لعلها الهواء أو الهرم أو الشمس أو قبور آبائنا - لإسرائيل قبل أن نعرف كيف ومتي ولماذا ومن.

الدستور

15-7-2008
__________

تعليق صغير : يتعمد الاستاذ نبيل شرف الدين دائما طرح اغرب وجهات النظر مستندا الى مصادر لا يعرفها الا هو وفي المقابل يتهم مخالفيه في الرأي بالغوغائية رغم انه في اغلب الاحيان ما تكون وجهة نظر مخالفيه مثبتة بالمستندات ولكن هذا ديدن الاستاذ نبيل فهو التناقض مجسدا فهو ضابط شرطة سابق وكاتب في مجال حقوق الانسان ومراسل لاذاعة "سوا" الامريكية ..!!

مواطن مصري
20-08-2008, 01:24 PM
الأستاذ مزروع هو الحل (http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=420&Itemid=31)

ولَّت أيام المدرسة.. أيام الحواديت وقضم الأظافر... لكن كيف تشكر شخصًا رافقك في رحلتك من أيام الألوان الشمع حتي طلاء الشفاه؟.. ليس هذا سهلاً لكن سأحاول ..لو أردت السماء لكتبت عليها بحروف ارتفاعها ألف قدم: إلي أستاذي مع حبي..

أعرف وأنا أرحل أنني أفارق أفضل صديق لي .. صديق علمني الصواب من الخطأ، وعلمني الضعف من القوة، وهو درس عظيم حقًا .. لو أردت القمر فلسوف أحاول البدء به، لكنني سوف أمنحك قلبي.. وأقول: إلي أستاذي مع حبي ..»
هذا مقطع من كلمات الأغنية المؤثرة: «إلي أستاذي مع حبي» أغنية الفيلم البريطاني الذي عرض في مصر باسم «مدرسة المشاغبين»، وكانت شهيرة جدًا في أواخر الستينات. أتذكر هذه الأغنية بشكل مُلحّ هذه الأيام وأنا أقرأ تصريحات أوائل الثانوية العامة التي صارت تكرر ثلاث نغمات أبدية: 1- الفضل لله ثم للدروس الخصوصية 2- لم نعد نذهب للمدرسة إلا للعب كرة القدم . أي أن المدرسة تحولت إلي ناد كبير للعب ولا تصلح لشيء آخر 3- الكتب الخارجية هي الأساس والكتاب المدرسي لا قيمة له «أي أن مبلغ 1,5 مليار جنيه تنفقه الوزارة عليه يضيع هدرًا»! كانت اعترافات المتفوقين في الماضي تركز بشدة علي أهمية المدرسة وتنفي الدروس الخصوصية باعتبارها عارًا، وحتي فترة قريبة جدًا كان من يتعاطي الدروس الخصوصية يخفي ذلك كأننا نتكلم عن تعاطي المخدرات. متي وكيف صار هذا مصدر فخر؟

أتذكر أيام المدرسة وأشعر بأن الفارق بين مدرسة الماضي ومدرسة الحاضر يلخص كل شيء طرأ علي مصر والمصريين. في ذلك الزمن لم يكن الأستاذ قد تحول إلي مستر ولم تكن الأبله قد تحولت لمس، وبالتأكيد لم تتحول الرياضيات إلي «ماث». كنت في مدارس مجانية، لكني تعلمت علي أيدي أعظم أساتذة علي الإطلاق، ولولا أننا كنا مراهقين قليلي الأدب للثمنا أرجل هؤلاء صباحًا ومساء. أتذكر بالذات الأستاذ «محمد مزروع» أستاذ اللغة العربية والدين الذي علمنا عشق اللغة العربية، وكان يدرك أنه يتعامل مع مراهقين يتحسسون خطواتهم الأولي نحو عالم الرجولة، لهذا لم يكن عمله يقتصر علي التدريس، بل كان يراقب خطواتنا المرتبكة هذه ويسدي لنا النصح .. لماذا كنت في الشارع وحدك الساعة العاشرة مساء أمس يا فلان ؟.. لماذا اشتبكت باللكمات مع محمود يا فلان ؟..
ريفي شديد التدين والكبرياء وواسع الأفق، وبرغم أنه لم يكن يضرب إلا نادرًا فإن هيبته كانت قوية. لا أعرف إن كان الأستاذ مزروع سيقرأ هذه السطور أم لا، لكني سأشعر بالخجل الشديد لو فعل، لأنه قادر علي أن يستخرج مائة خطأ لغوي علي الأقل..
في حصة المحفوظات - وكان في الصف طلاب أقباط بطبيعة الحال - ينهض صاحبي معلقًا علي بيت من الشعر قائلاً: إنه يثبت أن المسيح لم يُصلب كما يزعم المسيحيون. صاح فيه الأستاذ مزروع: «خلاص.. اقعد !». عاد صاحبي يكرر ما قال فانفجر الأستاذ مزروع غاضبًا: «قلت لك اخرس .. يعني خلاص ؟.. الامتحان مش حييجي إلا في الحتة دي ؟.. المواضيع دي يا أولاد يا تُثار إلا في حصة الدين لما نكون وحدنا .. غير كدة تبقي جرح مشاعر». . درس آخر لن ينساه الطلاب. هل كان الرجل علمانيًا أو قليل التدين ؟.. بالطبع كان من أكثر من عرفت تدينًا لكنه التدين السمح الذكي الذي يحترم الآخر ولا يسعي في صلف لكسب حقده ..


القائمة طويلة .. الأستاذ «سعد الخضري» يظهر ليلقنك القواعد الأولي للغة الإنجليزية القواعد التي ستظل معك طيلة حياتك، وستجعل إنجليزيتك ممتازة برغم أنك لم تقرأ أو تكتب حرفًا إنجليزيًا قبل الصف الأول الإعدادي. إنه يتلمظ بشفتيه كلما ركَّب عبارة إنجليزية ليتأكد من أنها «طعمة والا مش طعمة»، وحتي اليوم كلما قلت جملة بالإنجليزية أسأل نفسي: "طعمة والا مش طعمة ؟".. هل كان الرجل العظيم سيقبلها أم يرفضها في اشمئزاز ؟. سأحدثك عن أستاذ «مجدي عبد المسيح» الذي راح يشرح لنا تركيب DNA والحمض النووي والريبوزوم حتي بُحَّ صوته، وعندما صحنا في احتجاج أننا تعبنا صاح في توتر: «لازم تخرجوا من هنا فاهمين الكلام ده.. لو ما فهمتوش دلوقت مش حاتفهموه طول حياتكم !«. تذكرت صيحته هذه وأنا أدرس هذا الكلام بالتفصيل في كتب الطب .. الأمر أكثر تعقيدًا بالطبع لكن الأساس موجود.


وماذا عن أستاذ محمد القاضي الذي علمنا لأول مرة أن هناك علمًا اسمه التجويد ؟.. وماذا عن تثقيفه المستمر لنا في تلك السن الخطرة وكيف حدثنا عن الجماع والاستمناء من الناحية الشرعية ؟. بعض المدرسين عرفوا أن كسب هذه السن الصعبة يحتاج إلي مزيج من الصداقة و الشدة وربما بعض الدعابات الخبيثة يدسونها هنا وهناك، بحيث تكسب المراهقين وتضحكهم دون أن تعتبر ابتذالاً.. ومن قال إن التدريس فن غير شاق ؟

وماذا عن أستاذ «فتحي موسي» ومعادلات الدرجة الأولي وقواعد ضرب الأقواس ؟.. الأستاذ «صالح» مدرس اللغة الإنجليزية. وحرصه الدائم علي أن نكتب ثلاث أو أربع مترادفات لكل كلمة جديدة، وماذا عن أبلة «منيرة العدوي» التي تسلمت تلك الأمانة في البداية ؟.. مجموعة من أحباب الله أقرب إلي قطط صغيرة وليدة لا تعرف شيئًا عن أي شيء ؟.. وكيف جعلتهم يكتبون ويحسبون ويرسمون .. أذكر صوتها المبحوح قليلاً وهي تحكي لنا قصة الإسراء والمعراج وقصة سيدنا إبراهيم. .. لقد نسيت الكثير جدًا مما تعلمته لكن ما لقنته لي باق. .. هذه من اللحظات التي يوشك فيها المعلم أن يكون رسولاً فعلاً، وما زلت حتي اليوم وأنا أدنو من الخمسين ألقي بالسيجارة من يدي لو لمحت أحدهم قادمًا من بعيد.


من قال إنهم لم يكونوا يعطون دروسًا خصوصية ؟.. كانوا يعطون لكن لطلبة المدارس الأخري أو الفصول الأخري الذين لا يدرسون لهم في المدرسة، وكان ذلك بصورة سرية هامسة، لكن عدا ذلك لم تنتقص الدروس شيئًا من الجهد الذي يبذلونه في الفصل. لكن الموضوع أعقد من أن تتهم مدرس اليوم بأنه أقل مستوي من هؤلاء أو أنه أكثر جشعًا .. الحياة نفسها أكثر تعقيدًا. .. المتطلبات أكثر. في الماضي كان ما يحصل عليه المدرس يكفيه، فإذا استزاد كانت الدروس الخصوصية كافية، ثم تأتي الإعارة إلي ليبيا وسواها، وهذه تكفي لشراء قطعة أرض بملاليم يبني عليها بيتًا صغيرًا، وتكفي لزواج البنتين .


إن الحياة تزداد تعقيدًا بطموحاتها والسعار الاستهلاكي الذي أصاب المجتمع، دعك من تغير سيكولوجية الناس ذاتها، بحيث صارت الدروس الخصوصية حاجة اجتماعية ملحة بين التفاخر والخوف من التقصير في حق العيال. يقولون إن سوق الدروس الخصوصية سنويًا تقدر بـ 11مليار جنيه، والبعض يرتفع بالرقم إلي 14مليار جنيه. لكن من الذي يطالب المدرس.اليوم بأن يكتفي براتب الوزارة لتفترسه الحياة افتراسًا؟. من يقنع الأهالي بأن يعطوا المدرسة فرصة ؟.. هناك مدارس قامت بتجارب ممتازة وكونت مجاميع داخلية لكن ثقافة الدروس الخصوصية هزمتها. نحن إذن في دائرة شيطانية: لماذا نحترم المدرسة والمدرسون لا يلتزمون ؟.. لماذا يلتزم المدرسون والطلبة لا يحترمون المدرسة؟. نحن في أغسطس لكن الكل قد حجز مواعيد دروس العام القادم، وصدرت الكتب الخارجية كلها، وكل طالب يعرف أنه لن يذهب للمدرسة بعد شهر .. سوف تتحول المدرسة إلي ملعب كرة قدم كبير لا أكثر. هل تتوقع أن تتم أي عملية تعليمية جادة في ظروف كهذه ومن يقدر علي وقف هذا القطار ؟

المشكلة كبيرة وحلها يحتاج إلي ثورة كالتي قامت بها الولايات المتحدة في الستينيات بعد ما غزا السوفييت الفضاء، وكل خبير تربوي عندنا يعرف التشخيص والعلاج جيدًا، لكنه لا يملك سلطة تنفيذية. أعرف أن هناك مخرجين وحيدين لمشاكل مصر . هذان المخرجان هما الديمقراطية والتعليم. الديمقراطية ليست في أيدينا لأسباب معروفة.. إذن يبقي التعليم .. بمعني آخر: الأستاذ مزروع هو الحل!.




المقال ده أكثر من رائع .. انا حبيته اوى :)

high hopes
26-08-2008, 12:14 PM
أهى عيشة



المستر "هاريس" يعيش فى بيت ساحر فى ضواحى "واشنطن". هناك حديقة وأرجوحة ومرآب وصندوق بريد كالذى تراه فى القصص المصورة. لكنه لا يشعر بالسعادة تماماً.. إن إبنته " إميلى" قد بدأت تتغير ومن ثمّ هو يعتقد أنها تتعاطى المخدرات.. لا يوجد دليل ولكنه شعور داخلى Gut feeling كما يقول لزوجته "باتريشيا".
باتريشيا تعرف المخدرات جيداً لأنها من الهيبى القدامى أيام حرب فيتنام وقد قابلها لأول مرة فى إحتفالات وودستوك الشهيرة حيث مارسا الحب تحت الأمطار وهما يصغيان لأغنية "حرية" التى تخرج من أحبال "ريتشى هافنز" الصوتية المتحشرجة.. باتريشيا تقول أن إميلى لا تتعاطى وهو لا يصدق..
يُدير محرك سيارته و ينطلق فى الشوارع الهادئة.. يجب أن يفكر جدياً فى شراء دراجة كى يُذيب هذه الدهون حول خصره وكى يُقلل من تلوث البيئة..
فى الطريق رأى هؤلاء المتظاهرون ضد التسخين الحرارى وقطع الأشجار.. خطر له أن عليه أن يشارك فى هذه المظاهرات ولو مرة.. الحكومة الأمريكية الحالية لا تروق له ولا تقوم بعملها لحماية الكوكب , يكفى الجمهوريون ما نالوه وما جربوه على مدى فترتى رئاسة.. لا يجب أن ننتظر أكثر..
بعد يوم شاق من العمل قاد سيارته إلى عيادة د." مورجان".. لن يخبر أحداً بهذه الزيارة..
د. "مورجان" فحصه جيداً وتفحص تقارير الأشعة ودلائل الأورام ثم جس البروستاتا من الشرج .. قال له بطريقة الجراحين الأمريكيين الباردة وهو ينزع القفاز : " سرطان بروستاتا متقدم , لكننا لم نضيع الفرصة بعد.. سوف نجرب العلاج بالهرمونات "
قال مستر "هاريس" وهو يغطى عينيه : " ماهى فرصتى فى النجاة؟"
ببرود قال د." مورجان" : " ضعيفة.. لكننا لن نضيعها "
غادر هاريس العيادة شاعراً بأسف عميق.. كلما فكر فى رحلة التقاعد إلى هاواى وإلى الشرق أحس بغصة..
لقد تمنى طيلة حياته أن يتسلق الهرم وأن يدخل معبداً بوذياً تنتشر فى أرجائه رائحة البخور.
تمنى أن يذهب إلى هاواى ليلبس قميصاً مشجراً وتلف فتيات الهولا عُقداً من الورود حول عنقه.. هذا الحلم قد يقضى عليه سرطان بروستاتا اللعين.
ونظر لنفسه : حديقة العامة حيث جلست أم شابة تداعب كلبها وتدس لقيمات فى فمه , بينما طفلتها الشقراء الجميلة تزحف محاولة أن تقتنص بعض اليعاسيب التى تطير هنا وهناك..
قال لنفسه : الحياة جميلة تستحق أن تُعاش.. سوف أقهر تلك الخلايا المجنونة.. سوف أنتصر على المرض وأسافر إلى أطراف الأرض بحثاً عن دواء.
فى الوقت ذاته يصحو " محمد بيومى" من نومه..
لا توجد مياه فى الصنبور كما هى العادة. والواد تأخر فى طابور الخبز.. المفترض أن يكون قد أحضر العيش والطعميه منذ نصف ساعة لكن لا وقت للإفطار الآن..
معجزة يومية هى أن يعود الولد حياً وسط كل المشاجرات والضرب فى طابور الخبز , لكن الولد لم يمت حتى الآن..
" عواطف" تظهر من مكان ما.. كعده بها شرسة مُتعكرة المزاج تعانى الحرمان الجنسى ولسان حالها يقول:
"قطيعة تقطعهم.. رجالة إيه دول؟"
تطلب منه فلوس الدروس للعيال والبلح.. تطلب منه شراء أحذية جديدة للواد والبت.. تطلب منه شراء حاجات رمضان والبلح.. قلت إن لك صديقاً سيحضر نوعاً جيداً من البلح ونمنا على آذاننا بينما رمضان على الأبواب..
سنمضى رمضان من غير بلح منك لله يا شيخ..
يلبس ثيابه بسرعة وينزل.. على مدخل البيت هناك فأر بقر أحدهم أحشاءه فغطت الرصيف وهناك قطة ميتة متعفنة..البكابورت طفح للمرة السادسة مع أنهم دفعوا لعمال البلدية.. يجب أن تختبر رشاقتك البهلوانية فى المشى فوق قوالب الطوب التى ألقاها أولاد الحلال هنا وهناك.. لو سقطت فوقعتك سوداء لأن هذا ليس ماء !
يركب الميكروباص الذى ينهب الطرق نهباً وسائقه الذى يحمل ندبة مطواة على وجهه لا يكف عن الكلام عن " أم قانون المرور الجديد" الذى يُتيح للحكومة أن تحلب من دمه 500 جنيه يومياً.
العرق والزحام.. ينظر خارج النافذة فيرى سحابة سوداء تغطى المدينة والكل متجهم الوجه يبحث عن مشاجرة أو رأس يفتحها. السائق يتوقف بالميكروباص فى منتصف المسافة مُصراً على أن هذه نهاية الخط..من أراد الوصول للهرم يدفع أجرة ثانية..
فى مصلحة "المجارى العمومية" التى يعمل فيها يختلس نظرة للجريدة التى على مكتب صديقه , فيجد أن العناوين كلها تتحدث عن حريق مجلس الشورى.. الدولة عاجزة عن حماية ثانى أهم مؤسسة فيها ,وبرغم هذا كان يكفى أن تمر هناك وتتمهل حتى يبرز لك أكثر من رجل شرطة يوشك على تفجير رأسك. ورياضيونا كلهم خابوا خيبة فقراء اليهود فى الأولمبياد. وبرغم هذا تجد الأخبار عن الخلافات فى الجبلاية والصراعات فى ميت عقبة والعضو كذا يُهدد بالإستقالة واللجوء للقضاء و.. وكأنهم يُشرفون على منتخب العالم.. جعجعة بلا طحن.. كادر للمُدرسين وتبرئة مسئولى العبارة وهايدلينا, وأيمن نور يكتب من زنزانته التى يبدو أنها لن تُفتح أبدا..
فى المساء يذهب إلى المشوار الذى يخشاه.. الموعد مع ذلك الطبيب الشهير الذى يُرغمه على إعادة التحاليل كلها فى معمل زوجته..والأشعات كلها لدى صديقه.. ثمن الكشف 400 جنيه. يتفحص الطبيب الأشعات والتحاليل ثم يقول فى تؤدة :
" تليف متقدم للكبد بسبب الفيروس سى .. بصراحة انت بحاجة إلى زرع كبد.. لم تعد العلاجات تصلح.. لا يُمكنك السفر للصين. لأنها أوقفت هذا النشاط.. هناك باب خلفى هو التبرع للحزب الشيوعى الصينى لكن لا يبدو أنك قادرعلى هذا"
يسأل الطبيب فى لهفة:
" كم تتكلف عملية الزرع فى مصر؟"
هل كان هذا الذى قاله الطبيب هو تكلفة العملية فعلاً؟ هل هو يمزح؟
عندما غادر العيادة نظر إلى أكوام القمامة.. إلى جثث الفئران.. إلى الدخان والزحام وسائقى الميكروباص ولجان المرور.. إلى الشباب العاطل الذى يتسلى بالتحرش بالفتيات.. إلى العشرين صحفياُ الذين يتظاهرون أمام نقابتهم وحولهم 40 سيارة بوكس وألف جندى أمن مركزى .. إلى لجان المرور وطوابير الخبز.. إلى المجارى الطافحة..
عندها فقط أدرك أن الموت رخيص ومريح ويعد بالكثير من الآمال.. من حق الغربى أن يُصاب بالذعر من الموت وأن يُكافح كى يبقى حياً.. لأن الموت يعنى فقدان اللوفر ومتحف مدام توسو و ديزنى لاند والحدائق المفتوحة فى جنوب أفريقيا.. أما هو فالموت يعنى له الخلاص من البكابورت ومن إنقطاع المياه ومن السحابة السوداء وبرنامج " صباح الخير يا مصر".. قال لنفسه وهو يتذكر حياته الموشكة على الإنتهاء :
" آهى عيشة.."
رائع.. إنه سعيد الحظ إلى الحد الذى يجعل الموت يأتيه قبل أن يدفع مصاريف المدارس ولوازم رمضان والدروس الخصوصية.. سيكون هذا رائعاً.. وللمرة الأولى منذ إستيقظ من النوم شعر بالسعادة وبدأ يضحك..



د. أحمد خالد توفيق
الدستور 26 أغسطس

high hopes
02-09-2008, 01:01 PM
بلدهم يا عم



رمضان كريم..
فى ساعة مُبكرة من صباح الثُلاثاء الماضى إتصل بى الناشر الكبير " حمدى مصطفى" ليقول لى مُعاتباً.." بأه يا راجل تكتب فى مقال الدستور بتاع إنهاردة ((رأى هؤلاء المتظاهرون)) وأنت لا تكف عن الكلام عن الحرص على اللغة العربية والحفاظ عليها؟"
أنا أعرف غيرة الرجل على قواعد اللغة العربية, فشعرت بأذنى تحمران خجلاً وقد تحولت إلى نموذج المُدعى الذى يقول ما لا يفعل. عُدت إلى جهاز الكمبيوتر أُراجع اصل المقال فرأيت أننى كتبت بوضوح " رأى هؤلاء المتظاهرين". هناك أخطاء أخرى فى المقال المنشور منها الفقرة الأخيرة التى لم تعُد مفهومة تقريباً..لكن هذه من الأخطاء الحميدة التى يعرف كل من يراها أنها خطأ مطبعى, أما الأخطاء الخبيثة فهى تلك الأخطاء التى لا يمكن أن يُصدق أحد أن الكاتب لم يقترفها.
عندما تقرأ "إن هذا رائعاً" فلن تُصدق ابدا أن الكاتب لم يكتب هذا. وقد تذكرت الأستاذ (هويدى) -مع كل ما يحمله من رصيد مصداقية لدى القارئ- عندما إحتج فى تهذيب على تغيير عنوان مقال له إلى " لماذا لا ننتخب مجلس للشعب؟" . عدم نصب المفعول به جعله يخرج عن هدوئه المُعتاد, وهى غضبة تُزيد إحترامك له بما لا يُقاس.
بالتأكيد لستُ انا الأستاذ هويدى , وليست كلماتى نصاً سماوياً يجب ألا يُحرف, وبالتأكيد يقبل المرء نسبة إجبارية من الأخطاء فيما ينشره مع كم أعباء العمل على الصحف, لكن هذا يلصق بى خطأ لم أقترفه خاصة أننى أُطالب طيلة الوقت بإحترام قواعد اللغة العربية وإلا تلاشت من بين أيدينا , ويكفى المرء أن يتحمل وزر أخطائه هو - وهى كثيرة- فلا يتحمل أوزاراً أخرى. هذا عتاب من باب العشم لجريدة غرّاء أعتبر نفسى من أبنائها بقوة , وأعتذر للقارئ لو كان قد لاحظ هذا الخطأ.

عندما مررتُ أمام مجلس الشورى ورأيت آثار الحريق المُروع وتذكرت نغمتى اللامبالاة والشماتة - أحيانا- التى سمعتها فى كلام كل الناس.. على المقاهى.. من سائقى التاكسى.. من الأصدقاء, عندها تذكرت مقالاً قديماً لى نُشر منذ عامين على شبكة الإنترنت يتحدث عن هذا الموضوع, وإنى لأستأذن القارئ الكريم فى إستعادة مقاطع منه لأنه مناسب جداً.

كانت قناة الجزيرة تعرض على الهواء أحداثًا غريبة في ذلك اليوم: وزير خارجية مصر (أحمد ماهر) يزور الحرم القدسي .. منذ لحظة دخوله الحرم راح أحدهم يهتف في مكبر الصوت:
ـ"لا أهلاً بك ولا سهلاً... عد إلى أسيادك الصهاينة ولا تدنس هذا الحرم"
وبدأت الأحداث تتخذ منحى خطيرًا عندما تزاحم الغاضبون حول الوزير المسن، فصنع حراسه طوقًا حوله بأجسادهم ورأيت على وجهه أمارات الاختناق من فرط الانفعال ونقص الأكسجين، مع قلب ليس في أفضل حال .. كان يشخص بعينيه إلى السماء فاغر الفم متلاحق الأنفاس بينما يحاول الحراس حمل جسده الضخم خارج الحرم .
مر المشهد بسلام، وتم نقل الوزير إلى مستشفى إسرائيلي حيث قيل إن الوضع مطمئن .. لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر .. ما أثار رعبي وضيقي هو أنني كنت أشاهد هذا الأحداث بلا أدنى انفعال على الإطلاق .. لم أشعر بذرة تعاطف إلا ما هو واجب نحو رجل مسن يُوشك على الإختناق , ولم تدمع عيني بسبب الإهانة التي وُجهت لمصر على شاشات الفضائيات بلا داع .. كان مشهدًا غريبًا وكفى ..
عندما فكرت في الموضوع بهدوء بعد ذلك، وحاولت فهم سبب هذا البرود العجيب الذي تابعت به الأحداث، فهمت أن السبب هو ببساطة عدم انتماء مفرط .. هذا وزير خارجيتهم يتلقى الإهانات بسبب سياساتهم الخاطئة .. فما دخلي أنا في هذا كله وما دخل مصر ؟
هذا هو ما صنعوه بنا .. أعتقد أنني كنت سأبكي لو كان المشهد يمثل هدفًا يحرز في مرمى مصر في مباراة دولية ما .. بينما أنا فعلاً لا اعرف لماذا جاء (أحمد ماهر) إلى منصبه، ولا اعرف لماذا ذهب، ولا أعرف فيم تميز (أبو الغيط) عنه . وبالطبع لن أعرف أبدًا ما دار في تلك الزيارة التي قام بها (ماهر) إلى فلسطين ولن أعرف ..
هل لي رأي في الموضوع ؟.. هل هناك من يبالي بما أعتقده ؟..هم يتفقون دون أن يأخذوا رأيي .. يُوقعون .. يُعينون .. يبيعون .. كل هذا من دون أخذ رأيي، فإذا أبديت اعتراضًا قيل لي إن هناك قنوات شرعية مخصصة لذلك ..
إذن فليتلقوا الإهانات .. لتهاجمهم الصحافة العالمية .. لتوجه لهم أبلة (كوندي) اللوم وتضربهم بالخيرزانة على أطراف أناملهم.. لا يهم .. ليس هذا شأني .. هم ليسوا قومي وليسوا رجالي.
وقد اصطك الحس الشعبي المصري المُرهف تعبيرًا مناسبًا للموقف هو "بلدهم يا عم".. نحن مجرد ضيوف هنا نعيش حياتنا على الهامش قدر الإمكان ..
الحقيقة أن هذا الاستقطاب الذي جعل الشعب والحكومة دولتين مختلفتين موجود منذ أواخر السبعينات ، وله عدة عوامل لا يتسع المجال لذكرها ولربما نناقشها فى مقال آخر.
إجتماعات ومحادثات وجلسات مغلقة ومكالمات هاتفية تخبرنا بها الصحف .. لا تعرف أبدًا ما دار فيها .. المهم أن هناك من اجتمع ومن تكلم هاتفيًا .. والنتيجة هي أنك تمر بحالة أبوية فريدة .. أنت مجرد طفل يلهو في الصالة بينما أبوك يجلس في الصالون مع أصدقائه الكبار يقولون كلامًا لا تفهمه أنت ومن العيب أن تحاول أن تعرفه.. سوف تتحمل هذا لأنه أبوك .. لكن ماذا عن من ليس أباك ولا دور لك في وجوده هنا ؟
يُحذر الجميع من بيع القطاع العام فيُباع .. يحذر الجميع من توقيع الكويز فتُوقع .. يحذر الجميع من ذبح القضاة فيُذبحون .. ينصح الجميع بحضور جنازة بابا الفاتيكان فلا يحضرها أحد ذو أهمية .. ينصح الجميع باستقبال وزير الخارجية الفلسطيني المنتخب فلا يستقبله أحد .. ينصح الكثيرون بأهمية وجود خطوط دبلوماسية قوية مع إيران فلا يبالي أحد .. يحذر الكل من خطر تعويم الجنيه فيعومونه .. كل شيء يتحرك برغم إرادتك وبلا أخذ رأيك ..
نتيجة هذا تنمو اللامبالاة ويذبل التعاطف وتراقب وزير خارجيتك يُضرب في الحرم القدسي فلا تهتم .. هذه هي الصورة الأقل خطرًا , أما الصورة الأخطر فمثالها سقوط بغداد خلال ساعات ..لقد ذاب الجيش العراقي تمامًا لأن أفراده لم يستطيعوا الشعور بأنهم يدافعون عن بلادهم بل عن صدام .. صدام الذي ورطهم في حرب طاحنة مع إيران ثم غزا الكويت لأن "دماغه كده".. فلماذا يُطالبهم بالموت في سبيله هو الذي لم يصغ لأحد سوى نفسه، ولم يسمح لأحد أن يفتح فمه إلا لإلقاء قصيدة مدح فيه ؟
هكذا تسير الأمور .. لكن مصر هي مصر .. بالتأكيد لم نفقد إنتماءنا لمصر الهرم والنيل وأحمد شوقي والشيخ رفعت والفول والطعمية ورائحة النعناع في الحقل وصوت أم كلثوم في الليل وعم (بسيوني) الفلاح العجوز الجالس يشرب الشاي على المصطبة ليلاً، وحتى جندي الأمن المركزي الذي يرفض أن يطيع أمر ضابطه ويضرب المتظاهرة الحامل .. هذه هي "بلدنا يا عم".. مصر الحقيقية الولود التي لا يعرفونها، والتي بدأت ملامحها تتقلص ألمًا معلنة قرب ولادة جديدة!



د. أحمد خالد توفيق
جريدة الدستور
2 سبتمبر 2008

محمد عبد الرحمن
06-09-2008, 03:29 PM
د. أحمد خالد توفيق يقرأ: هكذا كتبوا عن الله


عندما قررت جريدة «الدستور» أن تكتب هذا الملف عن (الله)، كان أول ما خطر بذهني هو أن ألخص كتاب (الله) للأستاذ (عباس محمود العقاد)، فهو كالعادة رؤية موسوعية شاملة تعرض كل شيء، ثم علمت أن الأخوة محرري الملف اعتمدوا علي هذا الكتاب القيم كثيرًا، لهذا كان اختياري الثاني هو عرض عدد مهم من مجلة الهلال يعود تاريخه إلي يونيو 1972، في تلك الفترة التي كان فيها الفنان (جمال قطب) يرسم الأغلفة كلها،.
والعدد أقرب إلي ملف متكامل عن الألوهية. في ذلك الوقت كان (يوسف السباعي) هو رئيس مجلس الإدارة و(صالح جودت) هو رئيس التحرير، وهي إدارة (ساداتية) جدًا قد لا تروق لكثيرين، وقد يري البعض أن هذا العدد مجرد محاولة مداهنة لإثبات أنهما ليسا شيوعيين كالآخرين!. لكن هذا لا ينفي أن العدد دسم ومهم.

المقال الافتتاحي للدكتور (عبد الحليم محمود) الذي كان وزير الأوقاف وقتها، وهو يتحدث عن رحلة الإنسان في البحث عن الإله. إن مسألة وجود الله لم تكن محل جدل وبحث إلا مع العصر اليوناني حيث دعا أرسطو إلي الاعتماد علي العقل البشري اعتمادًا تامًا للوصول للحقائق. ويري د. عبد الحليم أن هذا التفكير مبرر نوعًا في بيئة تعددية وثنية لم يبلغها رسل، وتربط بين لفظ الدين ولفظ الخرافة (الاختيار بين زيوس وهيرا وأبوللو والإلحاد يجعل كفة الإلحاد أرجح !). إن الله لا يحتاج إلي دليل بل هو علي العكس الدليل علي غيره. الشرك بالله ليس إلا نوعًا من الضعف لأنه محاولة للفرار من التكاليف. والاستدلال بالعقل العاجز لا يدل إلا علي عاجز مثله.

يتحدث د. إبراهيم مدكور في مقاله عن فكرة الألوهية لدي الفلاسفة: أرسطو رأي أنه من المستحيل تفسير حركة الأفلاك إلا بمحرك أول يحرك غيره ولا يتحرك.. وهو عقل يعقل نفسه وغاية في الكمال والجمال. في العصر الحديث دعا ديكارت إلي استعمال العقل للوصول إلي معرفة الله، وإسبينوزا قال: «إن الله جوهر لا نهائي أزلي لا يتغير» نفس الشيء ينطبق علي ليبنتز الذي اعتبر تناسق الذرات الروحية أساس العالم. كانط بني أخلاق الواجب علي ثلاثة دعائم هي حرية الإرادة وخلود الروح ووجود الله. لم يكن كل الفلاسفة من هذا الطراز، فهناك كونت بفلسفته الوضعية التي ترفض التفسير اللاهوتي للكون، وهناك الفلسفة الوضعية المنطقية التي دعت إلي فلسفة تقوم علي العلم، والعلم وحده. الوجودية دعت إلي اقتصار البحث عن الإنسان الذي يصنع نفسه بنفسه، والماركسية اعتمدت علي المادية التاريخية في تفسير الظواهر الإنسانية. برغم هذا نجد أن وليام جيمس فيلسوف البراجماتية الذي لا يري قيمة لشيء إلا بمدي نفعه، رأي أن اتصال المرء بقوة أعظم وأسمي يشعره بسعادة لا حد لها. هيجل حلم بمثالية مطلقة تعبر عن المطلق. برجسون رأي أن الله لا يحتاج لبرهان، لأننا نحس به ونستمد منه الحياة.. الحياة ذاتها هي اعتقادنا في الله. العوام لا يعانون مشكلة إيمانية، لأنهم يرون الله في كل شيء ولا يشعرون بحيرة، مما يعينهم علي قطع رحلة العمر في يسر وصبر. محاولة فرض الفلسفة علي العوام خطأ فادح، كما كان معتزلة بغداد يحاولون فرض فكرة خلق القرآن كعقيدة رسمية للناس. إن فكرة الألوهية باقية ما بقي الإنسان لأنها من أهم حاجات الفرد. العلم لم يصل لكل شيء ولو وصل لكل شيء لانتهي وزال، فما دامت في الكون خفايا غامضة فهذا هو سر الإلوهية.

بهذا العنوان الغريب يدلي رئيس التحرير صالح جودت بدلوه. إنها دراسة مدققة لتاريخ الأصنام، منذ كثر نسل سيدنا إسماعيل في مكة حتي ضاقت عليهم الرقعة الجغرافية، وحتي اضطر بعض النسل لمغادرة مكة مبتعدين في الوقت ذاته عن عقيدة التوحيد.. هكذا خرجوا وحمل كل منهم قطعة حجر من الكعبة. فكانوا أينما ذهبوا ينصبون الحجر ويطوفون حوله.. إلي أن انتهي الأمر بهم إلي عبادته.. كان أول من نصب الأوثان رجلاً يدعي (لحي بن حارثة)، وسرعان ما جرب أحدهم أن ينقل بعض هذه الأوثان وينصبها حول الكعبة في مكة. في عهد سيدنا نوح كانت هناك خمسة أصنام مشهورة طبعًا هي «ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا»، وهي تمثل قومًا صالحين ماتوا في شهر واحد فصنع أحد الصناع خمسة أصنام تمثلهم. وبمرور قرنين من الزمن كان الناس قد تحولوا إلي العبادة الصريحة لها. أول صنم عبده العرب هو «مناة» الذي لم يهدم إلا علي يد علي- رضي الله عنه- أهم الأصنام كان «العزي» الذي حطمه خالد بن الوليد «مناة واللات والعزي» كان العرب يعتبرونها بنات الله- والعياذ بالله- من الأصنام الشهيرة كذلك «هبل وأساف ونائلة».. الأخيران عاشقان قيل إنهما ارتكبا الإثم داخل الحرم فسخطهما الله صنمين.. لكن لماذا عبدهما الناس إذن؟

يبدو أن العرب في الجاهلية كانت لديهم هواية الأصنام بشدة، لدرجة أن الرجل المسافر كان يبحث عن أربعة أحجار.. يتخذ واحدًا للعبادة ويستخدم الثلاثة الباقيات ليضع عليها القدر !.. هذا يخبرك بضخامة التغيير الثوري الذي جلبه الإسلام.

هذه دراسة أدبية مهمة لـمحمد حسن يستعرض فيها آراء ثلاثة من المفكرين هم العقاد ود. أحمد زكي وعبد الرزاق نوفل. أحدهم سار علي طريق العقل والمنطق فأدرك أن الله ذات وأن الذاتية أعلي المراتب علي الإطلاق، والثاني سار في طريق العلم فهاله تناسق الكون ووحدته وأدرك أنه من عمل ذات عظمي. الثالث توصل للإيمان عن طريق الإعجاز العلمي للقرآن.

يري العقاد في كتاب (الله) أن تاريخ الإيمان مر بثلاثة مراحل: التعدد.. الترجيح حيث يظل عدد الآلهة كثيرًا لكن واحدًا منها يتميز عمن سواه بالقوة.. ثم مرحلة الوحدانية لإله واحد. أحيانًا هناك الثنائية حيث هناك إله للخير وإله للشر مع جعل إله الخير أعلي مرتبة. هذا يدل علي أن التوحيد هو ذروة النضج الإنساني وهو أكثر العقائد اتفاقًا مع عقلية الإنسان. أحمد زكي في كتابه (مع الله في السماء) يستخدم العلم والعلم فقط لإثبات وجود الإله. إنه يبحث في الدقة والحكمة المميزة لخلق الكون فيدرك وجود قوة عاقلة مهيمنة. أما عبد الرزاق نوفل فيصل للحقيقة بطريقة تذكرنا كثيرًا بأساليب الإعجاز العلمي التي لم تكن في عام 1972 قد بلغت الحجم الذي نراه اليوم.

وهذه دراسة مهمة مرهقة قام بها د. علي أدهم. يقول إن القرن السادس قبل الميلاد كان قرن الفلاسفة الدينيين.. لقد تميز بظهور شخصيات مهمة مثل بوذا في الهند وكونفوشيوس ولاو تزي في الصين وزرادشت عند الفرس. من المهم أن نعرف أن بوذا وكونفوشيوس كانا (لا أدريين) بمعني أنهما يعتقدان بوجود آلهة، لكنهما لا يهتمان بها كثيرًا ولا يتساءلان عن حقيقتها، لأن الإنسان لن يجد الإجابة أبدًا مهما حاول، ولذا كان جل اهتمامهما الأخلاق التي تحكم سلوك البشر في عالمنا هذا. كان كونفوشيوس يرفض الإجابة عن أسئلة الحياة بعد الموت قائلاً: «لو قلت إن الموتي يحسون ويشعرون لانتحر الأبناء كي يلحقوا بآبائهم الموتي، ولو قلت إنهم لا يشعرون فإن الأبناء لن يهتموا حتي بدفن آبائهم». كان كونفوشيوس برغم لا مبالاته بموضوع الآلهة يؤمن بإله واحد هو السماء. الخلاصة إنه من الخطأ النظر إلي البوذية والكونفوشيوسية كدينين وإنما هما مذهبان فلسفيان. لا يمكن أن يوجد دين من دون إله يعبده، لهذا حاول بعض أتباع بوذا أن يرتفعوا به إلي مرتبة إله وهو المذهب المعروف باسم (ماهايانا).

د. (محمد أحمد عوف) يتحدث عن القاديانية والبهائية. (ميرزا غلام أحمد) في الهند هو مؤسس الدين الغريب (القاديانية)، وهو شخصية غريبة تعاني هلاوس العظمة ويعتقد دومًا أنه النبي المنتظر. القاديانية ذاتها خليط عجيب من الإسلام والمسيحية والهندوكية، لدرجة أنه يزعم أنه وجد قبر السيد المسيح في كشمير حيث هرب من اليهود. ويزعم مرة أخري أن السيد المسيح مدفون في قبر الرسول صلي الله عليه وسلم. دعا كذلك إلي نبذ فكرة الجهاد.. فالجهاد حرام خاصة الجهاد ضد البريطانيين !.. بل يجب علي المسلمين أن يفدوا الحكومة البريطانية بأرواحهم. كل من لا يتبع المذهب القادياني كافر. محمد خاتم النبيين بمعني أنه يختم علي أية رسالة جاء بها الأنبياء، لكن لفظة (خاتم) لا تعني أنه آخرهم. هناك محاولات تبشير قامت بها الجماعة، وهناك حادثة طرد طالبين من كلية أصول الدين بالأزهر عام 1940 لأنهما حاولا الترويج لمذهب القاديانية.

أما البهائية فأمرها معروف للجميع.. إنها الدعوة البابية التي ظهر بها الميرزا حسين عام 1893، والذي سمي نفسه (البهاء). أو عز اليهود إلي السلطان التركي أن ينفي البهائيين إلي عكا بفلسطين، وهناك دعا البهائيون إلي نبذ الجهاد وإباحة الربا.. وهذا كان تمهيدًا لقدوم اليهود القريب. كرم البريطانيون البهائيين في فلسطين بشدة وقلدوا (عبد البهاء) وسام الإمبراطورية.

لا تنسي المجلة كذلك أن تنشر بحثًا شائقًا لد. (نجيب ميخائيل) عن فكرة الألوهية عند الفراعنة، وهو قريب علي كل حال من كتاب (فجر الضمير) لأورستد. أما عن د. (محسن صالح) وهو الذي كان يغطي بالكامل الجانب العلمي من كتب دار الهلال في ذلك الوقت، فهو ينشر مقالاً عن إعجاز الكون ودقته ويربط هذا بحتمية وجود إله.

وفي النهاية يقدم لنا (عاطف مصطفي) عرضًا بالصور الملونة لأهم المساجد في العالم وأجملها. دعك من قصائد متناثرة بين المقالات لميخائيل نعيمة (كحل اللهم عيني) وأنور العطار (الله جل جلاله) ومسعود سماحة (الله مالك الملك) ومحمود العتريس (نور الله) ورياض المعلوف (الله والشاعر). كما تري هو عدد متكامل استكمل كل جوانب الموضوع، وقد تم إخــــــــراجه وإعداده بحب واتقان شديدين، بحيث يبقي العدد في مكتبتك دائمًا وترجع له أكثر من مرة

سـوار الياسـمين
09-09-2008, 11:47 AM
الأميرة حامل .. من فعل ذلك؟

يحكي الأستاذ (هيكل) عن أن أحد أساتذة الصحافة البريطانيين الذي قال له في إحدى محاضراته:"الخبر الناجح صحفياً هو الخبر الذي فيه شئ من الملكية -بفتح الميم- وشئ من الغموض وشئ من الألوهية وشئ من الجنس". و ابتكر الأستاذ خبراً يجمع كل هذه العناصر معاً: قالت الملكة:"يا إلهي ! .. الأميرة حامل! .. من فعل ذلك؟" هذا الخبر يحوي الألوهية (يا إلهي) ويحوي الملكية (ملكة و أميرة) ويحوي الجنس (حامل) ويحوي الغموض (من فعل ذلك؟).

هناك من رؤساء التحرير المصريين من تعلم هذا الدرس جيداً, وفي التسعينيات كانت هناك مجلة أسبوعية رائجة لا يخلو غلافها من عناوين مثل (الموساد ومشايخ الفضائيات في غرف الجنس الجماعي) وكلام قد يختلف في كل مرة، لكن له هذه النغمة دائماً..!" ولعل ذلك المجنون الذي يملأ جدران القاهرة دعاية عن كتابه (الألوهية و الجنس) يملك حاسة صحفية بارعة برغم كل شئ..

حادثة المطربة اللبنانية التي ذُبحت في دبي تحوي كل عناصر النجاح الصحفي، ففيها مغنية حسناء وفيها غموض وفيها رجل قريب جداً من السلطة, و إن كانت خالية من الألوهية على كل حال. لا يستطيع أي شخص بالطبع أن يصدر حكمه على المتهم لأنه مازال يُحاكم, وبالتالي هو برئ حتى لحظة إدانته من المحكمة، لكن الصحف والناس قد أنطلقوا في محاكمة علنية جماعية أصدرت أحكامها منذ زمن, و الأهم في الموضوع أن هذه تسلية ممتازة في الصيام.

هناك سمة مهمة واضحة في إعلانات رمضان التليفزيونية لهذا العام: نغمة عالية جداً تدعو الناس للتقشف والتعقل لأنهم في شهر واحد ينفقون على الطعام ما ينفقونه في عام .. ومعنى هذا الإعلان واضح هو أن العيب فيكم يا في حبايبكم, أما الحكومة فلا ذنب لها وليس بيدها أن تفعل شيئاً .. أنتم تأكلون وتشربون أكثر من اللازم. أتذكر هنا كلمات د. جلال أمين عن كون الحكومة تلوم المواطن على كثرة الإنفاق على الشاي وكثرة إذابة السكر فيه، فيقول غاضباً: "الناس لابد أن تشرب شيئاً ما .. ومن الأفضل لهم أن يشربوا الشاي من أن يشربوا أشياء أخرى مما يشربها الآخرون الأكثر ثراء!". يلي هذا إعلان عن الأيس كريم ثم إعلان عن السمن، ثم إعلان من حملة تجميل (عز) الرمضانية المعتادة, ثم إعلان عن الزيت، ثم إعلان يظهر لك بعض المخلوقات التي كانت رجالاً معدعوة للتبرع لهم في حساب رقم كذا, ثم إعلان لسداد الضرائب. وسط هذا الضغط كله يتساءل المواطن عن سبب الحالة الأقتصادية الخانقة .. هل سببها أنه يشرب شاياً أكثر ويح القطائف, أم سببها ذلك الثراء الفاحش الذي يرى بصيصاً سريعاً منه كلما تعلق الأمر بسقطة لرجل أعمال هنا أو هناك؟, حيث صار من يملك مليوناً أو حتى عشرة ملايين معدماً أقرب للمتسولين. لغة الكلام اليوم بالمليارات ولا عزاء لمن يتصارع في طابور الخبز , أو يرتجف هلعاً من أن يرتفع سعر كيلو اللحم نحو الخمسين, أو لم يصدق بعد أن الدجاجة الصالحة لطعام أسرة ثمنها ثلاثون جنيهاً. هنا يج المواطن قصة مسلية تشعره بمدى سوء هؤلاء القوم وفسادهم , وتشعره بأنه على ما يرام .. مهما كان عم (بيومي) البقال فقيراً فهو لا يستأجر القتلة لذبح المغنيات اللبنانيات في دبي, وهو مستعد أن يحلف على المصحف أنه لن يفعلها أبداً .. إذن هو أفضل بكثير. لست من هواة سهرات الشيشة والخيام الرمضانية, لكني أعتقد أن هذه الجريمة هي الموضوع المُفضل في كل هذه الجلسات.

الفضيحة كبيرة والقصة بتفاصيلها مُثيرة فعلاً, وكما هي العادة كلما تطوعت يد لتكشف جزءاً من غطاء المجرور تنبعث للأنوف رائحة كريهة جداً, حتى نتساءل عما يمكن أن نراه ونشمه لو أنفتح الغطاء بالكامل. شاء الله أن يحدث هذا كله في وقت واحد تقريباً لنكتشف أن معظم رجال الأعمال يعملون فعلاً, لكن ليس في الأشياء التي يزعمونها .. غرق العبارة .. إحتكارات .. صراعات قذرة .. دم فاسد .. هذا هو نوع البيزنس الذي يصدعوننا بالكلام عنه.. لكن من بين تفاصيل القصة يستوقفني بشدة رجل الأمن منفذ العملية. إنه نموذج لنمط صار سائداً في حياتنا المعاصرة وفي عوالم البيزنس. منفذ العملية الذي كان ضابطاً في أمن الدولة سابقاً تصرف بشراسة وحماقة لا ثيل لهما.. أعتقد أنه أول مجرم في التاريخ يبتاع سلاح الجريمة ببطاقة الفيزا, ويصمم على تنفيذ العملية بخنجر مما يستخدمه رجال العمليات الخاصة (لابد أنه أراد أن يعطي الأمر لمحة سينمائية ما) مما جعل تتبع أثره عملاً في منتهى البساطة بالنسبة لشرطة دبي .. يتم تكليفه بمحادثة هاتفية من هذا الطراز:
- ألو .. إزيك يا محسن عاوزك النهاردة ضروري..
- فيه حاجة ..؟
- لا .. في مهمة هي مسألة حياة أو موت ..
- هجيلك النهاردة.

الأمر لا يتعلق بشراء اتنين كيو طماطم ولكن بذبح إنسان خارج حدود البلاد, وفي دولة تعتمد على السياحة بالكامل ولن تغفر أبداً لمن يمس هذا الشريان الوحيد لديها. وبعد الجريمة الشنيعة ينسى كل شئ, ويخبئ مليون دولار في البوتجاز, ويجلس ليسترخي على حمام السباحة في أحد فنادق القاهرة الكبرى, بالتأكيد يفكر في الثراء الذي هبط عليه فجأة .. هذا النمط موجود دوماً حول حمامات السباحة مثل (الهاموش) .. لابد كذلك من (شرم الشيخ) في الموضوع, ولسبب ما تحولت عند هذه الطبقة الجديدة إلى (شرم) .. لا تقل (الشيخ) أبداً و إلا فأنت موضة قديمة من بتوع حرب 73 والعبور وكل هذا الكلام..

ذكرت صحيفة الدستور أنه زعم للمليونير نجيب ساويرس أنه أختطف في العراق عندما كان يعمل هناك في شركة (عراقنا), فدفع له الأخير الفدية التي بلغ قدرها مائة ألف دولار. هكذا تفتق ذهنه عن البيزنس الجديد الذي يقوم على الأتفاق مع العراقيين على خطف المصريين هناك مقابل فدية, وهذه الفدية يدفعها ساويرس فيقتسمها القاتل مع المختطفين. في النهاية أدرك المليونير اللعبة وفصل الضابط السابق.

أنه عقل نشط لا يكف عن الحث و أقتناص الفرص. لو كانوا يسمحون بكتابة عبارة (أفاق) أمام خانة المهنة في البطاقة الشخصية لفعل ذلك.

نعم .. جاءت هذه الجريمة لتكشف عن الكثير, و توحي كالعادة بأن ما خفي كان أعظم و أننا لا نعرف إلا أقل القليل. جاءت هذه الجريمة لتمنحنا موضوعاً نتكلم فيه بعد ما سئمنا الكلام عن هزائم دورة بكين, وبعدما صارت قعدات هزار الفنانين في رمضان سخيفة مكررة, ولتشعرنا بأننا برغم كل ضرب الجزم الذي نتلقاه أفضل و أحسن .. شكراً لهؤلاء السادة على كل ما يمنحونه لنا من مُتع. فقط نرجو أن يرفقوا بنا ويخبرونا في الوقت المناسب: من المسئول عن حمل الأميرة؟

الدستور
الثلاثاء 9/9/2008

أحمد ممدوح
16-09-2008, 02:15 PM
ماتوا ومعهم الموبايل


قرأت ما كتبه العالم عن حادث الدويقة في عدة صحف ومواقع غربية، وقد استلفت نظري ذلك الخبر عن المكالمات التي كان البؤساء يجرونها مع العالم الخارجي بالهاتف المحمول. علق قارئ أمريكي علي الخبر قائلاً: «هذا سخف.. الخبر ملفق.. لا يمكن أن يكون هناك أناس فقراء لهذا الحد ولديهم هاتف محمول.. دعك من أن مصر ليست في أفريقيا أصلاً !»

رد عليه قارئ غربي آخر يعرف مصر: «بالعكس.. مصر في أفريقيا فعلاً.. ثم أنك لم تر مصر لتعرف مدي انتشار المحمول ورخص ثمنه !..»


فعلاً مصر بلد غريب.. المحمول في يد الجميع وبرغم هذا يمكنك بسهولة أن تجد نفسك تحت أنقاض بناية سقطت لأن المقاول لص ولأن موظفي الحي مرتشون. يمكنك أن تحمل المحمول ولا يكون لك بيت سوي عشة صفيح. بلد التناقضات فعلاً.

لكني بلا مبالغة أرشح حادث الدويقة كأسوأ وألعن حادث عرفته مصر منذ أعوام. هذا هو الموت البطيء القاسي بالمعني الحرفي. هؤلاء قوم كانوا يختطفون دقائق من النوم بعد السحور، وفي السابعة صباحًا يتهيئون ليوم جديد من المعاناة، ليجدوا أنفسهم فجأة في أقسي تجربة يمكن أن تمر ببشر.

إن سعداء الحظ فعلاً هم من قضوا نحبهم لحظة الانهيار، لكن تخيل أن هذه الجلاميد تحتها أحياء يحاولون الاتصال بالعالم الخارجي ويستعملون الهاتف الجوال، وأنهم يموتون ببطء في لحظة كتابة هذه السطور (لن يكونوا كذلك عندما تقرأها أنت).

وبينما أنت تتناول الإفطار وتشاهد تمثيلية يسرا السخيفة، هم لم يذوقوا الطعام أو قطرة ماء منذ أيام. هذا شيء يدفع للخبال. أن تتخيل الظلام والقبر قبل القبر، والرجل يري أحبابه يموتون واحدًا تلو الآخر وبعضهم بدأ يتعفن فعلاً، وهو عاجز عن الحركة أو عمل شيء..

يتدخل خيالي الشيطاني ليزيد الأمور سوءًا: ربما يكون موت الطفل بين ذراعي أمه قاسيًا، لكن ماذا عن موت الأم بين ذراعي طفلها الذي سيقبع وحده في الظلام ويصرخ بلا انقطاع؟.. أليس هذا كافيًا للجنون؟.. هانيبال أذاب صخور جبال الألب بالخل المركز يصبه رجاله صبًا فوق الجلاميد لتعبر منها الأفيال، فمن لنا بهانيبال آخر يذيب هذه الصخور لتعبر منها الأفيال الحديدية: البلدوزرات..؟

لا يمكنك أبدًا أن تشعر بالملل في مصر، لأنك في كل يوم تخوض تجربة جديدة يحتاج الغربي إلي دخول ديزني لاند ودفع مبلغ باهظ من المال كي يجربها.

تأمل معي حياة المصري البائس الذي يسافر في قطار الصعيد، فيجد نفسه محبوسًا في عربة تحترق.. اللهب يتعالي والزهرة الحمراء المجنونة تتفتح، وهو يحاول القفز من النافذة ليجد أن القضبان تمنعه.. هكذا يتمسك بالقضبان الساخنة عالمًا أنها النهاية وأنهم سيجدونه جثة متفحمة بعد نصف ساعة من الآن..

برغم هذا يخرج المصري ليقف في طابور الخبز، هنا ينهال عليه أحدهم طعنًا بالمطواة لأنه أخذ دوره.. نفس المصري يقرر أن يصطاف فتنهار به عمارة لوران وتفر المالكة إلي الولايات المتحدة وتحاول بيع الأرض من هناك. من ثم يقرر أن يترفه ويثقف نفسه بدخول المسرح.. هذه طريقة ممتازة لقضاء الأمسية حيث يجرب شعور المسجون في قاعة تحترق.. الباب مغلق والصراخ لا يجدي..

فقط ينجح بعض المحظوظين المحترقين في الخروج وقد تحولوا إلي قطع فحم مشتعلة، فيزحفون في الشارع زحفًا طالبين الغوث، وفي مستشفي بني سويف لا يجدون محفة ولا مصعدًا ويتسلقون بأجسادهم المحترقة الدرجات..

يقرر نفس المصري أن يسافر للبحث عن الرزق، ويركب عبّارة متهالكة سرعان ما تجعله يمر بتجربة شائقة أخري هي الغرق في البحر وسط أسماك القرش.. هكذا يجمع بين فيلمي تايتانك والفك المفترس معًا.. يقرر أن يبقي حيث هو وأن يكفي خيره شره في عشته الصفيح العشوائية المتواضعة في (الدويقة)، هنا يكتشف أن المقطم نفسه لا يريد له أن يحيا، ويجد نفسه مدفونًا تحت الجلاميد.

دائمًا هو في حرب.. دائمًا في خطر.. دائمًا يقف بالفانلة أو عاري الجذع أشعث أغبر يصرخ ويشوح بذراعيه ويتشاجر دون أن يظفر بشيء.. هكذا وقف خارج مسرح بني سويف،

وهكذا وقف ينتظر جثة أخيه بعد غرق العبارة.. وهكذا وقف في الدويقة.. وهكذا وقف في البورصة وعلي أبواب شركات توظيف الأموال المغلقة.. وحتي من دون كوارث تجد المنظر ذاته: تأمل مشهد المتزاحمين حول شقق إسكان مبارك، وذلك الفتي عاري الجذع الذي تسلق المواسير ليصل إلي الموظف المسئول.

دائمًا هناك تلك المرأة العجوز الجالسة علي التراب تلطم وتمزق شعرها.. يمكن بسهولة أن تعتقد أننا في غزة أو العراق، مع فارق بسيط هو أنه لا يوجد احتلال أجنبي ولكنه احتلال داخلي.. احتلال أشنع بكثير بدليل أن قتلي حرب السويس كانوا 300 ماتوا كي نحتفظ بالقناة، بينما قتلي العبارة كانوا 1300 ماتوا ليصير صاحب العبارة أكثر ثراء، فمن الاحتلال الأكثر شناعة وتجردًا من الإنسانية؟.


وفي كل مرة وفي النهاية يظهر الجيش لينقذ الموقف باعتباره القوة الأكثر تنظيمًا وكفاءة. إذن ماذا يفعل هؤلاء وماذا عن فلان بيه وعلان بيه وكل هذه المواكب وتعطيل المرور وصرف المليارات لتجديد المكاتب، ما دام الجيش هو الذي سيحل المشكلة في النهاية؟

. يذكرني الأمر بإقطاعيي القرون الوسطي الذين كانوا يعتصرون الفلاحين بالضرائب مقابل حمايتهم، فإذا جاء الغزو من الخارج، فروا أو أغلقوا عليهم قلاعهم باعتبار هذه مشكلة الفلاحين لا مشكلتهم.

الصحف العالمية تتكلم عن الحادث بمزيج من الدهشة والحسرة واستمتاع المحرر بأنه ليس مصريًا والحمد لله: «(فرغلي غريب) فقد 8 أفراد من أسرته (خمس أخوات وزوجة أخ وطفليها) وهو لا يطلب شيئًا سوي أن يستطيع دفن أقاربه. محمد جبر وهو إسكافي من المنطقة يؤكد أن الحكومة تعمل في شيء ما فوق الهضبة منذ زمن، ويتهمها بالتسبب في الانهيار».

«(علي محمد إبراهيم) يطالب برفع جثث أسرته من تحت الأنقاض.. زوجتي وأطفالي الثلاثة تحت الحجارة.. الحكومة تعدنا بتحسين حالنا لكن لا شيء يحدث وهذا أكبر دليل علي كذبهم».

صحيفة أخري تقول: «يوم الأحد كان عدد قوات الأمن المركزي وضباط الأمن أكثر بكثير من عمال الإنقاذ في منشية ناصر. بدا أن المنقذين لا يفعلون شيئًا تقريبا وحتي مساء السبت لم تظهر آلية ثقيلة واحدة. هناك بلدوزر واحد غير قادر علي العبور». وتعرف الصحف المنطقة للقارئ فتقول: «منشية ناصر منطقة عشوائية يسكنها 2.1 مليون نسمة في مدينة بها 17 مليونًا.

الحكومة لا تعترف بهذا لذا يرتجل الناس طريقتهم في الحصول علي الماء والكهرباء». «مصر لها سجل بائس في سلامة البناء وبخاصة إضافة طوابق إضافية دون ترخيص». يقول موقع آخر: «الحادث واحد من سلسلة كوارث فادحة وقعت في الأعوام الأخيرة وهزت ثقة الناس في الحكومة وقدرتها علي التعامل مع الكوارث.. وللمرة الثانية في شهر واحد تتصدر الصحف عناوين تتهم الحكومة بالعجز وعدم الكفاءة».

صحيفة بريطانية تقول علي لسان ضياء رشوان من مركز الأهرام: «الخطير فعلا ليس هذه الكوارث، بل عدم وجود خطة للتعامل معها.. احترق أهم موقع حساس في مصر لكن لم تكن لدي الحكومة خطة..».

كما هو واضح، يعرف المراسلون الغربيون الكثير عن مصر ولا يمكن خداعهم بسهولة، ومن الواضح أن فضيحتنا بجلاجل وعالمية فعلاً. أعتقد أنهم مسرورون جدًا لأنهم ليسوا مصريين، أما نحن فلنا الله، ولنتذكر علي الأقل أن معظم من يموتون منا يموتون وفي يدهم الموبايل.



د.أحمد خالد توفيق

16/09/2008 ( جريدة الدستور المصرية )

فريق المستحيل
17-09-2008, 05:54 AM
الشفرة الغذائية

د. أحمد خالد توفيق



عندما تلقيت الدعوة على الإفطار في رمضان من ذلك المنتدى على الإنترنت، قبلت على الفور ومن دون تفكير .. لا يجب أن ينتظر المرء ليفكر عندما يتعلق الأمر بالطعام المجاني. وهناك مثل لا أذكر نصه يقول: "لا أحد يموت من الأكل .. من يمت يمت جوعًا !". صحيح أنني سأسافر من مدينتي إلى القاهرة، ويكون علي أن أعود بعد الإفطار بمعدة ممتلئة وجسد متثاقل، وحجاب حاجز مرتفع، ومخ تدنى الأكسجين الواصل له، لكني قلت إن الأكل يأتي أولاً وبعد هذا نفكر.
هكذا أرسلت موافقتي ..
بعد يومين كان هناك حادث سياسي جلل تكلمت عنه الصحف، فدخلت ذلك المنتدى لأعرف رأي الشباب وما يقولون.. هنا وجدت هذه السطور المرعبة:
ـ"الدمار المدمر: حساء ودجاج بانيه .. رجل المستحيل: مكرونة ولحم مسلوق .. فتاة الغد: مكرونة وحساء ودجاج بانيه .. "
وهكذا على امتداد ثلاث صفحات كاملة .. وقد أصابني الرعب لأنني افترضت أن هذه شفرة مهمة، ويبدو أن شباب هذا المنتدى قرروا أن يقوموا بعمليات على أعلى درجة من الخطورة ..
إن الشفرات المتعلقة بالأكل شهيرة جدًا في العالم العربي.. أذكر أن شفرة التحذير من هجوم من ناحية إسرائيل في حرب 1967 كانت (عنب .. عنب .. عنب).. وهي الإشارة التي أرسلها الشهيد (عبد المنعم رياض) فجر يوم 5 يونيو فلم يتلقها أحد أو تلقوها وحسبوا أنه رجل يشتهي العنب، أو أنه يتنبأ بأغنية سعد الصغير التي سيغنيها بعد هذا بأربعين عامًا (العنب . العنب)..
أذكر كذلك الشفرة التي سمعناها من إذاعة فتح وتقول: "الويسكي في الطريق .. واصلوا الرقص .. الله معكم !"... طبعًا معناها هو (الذخيرة قادمة .. استمروا في المقاومة .. الله معكم)..
هناك شفرة شهيرة جدًا هي (السنجة في الرنجة) وتعني القتل الفوري، وقد استعملت في أحد أفلام فؤاد المهندس، واشتهرت مع شفرات أخرى غير غذائية مثل (الفلة في الفانلة) و(العملية في النملية).. و(القزازة في البزازة)...

المهم أن الذعر أصابني ورحت أتخيل ما قد تعنيه (مكرونة ودجاج بانيه) هذه، وهل علي أن أنصحهم بالتروي أم لا ؟.. ثم فوجئت باسمي وأمامه العبارة الرهيبة (مكرونة ودجاج مشوي).. يا نهار اسود !!
هنا فهمت .. إنهم يحصرون ما ينوي أن يأكله كل واحد من ضيوف الإفطار. وهو نشاط محمود، لكن لا أفهم أن يأخذ كل هذه المساحة على الإنترنت .. دعك من أنني ريفي أعتبر الأكل من الأسرار الحميمة، لهذا لا أفهم أن يذاع على الملأ ليقرأه كل من يقرأ العربية على ظهر الكوكب ..
تمنيت لو استطعت رفع اسمي من هذه القائمة الرهيبة .. لكن الأوان قد فات على كل حال ..
وفي اليوم الموعود ذهبت إلى الإفطار.. جلست إلى المائدة خافض الرأس كاسف البال، هنا وجدت أنهم وضعوا أمام كل منا طبقًا فيه أرز وربع دجاجة مع برام خضار لكل ثلاثة .. لم أفهم السبب لكنهم قالوا لي إنهم وحدوا وجبة الطعام منعًا لحدوث ارتباك ..
إذن ما لزوم حملة التشهير هذه على الإنترنت ؟..

تناولنا الإفطار والحمد لله أنني لم أشبع بما يكفي .. هؤلاء القوم لا يملكون فكرة عن شهيتي، فهذا الذي أكلته هو أقرب إلى التمر الذي أغير ريقي به بعد الصيام.. هكذا وجدت في نفسي القوة والعافية اللتين تسمحان لي بالسفر عائدًا إلى مدينتي. سألوني عما يدعوني إلى الإسراع فقلت في جدية: :"أريد أن أتناول الإفطار ... أنا جائع !"

وما زالت تلك الصفحات موجودة على الإنترنت بعد عامين، تعلن بوضوح أننا مجموعة من الشرهين الذين اجتمعوا ذات يوم في رمضان لالتهام الدجاج والأرز والمكرونة واللحم. هذا بالطبع إلى أن تشك المخابرات المركزيةالأمريكية في أن هذه الصفحة تحتوي شفرة غامضة رهيبة، وترسلنا جميعًا إلى جوانتانامو !

doctorzero
19-09-2008, 04:52 AM
عندما يخرج الوحش


الكبت أزمة عنيفة في كل المجتمعات، لكنها أعنف في مجتمعنا، ولا أعني بهذا الكبت الجنسي فحسب بل العجز عن التعبير عن الغضب أو القهر أو الغيظ. تأمل لو أنك انفجرت في رئيسك غاضبًا وقلت له رأيك فيه فالنتيجة هي: "إنت مش عارف شغلك يا أفندي.. خصم 15 يوم ومن بكره في الشئون القانونية"!.

تنفجر في أستاذك فتكون النتيجة: "مجلس تأديب وفصل.."!.

تنفجر في الضابط المستفز فتكون النتيجة: "إنت حتطول لسانك يا روح أمك؟!" ثم: "وبتفتيش المتهم قمنا بتحريز قطعة بانجو يحملها بغرض الاتجار".

تتشاجر مع زوجتك: "إنت ازاي تكلمني كده؟! ماما كان معاها حق لما قالت إنك إنسان سافل!!"..

تتشاجر مع أي واحد في الشارع. النتيجة هي أن تصحو في المستشفى لتتشاجر من جديد مع الممرضات!..

هكذا لا يوجد مكان يتحمل انفجارك على الإطلاق، وهذه مشكلة حقيقية لذا يبحث الناس عن مخرج، وهذا المخرج قد يكون غريبًا.. في كل رمضان سوف تقرأ في الصحف قصة العامل الذي ذبح زوجته وأحرقها بالكيروسين؛ لأنه عاد للبيت قبل أذان المغرب وهي لم تنتهِ من طهي الفطور بعد. الأمر لا يتعلق بالجوع ولكن بإخراج شحنة الغضب والعنف الداخلي لأوهن سبب، خاصة أنه لم يشرب شايًا أو يدخن منذ ساعات.. لهذا يصير خلقه أضيق من سم الخياط..

بالطبع لا يرتاح الكثيرون لهذه الطريقة من تنفيس الكبت التي تنتهي بالمؤبد أو المشنقة حسب كمية العنف المكبوتة لدى القاضي وقت النطق بالحكم، لكن هناك آخرين وجدوا طرقًا أسهل مثل صديقي الذي اعتاد أن ينطلق بسيارته على الطريق السريع -ليلاً عندما ينام الرادار- بأقصى سرعة، ويخرج رأسه من النافذة وينطلق في انفجار من السباب والصراخ.. هذا شيء أفهمه....

في لندن هناك حديقة (هايد بارك) التي يمكن اعتبارها أكبر جلسة علاج جماعي في التاريخ، حيث يمكنك أن تقف على صندوق خشبي وتخطب في الناس مطالبًا بقتل الرضع أو أكل الصراصير أو سلخ "توني بلير"، ولن يمنعك أحد من الكلام.. بل أن الشرطة هناك لحمايتك.. هكذا يمكنك أن تخرج الأبخرة السوداء في صدرك من دون أن تجد يدًا ثقيلة لمخبر اسمه "بسطويسي" يقول لك في خطورة أمنية: "تعالَ كلِّم الباشا كلمتين وارجع على طول.."..

هناك مَخرَج آخر كان سائدًا منذ أعوام، وهو الكتابة على الجدران. في الخارج يتخذ هذا الشكل من إخراج الكبت شكلاً فنيًا اسمه (الجرافيتي Graffiti) وله نجوم يعرفهم الناس هناك بالاسم. في مصر نجد هذا النشاط بشكل محدود، وإن كان الأستاذ اللباد يحكي عن نداء (شُرم برُم) الغامض الذي ملأ جدران مصر قديمًا، وكان في الواقع صرخة مكبوتة عبثية ضد الاحتلال الإنجليزي.

لكن نشاط الكتابة على الجدران يزدهر فعلاً في دورات المياه عندنا، ولو أن عالمًا نفسيًا قام بهذه الدراسة كريهة الرائحة لفهم الكثير عن النوازع المكبوتة لدى الناس. طبعًا يتخذ شكل الكتابة هنا تحررًا جنسيًا زائدًا وشتائم ورسومًا بذيئة.. في العصر الحالي هناك أرقام موبايل واتهامات لفتيات يذكرهن الشخص بالاسم، فيشتمه واحد آخر بأقذع الألفاظ.. وهكذا. من الصعب أن تجد دعوة للثورة أو نداء سياسيًا في مكان كهذا طبعًا، لكن المقياس واحد..

اليوم ظهرت طريقة أخرى لإخراج البخار الأسود هي الإنترنت.. المدونات حل عبقري تتكلم فيه كما تريد، ولو كنت محظوظًا فلن يمسك بك "بسطويسي". التعليقات في المنتديات والتعليقات على المقالات هي الأخرى تحتاج لدراسة نفسية مدققة. لأسباب كهذه يحجم المرء عن الكتابة في أي موقع ينشر التعليقات مباشرة من دون مراجعة ورقابة؛ لأن الأرجح أن تتلقى كمًّا من الشتائم لا يوصف.. هل لأنك سيئ إلى هذا الحد؟.. لا.. بل لأن من يردُّ عليك يحتاج إلى إخراج البخار وأنت فرصة سانحة.

في المواقع التي لا تقوم بترشيح الردود، يبرهن الشباب العربي على تحضره فعلاً.. ما دام لن يُقبض عليه وما دام لا أحد يعرف اسمه؛ فهو يطلق العنان لأفحش الشتائم التي تندرج تحت القائمة (د) في تصنيفي اللغوي:

القائمة (أ): شتائم متحضرة وراقية مثل (أنت غير مسئول – أنت عميل – أنت غير ناضج.. الخ).

القائمة (ب): شتائم قاسية لكنها قابلة للنشر مثل (مخبول – غبي.. إلخ).

القائمة (ج): شتائم قاسية جدًا يعاقب عليها القانون لكنها ما زالت قابلة للنشر، وهي على الأعم أسماء حيوانات. هذه القائمة تتضمن هواية التكفير أو الاتهام بالعمالة لكل من يختلف معك مع الرأي. مثلاً كل من يهاجم "صدام حسين" هو عميل للشيعة والرافضة، وكل من يمتدح "صدام حسين" هو داعية دكتاتورية وعلماني كذلك..

القائمة (د): شتائم في منتهى البذاءة ولا يمكن حتى التلميح لها، وغالبًا هي ذات طابع جنسي فاحش.. من الغريب أن هذه القائمة بالذات هي ما يفضل روّاد المدونات استعمالها في التعليقات على المقالات.. حالة لا توصف من الانفلات العصبي والعقلي، حتى لتشعر بأن كاتب هذه الكلمات يعوي ويقضم لسانه وهو يكتب.. ربما استطالت أذناه ومخالبه.. هذا هو البديل العصري لكتابة الشتائم على جدران دورات الماء…

هذه حالة نفسية فريدة. صاحب هذه السطور قد يكون متزنًا متدينًا هادئًا، بل هو غالبًا كذلك، ثم يخلو لشاشة الكمبيوتر حيث لا يراه أحد.. عندها يخرج كل هذا الصديد والقيح الأسود من داخله. لا أعرف إن كانت هذه طريقة علاجية مفيدة أم لا، لكني لا أرجو خيرًا من شخص يستعمل هذه الألفاظ ويكتبها وينشرها على العالم كله.

في قصة (أرض النفاق) ليوسف السباعي، كان البطل مهذبًا خجولاً ثم ابتلع مسحوق الشجاعة.. عندها أدرك الحقيقة المريرة وهي أن أخلاقه لم يكن دافعها سوى الخوف والجبن.. لم تكن لديه مُثُل من أي نوع إنما هو الخوف من القانون والناس، وهكذا فإنه بعد دقائق من ابتلاع المسحوق يقتحم بيت جارته الحسناء التي اشتهاها كثيرًا وكان يغض بصره عنها!

هذا هو ما يحدث بالضبط عندما لا يكون لك اسم على الإنترنت.. تدع الوحش بداخلك يخرج.. الوحش الذي لا يحكمه دين ولا خوف من القانون ولا ضمير ولا أي شيء..

في مقال قديم لي اتهمت معظم هؤلاء بأنهم مصابون بمرض (لا توريت La Tourette) الذي يرغم المريض به على أن يتفوه بألفاظ بذيئة ويأتي بحركات مشينة من دون أن يستطيع السيطرة على نفسه..

في سياق الردود هناك من يشبع هوايته بالعبث.. مثلاً هناك من يكتب أحرفًا لا معنى لها، وهناك من يحكي قصة لا علاقة لها بالموضوع. هناك صديق لي اعتاد أن يتدخل في سياق الردود.. مثلاً يتكلم المقال عن حريق مجلس الشورى، فيكتب تعليقًا يقول: "مستوى الأهلي في انحدار مستمر". هكذا تنهال عليه الشتائم من الأهلاوية وينسى الجميع موضوع المقال، ويمكنني أن أتخيل كاتبه يشد شعره غيظًا..

بعض من يردون يفصحون لا شعوريًا عن نمطهم النفسي.. في أحد المنتديات الخليجية نشروا صورة لفتاة فليبينية ملأت ثلاجتها باللحم البشري؛ لأنها تحب طعمه. هنا ردّت إحدى القارئات قائلة: "الخدم ما عندهم قلب مرة!". هكذا تكشف القارئة لك عن حقيقة مهمة، هي أن الشعب الفليبيني كله بتاريخه العريق وثقافته وأدبائه ورئيس وزارته وبرلمانه وأطبائه ومهندسيه ليس سوى (خدم). ثم أن الفتاة الفليبينية كانت تمزّق البشر وتأكلهم ليس؛ لأنها مجنونة بل لأنها (ما عندها قلب) ولأنها من الخدم. الخلاصة هي أن كل الفليبينيين يأكلون لحم البشر!

نعم.. تحتاج السبل التي يخرج بها الناس أبخرة الكبت السوداء إلى دراسة مدققة من عالم نفسي، لكني أرشح المدونات والردود على المقالات كمصدر ثري جدًا. وأرجو في النهاية من موقع "بص وطل" أن يقوم بترشيح الردود القادمة على هذا المقال بدقة، مكتفيًا بالردود من الدرجة (ب) و(ج).. بلاش (د) أرجوكم!

سـوار الياسـمين
23-09-2008, 02:23 PM
عن الاستفزاز و ماجنوتن .. و أشياء من هذا القبيل


الليل حار رطب , والبعوض يحوم حولك ثم يلتصق بالعرق فيموت غرقاً , بينما المحاسب سهران حتى هذه الساعة المتأخرة يجمع مصفوفة طويلة من الأرقام .. كلما قارب النهاية أخطأ فعاد يبدأ من الأول , و السبب هو ذلك النفير اللعين .. نفير سيارة تحت نافذته لا يتوقف لحظة. خرج أكثر من مرة وصاح طالباً من سائق السيارة أن يكف بالله عليه , فلديه الكثير من العمل الذي يجب أن يسلمه صباح غد .. توسل .. هدد .. تكلم بالعقل .. لكن سئق السيارة - وهو فتى متأنق سمج يلمع شعره بالفازلين - ينظر له ثم يضغط على النفير أكثر و يضحك.

هنا تأتي اللحظة .. يثب المحاسب إلى مكتبه فيلتقط مزهرية ثقيلة ضخمة , ومن دون أن يعرف ما يفعله يقذف بها بأقصى قوة نحو رأس الفتى الواقف جوار سيارته .. طبعاً لتتحول رأس الفتى إلى كتلة دموية و يموت فوراً .. يتهاوى المحاسب على ركبتيه دامعاً نادماً. تبدأ محاكمة القاتل , وبما أننا في بلدة أمريكية فهم يعملون بنظام المحلفين الذين يجتمعون في فندق لا يخرجون منه ويقضون وقتهم في مناقشة وقائع القضية. يأتي يوم النطق بالحكم فينتظر المحاسب في رعب معرفة مصيره .. يقول رئيس المحلفين المرهق منتفخ العينين:"لقد توصلنا إلى أن المتهم ليس مذنباً!". براءة .. يغادر المحاسب المحكمة وسط التهاني, و يبحث عن زوجته طويلاً لأنه كان يتوقع أنها تنتظره .. في النهاية تلحق به بالسيارة وتعتذر له بشدة .. كان عليها أن تستبدل بطارية السيارة التي نفدت. ولماذا نفدت؟.. تقول في خبث:"ظللت طيلة الليل أدق النفير تحت نافذة الفندق الذي يسهر فيه المحلفون لاتخاذ قرارهم!"

هذه القصة الجميلة أوردها (هتشكوك) في مجموعات مختاراته , وهي تلخص كل شئ .. أحياناً يبلغ الاستفزاز درجة لا يمكن تصورها إلا بمعايشتها , وكما يقول المثل الشعبي على لسان المسمار:"لو كنت تعرف الدق اللي على راسي كنت عذرتني".

ما مناسبة هذا الكلام؟ .. المناسبة هي أننا نعيش في موسم عجيب من الذبح والتمزيق , حتى صارت جملة"قطع قصبتها الهوائية وحنجرتها" عادية جداً و ربما مملة كذلك. عندما يرتك رجل أعمال من الجدد جريمة , فإن عنده خلفية نفسية مناسبة من اقتناص الفرص و الشراسة و التحايل و الأنانية المطلقة و الشخصية الفمية التي لا تقبل الخسارة بأي شكل , ويمكن بسهولة فهم هذا النمط الذي يحرق مالا يقدر على امتلاكه من منطلق (أنا مليونير .. هذا هو ديني). دعك من أن البهدلة على صفحات الصحف قد تروق لهؤلاء لأنها نوع من الدعاية المحببة.

اللغز الحقيقي هو قصة أستاذ الطب الذي قتل تاجر الأدوات الكهربائية. هنا فيلم رعب آخر يتضمن رأساً محروقاً و أطرافاً مبتورة بالمنشار وطلقات رصاص ... إلخ. هذا أستاذ طب ناجح وله ثلاث عيادات بمصر الجديدة و شارع عبد الخالق ثروت و المهندسين , ومن ردود الكثيرين من طلابه على الإنترنت واضح أنه معلم فاضل و أنه لم يبخل بعلمه الغزير في الغدد الصُمّ على أجيال من الطلبة.

يعرف كل من يعمل بالسلك لجامعي أنه مرغمأحياناً على ابتلاع غضبه , وقد يتجاهل حقوقه عمداً , لأن الصراع حتى لو كان الحق في جانبك يمزق ثيابك ويبعثر الغبار من حولك , فلا تبقى سوى البهدلة و أن يراك الناس في وضع مهين .. لعلك تفضل الظلم على البهدلة. فما هو مدى الاستفزاز الذي أوصله له القتيل حتى فعل ما فعل مضحياً بسمعته الحميدة و حريته وثروته و ربما حياته ذاتها؟. الجواب ببساطة هو أن بطء إجراءات التقاضي و ألعاب بعض المحامين التي تجعل (الحق على المقتول) , و ازدهار قيم البلطجة و عدم احترام القانون .. كل هذه العوامل تجعلك تعرف يقيناً أنك لن تظفر بحقك ..قد تظفر بحكم لكنك لن تستطيع تنفيذه. ما أكثر قضايا الشيكات بدون رصيد ، وما أكثر أحكام التمكين من عقار التي لا يتم تنفيذها لألف سبب .. يكتشف الناس في النهاية أن عليهم الذهاب لقهوة شيحة حيث يجلس البلطجي (حسن سنجة) مع رجاله .. هؤلاء هم القانون. عرف الطبيب الكبير أنه لن ينال حقه بالقانون أبداً , ولا شك أن المشادة كانت عنيفة و أن الكهربائي القتيل أهانه بشدة وعنف. هنا يتوقف العقل الواعي ليتولى ما تحت قشرة المخ السيطرة , وتمتد اليد الغاضبة نحو المسدس .. وينتهي فصل كامل من حياة رجل محترم. أعرف كثيرين حاولوا الحصول على حقوقهم بشكل متحضر وعندما فشلوا بدت فكرة البلطجة غير ممجوجة إلى هذا الحد. لي صديق أستاذ جامعي يقف حشد من المراهقين تحت شرفة بناته يتبادلون السباب البذئ كل ليلة , وفشل تماماً في منعهم , وقد نصحه ضابط الشرطة بأن يستأجر لهم بعض البلطجية! .. هذه الصديق بدأ يفكر جدياً في بعض الأفكار التي تبدأ بماء النار و تنتهي بإلقاء البنزين مع عود ثقاب مشتعل عليهم! .. لو ظهر غداً في صفحة الحوادث فلن أندهش كثيراً.

ليس هذا الكلام مبرراً لأن ينفذ المرء القانون بيده طبعاً , لكن المعادلة الكيميائية معقدة جداً و تتضمن عدة عوامل , منها درجة الاستفزاز و منها الاستعداد النفسي .. أعتقد أن من يقتل يحمل استعداداً نفسياً معيناً في خلايا عقله , وهذا الاستعداد يعلن عن نفسه في ظروف خاصة.

لقد قضى فقيد الطب النفسي و الأديب الموهوب د.(عادل صادق) ثلاث سنوات بين ليمان أبي زعبل وسجن القناطر يفحص فيها مرتكبي جرائم القتل , وقد تبين له أن 60% من القتلة لديهم موجات دماغية غير طبيعية , وبعضهم يعاني الشيزوفرنيا (الفصام) مما يؤدي لتبلدهم الوجداني , وبعضهم يعاني تدنياً مروعاً في الذكاء , وبعضهم شخصيات سيكوباتية ولدت شريرة و ستظل كلك مهما عوقبت (حتى بصمات أصابعها مختلفة). هكذا آمن د. عادل صادق أنه لو تم فحص كل قاتل بعناية من قبل طبيب نفسي , فإن نسبة 70% منهم سيودعون في المصحات بدلاً من إعدامهم.

هل تعرف (دانييل ماجنوتون)؟ .. هذا قاتل بريطاني حاول اغتيال رئيس الوزراء لكن رصاصته أخطأت هدفها وقتلت سكرتيره. استطاع محامي الرجل أن يثبت أنه كان مصاباً بالبارانويا و قد اعتقد أن رئيس الوزراء يريد قتله لذا قرر أن يقتله أولاً. تمت تبرئة الرجل و أودع مصحة عقلية مدى الحياة , لكن أسمه صار مصدر (قواعد ماجنوتن) أو (ماجناتن) التي تطبق في بلدان عدة في العالم. تقضي هذه القواعد بافتراض أن كل إنسان مسئول عن أفعاله إلى أن يتضح العكس , ولكي يمكن الدفاع عن المتهم باضطراب حالته العقلية , فإن على الدفاع أن يثبت أن المتهم لم يكن يعرف ما يفعله , أو هو عرف لكنه لم يدرك أن هذا خطأ. هناك مثالان مشهوران في القانون البريطاني لكون القاتل لا يعرف ما يفعله: أن يذبح امرأة معتقداً أنه يقطع رغيف خبز .. يقطع رأس رجل نائم كي يتسلى بمشاهدة الرجل يبحث عن رأسه عندما يصحو. ليس الإقرار بالجنون فراراً مريحاً في الدول التي لا تنفذ عقوبة الإعدام كما نتصور , لأن معنى الجنون أن يمضى المريض باقي عمره في المصحة , بينما الإدانة تعنى أن يقضي خمسة عشر عاماً في السجن لا أكثر!

الخلاصة: لا تستفز شخصاً يئس من العدالة .. لا تستفز شخصاً تنطبق عليه قواعد ماجنوتن أويظهر رسم مخه موجات غير طبيعية .. لا تستفز شخصاً يعتقد أنه فوق القانون و أنه قادر على عمل ما يريد بلا حساب.


د. أحمد خالد توفيق
الدستور
الثلاثاء 23/9/2008

عاااااااااااااااااااااااا ::عااا::::عااا:: فرق دقيقة واحدة .. وطبعا واضح اني كنت بكتب الموضوع في نفس الوقت اللي بتكتبه فيه يا محمد ومشفتش ردك غير حالاً:cry: .. وطبعا و أكيد مش هاشيل ردي علشان عيني طلعت في كتابته من الجرنان مليش دعوة بقا:dodo:

doctorzero
27-09-2008, 06:07 AM
شاب لطيف جداً!!


في فترة مبكرة من حياتي قرأت الكثير جداً من الأدب البريطاني، وهكذا كونت عن البريطانيين فكرة رومانسية مليئة بالرقي والتحضر، وهي فكرة يستطيع أي واحد عاش ما قبل الجلاء أن يدحضها بلا عناء.. لكن لو كنت تعتقد أنني عاصرت الاستعمار الإنجليزي لمصر أو حرب 1956 فأنت مخطئ على الأرجح. لم أكن قد قابلت بريطانياً في حياتي في ذلك الوقت مما ساعد هذه الفكرة على أن تزدهر وتنمو.. حتى تلقيت صدمتى الحضارية الأولى..

دخلت السينما ليلة الخميس مع مجموعة من أصدقائي حديثي التخرج لمشاهدة فيلم (إنديانا جونز والمعبد الملعون). كان هذا قبل عصر سينما المول والملتيبلكس، لذا كانت السينما تجربة فريدة من نوعها.. هناك فئران تجري على الأرض وتثب فوق قدمك، والتدخين مسموح به بكثافة، مع باعة ساندوتشات ومثلجات يمرون أمامك كل خمس دقائق، وهناك أشياء تتواثب داخل ثيابك لكنها أكبر من أن تكون براغيث وأصغر من أن تكون ضفادع.. هل الصراصير تثب؟!..

على كل حال يستمر العرض إلى أن يقرر أحد زبائن الصالة أن وقت الحرب الطبقية قد بدأ، فيشتم زبائن الترسو (الدرجة الثالثة) بصيحة مشهورة عالية، من ثم يبدأ الجحيم لأن كل الترسو ينطلق في الشتائم في وقت واحد. الأسوأ أن يقذف أحدهم بعقب سيجارة مشتعلة على الترسو، وهكذا تنطلق المدفعية من مائتي عقب سيجارة مشتعلة تقذف في وجهك من الترسو. يستمر الجحيم إلى أن يظهر أحد فتوات السينما ملوحاً بعصاه ويقف بين الصالة والترسو متوعداً بتحطيم دماغ أول من يخرق وقف إطلاق النار.

في هذا الجو الصاخب – الممتع برغم كل شيء- جلسنا نشاهد الأخ (إنديانا جونز) يبحث عن جوهرة ما في معبد هندي، هنا فوجئنا بذلك الشاب الأجنبي يتقدم في الظلام منا ليقول لنا بلهجة بريطانية لا شك فيها:
ـ"هل لي في سيجارة ؟"

يا سلام؟.. هكذا قدمنا له سيجارة وأشعلناها له، ثم دعوناه إلى الجلوس جوارنا ليسحب كما يريد. جلس جواري فسألته من أين هو.. قال:
ـ"بريطاني.. من (شيفلد).."

وماذا جاء بهذا الأخ البريطاني من (شيفلد) إلى هذا الوكر؟.. وماذا يفعله في طنطا بالضبط؟

قال لي إنه يدرس اللغة العربية في كلية الآداب هنا.. (فوسها).. هكذا قال قاصداً اللغة الفصحى طبعاً.. كان مدمناً لسلسلة أفلام (انديانا جونز) وهذه فرصته الأخيرة لرؤية الفيلم المذكور. ملت على صديقي أنقل له ما قيل وأضفت:
ـ"هذه تجربة مفيدة جداً.. إنه إنسان راق وصداقته كنز"

ـ"ش ش ش ش!"

كانت هذه من الأخ البريطاني من (شيفلد)، فاستدرت نحوه لأجد أنه ينظر لي وعيناه تطقان شرراً في ظلام السينما.. وضع إصبعه على شفته كي أخرس، وقال في قسوة:
ـ"تذكر إنني لا أقرأ الترجمة مثلكم"

شعرت بالخجل من نفسي.. فعلاً هؤلاء القوم متحضرون، ولا يقبلون سخافات نراها عادية مثل الكلام أثناء الأفلام.. ثم قال في ألاطة وقرف وهو يلقي عقب السيجارة على الأرض:
ـ"سيجارة؟"

لماذا يتكلم الآن إذن؟.. ناولته واحدة أخرى من علبتي.. ورحنا نتابع الأحداث على الشاشة. أحياناً أسأله عن هذه اللقطة أو هذا التعبير العامي فلا أظفر منه إلا بـ (ش ش ش ش!)..

كان يدخن كمحرقة الجثث الهندية بعد الطوفان، وسرعان ما نفدت سجائري، فكرمشت العلبة وطلبت من صديق آخر أن يناولنا بعض المدد.. ليس لي ولكن لهذه المدخنة البريطانية بجواري..

مر بائع المثلجات، وهو يطلق صيحته المميزة (ببس س س س س س!)، فمال البريطاني عليّ يطلب أن أبتاع له زجاجة مياه غازية؛ لأن ما معه من مال يكفي فقط للعودة لداره. هكذا فعلت وقلت لنفسي إن هذا البريطاني يجب أن يعود لبلاده ليتكلم عن كرم حفيد الفراعنة مع حفيد بناة الإمبراطورية. عرضت عليه أن أبتاع له ساندوتش طعمية كذلك ليحبس به، لكنه قال باسماً:
ـ"نو نو .. قذر جدًا !"

ثم أردفها بـ(ش ش ش!).. وعاد يشاهد الفيلم. بعد قليل بدأت وصلة السباب المعتادة بين الصالة والترسو (يا بتوع ترسو يا ولاد الـ...).. هنا هز رأسه وأغمض عينيه وقال في أسى:
ـ"المصريون!... لن يتغيروا أبداً!!"

قلت لنفسي إن تصرف هؤلاء وقح على كل حال، فمن حقه أن ينتقده، لكن –بيني وبينك– صعد الدم إلى رأسي.. ليس من حقه أن ينتقدنا في بيتنا، والمثل العامي يقول: "أدعي على ابني وأكره اللي يقول آمين!". لكني قلت لنفسي من جديد إن هذا الفتى قادم من حضارة أخرى وعالم آخر.. عالم أنجب "موم"، و"ديكنز"، و"جيمس جويس"، و"برنارد شو"، و"ويلز"، و"برام ستوكر"، و"أوسكار وايلد" فلابد أن صداقته مفيدة، وعليّ أن أتحمل أكثر..

بعد قليل قال صديقي المصري في الظلام:
ـ"انتهت سجائري!.. هل أنت متأكد من أن هذا البريطاني يسحب الدخان؟.. لعله ينفخ في السيجارة لتنتهي بسرعة؟"
ـ"ش ش ش ش!"

قالها صديقي البريطاني من جهة المقعد الأخرى، ومن جديد عاد يكرر:
ـ"المصريون!!"

خرب الأخ (إنديانا) بيت كل أعدائه وألقى بهم للتماسيح، وبدا أن عقدة الفيلم موشكة على الحل خلال دقائق.. هنا نهض البريطاني الذي لم أعرف اسمه، وقال بسرعة، ودون أن ينظر لنا:
ـ"تشيرز (تحية)"

وسرعان ما كان قد غاب في الظلام للأبد!...
تبادلت النظرات مع أصدقائي على الضوء المنعكس من الشاشة.. تجربة حضارية مثمرة فعلاً.. هذا الأخ البريطاني من شيفلد قد أخرسنا طيلة الفيلم ونسف سجائرنا نسفاً، وجعلنا ننفق عليه طيلة العرض، وسخر من المصريين أمامنا، وفي النهاية هو رجل عملي جداً.. لا مجال للصداقة هنا، ونحن مخطئون لو حسبنا أنه سينتظرنا بعد عرض الفيلم ليمشي معنا ويحكي عن بريطانيا. لقد استخدمنا بالقدر الذي أراده بالضبط، ولم نكن نمثل له سوى مصدر متجدد للسجائر..

قال صديقي الذي زار الدول الأوروبية مراراً:
ـ"لا تعجب.. هم بهذا التفكير العملي حكموا العالم وامتصوا دمه.. بينما نحن لا نكف عن الانبهار بهم وملاحقتهم، مدفوعين بعقدة الخواجة أو النوايا الحسنة.. والمشكلة أننا لا نتعلم الدرس أبداً.."

في هذه اللحظة هوت سيجارة مشتعلة قادمة من الترسو على ذراعي، فألقيتها أرضاً وأطفأتها بحذائي.. برغم هذا أشعر بأنني أحب الترسو ومن فيه فعلاً.. إنهم قومي.. إنهم المصريون حتى وإن لم يروقوا لهذا الأخ البريطاني من شيفلد الذي لا أعرف اسمه حتى اليوم.

مواطن مصري
28-09-2008, 04:06 PM
رجل لا يتعب



كل عام وأنتم بخير. مقالات هذا الرجل تنهمر علينا من كل صوب بحيث لا يمكن ألا تعلق عليها. وبرغم إدراكك التام لعدم جدية ما يقول وصعوبة التعامل معه كرأي، فإن كثرة الشيء وغزارته تعطيانه أهمية لا شك فيها .. عندما يكثر البعوض فلا يمكن أن تتجاهله مهما حاولت والرجل يدرك ذلك.

اسم الرجل هو موريس صادق المحامى الذي يصف نفسه بأنه المستشار القانونى بالولايات المتحدة الامريكية ورئيس الجمعية الوطنية القبطية بالولايات المتحدة. يكتب الكثير من المثقفين عن التعصب الكريه الذي يجتاح المجتمع المصري، ويطالبون بأن يعم الجميع حق المواطنة، هنا يأتي رجل كالأخ موريس يجعل هذه الرسالة شبه مستحيلة، لأنه وهو قابع في واشنطن يرسل رسائل كراهية لا تنقطع يشعل بها الداخل المصري، وعندما تتكلم عن نبذ التعصب يبرز لك أحدهم هذه الخطابات ويقول لك: "فلتر كيف يكرهوننا.. فلتر ما يقولونه سرًا بعيدًا عن عدسات التلفزيون ومكبرات الصوت !".

للأخ موريس آراء عميقة جدًا في السياسة والتاريخ صححتْ الكثير مما كنت أعتقده، ومنها:

1- جماعة الأخوان المسلمين لم يؤسسها حسن البنا وإنما وجدت منذ أن غزا العرب مصر واحتلوها.

2- عبد الناصر كان من أهم دعاة الخلافة الإسلامية وقد أعلن قيام الدولة الإسلامية عام 1952.. !.. معلوماتي أن عبد الناصر (بهدل) الأخوان المسلمين، وكان حكمه أقرب للعلمانية، لكني كنت مخطئًا كما يبدو. لكن الأجمل لم يأت بعد: " ونهبوا ثروات الأقباط واجبروهم على محاربة إسرائيل الدولة المسالمة والتى تعيش فى أرض الميعاد بعد أن حرروها من الفلسطينيين المسلمين الغزاة لها". إسرائيل مسالمة ؟.. هذه معلومة جديدة أخرى.

3- عبد الناصر طرده والده من منزله بعد زواجه من أخرى فكفله عمه وعطف عليه الاقباط فعلموه على نفقتهم.

4- في عام 67 اعلن عبد الناصر الحرب على دولة اسرائيل المسالمة وتدفق جيشه من المسيحيين والمسلمين وعبروا قناة السويس بأحدث الأسلحة فحطمته اسرائيل فى ست ساعات وقتلت مائة ألف. لماذا عبر ناصر القناة عام 67 إذا كان جيشنا يقف على الضفتين ؟! موريس يعرف.

5- اضطر الأقباط الى الدخول فى حرب 1973 ضد إسرائيل وبفضلهم وبفضل أمريكا عادت سيناء لمصر.

6- مسجد السيد البدوى كان كنيسة أيام الغزو العربى لمصر وحوله الغزاة الى مسجد وأطلقوا عليه السيد البدوى رمزا للحاكم المحتل .

7- من يفكر في إلغاء مولد أبي حصيرة يفعل هذا تمهيدًا لإلغاء مولد مار جرجس المسيحي!

8- حاول المجرم أحمد عرابى إقامة دولة الخلافة الاسلامية فضربه الانجليز واحتلوا مصر وأنقذوا الأقباط.

9- الإنجليز طردوا من مصر بعد ثورة 1919 ..

يقول كذلك: " سأدافع عن أهل بلدى المسيحيين الغلابة من أشرار مسلمين يقتلون ويذبحون البشر بكل الطرق وخاصة بعد صلاة الجمعة ". تصور هذا !.. المسلمون يذبحون البشر خاصة بعد صلاة الجمعة !... لم يحدث هذا الجمعة الماضية على ما أذكر ..

ثم يقول: " ان عدد الاقباط 18 مليونًا يواجهون نفس المشاكل من الإرهاب الإسلامى الذى يواجهه اليهود الخمسة ملايين داخل اسرائيل". لأ بأه .. هل الرجل قال هذا الكلام فعلاً ؟.. أنا أشك في أن هذه الخطابات مدسوسة عليه ويجب التأكد من أنه كتبها، ولو كان كتبها يجب التأكد من أنه يعي ما يقول، لأنه بهذا يفصل أقباط مصر ليضعهم في وعاء واحد مع يهود إسرائيل .. ويعتقد أنه بهذا يقدم لهم خدمة !..

هناك الأخت مارينا ميخائيل التي تقول في مقال بالإنجليزية: "منذ غزا الإسلام مصر والأقباط يعاملون كالكلاب .. تخيل هذا .. ثم تخيل أن من يعاملك هكذا هم أجانب !.. تخيل أن قومك يقتلون ويهانون ويعذبون .. تخيل أن تعامل كالفلاحين peasants من قوم يحتلون وطنك". لا أفهم كيف يُعامل الفلاحون، إلا إن كانت الأخت مارينا إقطاعية ممن يضربون الفلاحين بالسياط ويربطونهم في الساقية. ثم هل رأيت قبطيًا يُعامل كالكلاب من قبل ؟.. هذه جعجعة تقصد بها إرضاء الأمريكيين لا أكثر ولتذهب الدقة والأمانة للجحيم.

أذكر واحدًا من هؤلاء اتصل بقناة الجزيرة ليقول إن الأدب العربي (كله عُهر) وعلينا أن نرجع للأدب الفرعوني العظيم !..هكذا ببساطة قرر أن ما كتبه المتنبي وأبو العلاء المعري وطه حسين و.. و .. كله عهر .. فقط قال مداخلته بالعربية ولم يقلها بالديموطيقية للأسف!

مشكلة الأخ موريس إذن ليست مع المتطرفين - وهي مشكلتنا جميعًا - ولكنها مع الإسلام نفسه، وهو ينطلق من افتراض ساذج أن أمريكا لا تنام من شده الوله بالأقباط، وأن الأسطول السادس جاهز للتحرك لو صرخ أحدهم (وا بوشاه !).. بينما أمريكا بالفعل لا يعنيها في المنطقة سوى إسرائيل والبترول.. ولو اقتضت مصلحة إسرائيل تعذيب الأقباط لجاء وفد من أعضاء الكونجرس يرأسه السناتور (مش عارف مين) للإشراف على هذا. قضية الأقباط لا قيمة لها عندهم إلا حق التدخل. بالفعل يحسن الأمريكان استغلال هذه النقطة كما يستغلون نقطة الديمقراطية، وهم غير جادين في النقطتين .. مجرد طريقة للتدخل من حين لآخر .. مسمار جحا يطمئنون عليه كلما راق لهم هذا ..

ثم هو لا يبالي بأن يشعل النفوس هنا، وأن يتأذى من كلامه طانط أنجيل وعمو مينا وبشوي الذين ظلوا في شبرا ويبتاعون الفول والخبز بالمسامير صباحًا . إنه مستريح في واشنطن دي سي ويعتقد أن كل كلمة يقولها تقربه منهم درجات. إنه يقف على الرصيف الآخر يشتمك عالمًا أنك لن تصل إليه ..

ما كل هذا الحقد في خطاباته ؟.. يمكنك أن تراه يضغط على ضروسه وقد تضخمت العضلة الماضغة عنده من فرط الغل. هل هذه خير دعاية للمسيحية دين المحبة والسلام ؟.. أنت لا تكف عن ترك انطباعات سيئة عن المسيحية كالتي يتركها ابن لادن عن الإسلام.

أرى مثل هذه العضلة الماضغة المتضخمة لدى آخرين مثل مجدي خليل و شفيق أبو زيد قس الفاتيكان والمحاضر بأكسفورد الذي تستضيفه قناة الجزيرة كثيرًا.. كلاهما يملك شحنة لا بأس بها من الغل، لكنهما كذلك يقولان كلامًا منطقيًا ذكيًَا جديرًا بمناقشته ..

سألت صديقي القبطي عن رأيه في هذا .. صديقي هذا سليط اللسان ولا يجاملني أبدًا، وقد ضحك كثيرًا عندما قرأ هذا الكلام وقال:

ـ"هذا الرجل كالأطفال يتجاهل الحقائق الواضحة كالشمس لمجرد أن يغيظك .. كأن الرجل يفقأ عينه ليخيفك"

ثم أضاف كلمة لن أنساها:

ـ"عندما يذهب مهندس الكمبيوتر اليهودي (ديفيد كاوفمان) إلى نيويورك ويصنع لوبي، فهو يصنع لوبي ذكيًا يسيطر على مصائر العالم، بينما يذهب هذا الأخ إلى نيويورك ويحاول أن يصنع لوبي فيأتي شديد الغباء .. النتيجة هي أن الأمريكان يفهمون جيدًا تفاهة ما يقول، لكنهم يحسنون استغلاله "

لا تتوقع أبدًا أن يرحل المسلمون عن مصر يا عم موريس ويعودوا للجزيرة العربية، كما لا يتوقع أحد أن تختفي المسيحية من مصر .. إذن فلنتعايش كما كنا دومًا ..

على كل حال واضح أن أقباط المهجر لا يهيمون به حبًا - وهذا أراحني كثيرًا - إذ صرح مايكل منير رئيس هيئة أقباط المهجر: "لقد أصدرنا البيان بالتبرؤ من مجموعة موريس صادق بعد أن ضج الأقباط المصريون في الولايات المتحدة منه فقد كان يحصل على مقابل مادي كبير لإنهاء إجراءات إقامة الأقباط في أمريكا وكان يغرر بهم بتقديمه لنفسه على أنه محام ويستطيع مساعدتهم. وكانت الطامة الكبرى عندما طالب بمساعدة شارون وهو ما أظهرنا في شكل الخونة وهذه جريمة لأن الشأن القبطي شأن مصري أولا وأخيرًا".

على موريس صادق لو لم يكن قد كتب هذا الكلام أن يعلن أن هناك من يستعمل اسمه، وأن يعلن هذا في وضوح، لأن هذه الخطابات هي بنزين يُسكب فوق نار حتى لو لم يكن كلامه معبرًا إلا عن رأيه الخاص.

محمد توفيق
30-09-2008, 10:46 PM
قليل من الشماتة
(http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=4629&Itemid=31)
بقلم د. أحمد خالد توفيق

كل عام وأنتم بخير.. لا أعرف إن كنت ستقرأ هذه الكلمات يوم الوقفة أو يوم العيد نفسه، لكنها فرصة طيبة كي أنقل لك تحياتي وتمنياتي أن تكون الأعياد القادمة أجمل وأفضل، من دون غرق عبّارة ولا انهيارات صخور ولا حرائق في مجلس الشوري ولا اختطاف سياح لم يعرف أحد أنهم خطفوا.. الحق أن هذا العام كان قاسيًا علي مصر فعلاً.

نتكلم اليوم عن الشماتة.. لغويًا: الشماتة هي الفرح ببلية العدو، ويُقال شمت به بالكسر يشمت شماتة. هذه عاطفة إنسانية سلبية لكننا نفهمها. يمكنك إذا تابعت الفضائيات أن تري الشماتة بوضوح كلما حدثت كارثة ما في مصر. لو دخلت شبكة الإنترنت لوجدت هذا الأخ العربي أو ذاك يتسلي علي مصر التي لم يعد فيها أمن ولا شيء. أحدهم يؤكد في موقع خليجي أن الشاب المصري يصفع والديه كل يوم عادي جدًا، وأن أي فتاة في مصر لا يتجاوز ثمنها عشرة ريالات. وبعضهم يتهمون مصر بالانحلال التام لأن فتاة مصرية ظهرت وهي ترقص في موقع يوتيوب، وهم في هذا يتصرفون كأنهم ما شاء الله في واحة التقدم والديمقراطية والتدين في الشرق الأوسط، وقد ضمنوا مكانهم في الجنة.. هم فقط قلقون علينا. هناك لذة وحشية لديهم في رؤية المصائب تحل بمصر، وهو أمر يحتاج لتحليل نفسي لفهم سبب هذا الانتشاء بكارثة تحل بالشقيقة الكبري. ربما تعامل المصريون مع أشقائهم العرب بنوع من الاستعلاء ونغمة (الريادة) كثيرًا، لكن هذا ليس مبررًا كافيًا.


الشماتة في أبلغ صورها رأيناها في عيني ذلك المخرج السوري (يوسف رزق) الذي استضافه فيصل القاسم في برنامج «الاتجاه المعاكس»، والذي صرح في غرور بأن الدراما المصرية خلاص.. انتهت.. لقد كبر المشاهد العربي ونضج وفهم أن هذه الأعمال كلام فارغ. طبعًا صيغة التعصب والشماتة واضحة هنا، فالدراما السورية برعت في المواضيع التاريخية وتحريك المجاميع والإضاءة «علي عيني وراسي»، لكنها ما زالت تحبو في المواضيع الاجتماعية، وما زالت غير قادرة علي تقديم (أرابيسك) أو (رأفت الهجان) أو (ليالي الحلمية).. يجب أن ينظر عم يوسف لهذه الأعمال ولا ينظر لدراما الاستسهال من طراز (المستند ده لو وصل النيابة حنروح في داهية يا مراد بيه) والنصوص العبقرية التي تكتبها فيفي عبده.

هذا الأسبوع ظهرت نغمة شماتة جديدة جدًا لكن موضوعها ليس مصر لحسن الحظ.. هذه المرة الكل شامت في أمريكا يدق أجراس الاحتفالات، وتسمع نفس النغمات التي سمعناها عندما انهار الاتحاد السوفيتي. بوش هذا النحس بدأ عهده بكارثة 11 سبتمبر وأنهي عهده بكارثة انهيار النظام المصرفي، وبينما قضي كلينتون فترة رئاسته مع مونيكا في المكتب البيضاوي فإن عهد بوش بدأ بسقوط مركز التجارة بينما الملتحون في جبال أفغانستان يصيحون: (الجهاد!).

القصة معقدة وتحتاج لاقتصادي محترف ليشرح كل جوانبها، لكنها تتلخص في السياسة الخاطئة للرهونات العقارية التي اعتمدها المضاربون الماليون في وول ستريت. انهار أكبر مصرف في الولايات المتحدة وهو مصرف (واشنجتون ميوتشوال) وتلك سابقة خطيرة.. واشنطن غارقة في الديون، والمحكمة العليا سمحت لجميع المواطنين هناك باقتناء أسلحة نارية للدفاع عن النفس!!. معني هذا أن الفقراء قادمون وأن خطر الحرب الأهلية بين من يملكون ومن لا يملكون في الأفق.. إن فيلم (عصابات نيويورك) ليس بعيدًا لهذا الحد. هذا هو انهيار الحلم الأمريكي بالمعني الحرفي. أمريكا التي ترغم الدول علي أن تتبع نموذجها الاقتصادي، والتي أعلنت أن نظامها هو المستقر الأخير حسب كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما، هي نفسها التي تعاني انهيار هذا النظام. إدارة بوش بالغت في الإسراف والاقتراض وبعثرت المليارات كأنه ليس هناك غد.. لقد أفلست الولايات المتحدة بفعل سياسة الجمهوريين.. هؤلاء الجمهوريون هم أنفسهم الذين يعارضون تدخل الدولة لحل المشكلة لأن هذا تهديد لفكرة الرأسمالية نفسها.. تدخل الدولة في رأيهم شيوعية صريحة سوف تنتهي بالجميع إلي العمل الإجباري في مزارع القمح والنفي إلي سيبيريا. دائمًا هم الجمهوريون أحفاد قتلة الهنود الحمر سواء كنا نتحدث عن الاقتصاد أو تحريم السلاح.

المواطن الأمريكي يراقب أسهمه تنهار في البورصة.. وبوش جعل الأمريكيين يدفعون مدخراتهم لإنقاذ مؤسسات مالية لم يكونوا المسئولين عن انحرافها. ويبدو أننا علي باب أزمة اقتصادية مثل (الكساد العظيم) في الثلاثينيات.. نيكولا ساركوزي يقول: «إن حالة الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمات أسواق المال الأمريكية وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر.. إنه أفول رأسمالية فرضت منطقها علي الاقتصاد بأسره.. إن فكرة القوة المطلقة للأسواق ووجوب عدم تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي، وفكرة أن الأسواق دائما علي حق كانت فكرة مجنونة». ووعد ساركوزي بأن الدولة الفرنسية ستضمن أمن واستمرارية النظام المصرفي والمالي في البلاد في حال تعرضها لخطر بسبب الأزمة المالية التي تضرب الولايات المتحدة. مهما حدث فلن تمس ودائع الفرنسيين.

بوش يعتقد أن الكونجرس سيوافق علي خطة بولسون الرامية إلي ضخ 700 مليار لتخليص المصارف من ديونها المشكوك في تحصيلها.

من الغريب أن الديمقراطيين أيدوا الخطة بينما عارضها الجمهوريون، وباراك أوباما وجدها فرصة ليقول إن هذه هي الكلمة الأخيرة والحكم النهائي علي فترة حكم بوش..

ربما تقوم دول البترول بدفع الفاتورة لإنعاش هذا الاقتصاد كالعادة، وربما تدفع الثمن دول العالم الثالث البائسة التي وضعت كل مدخراتها في سلة الدولار ولم تنوع.. اليوم توجد دعوة واهنة إلي تحويل المدخرات إلي يورو أو ذهب.

علي الفور تتناثر علي الفضاء الساييري عبارات الشماتة: «موتي يا أمريكا، موتي يا امبراطورية الشر والطغيان، موتي يا دولة الفوضي الهدامة والعصابات الكبيرة، موتي يا دولة الإجرام وسفك دماء الأبرياء، موتي يا من تحاصرين غزة وتجوعينها وتخنقيها حتي الموت».. و«اللهم آمين يا رب العالمين، اللهم ارنا فيهم يوما أسود تتحدث عنه الأجيال.ماذا بقي من الحلم الأمريكي وهل بقي للمعزة السوداء كلام تقوله؟ خيبها الله هي وبوشها اللعين قبيح الوجه».

من المبكر جدًا أن نشمت وأن نعتبر أنها نهاية الولايات المتحدة كما يوحون بذلك، ولكن المشكلة أن مصائب الولايات المتحدة تنهال مضاعفة علي رءوسنا، ونحن نذكر الشماتة العامة بأحداث سبتمبر التي تحولت إلي صرخات عندما سقط العراق. هذا الاقتصاد المرعب لو غرق لأثر في الجميع.. كأنه حاملة الطائرات العملاقة تغرق فتجر معها العديد من القوارب الصغيرة للقاع. هم عندهم الشفافية والتخطيط العلمي لكن ماذا عندنا نحن؟.. لا شك عندي في أن هذه الأزمة ستصب في جيوب بعض الحيتان عندنا بينما يزداد الفقراء فقرًا.

المجتمع الأمريكي لديه قدرة فائقة علي إصلاح مساره وتصحيح أخطائه، وهذه هي الورقة الأهم التي يملكها. سوف نري ما تحمله لنا الأيام القادمة، لكني للمرة الأولي فعلاً أتمني أن تتعافي الولايات المتحدة لأننا تعلقنا بها كما يتعلق الحامول بساق البرسيم منذ قررنا أنها هي الدولة الوحيدة في العالم ولا دولة سواها.

الدستور

30-9-2008

أميرة الورود
06-10-2008, 01:06 AM
حيث الكل في واحد

د. أحمد خالد توفيق
6\10\2008
من موقع بص و طل
شارع "سعيد" الهادئ في هذه الساعة من نهار رمضان، وأنا أحمل الحقيبة التي امتلأت بأرغفة الخبز الساخن، راضيًا عن نفسي؛ لأن الفرن كان خاليًا تقريبًا في هذا الوقت. كنت أنا المكلف بهذا الكابوس اليومي: شراء الخبز، ويكفي لأصف لك عذابي أن أقول إن طابور الخبز في ذلك الوقت كان يشبه الطوابير الحالية تمامًا!.

هناك كان واقفًا تحت شرفة في بناية بالشارع، شاب يبدو أنه جامعي ومن طبقة متوسطة يلبس ثياب الميدان الكاملة التي لم أرها من قبل إلا في الصور. الخوذة والجربندية على ظهره، وكان يرفع رأسه إلى الشرفة بالطابق الثالث وينادي:
ـ "صلاااااح!"

و"صلاح" لا يرد.. لا أعرف إلى أين كان الفتى ذاهبًا ولا لماذا كان هنا والحرب نشبت منذ خمسة أيام، لكن كل شيء يقول إنه ذاهب إلى وحدته مع "صلاح" صديقه الذي لا يرد. ذاهب للقتال طبعًا لا للتدريب..

إن هي إلا بضع ثوانٍ حتى وقف فلاح وزوجته جوار الفتى، وراحا يناديان بأعلى صوتهما:
ـ"صلااااااح!"

ثم ظهر ميكانيكي على دراجته وراح ينادي.. بعد دقيقة صار هناك عشرة ينادون "صلاح".. وتطوع أحدهم بأن يقذف طوبًا على الشرفة، بينما تطوع آخر بأن يصعد ليدق الباب، والمظاهرة تحت شرفة "صلاح" تتزايد، والجندي الشاب ينظر حوله فيبدو عليه الضيق والحرج من هذه الفضيحة..
ـ"صلااااح!"

بعد لحظة ظهر "صلاح" من الشرفة وهو بكامل ثيابه، هنا تعالى الهتاف والتصفيق.. والفلاح العجوز وثب ليعانق الفتى ويلثمه على خديه:
ـ"مع السلامة.. هات لنا رمل من سينا وانت جاي يا دفعة!"

وابتعدت حاملاً الخبز وأنا أفكر في مغزى هذا المشهد الذي ظل محفورًا في ذاكرتي خمسة وثلاثين عامًا. هؤلاء قوم يريدون عمل أي شيء.. أي شيء من أجل هذا الذاهب إلى الجبهة ليتلقى الرصاص ولربما يموت كي يظلوا هم أحياء أحرارًا.. أبسط شيء استطاعوا عمله هو مناداة "صلاح"، ولو طلب منهم الجندي الشاب أن يلثموا قدميه أو يحملوه إلى الجبهة حملاً لفعلوا بلا تردد..

كان مأمور قسم أول في طنطا صديق أبي، وقد زرته مع أبي يومًا فقال لنا وهو يشير إلى التخشيبة الخالية:
ـ "تصوروا أننا لا نجد لصوصًا نقبض عليهم منذ نشبت الحرب؟.. حتى اللصوص "اختشوا على دمهم".

هذه هي ذكرياتي عن حرب أكتوبر عام 1973.. أما كيف بدأ كل شيء فلذلك قصة.. هل تسمعها؟.. إذن تعالَ وأعدّ لنا كوبين من الشاي الثقيل كي يحلو الكلام..

هذا أنا الصبي الذي دخل السنة الأولى الإعدادية، ولا يهتم بالسياسة على الإطلاق.. فقط يعرف أن إسرائيل دولة شريرة تقتل أطفال المدارس "بحر البقر" وتذبح الفلسطينيين وأسقطت طائرة "ماما سلوى حجازي" مذيعة الأطفال التي كنت أعشقها..

يوم السبت 6 أكتوبر هو ثاني يوم سبت لي منذ بداية العام الدراسي.. رمضان بدأ منذ عشرة أيام، وفي ذلك الوقت كان أكتوبر يعني جوًّا معتدلاً لهذا لم يكن الصيام صعبًا علي.. أعود لداري بعد الواجبات الضرورية من ركل "عصام" وخطف حقيبة "مصطفى" ولكم "عادل"..

هناك شيء غريب.. كل الناس يلتفون حول أجهزة الراديو. الكل قلِق.. ماذا حدث؟.. لم أر هذا المشهد إلا وأنا في الصف الثالث الابتدائي يوم وفاة "جمال عبد الناصر".. لكن لا أحد يبكي..

في البيت تخبرني أمي أن الحرب نشبت. جيشنا عبر قناة السويس. أختي طالبة الطب عادت للبيت بسرعة وأخبرتهم أنها ستكون في المستشفى لساعة متأخرة؛ لأن المستشفيات كلها معدة لاستقبال الجرحى.. الراديو لا يهمد لحظة: بيان رقم اثنين من القيادة العليا للقوات المسلحة... بيان رقم ثلاثة......

تحول أمي المؤشر إلى إذاعة لندن التي كانوا يوشوشون عليها بصفارة كئيبة عالية، فلا نفهم شيئًا. تحول المؤشر إلى إسرائيل فنسمع مذيعًا أخنف يقول في حسرة مصطنعة: إن "السادات" ارتكب خطأ عمره باستفزاز أقوى جيش في المنطقة.. مسكين أنت أيها الجيش المصري.. مسكين أنت أيها الشعب المصري.. تتقلص أمعائي رعبًا.. أبي يشخط في أمي ويطالبها بتغيير المحطة.

كان معه حق؛ لأنني عرفت بعد هذا أن إسرائيل كلها كانت في ألعن لحظاتها، ولم يصدق أحد قادتها ما يحدث في هذه اللحظات بالذات.. "موشى ديان" بكى أمام الصحفيين العالميين، و"جولدا مائير" طلبت تركيب الرءوس النووية على الصواريخ، وهو سيناريو النهاية "ميكرع هاكول" لدى إسرائيل..

عندما جاء المساء عرفت خبرًا سرني بطبيعة الحال هو أن المدرسة مغلقة لأجل غير مسمى "لقد عادت إجازة الصيف"، وخبرًا ساءني هو أن فوازير "ثلاثي أضواء المسرح" وكل الطقوس التلفزيونية إياها قد تم وقفها.. من المستحيل أن يموت أبناؤنا هناك فوق الرمال ونحن نسمع الفوازير طبعًا.

في الليل أصحو في ساعة متأخرة لأسمع البناية كلها تترجرج.. رائحة البارود في هواء الليل، ويخبرني أبي أنها بطاريات الدفاع الجوي في مطار محلة مرحوم تطلق القذائف على غارة..
أمي تتساءل عن كل هؤلاء الذين يحاربون الآن في الرمال والظلام ولم يظفروا –يا كبدي- بساعة راحة منذ ظهر السبت.. فجأة صارت أمي أمَّ هؤلاء جميعًا..

في اليومين التاليين تتضح الأمور أكثر، ونعرف أننا حققنا معجزة فعلاً، وأن البيانات التي نسمعها تختلف كثيرًا عن بيانات 1967 "المضروبة". الأخبار السارة تتوالى.. تقدُّم.. تقدُّم.. السوريون يجتاحون الجولان وقواتنا تسحق لواءاُ مدرعًا بالكامل وتأسر قائده.. لم أنس الاسم بعد كل هذه السنوات: "عساف ياجوري"، وهو شيء خمول بدين يدخّن بإفراط وله "لـُغْد".

شارع البحر كله ينظر للسماء وقد خيل لنا كأن المعركة تدور فوق سنترال المدينة.. في الحقيقة كانت بعيدة جدًا.. هناك طائرات إسرائيلية تحلق، بينما تطاردها طائراتنا.. تعلمنا شكل الميج والفانتوم من على هذه المسافة. طائرة إسرائيلية تهوي.. ثم تبتعد طائراتنا ليظهر خيط من الدخان من مكان ما.. إنه الاختراع السوفييتي الرهيب "سام -7" . نرى الطائرة الإسرائيلية تعلو وتهبط بينما خيط الدخان يقتفي أثرها في إصرار وعناد، وفي النهاية يلتقي خيطا الدخان ليصيرا خيطًا واحدًا يهوي بعيدًا.. بعيدًا.. باي باي يا "حاييم" أو يا "ليفي" أو يا "أموتاي".. فلتكن ميتتك أبطأ وأبشع من ميتة "سلوى حجازي"..

في هذه الفترة جعلت بطاريات الصواريخ المصرية سماءنا منطقة موت للطائرات الإسرائيلية، وأصدر قائد الطيران الإسرائيلي أمرًا بمنع التحليق أكثر من عشرة كيلومترات شرق القناة. وكانت الصحف تظهر مليئة بصور الأسرى الإسرائيليين الذين وصفهم "أحمد رجب" بـ "الذئاب الجربانة التي تحتاج لمحضر اشتباه وتحري"، كما أذكر صورة رهيبة بعض الشيء لجثة متفحمة لطيار إسرائيلي مقيد بالسلاسل.. قال الخبر: إن الإسرائيليين يقيدون طياريهم في الطائرات كي لا يبادروا بالقفز منها بمجرد رؤية الصاروخ سام -7..

قائد الطيران الإسرائيلي –أعتقد أنه "موردخاي هود"- يجري اتصالاً مدته ثوانٍ مع قاعدته.. يلتقط سلاح إشارتنا المكالمة، وهنا تنطلق طائرة قاذفة مصرية بسرعة البرق نحو مصدر المكالمة في سيناء وتطلق صاروخًا ينسف الرجل وسيارته وتعود..! جرى إيه يا جدعان؟.. هل نحن نتكلم عن مصر أم بريطانيا العظمى؟. وفي كتابه المهم عن الحرب يقول "عبد الستار طويلة": "كانت هذه أول حرب تعرفها مصر يقول فيها الضابط لجنوده "اتبعوني" بدلاً من "تقدموا"!"

نسمع اسم "عبد العاطي" صائد الدبابات الذي نسف 25 دبابة وحده.. عندما رأينا الدبابة عن كثب في معرض الغنائم، بدت لنا مخيفة رهيبة أكثر بمراحل من الصور، وقد تساءلنا عن نوعية الأعصاب ومدى الشجاعة التي يجب أن يمتلكها المرء كي يواجه هذا الديناصور وهو على قدميه.. هؤلاء لم يكونوا رجالاً.. كانوا أساطير حية...

في كل مكان كنا ثملين بما تحقق، وندعو الله أن يحفظه لنا..

صحيح أن الحماسة أعمتنا ولم ندرك أن مسار الحرب يتغير، وأنه عندما وقف "السادات" ليحيّي الجماهير في أول خطاب له بعد نشوب الحرب، وعندما التهبت أكفُّنا بالتصفيق وكانت الشوارع خالية تمامًا، كانت الدبابات الإسرائيلية قد دخلت السويس ضمن عملية "الغزالة" التي خطط لها "شارون"، ولم نعرف الكثير عن حصار الجيش الثالث. قد تصدق الإسرائيليين الذين يعتبرون أنهم أحالوا نصرنا هزيمة، وقد تصدق "كيسنجر" الذي قال لـ"جولدا مائير": أنت انتصرت عسكريًا وخسرت استراتيجيًا؛ لأن أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر انتهت للأبد، وقد تصدق الخبير الاستراتيجي العالمي "أندريه بوفر" الذي زار المنطقة وقال: إن الثغرة عملية تلفزيونية لا قيمة لها من أي نوع..

فقط كانت الشعلة متوقدة، وكنا نستطيع وقتها أن نحارب العالم كله. الحرب عمل كريه مقيت لكنه شر لا بد منه كي يجدد دماء الأمم ويقوي عزيمتها ويوحدها، وكما قال "هيكل": لا يوجد طرف في العالم أعلن أن السلام خيار استراتيجي؛ لأنه عندما يستخزي طرف فإنه يدعو الطرف الآخر تلقائيًا لأن يستقوي.

هذا هو بعض ما أذكره عن تلك الحرب، وقد تعمدت أن أحكي ذكرياتي كطفل في الصف الأول الإعدادي؛ لأنني قرأت الكثير جدًا عن تلك الحرب بعد ذلك مما يبتعد بالمقال عن هدفه. يكفي أنني أعددت عنها سيناريو قصص مصورة دقيقا جدًا يعتمد على عشرة كتب، وقد أردت به ألا تُنسى هذه الحرب أو أن يتساءل ابني كما فعل يومًا: هل كانت فعلاً حربًا عظيمة أم أن هذا ما يجب أن أحفظه وأكتبه في ورقة الإجابة؟. هذا السيناريو قدمته لعدة فنانين، لكن مشاغل الحياة منعتهم من البدء، وفي النهاية ضاع..!

أتذكر هذه الحرب اليوم وأتساءل عما فعلناه لكل هؤلاء العظام؟.. أين هم؟.. أين ذهب الفتى و"صلاح" صديقه؟.. ومن الذي جنى ما زرعوه؟.. هل كانوا يموتون فوق الرمال كي يتاح لمليارديرات اليوم أن يصطافوا في "شرم" –لم تعد "شرم الشيخ" على فكرة- وأن يذهب الشباب هناك للظفر بليلة مع سائحة إسرائيلية أو روسية؟ هل خطر لـ"عبد العاطي" وهو يصوب صاروخه "الساجر" نحو تلك الدبابة أنه سيدوخ بعد الحرب بحثًا عن شقة؟.. وأنه سيموت فلا تهتز الدنيا؟.. وأن الإسرائيليين سيتوغلون في كل شيء حتى السد العالي نفسه؟.. وأن العبارة ستغرق والدويقة ستنهار والمسرح سيحترق وكيلو اللحم سيتجاوز الأربعين جنيهًا؟.. لحسن الحظ أنه لم يفكر وقتها في ذلك كله.. فقط أحكم التصويب وضغط الزناد.

أحمد ممدوح
07-10-2008, 09:14 PM
عن عيسي والعقاد وودوارد


«لقد ظل حبل عدالتكم يتأرجح أمامي طويلاً» .. لا أعرف إن كان «عمر المختار» قد قال هذه العبارة الساخرة للجنرال «جراتسياني» حقًا أم إنها من تأليف السيناريست العبقري «هاري كريج» لكني كنت أتذكرها دوما كلما ذكر اسم إبراهيم عيسي.

كل طفل كان يعرف أن ابراهيم عيسي سوف يسجن .. هو نفسه كان موقنًا أنه سيسجن، وأن الأمر قد صدر بأن: «الولد ده لازم يتأدب»، ولكننا لم نصدق هذا حتي اللحظة الأخيرة. في فترة معينة راهن «عيسي» علي الضغط الأمريكي من أجل الديمقراطية حتي لو لم تكن نيتهم صادقة، وكما قال في إحدي مقالاته:

«لولا الضغط الأمريكي لسحلونا في الشوارع سحلاً»!، وهو رهان بدأ يتراجع مع تراجع اهتمام أمريكا الواضح بالتطبيق الديمقراطي .. بدا واضحًا للجميع أنها «هوجة» وتزول. أمريكا لا يهمها من الديمقراطية إلا ما تمنحه من وسائل ضغط علي الحكومة .. هي تريد البترول وإسرائيل فقط، وبعد هذا فلتذهب المنطقة كلها للجحيم !.

كان لابد من عقاب «عيسي»، فهو رجل صريح مفعم بالحيوية، وما يقوله صحيح فعلاً ويعبر بسخرية لاذعة عما يفكر فيه المواطن المفروس غير القادر علي إعلان رأيه.

وكلامه منطقي متماسك يصعب الرد عليه. هل تذكر ذلك الصبي الذكي الذي كان يقهرك في الشطرنج كلما لعبت معه، فلم تجد طريقة أخري سوي تحطيم أنفه؟. كان إبراهيم عيسي وعبد الحليم قنديل وعلاء الأسواني في رأيي من أهم من زحزح الكثير من التابوهات ورفع سقف النقد عاليًا جدًا، وأعترف أنني كنت أقرأ لهم في التسعينيات وأنا مذعور لا أصدق أن هناك من كتب هذا! .. تصور أن تخاف من القراءة فكيف بمن يكتب؟.

كان الكل صامتًا أو يتحدث بتهذيب أو ينتقد الوزراء علي الأكثر، أما هؤلاء فقد فجَّروا ممرات جديدة في الصخر سرعان ما مشي فيها آخرون، وقد كتبت في موضع آخر منذ أعوام: عندما تأتي لحظة الحساب عندما ينفرد النظام بمعارضيه - وهي آتية حتمًا - فلسوف نعرف من هو ثائر حقًا .. من الذي وضع قلبه علي كفه .. من الشجاع حقًا .. من الذي يبقي علي غضبته الشريفة المقدسة ومن ينسي الأمر برمته ..

كان «علاء الأسواني» يقول ما يقوله الناس اليوم، لكن ذلك كان في أواسط التسعينيات، وكان يتكلم وحده .. ولم يكن أحد ليلاحظ لو سُجن أو ضرب أو اختفي أو أذيب في الحمض! ... «عبد الحليم قنديل» خُطف وضرب وجرد من ثيابه وألقي في الصحراء يتحسس طريقه في الظلام، ولم يعلق أحد علي ما حدث!

.. مقالات «فهمي هويدي» التي حُجبت عن النشر تفوق عدة مرات ما وجد طريقه إلي الأهرام. «إبراهيم عيسي» حورب في رزقه وأغلقوا له أهم تجربة صحفية ظهرت في مصر في الربع قرن الأخير، واليوم هو يدخل السجن علي سبيل قرص الأذن!.

أشك أن يتغير «عيسي»، وهو المناضل المشاكس حار الدماء.. أذكر أني قرأت له مقالاً جميلاً في الإصدار الأول لـ«الدستور» يصف فيه جلسة محاكمة حضرها، فراح يحكي قصة مطلَّقة رقيقة كانت قضيتها قبل قضيته .. أي إنه كان أثناء جلوسه في المحكمة منهمكًا في إعداد مقاله الذي سينشر في الدستور غدًا !. هذا أسلوب حياة إذن وليس شيئًا عارضًا.

السجن لعيسي والبراءة لصاحب العبَّارة وصاحب الدم الفاسد!. حريق في مجلس الشوري وآخر في المسرح القومي .. تصريحات خاطئة تثير ضحك العالم يطلقها وزير خارجيتنا، وتصريحات أخري عن مليوني فدان لزراعة القمح تكذِّبها الحكومة الأوغندية

.. أكره نظرية المؤامرة لكنني بدأت أعتقد فعلاً أن هذه الكوارث ليست سوء تصرف .. هناك جهة ما تعمل بكفاءة عالية ودقة متناهية لارتكاب الأخطاء .. أي إن مهمتها هي عدم عمل أي شيء بشكل صحيح!. والغرض إسقاط الحكومة وجعل عدد كارهيها كحبات رمال الصحراء...

لو أنني الحكومة لما عاقبت هذا الرجل بأي شكل .. ولكنت أذكي من أن أجعل منه بطلاً وشهيدًا. سوف يمضي شهرين في السجن لكن تأمل لحظة خروجه !.. يمكنني أن أري بعيني استقباله واللافتات وعناوين «الدستور»، والتهاني من كل الصحف المستقلة والمعارضة.


الممرضة البوليفية التي حضرت مصرع جيفارا قالت: «كانت غلطة عمرهم أنهم التقطوا صورته وهو مقتول .. لقد بدا وقتها كالمسيح بالضبط، وقد صنع منه هؤلاء الحمقي شهيدًا !».

العمر الطويل لإبراهيم عيسي طبعًا لكنه قد تحوَّل إلي بطل فعلاً، واللافتات التي تحمل صورته وهو ينظر لأعلي بشاربه الكث الشهير وياقته المفتوحة وحمالتي البنطلون توشك أن تجعل منه جيفارا المصري، وقد غيرَّ شباب كثيرون صورة الـ Avatar الخاصة بهم في المنتديات لتصير صورة «عيسي» هذه. فلن يطول الوقت قبل أن تري صورته علي سيارات الشباب أو التي شيرتات. كل من كان يعارضه أو يهاجمه صار يدعو له بالثبات!.

ذكرتني قصة «عيسي» كذلك بكاتب عملاق قضي في السجن فترة أطول هو «العقاد» الذي هاجم حكومة صدقي في عدة مقالات، ثم قال: «إن الأمة علي استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدي عليه!». طبعًا اقتربت هذه الكلمات إلي حد غير مسبوق من الملك فؤاد، وهكذا قدُِّم العقاد إلي المحكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، وحكم عليه بالسجن تسعة أشهر.. وعندما خرج وقف علي قبر سعد زغلول وقال قصيدته الخالدة:

وكنت جنين السجن تسعة أشهر

فهأنذا في ساحة الخلد أولد

ففي كل يوم يولد المرء ذو الحجي

وفي كل يوم ذو الجهالة يلحد

نحن لا نذكر اسم القاضي، ولا نذكر صدقي إلا مصحوبًا بالشتائم، أما القصيدة فخالدة للأبد مع صاحبها. يبدو أنها كانت فترة سوداء فعلاً، لأن صدقي سجن العقاد وأبعد طه حسين عن الجامعة مما جعل أحمد لطفي السيد يستقيل من رئاستها، وفصل حافظ إبراهيم من وظيفته بسبب قصيدته التي يقول فيها عن صدقي:

ودعا عليك الله في محرابه

الشيخ والقسيس والحاخام

وفي الوقت نفسه تذكرت قصة علي النقيض تمامًا بطلها الصحفي الأمريكي الأهم والأشهر «بوب ودوارد» الذي أطاح بنيكسون قبل ذلك في فضيحة ووترجيت الشهيرة، والقصة نشرتها مجلة تايم في 28 فبراير عام 1977، وقد حكاها الأستاذ «هيكل» في كتابه «كلام في السياسة» علي كل حال.

القصة هي أن كارتر في بداية تولي منصبه فوجئ بأن المخابرات المركزية تدفع مليون دولار سنويًا رشوة لزعيم عربي لن أذكر اسمه لأن هذا ليس موضوعنا. كيف عرف كارتر هذا ؟.. عرفه من محرر واشنطن بوست العظيم «بوب ودوارد». قام كارتر بإيقاف صرف هذا المبلغ، وطلب من بوب ودوارد عدم نشر الخبر، لأن هذا وقت غير مناسب ..

إن سيروس فانس وزير الخارجية يزور المنطقة العربية، ومن شأن النشر إفشال زيارته بالكامل .. تصور أن رئيس الولايات المتحدة يطلب من ودوارد عدم النشر بعد إذنه يعني ..وودوارد يقول بكبرياء: «سوف نجتمع في الجريدة ونقرر .. لو قررنا نشر الخبر سوف نخطركم قبل ذلك بأربع وعشرين ساعة !».

لم يختف ودوارد وراء الشمس ولم ينفخوه ولم تحترق مكاتب الجريدة.. فعلا نشر الخبر وكانت فضيحة.. فماذا فعل كارتر ؟.. أرسل للجريدة يقول: «اسمحوا لي أن أقول إن تصرف النشر كان تصرفًا غير مسئول . وأنا أقول هذا كقارئ لجريدتكم وليس كرئيس الولايات المتحدة !». هل تري كيف يعامل الصحفي ؟

.. فعلاً هي سلطة أقوي بكثير من رئيس الولايات المتحدة نفسه. يقول بوب ودوارد عن كتابه الأخير الذي يحكي أسرار حرب العراق: «أحمد الله أنني لست في العالم الثالث وإلا لسجنت بسبب هذا الكتاب أو قتلت !». احمد ربك فعلاً يا بوب .. أنت الأمريكي المرفَّه كنت ستتعب جدًا في سجن طرة، كما أنك لن تتحمل المشي عاريًا وحيدًا في الصحراء الساعة الرابعة صباحًا، ومن دون نظارة كذلك !

د.أحمد خالد توفيق

جريدة الدستور

7-10-2008

القرموطي
08-10-2008, 05:37 PM
كوميكس (دماء ورمال و...)

http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_216_01.html

sea_lover
09-10-2008, 07:46 PM
نظرية الأوتومبيل والفريرة



http://www.boswtol.com/5gadd/images/217/sahsah_03.jpg
عادت ابنتي من عند البقال حاملة زجاجة من العصير، قائلة أن عصيرها حامض.. تفحصت الزجاجة بعناية فوجدت أن تاريخ الصلاحية انتهى منذ شهرين، وهكذا ذهبت بنفسي للبقال متوقعًا أن يعتذر عن هذا الخطأ.. لكن ما أثار دهشتي هو أنه أخذ الزجاجة بلا كلمة واحدة وناولني أخرى حديثة التعبئة. إذن هو -ذلك النصاب- كان يعرف منذ البداية!.. فقط كان الزبون طفلة في التاسعة لن تلاحظ الفارق وسوف تشرب أي شيء.. إنها ظاهرة الغش المعروفة مع الأطفال، فهم يأخذون دومًا العصير الحامض واللحم المشغّت والجبن التالف والجريدة الممزقة والمقاعد المكسورة في السينما؛ لأن الأمر يمر على خير في 90% من الحالات..
كل هذا مفهوم في مصر الحالية برغم أنه عمل لا أخلاقي لا يختلف عن اغتصاب طفل صغير لمجرد أنه لن يفهم ما حدث له.. لكن منطقهم هو: لو لم تخدع الأطفال فمن تخدع إذن؟.. لكن إذا فهمنا الأمر مع هؤلاء النصابين فلن نقبله مع ثقافة دولة كاملة، أو مع مجلة أطفال محترمة تصدر عن دار عريقة.
http://www.boswtol.com/5gadd/images/217/sahsah_04.jpg
سيتفين هوكنج
كنت قد وجدت أن مجلة الأطفال الشهيرة تلك نشرت ترجمة مسلسلة لرواية (المفتاح السري للكون) التي كتبها أعجوبة العصر "ستيفن هوكنج"، عالم الفيزياء البريطاني المشلول الذي يتكلم عن طريق جهاز خاص يضغط على أزراره، والذي اكتشف نظرية (الانفجار الكبير) الذي بدأ الكون، واكتشف أشياء أخرى كثيرة لا أفهمها بالضبط لأسباب ستعرفها حالاً. المهم أن الرجل كتب رواية للأطفال تمنيت أن أقرأها.. كثير من كتاب الخيال العلمي علماء أصلاً ومنهم "إيزاك أزيموف" و"آرثر كلارك" و"يوسف عز الدين عيسى" مثلاً، لكن ماذا عن رواية خيال علمي للأطفال كتبها عالم؟ هكذا ابتعت المجلة في حماس ممنيًا عقلي بمتعة لا توصف..
يا فرحة ما تمت!.. الترجمة التي نشرت على ثلاث صفحات مستحيلة الفهم، وسوف أنقل لك مقطعًا منها بالحرف الواحد:
"الأولاد يسمونه جريبر الزحاف Greeper the Creeper وذلك لعادته الخفية بالظهور دون إنذار في الأركان القصية بالمدرسة لن يسمع إلا صرير خافت لحذاء سميك النعل ورائحة باهتة لتبغ قديم وقبل أن يدرك أحد يكون جريبر قد نال من أي خطة سرية تدبر للأذى. وهو Creeper تعني الزحاف والكلمتان جريبر وكريبر فيهما شبح يفرك في جذل يديه الخشنتين بندوبهما لا يعرف أحد كيف توصل إلى أن يغطي كلتا يديه بآثار قشور حمراء ذات قشور تبدو أليمة وما من أحد لديه الجرأة ليسأله عن ذلك".......
http://www.boswtol.com/5gadd/images/217/sahsah_05.jpg
ميكي ماوس.. طبعا!
قشور حمراء ذات قشور؟.. يا نهار أسود!.. فاهم حاجة؟.. إذن أنت عبقري أما العبد لله فمحدود الذكاء، ولا أفهم إلا أن هذه الترجمة تمت بأحد برامج الترجمة مثل (الوافي) وتم لصقها كما هي دون إعادة قراءة النص أو وضع نقطة أو فاصلة توحّد الله.. كلنا نعرف برامج الترجمة إلى العربية هذه.. أحدها قام بترجمة مصطلح: (USB) -وهو الموصل المتسلسل العام- إلى (الولايات المتحدة ب) وهو ما أثار سخرية مجلة (بي سي) التي حذرتنا من أن الولايات المتحدة (ب) أخطر بمراحل من الولايات المتحدة التي نعرفها!
مثال آخر مضحك ذكره الفنان الكبير "محيي الدين اللباد" عندما قرأ -في ذهول- إعلانًا حكوميًا تعلن فيه وزارة الثقافة عن جائزة لأفضل تصميم لشخصية كارتونية عربية للأطفال (ميكي ماوس).. هكذا قال الإعلان.. ويتساءل الأستاذ: ما معنى هذا؟.. هل الحكومة تطلق اسم (ميكي ماوس) على أية شخصية للأطفال باعتبارها جميعًا (ميكي ماوسات)؟.. وكيف تكون عربية إذا كان الإعلان يفترض أولاً أن تكون الشخصية (ميكي ماوس)؟.. الخلاصة هي أن من كتب الإعلان لا يفقه حرفًا عن ثقافة الطفل..

الاستخفاف بالطفل طيلة الوقت هو ذات منطق البقال الذي باع العصير الحامض لابنتي..
http://www.boswtol.com/5gadd/images/217/sahsah_06.jpg
المفتاح السري للكون
اعتدت كلما اعتبرني أحد من كتاب الطفل أن أؤكد أنني لم أبلغ بعد درجة الموهبة الكافية للكتابة للأطفال، وهم يعتبرون هذا نوعًا من التواضع الأحمق، لكنني موضوعي لا أقيّم نفسي بأكثر أو أقل من حقيقتي أبدًا. هذه هي الحقيقة.. الأطفال كائنات حساسة ذكية تختلف عنا نحن الذين اعتدنا القبح وانعدام الموهبة وبرنامج (صباح الخير يا مصر) فلم يعد يؤثر فينا شيء.. هذه الكائنات يجب أن تنال أفضل وأرقى وأجمل شيء، ولنذهب نحن للجحيم فقد اعتدنا ذلك على كل حال..
اعتاد رجل الشارع أن يبتاع لابنه أوتومبيل بلاستيك و(فُرّيرة) وعصيرًا أحمر لا يعلم إلا الله ما فيه، وهكذا يعتقد أنه قدم للطفل احتياجاته، وهذا هو ما يفعلونه على نطاق أوسع.. المطرب الذي فشل يصير مطربًا دائمًا لبرامج الأطفال.. الملحن معدوم الموهبة يلحن للأطفال.. الرسام (النص كم) يختارونه ليرسم للأطفال.. املأ الساعات التلفزيونية بأفلام رسوم متحركة (يسمونها كارتون) فيها قط وفأر وبطة.. لا يهم ما تقول ولا يهم أن الفيلم ذاته يتكرر في كل يوم، ولا أن مذيعة البرنامج التي أفرغت زجاجة ماء أكسجين على شعرها لتبدو شقراء، تقطع الفيلم في منتصفه غير مبالية بكون الطفل يتابع القصة أم لا، فهو كائن أقل من البشر ولا رأي له.. مجرد ملء ساعات وكل شيء بالكيلو، وما هذه البرامج والمجلات إلا صيغة أخرى من الفُرّيرة والشراب الأحمر أو العصير الحامض الذي أعطاه البقال لابنتي..
هذه الترجمة الرديئة لقصة "هوكنج" ليست سوى نموذج ثالث للفُرّيرة والشراب الأحمر..

وما دمنا مع الفنان الكبير "اللباد" فلا بد من ذكر سخريته من مجلة أطفال عربية غير مصرية نشرت على غلافها صورة "مادونا" وهي تمتص إصبعها في إغراء.. هل هذه ثقافة طفل؟.. والأدهى أن ذات المجلة نشرت على غلافها ذات مرة صورة مبهجة زاهية الألوان لاثنين من معارضي النظام معلقين على المشنقة!.. وهي رسالة واضحة أن الذي لن يسمع كلام بابا الزعيم يا حبايبي حنعلقه في المشنقة ويصرخ: أأآآآآه!..
http://www.boswtol.com/5gadd/images/217/sahsah_07.jpg
محيي الدين اللباد بريشة الفنان فتحي أبو العز
على فكرة "اللباد" من أهم الجادين في موضوع ثقافة الطفل، وأذكر أن مجلة (سمير) قدمت له في أوائل السبعينات تجارب بصرية بالغة الأهمية، منها قصة كاملة لجول فيرن رسمها بطريقة (فن البوب) وأسلوب الكولاج الذي كان سائدًا وقتها، وبالتالي ارتقى بالطفل بصريًا خطوة وهو يتابع القصة المثيرة المفيدة.. هل رأيت رسم "مصطفى حسين" لقصة (خيال الحقل)؟ أو المرجع البصري الفاخر الذي قدمته دار الهلال مع قصة (الجمال الأسود) التي أطلقت عليها (مذكرات حصان)، حينما ضمت في الكتاب كل لوحة رسمت للحصان منذ فجر التاريخ؟.. البعض يصرُّ على أن يكون جادًا وأن يقدم الجمال الراقي، بينما يصر الباقون على أن الأطفال يجب أن يشربوا العصير الحامض..
النتيجة؟.. يمكنك أن تراها في الشوارع.. هذا البلطجي وهذا المغتصب وهذا المختلس وهذا الأفاق وهذا الخريج الجاهل.. كلهم تربوا بطريقة الفُرّيرة..

حتى أنا كاتب هذا المقال تربيت بطريقة غير بعيدة جدًا عن الفُرّيرة، لهذا أقول لك إنني أعرف أن "هوكنج" اكتشف شيئًا مهمًا جدًا لكني لا أفهم ما هو بالضبط..
الجدية والمزيد من الجدية في ثقافة الطفل.. إنها شيء خطير جدًا يحدد مصائر الأمم.. إذا أردنا أن نحصل على مواطن صالح يفهم ما اكتشفه "هوكنج" فإن علينا أن نبحث عما هو أفضل من صورة "مادونا" على الغلاف، أو تسمية كل شخصية كارتونية باسم (ميكي ماوس)، أو ترجمة النصوص ببرنامج (الوافي) دون مراجعة، أو استخدام أسفل عينة فنانين على الإطلاق لرسم قصص الأطفال. لعل هذا هو التحدي الأهم في الأعوام القادمة.

high hopes
15-10-2008, 08:37 PM
زي النهارده: البعض ما زال مصرًا على الرقي !



بعدما رأيت فيلم (زي النهارده) شعرت بشفقة وخوف عارمين يغمرانني، لأنني قد رأيت (الزمهلاوية) و(شبه منحرف) وغيرهما من كوارث العيد، لذا بدا لي هذا الفيلم أقرب إلى عازفة كونسرفتوار راقية رقيقة تمشي وحدها في زقاق مليء بالحشاشين وضاربي البرشام. ما هي فرصتها في النجاة ؟..
ربما لا يعرف القارئ المخرج الشاب (عمرو سلامة) لكن له عددًا لا بأس به من الأفلام القصيرة المتميزة على موقع (يوتيوب)، وهو من المخرجين المثقفين بصريًا عاشقي السينما والمولعين بالتجديد، وقد شعرت بقلق خاص قبل رؤية الفيلم لأنني توقعت ألا يكبح جماح ألاعيب الكاميرا والفلاش كات وكل تلك الحيل التكنولوجية الكمبيوترية التي لا تضيف شيئًا للفيلم سوى (الخيلة الكذابة)، لكني وجدت في هذا الفيلم لغة ناضجة وناعمة جدًا. الفيلم من تأليفه وإخراجه ومونتاجه .. يعني هو فيلم مؤلف Auteur بالمعنى الكامل للكلمة.
الفيلم أقرب إلى الطراز الذي يسمونه Psycho-thriller أو (فيلم الرعب النفسي). تلعب بطولة الفيلم (بسمة) بحساسية بالغة، وصوتها يتدخل في السرد كثيرًا بطريقة التعليق الصوتي Voice-over حيث نراها في البداية تركض في الشوارع لتمنع جريمة قتل في اللحظة الأخيرة، ثم تتوقف عن السرد وتقرر أن تحكي الحكاية من بدايتها. هكذا نفهم أن كاتب السيناريو سيلجأ لأسلوب غلق الدائرة الشهير .. سوف تدور أحداث الفيلم لنعرف كيف وصلنا لمشهد القتل هذا ..
الفكرة هي أن الفتاة تمر بتجربة عاطفية لا تنساها، وفيها وقائع محددة بتواريخ ثابتة تدونها في مذكراتها بدقة ..عندما تنتهي قصة الحب نهاية أليمة وتشفى من ذكرى حبيبها الأول (نبيل عيسى)، تكتشف أن نفس الوقائع تتكرر بدقة مريبة مع حبيبها الثاني (أحمد الفيشاوي)، ومع إلحاح التكرار توقن في رعب أن نهاية حبها ستكون يوم 24 ديسمبر على الأرجح لأنه اليوم الذي فقدت فيه حبيبها السابق ..
هل يمكن منع هذا القطار القدري الذي يمشي مندفعًا على القضبان نحو نهاية محتومة ؟.. هذا عسير مع وجود أخيها مدمن المخدرات الضائع تمامًا، والذي تسبب في مصرع حبيبها الأول وكل شيء يؤكد أنه سيسبب مصرع حبيبها الثاني .. إنها تكتشف الحقيقة من خلال مجموعة من الفلاش باكات الخاطفة السريعة، على طريقة كل أفلام الرعب الحديثة في الواقع حيث تظهر إنحناءة النهاية بهذه الطريقة دائمًا. لكن هناك علامات استفهام كثيرة لا تعرف إجابتها ولعلها تركت عمدًا. من الصعب أن تغادر القاعة للحظات لأن تفصيلة مهمة ستفوتك، وأعتقد أن المشاهدة الثانية له سوف تفك الكثير من جدائله التي لم تلحظها أول مرة.
من الصعب أن أشرح الفكرة أكثر من ذلك وإلا أفسدت عليك القصة، على أن حرق الفكرة لن يفسد الفيلم بالكامل لأن هناك نسيجًا جميلاً يمكن أن تراه وتستمتع به حتى لو كنت تعرف النهاية.
الإنتاج (روتانا سينما ومحمد حفظي) جاء مناسبًا جدًا، فالفيلم ليس إنتاجًا ضخمًا ولا يحوي مجاميع أو انفجارات أو مؤثرات خاصة، لكنه لايبخل كي يجعل التفاصيل مقنعة مثل حوادث السيارات وسواها. التمثيل كان جيدًا وإن تفوق بشكل غير عادي كل من (آسر ياسين) و(أروى جودة). أنا رأيت (أروى) في دور سابق وكانت مجرد حسناء أخرى ككل فتيات الكليبات، لكنها في هذا الفيلم تخلت عن كل شيء يجعلها حسناء، وتمسكت بكل ما يجعلها منفرة في صالح الدور. مدمنة تعسة ضائعة تمامًا غارقة في العرق وتفرغ معدتها على ثياب (آسر).. أعتقد أن هذا الدور أفضل أداء أنثوي رأيته خلال خمس سنوات. وأداؤها وأداء (آسر) لدوري المدمنين أصيل، فهما لا يقلدان ما رأياه في الأفلام الأخرى. معظم الممثلين الآخرين متميزون وأخص بالذكر مساعدة المخرج التي لا أعرف اسمها، وتاجر المخدرات الصعيدي المصمم على الانتقام. على عكس هذا كان أداء أحمد الفيشاوي نمطيًا إلى حد ما، وطريقة نطقه تذكرني بطريقة التمثيل في الستينات.
التصوير كان مناسبًا للجو، وقد ساد الصورة طابع عام أزرق بارد مع سخاء في الظلال، فهؤلاء قوم يعرفون ما يفعلون جيدًا ولا يدعوهم الاستعجال إلى التنازل. مونتاج عمرو سلامة متقن لاهث، وإن كنت أرى أن القطع للقطة سقوط النجفة من السقف عند ذكر مجموع 102% طفولي نوعًا. هناك مشهد لا ينسى وبسمة تراقب عقارب الساعة فيتأرجح الكادر ذاته مع الدقات كأنه بندول ساعة يحطم الأعصاب. الموسيقا التصويرية في موضعها، وبالطبع يتوقع كل من يعرف عمرو سلامة أنه لابد أن يضع في أعماله الكثير من ألحان فرقة (وسط البلد). هنا أغنية كاملة للمطرب (هاني عادل) تم استغلالها جيدًا .. مع استهلالها بلقطة من داخل الجيتار نفسه..
الفيلم يهتم بتفاصيل الصورة فعلاً، مع تلك الحلول البصرية التي هي أقرب إلى الكنايات البليغة.. السيناريو ملقى على مقعد سيارة أحمد الفيشاوي كناية عن أنه رشح للدور .. القطط السود تنذرك بظهور المتسولة .. وجه نبيل عيسى يرفع كفه نحونا كناية عن اصطدام الحافلة به .. يد الفيشاوي ويد مساعدة المخرجة في ظلام السينما تحكيان قصة علاقة لا تكتمل.. مساعدة المخرج تتحسس السكين على المائدة بيد ترتجف فتخبرنا بتفاصيل ما سيحدث بعد انتهاء الفيلم.. من الصعب هنا ألا تتذكر عالم محمد خان العاشق لهذه التفاصيل الصغيرة. علاقة الحب تولد بين بسمة والفيشاوي من خلال دورات لا تنتهي بالكاميرا حولهما بينما الحوار مستمر لكن ثيابهما والمكان يتغيرون. تذكر أن هذا أول فيلم روائي لعمرو سلامة لتمنحه إعجابك بلا تحفظ. لكني أذكره فقط أن بونابرت لم ينتحر !.. قالوا إنه مات بالسرطان، وقالوا إن هناك من سممه بالزرنيخ .. لكنه لم ينتحر ..
(زي النهارده) تجربة راقية ونظيفة و(بنت ناس) فعلاً، لهذا يقلق المرء عليها كثيرًا وسط سوق أفلام العيد المليئة بتجار المخدرات وأصحاب السوابق والعاملين دماغ، لكن صانعيه ما زالوا يعتقدون أن السينما – تصور هذا – يجب أن تكون جميلة راقية حتى لو تكلمت عن الإدمان أو القتل.


شكراً ..

ايهاب احمد عمر
17-10-2008, 04:47 AM
هل كان هنا حقًّا؟

هل كان له وجود حقًا؟ أم هو حلم بصري وسمعي فائق السحر مر به عدد منا في زمن معين ثم أفاقوا؟

ما أذكره هو كالتالي: كنا طلبة في الكلية وحواسنا مرهفة كالنصال، وعواطفنا مرهفة أكثر من حواسنا. عندما كانت للّيل رائحة وللسحاب لغة وللظلال رقصة نفهمها ونعرف رموزها، وفي حفل ليلة رأس السنة ظهر على شاشة التليفزيون للمرة الأولى.. لم يكن مطربًا يلمع شَعره بالفازلين، ولا مطربة شبه عارية تضع برج القاهرة فوق رأسها بعد ما صبغته بالأصفر.. مشهد غير معتاد فعلاً أن ترى هذا الشيخ الوقور ببذلته الكاملة ولحيته الشائبة وعباءة على كتفيه، وهو يمشي على المسرح كشبح وسط الظلال مغنيًا بصوت رخيم:
القلب يسألني عن طول رحلتنا صبري يعلله.. والعقل ينهاني
أنوي البعـاد لنلقـى فيه راحــتنا إذ بالحنين وشوقي لا ينامانِ..

وتتصاعد موسيقى رهيبة مهيبة من مسام الكون ذاته فيجفل قلبك..

لقد شفّ الرجل تمامًا.. ذاب.. فلم يعد يشعر بنفسه ولا الجمهور.. صار جزءًا من الأفلاك والشهب والثقوب السود.. اقترب جدًا من مسام أوراق النباتات حتى غاص فيها، وفهم الشفرة الغامضة لرفرفة أجنحة الفراش، وعرف أين تموت الفصول وأين تبيت الدببة القطبية، وعرف سر ذلك الوميض الغامض الذي يتوهج في الأفق في بلاد الشمال.. إنه يعرف أسرار الشفق القطبي.. لقد اقترب.. اقترب جدًا..
يتوغل بين الظلال ساهمًا.. هذه ليست أغنية.. أقسم بالله العظيم أنها ليست كذلك.. إنها تجربة يدنو فيها من سر الكون، وإن اتخذت شكلاً عاطفيًا ظاهريًا كبعض أشعار المتصوفين.. وانتابني رعب خفي من أنه ذهب هناك ولن يعود أبدًا..

من جديد أقسم أنه لم يشعر أن الأغنية انتهت ولا أن أضواء المسرح سطعت، ولا أن الأكف التهبت بالتصفيق.. كان يستجمع ذاته التي ذابت هناك في درب التبانة بين المجرات.. هناك عين جوار كوكبة الدجاجة وقلب جوار وعاء الدب الأكبر.. يستجمع هذه الشظايا المبعثرة محاولاً أن يعود لصورته الأولى..
قالت أختي وهي تمسح دمعة تجمدت في عينها:
ـ"فؤاد عبد المجيد"... يستعملون موشحاته كخلفيات لفرقة رضا أحيانًا.
إذن هذا هو مصدر ذلك الصوت الذائب الغامض القادم من لا مكان، والذي يردد:
"يا غريب الدار بأفكاري
كم تخطر ليلاً ونهارا
أدعوك لتأتي بأشعاري
بجمال فاق الأقمارا.."
مع الكثير من (يا لا لا لا لا) من أجل إضفاء الجو الأندلسي الساحر. وأنت تشعر على الفور بأن هذه الأغاني لم يؤلفها أحد، إنما هي موجودة هكذا منذ كنا في الأندلس. ربما ألفها "زرياب" وربما رقصت عليها "ولادة بنت المستكفي" كي تحرق دم "ابن زيدون"، ولتقنعه أن التنائي أضحى بديلاً عن التداني!
لم أكن واهمًا.. فجأة صار "فؤاد عبد المجيد" ملء السمع والبصر.. على أغلفة المجلات كلها.. في برامج التلفزيون.. في الراديو. إنه الموظف الوقور شقيق الصحفي الرياضي الشهير (نجيب المستكاوي)، الذي كان يهوى كتابة وتلحين الموشحات، وبعد ما صار على المعاش بدرجة وكيل وزارة قرّر أن يخرج بموشحاته الرقيقة إلى النور. تأثير هذه الموشحات علينا كشباب كان ساحقًا.. ثمة سحر لا يوصف عندما تأتي العاطفة من شيخ وقور جرّب كل شيء واعتصر الحياة واعتصرته، وهو ذا يهدي لنا خلاصة تجربته وآلامه في ألحان رشيقة وبكلمات فصحى قوية.. عندما يغني "علي الحجار" أو "عمر فتحي" فهو شاب صديق لك يحكي عواطفه وأنت تسمعه، أما هذا الشيخ فهو يحكي لك تجربته فتصدقه، عندما سما الحب وامتزج بالكون وحكمة السنين وآلام لم تبق شعرة واحدة سوداء في لحيته..
كانت المذيعة تسأله عن كيفية بناء الموشحات فارتجل هذه الكلمات ولحّنها على الفور على العود:
ـ"لاهٍ وخلي البال.. بالفتنة يسبر أغواري
"ما أدري له من حال.. وأقاوم جذب التيار
قلبي رغمي يهواه.. نغم ينساب بأوتاري
وأنا ما أطيق هواه.. أو أحسن ألعب بالنار"
تصور هذا!.. وتصور اللحن المرتجل.. ثم يأتي موزع عبقري ليجعل من هذا العمل ملحمة كاملة. بعد هذا ظهر شريطه الثاني الذي غنى فيه بعض الكلمات بالعامية، لكنها عامية تذكرك بعامية "رامي" و"شوقي". أعتقد أن التوزيع كان للفنان "منير الوسيمي". هنا تسمع أذنك الذاهلة الشابة الظامئة للحياة -وقتها طبعًا- كلمات مثل:
ـ"الزمان تاه من سنين.. بس فاكر إننا
"كنا قلبين مجروحين.. واغترابنا ضمنا
"كنت حاسس بالحنين.. لشيء ما لوش فيا وجود
"وانتي الوجود.. انتي الوجود..
"ما قدرتش أفهم إن آه.. فيها صلاة.. فيها حياة..
"كان اهتمامك البتول.. بتقابله جدران من صخور
"تملاه كسور.. تملاه كسور"
يا نهار أسود!.. (بتول) و(اغترابنا)!.. تأمل رقيّ ورقّة هذه العامية. والصورة الشعرية: "كنت حاسس بالحنين.. لشيء ما لوش فيا وجود" مع ملاحظة أن هذا ليس الشاعر الفرنسي "بول فاليري" وإنما هو وكيل وزارة على المعاش..
بعد هذا جاء شريط من كلماته وألحانه لـ"عفاف راضي" هو (أبأفكاري وبأشعاري).. وفيه تقول كلمات مثل:
"يا فاتني يا ساحري..
هيا سويا. إلى الثريا..
فاضت بقلبي أشواق حبي..
فمن يلبي..
عشقا سويا؟..
يا عاذلي يا لائمي..
لا تعذلاني..
بل فافهماني..
الحب يسمو بالقلب يعلو..
حتى يناجي ربا عليا"..
ويا ليتني أستطيع أن أسمعك هذا اللحن إن لم تكن سمعته.
تضخّم حلم "فؤاد عبد المجيد" وتحوّل إلى نوع من الحمى بالنسبة لنا، حتى إنني كنت أعلّق عشر صور له على جدران غرفتي، وفجأة.. "بحّ".. خلاص.. لم يعد هناك.. لقد توفِّي هذا الفنان العظيم الذي لم تدُم شهرته أكثر من عامين. شهاب توهج في السماء فأضاء كل شيء وأضاء لنا أرواحنا ثم انطفأ وساد الظلام. المليح يبطئ كما يقول العرب، لكنه كذلك يرحل بسرعة جدًا.
شرائط الكاسيت التي كانت عندي.. كلها اقترضها ناس وأضاعوها، وعندما أسألهم عنها ينظرون لي في بلاهة: "أية شرائط؟".. لم تعد أغانيه تُذاع. لا أجد صورة واضحة له في أي مكان، والإنترنت كلها ليست فيها سوى هذه الصورة التي تراها. أسأل بائع الشرائط فينظر لي ثم ينفجر ضاحكًا: "فؤاد مين؟.. هع هع..!"
الفنان في مصر يموت عندما يموت.. هذه حقيقة يجب أن نعترف بها.. أنت موجود طالما أنت تتحرك وتظهر في وسائل الإعلام وتملأ الدنيا صخبًا وتقبض العربون وترفع عدة قضايا.. ولو ظللت حيّا حتى الثمانين فإنك ستصير الفنان الكبير مهما كان مستواك.. لكن تذكر أنك عندما تموت فلسوف تموت فعلاً. حتى على مستوى العظماء مثل "يوسف إدريس" و"عبد الوهاب" و"أم كلثوم".. هل حجم وجودهم هو ذات الحجم الذي كانوا يشغلونه عندما كانوا بيننا؟.. قلها بصراحة..
أحيانًا ألجأ لأصدقاء الكلية كي أتأكد أن "فؤاد عبد المجيد" لم يكن حلمًا بصريًا وسمعيًا جميلاً عشنا فيه عامين أو أكثر. ليرحمك الله أيها الفنان الجميل، ويرحم عبقريًا آخر اختفى تمامًا كأنه لم يوجد، اسمه "حمزة علاء الدين".. من هو "حمزة علاء الدين"؟.. هذا موضوع آخر...!
استمع إلى:
فؤاد عبد المجيد:
http://www.mawaly.com/music/eqypt/fou2d_3bd_elmgeed/albums/default/ (http://www.mawaly.com/music/eqypt/fou2d_3bd_elmgeed/albums/default/)
و"عفاف راضي" وهي تغني لـ"فؤاد عبد المجيد":
http://www.mawaly.com/music/egypt/3afaf_rady/albums/mouwash7at (http://www.mawaly.com/music/egypt/3afaf_rady/albums/mouwash7at)

د.احمد خالد توفيق
مصدر المقال :
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_218_04.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_218_04.html)

Dr.Ahmed
21-10-2008, 04:31 PM
تحياتي .. حدث خطأ لا يعرف أحد مصدره هذا الأسبوع أدى لنشر مقال قديم (مخلوقات كانت رجالا) .. هذا هو المقال الذي كان يجب أن يُنشر اليوم، أنشره على سبيل الاعتذار :

ثقافة القسوة
بقلم د. أحمد خالد توفيق

فعلاً لابد أن تشعر بشيء من الخجل والذنب وأنت تكتب هذا المقال، لأنك تعرف أن الناس لديها ما يكفي من المشاكل، وأنهم قد يضمونك إلى ذلك الذي يحتج على وقف استيراد الكافيار وذلك الذي لا يجد - ياي - نوعًا جيدًا من الفواجراه، لكن الأمر محزن فعلاً ويتلخص في أننا - المصريين - من أقسى شعوب الأرض على الحيوانات.
أذكر وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية أنني كنت عائدًا لداري، فرأيت مجموعة صبية يتقدمون نحو حمار يأكل مربوطًا لعربة (كارو). تأكدوا من أن صاحب العربة ليس قريبًا ثم .. لم أصدق ما رأيت حتى إنني ظللت واقفًا كتمثال أبله لخمس دقائق .. لقد غرس أحدهم بكل قوته عصا مدببة في عين الحمار حتى فقأها، وانفجروا يضحكون وركضوا فارين .. يا ليتك رأيت وسمعت ما فعله هذا الحيوان الأعجم وهو يكافح الألم. ولا تسأل عما رآه صاحبه عندما عاد، لأنني كنت قد فررت بدوري متوقعًا أن يمزق الرجل أول صبي يجده في المكان.
بلاش دي .. خذ ذلك العامل في المستشفى وهو يحكي لي وعيناه تلمعان كيف وضع كلبًا صغيرًا في كيس وربطه وأغرقه في الترعة في قريتهم. يتكلم بفخر كأنه قضى على الجوع والفقر والمرض بضربة لازب .. تمنيت لو أن كلبًا عملاقًا بحجم كينج كونج يمسك بهذا العامل وعياله ليغرقهم في الترعة ليروا كم أن هذا مضحك .. وهل رأيت في قناة الجزيرة تاجر الفراخ الذي يسكب الكيروسين على الكتاكيت الحية ثم يشعل فيها النار ويراقبها في استمتاع وهي تحترق ؟. هل رأيت على الإنترنت الحمار الذي ثقلت حمولة العربة به فسقطت للخلف وظل هو معلقًا في الهواء ينتظر الفرج ؟.. في حديقة الحيوان رأيت أطفالاً يحملون قطة صغيرة تموء مصرين على رميها للبجع على سبيل التلذذ بالمشهد الدامي، ولولا الحارس الذي احتفظ بآدميته وصاح فيهم: " حرام عليكوا .. دي مش روح ؟" لفعلوا ذلك.. دعك من الهواية الجديدة التي يمارسها الأطفال وهي قطع أطراف الكلاب والقطط بالشاطور، وهم بالطبع ورثوا هذه القسوة عن آبائهم.
قسوة لا يمكن وصفها فإذا فتحت فمك انفجروا يضحكون في استخفاف. كلما طالبت بالرحمة بالحيوان قالوا لك : "ارحموا البشر أولاً"، وكأنك تطالب بتعذيب البشر كبديل رخيص. أو قالوا لك : "الناس غلبانة" .. نعم .. لكن ما علاقة الغلب بفقء عيون الحمير وهي تأكل ؟.. لو كان هذا يقضي على الفقر فلسوف أفقأ عيون كل الحمير في القرى المحيطة بمدينتي. إنما منطقهم هو : "نحن نتعذب .. فليتعذبوا كذلك مثلنا !"
(أمينة أباظة) .. هل تعرف هذا الاسم ؟.. إنها سيدة باسلة كرست حياتها للدفاع عن حقوق الحيوان، متحملة العبارة الدائمة التي تقابلها في كل مكان (مش لما نلاقي حد يدافع عن حقوق الإنسان الأول ؟). كلام سليم وصادق، لكن الحقيقة القاسية هي أن من لا يرحم الحيوان لا يرحم الإنسان كذلك، وأن القسوة لا تتجزأ .. الأمر داء اسمه (القسوة على من لا يستطيع أن يؤذيك) سواء كان قطًا أم امرأة عجوزًا تتسول ..
ثم من قال إنه لا وقت لدينا للرفق بالحيوان لأننا مشغولون بما هو أهم ؟. الواقع يقول إننا نقسو على الاثنين معًا..
(أمينة أباظة) - التي لم ألقها قط - قامت بإنشاء ملجأ للحيوانات المعاقة اسمه SPARE (اختصار موفق لاسم جمعية الحفاظ على حقوق الحيوان في مصر) وله سمعة دولية حسنة فعلاً. الانطباع الأول الذي يتركه الموضوع هو أنه نشاط من أنشطة سيدات المعادي شبيه بأندية الروتاري والجمعيات النسائية إياها حيث تلتقي ناظلي هانم مع فريدة هانم للمطالبة بزرع أشجار البتونيا، لكنك لو دخلت الموقع لرأيت هذه السيدة الراقية تحتضن حيوانات متسخة سيئة التغذية يسيل الدم من قروحها.. حيوانات لا يجرؤ كاتب هذا المقال على لمسها. هناك في الموقع قصص قاسية حتى بالنسبة لنا مثل ذلك الجزار السادي الذي قطع ذيل كلب بالشاطور! وجدته سيدة أجنبية اسمها (ماري كاستيللي) والأطفال يضربونه بالعصي كالعادة - فكر في الفضيحة العالمية - من ثم أخذته لملجأ الحيوانات. كلب آخر رقبته مقطوعة تقريبًا لأن السلسلة ظلت على عنقه عامًا .. هناك حمار يجر عربة ثقيلة لمدة عام مع أن رجله مكسورة، فاشترته السيدة فورًا، وقد رأى الطبيب البيطري أنه لابد من إعدامه الرحيم euthanasia، لكن الحمار تحسن واستعاد صحته قبل موعد الإعدام .. كما أنها في عام 2005 جربت طريقة فريدة رحيمة للحد من أخطار كلاب الشارع في مدينتي الأقصر والغردقة بلا تسميم بالسيانيد ولا طلقات رصاص تقعد الكلاب ولا تقتلها ، ولم تكلف الدولة مليمًا لأن فريقًا من الخارج تطوع للقيام بهذا.
صارت (أمينة أباظة) سفيرة مصر لحماية حقوق الحيوان، ومن اختارها هي الهيئة الدولية ليوم الحيوان العالمي. قبل هذا كرمتها جمعيات ألمانية وأسترالية. وتقول في حديث نشرته جريدة (المصري اليوم): "إن هذا عمل جريء لأن المطالبة بتطبيق حقوق الحيوان التي تعد في الأصل حقوقاً سماوية ينظر إليها في الثقافة المصرية علي أنها (هيافة)". طبعًا اصطدمت مع الدولة مرارًا خاصة وزارتي الزراعة والداخلية، وبدت بالنسبة للحكومة جاسوسًا مصرًا على فضحنا أمام العالم، ناسين أن السياح يكتبون عنا كلامًا (زي الطين) عندما يرون معاملة الحيوان عندنا .. ذات مرة شكت في قسم الشرطة حوذيًا يسيء معاملة حماره، فاتهمها الضابط بالجنون على حد قولها وقال : "حمارُه وهو حر فيه" .. ولم ينسوا لها أنها السبب في أن استراليا امتنعت عن تصدير الماشية الحية لنا، بعد ما عرض هناك فيلم فيديو يصور ما يحدث للحيوانات في مجازرنا وهي تساق للذبح.
اكتشفت كذلك الكثير من القسوة في حدائق الحيوان، ومنها أن الحمير التي سيتم تقديمها طعامًا للأسود تحرم من الطعام خمسة أيام أو أكثر من منطق (مش حتموت ؟.. يبقى خسارة الأكل فيها). تصور أن تجيع حيوانًا لا حول له ولا قوة على سبيل الاستخسار، وأنت عندك حديث شريف واضح يقول: " دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض " . رواه البخاري ( 3140 ) ومسلم ( 2242 ). كلنا نحفظ هذا الحديث مذ نعومة أظفارنا، لكن لماذا نتكلم عن الدين طيلة الوقت ثم نتوقف عندما تأتي سيرة الحيوان ؟.. هل هذا الحديث صحيح أم لا ؟.. لو كان صحيحًا - وهو كذلك - فنحن نخالفه على طول الخط. وماذا عن (في كل كبد رطبة أجر) ؟. لماذا لم أسمع في حياتي خطيب مسجد يدعو للرفق بالحيوان ، مع علمي أنه ما من رسالة سلوكية يمكن أن تصل في مصر إلا لو ارتدت عباءة دينية. يعني لن تنشر أية ثقافة مرورية أو حضارية أو صحية ما لم تستخدم الدين، وهو شيء فهمه نابليون بونابرت ببراعة، فماذا عن نشر رسالة صحيحة يدعونا لها الدين فعلاً ؟
فطنت (أمينة أباظة) إلى أن الحل يبدأ من المدرسة ومن التلفزيون، وهذا ما تحاول جاهدة أن تفعله لكنها تصطدم بصخور البيروقراطية وصخور (دي ناس فاضية ) الشهيرة .. سيدة عظيمة هي تعطي لمصر واجهة مشرقة حضارية بدلاً من صورة البلد الذي تحترق فيه المسارح وتزور الانتخابات ويخطف السياح. وإلى أن تقرر سيدة شجاعة أخرى أن تنشئ (جمعية الرفق بالإنسان) فعلينا أن نؤيد هذه الجمعية وأن نبدأ بأنفسنا.

سـوار الياسـمين
21-10-2008, 04:35 PM
السلام عليكم

فهرس للمقالات التي تم نشرها فهذا الموضوع:

فهرس للمقالات التي تم نشرها في هذا الموضوع (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=690638&postcount=1)
((1)) (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=690638&postcount=1)

فهرس للمقالات التي تم نشرها في هذا الموضوع (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=694435&postcount=2)
((2)) (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=694435&postcount=2)

فهرس للمقالات التي تم نشرها في هذا الموضوع (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=694430&postcount=3)
((3)) (http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=694430&postcount=3)

toma
22-10-2008, 02:58 AM
شكرًا للعزيزة رشا على الفهرس ، وأقترح أن يتم تحديثه أولًا بأول ، وربما وضعه فى الصفحة الأولى من الموضوع كذلك

حسن .. هذا مقال قديم وجدته لدىّ ، وبالنظر فى الفهرس لم أجده ، لذا أضعه هنا
( هيطلع شكلى وحش قوى لو طلع موجود ومشفتوش :nihihi: )


الطريف في طب الريف


طب الأرياف علم معقد قد يخطر للسذج أنه يشبه الطب العادي من قريب أو بعيد .. دعني أخبرك أن علاقة طب الأرياف بالطب الذي تسمع عنه تشبه علاقة الكسكسي بحلف الناتو.. هل تجد علاقة ما؟.. إذن أنت عبقري ولن تلقى مشاكل من أي نوع ..
هذه الملاحظات كتبتها لنفسي أساساً عام 1986 عندما كنت طبيب الوحدة الصحية في إحدى قرى محافظة الغربية، واعتقد أنها ما زالت صالحة.. لهذا لن أبخل بها على القارئ:

علم المصطلحات الطبية Medical terminology الريفي:

استتقال: إسهال وتعنية
تمشية: إسهال
الخاتم والصفرة: فتحة الشرج
زغولة: ارتباك معوي
مباوعة: قيء
النتّ: حركة الصدر العنيفة لدى الزفير
سقف البدن، سقف الحنك: الرحم
الضهر: الدورة الشهرية
حيل / ولاويز : عقد لمفاوية
الجهاز / الشريط: لولب منع الحمل
الإنذار: المنظار
البجْم (بكسر الباء وتسكين الجيم): البنج

علم مسببات الأمراض Pathogenesis الريفي:

يتلخص في كلمة واحدة لا قبل لها ولا بعد : البرد .. البرد يسبب أي مرض في العالم وسوف نكتشف يوماً ما أنه المسئول عن السرطان (لم أكن أعرف الإيدز في ذلك الوقت)..

علم الياثولوجيا Pathology الريفي:

• مرض الكبد: مرض واحد موحد لا فروع له. ينجم عن دودة (الهارسا) وعلاجه هو بأقراص خلاصة الكبد. لكن لو رشح الكبد فإن هذا هو الخطر الحقيقي. الاستسقاء في حد ذاتها ليست خطراً طالما أن الكبد لم يرشح ..
• مرض الكلاوي: هو مرض واحد موحد. قاتل غالباً. وعلاجه حجن الجنب والكثير من عصير القصب والعرقسوس.
• مرض الجلب: وهو أي مرض قلب أو أوعية دموية.. قاتل دائماً .. ومن يصب به ينل رحمة الآخرين وعنايتهم.
• مرض الأعصاب: هنا يندرج طب العظام والأمراض العصبية والأمراض الروماتزمية والأمراض النفسية. على أنه حين يتحدث الرجل عن الأعصاب بصوت خفيض فهو يتحدث عن قدراته الجنسية عامة.
• مرض السكري ينجم عن الإفراط في أكل السكريات، وآلام المفاصل تنجم عن الإفراط في أكل الملح. عامة يمكن علاج السكري بالإفراط في أكل المخللات.

علم وظائف الأعضاء physiology الريفي بسيط جداً:
• كمية الدم في الجسم محدودة جداًَ. سحب 3 سنتيمترات من الدم يقتل المرء أو يصيبه بالعجز طيلة حياته. التبرع بالدم حماقة كبرى ..إذ كيف تقتل رجلاً لتحيي آخر ؟
• البول والمية هما طريقتا الإخراج للجسم البشري .. ما يخرج من الدبر اسمه (بول) وما يخرج من القبل اسمه (ميه)..!.. لهذا من الطبيعي أن تسأل المريض عن حالة البول وحالة الميه ..فقط الحمقى يحسبونهما مترادفين.. وقد تسأل المريض عن بوله فيجيب بأنه طبيعي .. ولا تعرف أنه ينزف دماً من مثانته ببساطة لأنك لم تسأل عن(الميه)..
• الطحال مهمته القتل فقط .. عندما يكتشف المرء أن لديه طحالاً فهي نهايته ..من الطبيعي ألا يكون لدى الإنسان طحال ..
• فم المعدة ليس عضواً تشريحياً من لحم ودم .. إنه قضيب محمي أو نار مشتعلة أو حجر رحاية أو أي شيء دائماً...
• فتحة الشرج (الخاتم) في الأطفال لا فائدة لها إلا أن تحتشد حولها ليلاً الديدان الصغيرة الشبيهة بديدان المش..
علم الأعراض الإكلينيكيةsymptomatology الريفي:

• عامة كل طفح في الجلد هو حرارة ..حتى لو كان سرطان جلد.
• عامة كل هرش هو حساسية حتى الجرب نفسه.
• عامة كل ألم روماتزمي هو (نشر).
• عامة أي طفل يسعل وترتفع حرارته في أية لحظة تراه فيها في أي مكان.
• عامة أي طفل لا يأكل منذ ثلاثة أشهر في أية لحظة تراه فيها في أي مكان...
• كل فتاة ضغطها منخفض و(هبطانة) في أي وقت تراه فيها ..
• السمنة واللون الأبيض علامتا الصحة الوحيدتان .. ولا توجد أية علامات أخرى.
• ارتفاع الحرارة ليس حمى .. الحمى هي التيفود فقط أو كل مرض يهدد الحياة ويستدعي الذهاب لمستشفى الحميات التي تعجل بالوفاة غالباً..
• السماعة تعرف كل شيء وتهمس للطبيب بتشخيص المرض وعلاجه .. لهذا هي لا تخرج إلا لمن يدفع .. لا تتوقع أن يستعمل الطبيب هذه الأداة السحرية للمرضى المجانيين فإن فعل فهو غير جدير بالاحترام .. وربما كان خنزيراًً كذلك ..
• عامة يجب أن توضع السماعة على موضع الألم .. فلو كان رأسك يؤلمك ولم يضع الطبيب السماعة على رأسك، فهو وغد لا خلاق له.
• المستشفيات العامة لا تصلح لشيء لأن (الهمل موجود). (الهمل) بكسر الهاء هو الإهمال.

علم البحوث الطبية Medical investigations الريفي:
أهم شيء هو التكرير (التحليل).. لابد من الإنذار (المنظار) لكنه صعب ويقتل دائماً... (الأوشاعة) مفيدة دائماً.. وعادة ما يصف المريض الأمر قائلاً: "الداكتور جال إذ لابدن عن أوشاعة"

علم الفارماكولوجي pharmacology الريفي يقسم العقاقير إلى نوعين:

1- الدواء: وهو كل ما يوضع في زجاحة ويُشرب ..
2- العلاج (بتعطيش الجيم): هو كل ما عدا ذلك !

وينقسم العلاج (بتعطيش الجيم) إلى عدة أقسام:
أ- الحُجن: هي كل ما يحقن .. وهي أهم أنواع العلاج (بتعطيش الجيم) وأفخمها وأقواها أثراً.. عامة يتناسب مفعول الحجن مع ما تحدثه من ألم .. الحجنة التي لا تحرق المريض وتجعله يتلوى ألماً هي نوع من النصب الذي يمارسه أطباء الوحدات الذين لا خلاق لهم ..
والحجن عامة ثلاثة أنواع: حجن الجنب (بتعطيش الجيم) وهي كل ما يعطى للمغص الكلوي. حجن فيتامين. حجن بنسلين أو فايلوسيف وهي تلخص المضادات الحيوية عامة.
ب- الكباسين (الكبسولات): بما أن أغلب الكبسولات تحوي مضادات حيوية، فإن الكباسين هي نوع من العلاج مخصص لتخفيض ارتفاع الحرارة ومهما كانت أسبابها .. وهنا يبرز عقار مهم جداً اسمه (500)... لم تسمع عنه ؟.. لأنك محدود العلم عدم المؤاخذة .. يقول لك الرجل في فخر : "500 ده ممتاز .." أو "أنا أديت الوله 500".. كما تلاحظ 500 هنا هو الاسم العلمي للعقار وليس جرعته ..
هناك نوع من الكباسين له أهمية خاصة هو المقويات .. وتستعمل في حالات (الضوعف)..
ج- الجطرات: كلها نوع واحد يصلح لأي شيء بدءاً بالرمد الصديدي وانتهاء بسرطان الشبكية .. يجب أن تترك الجطرة مرارة في الحلق وإلا كانت نوعاً من النصب الذي يمارسه أطباء الوحدات الذين لا خلاق لهم ..
د- مراهم: كلمة واحدة جزلة دسمة تصلح لكل شيء بدءاً بالإكزيما حتى الجذام.
هـ- برشام: هذه هي أسفل سلم العقاقير .. ولا جدوى منها إلا أن تقف في المريء دائماً . تسبب الضغط والدوخة والصداع والهبوط ولابد من (حرجان) في فم المعدة ..

عامة طبيب الريف لا يصف لك الدواء الفلاني أو يكتب الدواء الفلاني، ولكن (يطلعه لك)..مثلاً (الداكتور طلعلي كباسين وبرشام)..

هذا هو ما وجدته في أوراقي عن الموضوع، وأعد باستكمال هذا الموضوع العلمي المهم بمجرد أن أتذكر تفاصيل أخرى.

بقلم د. أحمد خالد توفيق

سـوار الياسـمين
23-10-2008, 12:39 AM
في بلد البقشيش: عندما يتحول التبول إلى مهنة

هناك نكتة قديمة لا أجسر على سردها حرفيًا عن بلدياتنا الذي جاء إلى القاهرة، وحسب من فرط سذاجته أن استعمال دورات المياه يكلف مالاً.. هذه النكتة ألفها على الأرجح أحد الحشاشين من محترفي تأليف النكات منذ ثلاثين عامًا وهو لا يتصور أن تتحقق نبوءته حرفيًا اليوم. تعال معي الآن وادخل الحمام العمومي في هذا المكان أو ذاك لتجد ذلك الشاب أو الرجل الذي يستقبلك بابتسامة مداهنة، ورأس ماله هو لفة من ورق التواليت .. ومظهر الشاب يختلف من الحمامات المتسخة إلى الحمامات الفاخرة في الفنادق والمولات .. تخرج من الحمام فيلقاك بنفس الابتسامة و(أي خدمة) ثم يناولك قطعة من لفافة الورق تلك أو قطعة صابون صغيرة معطرة حسب الوضع الطبقي للمكان الذي اخترته. فإذا لم تدفع كان عليك تحمل نظرة السخرية والتنمر في عينيه .. هذا بالطبع ما لم يكن يملك حقًا رسميًا في تقاضي مبلغ مالي من المحافظة، مما يتيح له أن يملأ الدنيا صراخًا...

لا ننكر أن الحمامات العمومية صارت أنظف .. صار بوسعك أن تمارس حقك الفسيولوجي دون أن تصاب بالجنون الذهولي أو التهاب الأعصاب الطرفي، ويبدو أن هذا يمس قلب فكرة الخصخصة ذاتها في صورتها الحسنة، فالحمام صار له صاحب ولم يعد مشاعًا ولهذا صارت الخدمة أفضل ... لكنك لا تنكر الغصة التي تشعر بها في حلقك عندما ترى شابًا في ذروة سن الإنتاج لم تعد لديه وسيلة رزق إلا تقديم المناديل لمن يقضون حاجاتهم.. أن يصير التبول مهنة فهذا لا يحدث إلا في مصر.. وكم من مهن عجيبة أفرزتها الأوضاع الاقتصادية والبطالة .. وهي مهن يقنع أصحابها أنفسهم بأنها كذلك، لكنها كما هو واضح نوع مستتر أو واضح من التسول..

قديمًا قيل إن مصر هي بلد البقشيش، لكن الأمر لم يصل لهذه الدرجة المريعة فيما سبق .. كان هناك منادي السيارات الذي يظهر لك من حيث لا تدري عندما تدير محرك سيارتك ليأخذ قرشًا بالعافية .. رحم الله أديبنا الساخر (محمد عفيفي) الذي لو كان في أوروبا لأقيم له أكثر من تمثال في كل عاصمة باعتباره خليطًا متفردًا من مارك توين وبرنارد شو وأوسكار وايلد معًا. لقد وصف منادي السيارات قائلاً: "هذا الرجل يهين ذكائي .. كأنه لو لم يصدر تعليماته السخيفة لحدثت كارثة .. كأنه لو لم يقل (هات) لما جبت .. ولو لم يقل (بس) لصدمت السيارة التي أمامي وظللت أدفعها إلى الأبد".

اليوم ترى البقشيش في كل مكان تقريبًا .. شرطي المرور ينتظر ربع الجنيه من كل ميكروباص يمر به، ويعرف أقوياء الأعصاب كيف يدسون عشرة جنيهات في جيب أمين الشرطة – عندما ينظر ضابط الكمين إلى الناحية الأخرى - كي لا يأخذ الرخصة .. في بعض دور السينما قد تقول لك بائعة التذاكر بتحد: هناك جنيه رسم شباك .. وهناك من تختار لك أفضل الأماكن أمام الشاشة ثم تبتسم تلك الابتسامة التي تجمع بين الإغراء والتلطف والسخرية قائلة: أي خدمة .. وهو بقشيش يدير الرأس لو فكرت فيه .. ثلاث حفلات ومائة مشاهد في كل حفلة لو كان الفيلم من النوع (الهايف) الجذاب .. نحن نتحدث إذن عن عشرة آلاف جنيه شهريًا ولا أعتقد أن في هذه الأرقام مبالغة ..

في حديقة الحيوان يمكن للحيوانات أن تفعل أي شيء تطلبه مقابل بقشيش للحارس، والدب الجربان البائس الذي خلقه الله ليأكل اللحم ويرعب سهول (التايجا)، فعلموه أكل جذور البطاطا وقشر البطاطس.. تراه يوشك أن يضرب لك تعظيم سلام، ويقول: "ربنا يخلي لك العيال يا بيه".. وتنظر إلى الدب الأجرب وحارسه فتشعر أنهما من النوع نفسه .. كلاهما كان يستحق حياة أفضل سلبت منه بشكل ما .. من ثم تمد يدك لجيبك وتدفع المعلوم ..

هناك من يتلقى الإتاوات بتصريح رسمي من مجلس المدينة مثل بعض مناديي السيارات وسواهم، هنا تبرز لعبة جديدة هي عدم إعطاءك إيصالاً.. تطالب بحقك في إيصال فينظر لك نفس النظرة المشمئزة ويرمي لك الإيصال في قرف كأنه ملوث بالبول ..
الخلاصة أن الظاهرة تنمو وتتضخم وهي مرشحة للمزيد .. يومًا بعد يوم يتآكل ما بقى من الطبقة الوسطى لتهوي إلى أسفل، ومعها يذوب صمام أمان المجتمع .. الطبقة الوسطى التي تلعب في أي بلد دور قضبان الجرافيت في المفاعلات النووية ..أي انها تبطئ التفاعل المتسلسل وتمنع المفاعل من الانفجار. يومًا بعد يوم ينضم شاب جديد إلى طالبي البقشيش .. بالمناسبة .. هل تعرف وحياة والدك صاحب دار سينما ابن حلال يقبل أن يعين لشباك التذاكر رجلاً في العقد الخامس من عمره ؟

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=53)

سـوار الياسـمين
23-10-2008, 12:56 AM
التصطيب وتكنولوجيا المعلومات

يندهش عامة الناس عندما يكتشفون أن إنجليزية الأطباء ليست جيدة إلى الحد الذي يعتقدونه، وأن الطبيب قد يقف أمام عناوين جريدة إنجليزية أو نص أدبي حائرًا عاجزًا عن الفهم. السبب الأول هو أن ما يتعامل معه الطبيب ليس اللغة الإنجليزية بالضبط، ولكن لغة أقرب إلى اللاتينية في معظمها .. والسبب الثاني أننا اعتدنا ونحن طلبة طب أن نستخدم تلك الطريقة الغريبة التي أطلق عليها اسم تكنو آراب في مزج المصطلحات اللاتينية بالعربية، لتتكون تركيبات لغوية ممسوخة مثل: النرفات والدراجّات لجمع لفظتي nerve و drug بالترتيب .. وحينما تخرجنا صرنا نستعمل ذات الطريقة على غرار (الجرح حيسبتك) أي أنه سيصير ملوثًا Septic .. لم أجد بعد الطبيب الذي لا يقول He is nauseating يريد القول إن المريض يشعر بغثيان، بينما معنى الجملة لغويًا أن المريض (يقرف).. دعك من تعبيرات مثل أن (المريضة جالها painful) بمعنى أنها تتألم .. ومعناها الحرفي أن المريضة جاءها مؤلم !.. دعك من النطق الذي يثير سخرية الأجانب لكلمات مثل Umbilicus و Jejunum, و Vagina .. فهذه أمور صارت لها قوة الدين ولا يجرؤ أحد على تغييرها.

الغريب أنك تدرك الخطأ لكنك مع الوقت تعتاده حتى لا تبدو متحذلقًا سخيفًا .. ثم تصير أنت نفسك مصدرًا لهذه اللغة وتنقلها لمن يأتي بعدك..

فيما بعد وجدت أن كل مهنة ابتكرت لنفسها هذه اللغة الخاصة بها.. كنا فيما مضى نسمع أن (الكتاوت) بايظ من كهربائي السيارات، وقد احتجت لوقت طويل حتى أعرف ان معناها هو الـ Cut-out أي قاطع الدائرة .. لكن هذا على قدر تعليم الرجل على كل حال فلا تثريب عليه..

أما انتشار الكمبيوتر في مصر فقد ولد لدى الشباب محموعة عجيبة من مصطلحات التكنو آراب.. مثلاًَ يقول لك الفتى في حماس إنه حيصطّب البرنامج .. وإن التصطيب خلص .. تستغرق نصف ساعة لتفهم أنه يتكلم عن Setup أي تنصيب البرنامج .. وقد صارحني مهندس الكمبيوتر من أنه يخشى أن الهارد بتاعي حيبيد (بتشديد الياء الأخيرة) فظللت قلقًا لأن الهارد حيبيد، ثم عرفت أنه يريد قول إن قرصي الصلب قد يمتلأ بالقطاعات التالفة .. هكذا أثريت العربية بفعل جديد هو (يبيد) بتشديد الياء بمعنى (يصير تالفًا) وهو مشتق طبعًا من Bad الإنجليزية ..

قال لي مهندس اتصالات إنني لا أستطيع عمل (داونلوت) لأن عندي (ترواجان)... فهمت فيما بعد أنني لا أستطيع عمل تحميل Download عبر الشبكة لأن عندي فيروس من نوع حصان طروادة Trojan.. لكنه مصر على نطق اللفظتين بالطريقة الخطأ..

يأتي رمضان فينهمك الشباب في فرمتة الهاردات .. أي انهم يقومون بعمل تهيئة Format للأقراص الصلبة لمسح ما عليها من أطنان الصور العارية .. ثم يأتي يوم 20 رمضان فينهمكون في البحث عمن لديه محموعة من تلك الصور لإنقاذ الموقف قبل العيد..

أما عن المحادثات عبر الإنترنت وهي بالوعة الوقت التي تنمو بنمو البطالة وبنفس المعدلات، فهي نشاط بشري لعين يقضي بأن تجلس أمام الشاشة تحدث أشخاصًا لا تعرف عنهم أي شيء سوى ما يقولون عن أنفسهم، وغالبًا ما تستعمل كوسيلة للتنفيس الجنسي من منطق أنه لا أحد يعرفك على الشبكة، وإللي يعرف خالي يقول له .. هكذا تخرج أكثر الدوافع كمونًا وكبتًا .. ولهذا نسمع دائمًا عن قصة الحب المثلي التي تنشأ بين فتاتين ثم يتضح أنهما فتيان يضحك كل منهما على الآخر .. هذه المحادثات أوجدت لغة جديدة خاصة بها هي كتابة العامية بنفس الحروف اللاتينية بحيث يصير النص مستحيل القراءة، وتجد كلمات عجيبة على غرار:
Salamo 3alaikom و Besara7a لاحظ أن رقم 3 يدل على حرف العين، ورقم 7 يدل على الحاء، ورقم 2 هو الهمزة ..

لا أفهم السبب .. لماذا لا نستعمل الإنجليزية كما هي وبشكل دقيق واضح، أو نستعمل العربية الجميلة المحكمة ؟ .. لماذا لا نقول (تنصيب البرنامج) أو Program setup بدلاً من تلك اللغة الهجينة التي ليس لها أب شرعي ؟ .. اللغة التي لم تجعلنا عربًا ولم تجعلنا خواجات..

المشكلة في مصر عامة هي أن الناس لا تكون لكنها تعرف كيف تبدو .. أي مسئول يرى ازدحام مقاهي السايبر وعدد ساعات الإنترنت سوف يقول في فخر إن التكنولوجيا غزت مصر.. السؤال هنا هو ماذا يصنعون بهذه التكنولوجيا ؟... أعتقد انك ستجد أن 5% فقط يستعملون الإنترنت للحصول على معلومات والباقي يستخدم في تحميل الأفلام والصور إياها والشات .. وهناك من يستخدمون الإنترنت مثل المحولجي الذي يتلقى أية رسالة فيرسلها لعشرين واحدًا قبل أن يتبين ما هي ..

قديمًا انتشرت تلك الورقة التي تحكي عن وصية حلم بها خادم مسجد الرسول (ص) وقرر أن يوزعها على الناس، فمن لم ينسخ تلك الورقة عشرين مرة ويوزعها على معارفه حدث له كذا وكذا .. علماء الدين قالوا إنه موضوع لا أساس له من الصحة ودعابة عملية قاسية جدًا. اليوم يستخدم شبابنا الكمبيوتر لعمل الشيء ذاته .. تصلك رسالة بالبريد الالكتروني تخبرك أن وقعتك سودا بإذن الله لو لم ترسلها لثلاثين واحدًا أو تجرأت ومسحتها. هكذا تستخدم التكنولوجيا في خدمة الخرافة التي ليس لها أساس ديني.

هذه من استخدامات الإنترنت المصرية العبقرية كما ترى .. والحديث يطول على كل حال، لهذا نكتفي بهذا القدر اليوم قبل أن يهنج – بتشديد النون - جهاز الكمبيوتر مني !.

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=68)

سـوار الياسـمين
23-10-2008, 01:11 AM
التجربة الدانماركية .. هل هو أروع فيلم في العالم ؟

تمتاز قناة (آرت سينما) بمزية مهمة هي أنها تعيد الفيلم 363746 مرة تقريبًا، حتى أن ابنتي مريم ذات سبع السنوات صارت تحفظ بالحرف الحوار الصيني الذي يقال في فيلم (فول الصين العظيم)، لهذا يقوم سارقو الكابل – الذين لا أتعامل معهم والحمدلله - بتقسيم الوقت بينها وقناة ديسكافري. وهذا يتيح لك أن تشرح الفيلم ألف مرة تقريبًا وبالتدريج يصير رأيك راسخًا فيه.

مثلاً كلما شاهدت فيلم (اللمبي) ازددت إعجابًا بالشخصية (لا القصة).. وأوافق بشدة الزميل (مؤمن المحمدي) على إعجابه بها .. تذكرت كلمات د. وليد سيف الرائعة (آفاق السينما – 29) إذ قال: "اللمبي موجود فعلاً يا سادة ... إنكم ترونه لكن تشيحون بوجوهكم كي لا تروه .. أنتم تغلقون زجاج نوافذ سياراتكم عندما يقبل نحوكم ليبيع الفل .. تتركون خدمكم يتعاملون معه عندما يعرض بضاعته في حقيبة يجول بها في عز الحر.. اللمبي في كل مكان .. يمكن رسم خريطة وجوده على العاصمة لنجد أنه يمثل نسبة كبرى من شباب العشوائيات. اللمبي يلقي بعقب سيجارته في وجوهكم ساخرًا من مشاريعكم العملاقة وفنونكم التي لا يفهمها ......

مشكلة اللمبي انه لم يكذب بما يكفي .. ولم يكن مبتذلاً بما يكفي. لا ينكر أحد أن أفلام الموجة الجديدة لا تلجأ لما عرفناه من قبل من عري فاضح وقبلات ساخنة محشورة وحوار مليء بالتلميحات الجنسية. إن اللمبيين قادمون شئنا أم أبينا". هذه الكلمات تفهمها أكثر كلما رأيت فيلم اللمبي أو اللي بالي بالك.

نفس الدراسة المدققة تكشف لك أن رأيك في فيلم عادل أمام (التجربة الدانمركية) لا يتغير .. هذا فيلم لا يخرج عن نكتة جنسية بالغة الطول، ومحوره هو أن الشعب المصري عدم المؤاخذة تعبان ويمكن أن يفقد عقله لرؤية فتاة شبه عارية شعرها أصفر. هذا فيلم تم بناؤه بالكامل فوق جسد فتاة تروق لصانعيه فعملوا لها فيلمًا، مثلما صنع عباس كامل فيلم دستة مناديل للتعبير عن إعجابه بمشية ممثلة إيطالية اسمها سيلفانا.

أين الخيط الدرامي ؟... أربع فتوات يضربون خلق الله ثم يصير أبوهم وزيرًا .. وفجأة يكتشف الأب – بلا أي إنذار سابق – أن ابنه الفتوة الذي يضرب الناس صحفي معارض يهاجمه باسم مستعار، فقط لينسى الفيلم هذا الخيط ويتفرغ لمهمة الانبهار بالممثلة الشقراء، وفكرة أنها تدرس الجنس للشباب. والفيلم يتظاهر بأنه سياسي خطير (تخيل دخول راقصة لمجلس الوزراء أو عرض فيلم بورنو فيه) أو ارتداء وزير لثياب مطربي الراب، أو ضابط الشرطة الذي يولول كالكلاب: حاحا حاحا .. أو ابن الوزير الذي يسجن كل قسم الشرطة بمن فيه من ضباط يؤدون عملهم، وهي إهانات تمر مر الكرام على وزارة الداخلية لأن صاحبها هو عادل إمام. دعك من مظاهرات الشعب المصري خارج المكتبة صائحين: عاوزين نقرا .. لمجرد أن الشقراء تقف على سلم المكتبة .. ومظاهرات الأمن المركزي التي تفرق المتظاهرين الذين فقدوا عقلهم لرؤية فتاة بالمايوه.

دعني أسألك بصراحة: أين استجوابات مجلس الشعب التي تلقاها فيلم اللمبي وأين الغضبات العنترية ؟.. لماذا لم يتكلم أحد عن تشويه صورة الشعب المصري في الخارج كما هي العادة ؟.. هذه المرة التهمة ثابتة حينما تظهر المصريين مجموعة من البلهاء الذين يريدون دخول المكتبة لرؤية ساقي امرأة .. صحيفة شهيرة مستقلة كتبت تهاجم الفيلم ثلاثة أسابيع ثم تفرغت للكتابة عن الزعيم وكيف ان (الدهن في العتاقي) وكيف أن هنيدي وأمثاله فقاقيع طفت على سطح الفن المصري وسرعان ما تنفجر .. فجأة صار هذا أهم فيلم في التاريخ وذروة الكوميديا التي جاءت لتوقف كل مدع ناقص الموهبة عند حده..

طبعًا عادل إمام هو عادل إمام .. هناك لحظات في الفيلم تجعلك تضحك حتى تنقطع أنفاسك .. لكنك تضحك بسبب موهبة عادل إمام المخيفة .. لا أكثر ولا أقل .. وهنا تجد علامة الاستفهام من جديد: عادل إمام ويوسف شاهين تحولا إلى تابو وقدس الأقداس .. لا يمكن مناقشتهما مهما فعلا ..
اللمبي أبسط من هذا ولم يدع شيئًا .. مجرد ولد غلبان لا يريد سوى فرصة للحياة (ماشي يا بني آدمين).. مطواته في جيبه لكنه لم يفتحها إلا مرة واحدة ليضمن وجود معزين في صوان والد صديقه .. ولا تجد في الفيلمين أي أثر للجنس ولا لفظة واحدة مشينة .. فقط صُنّاعه ليسوا بقوة عادل إمام الذي كلما جاءت سيرته تذكرت وجوهًا أخرى لا تخلو منها صفحات الجرائد والمجلات .. ربما كنت مخطئًا لكني أشعر أنه مرادف لكلمة (حكومة) مثلما شعر الناس تجاه محمد ثروت يومًا ما.

عزيزي عادل إمام .. نحن نحبك فعلاً فصدقنا .. الفيلم رديء جدًا ولا يحوي واحدًا في المائة من الفن الراقي الذي صنعته مع وحيد حامد وشريف عرفة. هذا هو ما أستطيع قوله بعد المشاهدة الألف.

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=66)

Dr. Ahmed Ismail
23-10-2008, 03:20 PM
الصينيون ليسوا قادمين !
________________________________________
عم (شحاتة) سائس السيارات رجل مكافح .. يبدأ يومه بالعناية بسيارات البهوات الواقفة في الخرابة وتنظيفها واقفًا مشمر الساقين ممسكًا بالدلو والفوطة في صقيع الصباح، ثم يرحل آخر البهوات فيصير الصباح كله له كي يعمل في بناية قريبة تحت الإنشاء، فيقوم بحمل الطوب إلى الطابق الرابع. أحيانًا يتسلى بتنجيد بعض قطع الأثاث القديمة لزوم جهاز البنت، وأحيانًا يعمل كبواب يلبي حاجات ربات البيوت العجائز اللاتي يخاطبنه من الشرفات . دعك من أنه في قريته يربي بعض المواشي لأحدهم ..

يقيم عم (شحاتة) في عشة صنعها لنفسه من بقايا الورق المقوى والمشمع وأية قطعة خشب وجدها، وبداخلها تجد فراشًا صغيرًا وجهاز مذياع يخص ماركوني شخصيًا، وهناك ثلاثة قوالب طوب اتخذها موقدًا يضع عليه عدة الشاي .. نسيت أن أقول إنه يبيع الشاي أحيانًا لكل الحرفيين والمتاجر المحيطة بالخرابة التي تقف فيها سياراته..

في كل يوم عند العصر يصل (وانج- هاو) مندوب المبيعات الصيني حاملاً حقيبته الثقيلة التي ينوء بها كتفاه. ابتسامة قاسية على وجهه المجعد المرهق، ثم يرتمي ليجلس على كومة من قوالب الطوب، وقد اندهشت للغاية لتلك الصداقة التي تجمع بين رجلين لا يتكلمان أية لغة مشتركة .. لا عربية ولا إنجليزية ولا صينية، وبرغم هذا هما صديقان حميمان والتفاهم بينهما ممتاز.. يجلس (وانج –هاو) بانتظار عم شحاتة كي يعد له كوب الشاي الساخن المجاني غالبًا، فيرشف منه في انتشاء .. يبدو أنه لم يبع شيئًا بعد..

يوم كامل من المشي في شوارع طنطا المزدحمة الوعرة.. أين يقيم ؟.. ما الجهة التي يعمل معها ؟.. هو لا يجيب وعم (شحاتة) لا يعرف. برغم هذا فالرجلان صديقان حميمان .. تشعر عندما تراهما من بعيد أنهما يتبادلان حديثًا مهمًا ثم تقترب فتدرك أنهما صامتان يتبادلان الأفكار. عندما تأملت في الأمر بدا لي غريبًا جدًا .. هذا الرجل الصيني جاء من الجهة الأخرى من العالم ليعمل مندوب مبيعات في مدينة صغيرة في مصر، ويجلس في خرابة ليشرب الشاي من كنكة سوداء متسخة أعده له سائس سيارات .. ما هذا المصير؟... وما الذي قاده له ؟... أما عن العلاقة الحميمة بينه وعم (شحاتة) فسببها مفهوم.. إن بين الرجلين لغة واحدة بليغة هي لغة الشقاء .. يفهمان بعضهما بلا كلمات ..

كان من المفترض أن أشعر بالإعجاب والانبهار بهذا النشاط .. خلية النحل الصينية التي لا تكف عن العمل.. إن الصينيين في كل مكان من مصر اليوم. لم يعد الأمر يقتصر على تصدير المنتجات بل إن العمالة الصينية تملأ مصر، ولا أعرف المسئول عن هذا في بلد يعاني شبابه البطالة أصلاً. بل إن هناك إشاعات عن عرسان صينيين جاءوا ليقضوا على أزمة الزواج عندنا !.. وإن هناك نحو 50 صينيًا تزوجوا مصريات خلال عام 2006. لو صح هذا لكان الجنون بعينه .. يتقدم الشاب المصري لفتاة فتطلب كذا وكذا وكذا (لأنها مش أقل من عزة بنت خالتها) ثم يتحدثن عن مشكلة العنوسة ويتزوجن (وانج – هاو) !

هناك غزو من آلاف الصينيات على عزبة أم بدوي شمالي شبرا الخيمة .. خمسة آلاف فتاة صينية تفد على قرية أم بدوي يوميًا، حتى أن أهالي القرية صاروا يجيدون الصينية تقريبًا .. هناك زحف صيني على الشقق الرخيصة في امبابة والمنيب . البائعة الصينية تدق الباب وتغض بصرها قائلة: "السلام عليكم ورحمة الله" ثم تطلب مقابلة ربة البيت وترفض الدخول من دون وجودها .. كلنا يعرف أن الاقتصاد الصيني ينمو بسرعة غير مسبوقة .. في إحدى قصص مايكل كرايتون يقول المهندس الأمريكي: "ضيقو الأعين قادمون .. كانوا اليابانيين ثم صاروا الصينيين .. كلهم ضيقو الأعين لا يأخذون إجازة يوم الأحد ولا يهتمون بكرة القدم !".

مجلة الايكونوميست قالت إن الصين التي يبلغ سكانها ربع سكان العالم ستصل الى الدولة الأولى في النمو الاقتصادي عام 2020 وسيبلغ حجم ناتجها المحلي 29.6 تريليون دولار، وهي اليوم تشغل الموقع الثالث بعد اليابان..
الصين تنتج ثلثي إنتاج العالم من ماكينات تصوير المستندات وأفران الميكروويف والدي في دي والأحذية ..
ونصف إنتاج العالم من الملابس وآلات التصوير ..
وخمسي إنتاج العالم من الكمبيوتر المحمول..

إن الصين قد فاقت الولايات المتحدة في تصدير معظم سلع التكنولوجيا حول العالم عام 2004. لهذا كانت هناك حرب اقتصادية واضحة من الولايات المتحدة ضد هذا العملاق المصر على أن ينمو أكثر .. صحيح أنه ما زال بعيدًا جدًا عن الاقتصاد الأمريكي، لكن لابد من توجيه ضربات له .. بل إن العديد من المراقبين السياسيين ينظرون إلى الضربة العسكرية على أنها (خيار أخير) لمنع قيام قوة عظمى صينية في العالم، وهم يراهنون على (الشرك التايواني) الذي قد يؤدي بالصين لضرب تايوان من ثم تضربها الولايات المتحدة وتستريح. هكذا راحت الضربات الاقتصادية تتوالى: موضوع المنتجات الصينية التي تشكل خطورة على الأطفال.. هذه الفضيحة التي أدت لسحب 19 مليون لعبة من الأسواق مؤخراً فيما يعرف بالاسترجاع Recall، لأنها مطلية بمادة سامة تحتوي الرصاص. تذكر أن الصين تورد 80 بالمائة من لعب الأطفال في العالم اليوم .. ثم جاءت قصة معجون الأسنان الملوث والدهانات السامة والمأكولات البحرية التي أضيفت لها مضادات حيوية. وكانت المنتجات الصينية في عام 2006 تمثل نصف المنتجات المعيبة التي كشف عنها نظام حماية المستهلكين الأوروبي نتيجة لهذا أعدمت بكين رئيس هيئة متابعة سلامة الاغذية والعقاقير للتقصير في عمله. يجب أن يحمد المسئولون هنا الله على أنهم ليسوا في الصين..

تصر الصين على توجيه ضربات مضادة من مبدأ المعاملة بالمثل:"الصين ستقوم هي الأخرى بفرض معايير أكثر صرامة بشأن الواردات الغذائية من الولايات المتحدة ." لقد أعادت إرسال شحنة من المشروبات قادمة من الولايات المتحدة بعد ان أظهرت اختبارات أجريت في شنجهاي وجود نسبة كبيرة بها من الصبغة الحمراء . قررت سلطات الحجر الصحي في بكين حظر استيراد اللحوم من سبع شركات أمريكية كبرى ، مشيرة إلى أن نتائج الفحوص المعملية على عينات من تلك اللحوم أظهرت أنها "ملوثة"، مما يشكل خطراً على صحة المستهلكين. في يوليو 2007 أعلنت سلطات مراقبة الجودة الصينية أنها وجدت بودرة بروتين مستوردة من شركة أمريكية تحتوي على كميات زائدة بشكل كبير من عنصر السيلينيوم . برغم هذا – والكلام للايكونوميست - ازدادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء. لقد بلغ عدد بليونيرات الصين 106 بليونير، ويمكن القول ان النمو الاقتصادي لم يحدث فارقًا في حياة الناس، فما زالت الصين تشغل المركز 100 في معدل نصيب الفرد من اجمالي الناتج والمركز 81 على صعيد التنمية البشرية وهي بالتالي دولة نامية على هذا الصعيد. حجم الاقتصاد الصيني ما زال أقل بكثير من نصف حجم الاقتصاد الياباني (نحو 9 تريليون دولار)، ناهيك عن الاقتصاد الامريكي الذي يزيد على 50 تريليون دولار. الاستنتاج الرئيسي هو ان الصين دولة متقدمة جدا في مؤشرات النمو الاقتصادي، لكنها دولة نامية في مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. مشكلة الصين هي أن سياسييها يخلطون بين النمو والتنمية، وهذا متوقع في دولة دكتاتورية ..

أنا لا أفهم الاقتصاد جيدًا، لكنني أفهم منظر (وانج هاو) البائس الجالس يشرب الشاي من يد عم شحاتة.. أقسم بالله أن هذا رجل لا ينتمي لقوة اقتصادية كاسحة، وبهدلة الأرامل التي تعيشها الزهرات الصينية لا تمت بصلة لرفاهية الفرد ..
إن (وانج هاو) صورة أخرى لعم (شحاتة). كلاهما غلبان يجري على أكل عيشه في ظروف أقوى منه .. ولهذا لا أرى الصينيين قادمين على المدى البعيد ..

---------------------------------------------
هامش أخير: ما هذا الذي يحدث في غزة بالضبط ؟.. ولماذا تضج الإنترنت والشوارع بهذه الثورة على رسام كاريكاتور دانمركي قليل الأدب والموهبة بينما شعب عربي أوصى به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُباد حرفيًا فلا يبالي أحد؟ .. اعتقادي وأرجو أن يكون خائبًا أن العالم قرر أن الوقت قد حان لإبادة الفلسطينيين باعتبارهم خارج معادلة الشرق الأوسط الجديد ولا مكان لهم في هذا الكون ..
قرر العالم كله أن الفلسطينيين هم نوع آخر من الهنود الحمر وبدائيي أستراليا، ولهذا يتسلى ويقزقز اللب بينما تتناثر جثث الأطفال على الشاشة وتهددهم إسرائيل بالمحرقة فلا يهتم أحد.. كلكم منافقون أولاد كلب .. أكلة لحوم بشر بثياب السهرة .. جتكم البلا .!

* * *

ايهاب احمد عمر
23-10-2008, 05:58 PM
الخواجة بيقول

د.احمد خالد توفيق

في مقال ساخر للناقد السينمائي الراحل "سامي السلاموني" يتخيل مشهدًا سينمائيًا تجلس فيه البطلة في الكافتيريا فتفتح حقيبتها لتخرج عود قش تدسه بين شفتيها. لا تعرف معنى هذه الحركة ولا جدواها، لكنها رأت هذا المشهد في فيلم إيطالي يدور في إسطبل خيول، وراق لها جدًا!
هذا هو موضوع مقالي باختصار شديد: نحن لا نعمل شيئًا من دماغنا أبدًا، وإنما نفعل ما يفعله الخواجة طيلة الوقت..

لم أكن قد رأيت فيلم (الرقصة الخاطفة Flash dance) -الذي كان ظاهرة في الثمانينيات- إلا مؤخرًا، لهذا انبهرت جدًا بكليب لمطربة لبنانية ترتدي ثياب الإيروبيك وتلفّ الشريط اللاصق حول قدميها، ثم ترقص أمام لجنة تحكيم صارمة غير مبالية، حتى تنجح في النهاية في انتزاع التصفيق منهم. عندما رأيت الفيلم أدركت أن المشهد مأخوذ بالمسطرة منه، حتى أن اللبنانية جعلت شكلها كشكل "جيسيكا بيل" بطلة الفيلم الأمريكي، وإن كان النقل قد تم ببراعة لا شك فيها. عامة تميل الكليبات الغنائية أكثر من سواها إلى انتظار ما يصنعه الخواجة، تحلِّق "كاري آن موس" في الهواء وتثبت حركتها بينما تدور الكاميرا بسرعة من حولها في فيلم (ماتريكس)، عندئذ يحلّق "هشام عباس" في الهواء في أغنية (ناري نارين)، ولفترة طويلة بدا أن كل المطربين العرب يحلِّقون في الهواء... إن هذا شيء مقدس وعدم تقديمه يعرضك للاتهام بالكفر لا سمح الله..
عندما تراقب الكليبات العربية تجد خليطًا فريدًا من قتلة المافيا في فترة تحريم الخمور ببذلاتهم وقبعاتهم وأحذيتهم البيضاء، والكلاشنكوف في صندوق الكمان.. وهناك جمنزيوم.. وهناك سباقات مجنونة بالسيارات.. هناك كلاب ماستيف وإرهابيون وحراسات خاصة.. هناك الغوريلات السوداء التي تلبس الفانلات الداخلية وقد رسمت الوشم على كل جزء من جسدها مقلدة مطربي الراب الأمريكيين.. قارن هذا بتجارب "حسين كمال" في تصوير الأغنية مع "نجاة الصغيرة"، ولسوف تفهم معنى الأصالة والخصوصية..

هناك فرقة شبابية -ليست (وسط البلد) قطعًا- لم أجد لدى أفرادها موهبة غنائية واضحة، فألحانهم مملة وأصواتهم ضعيفة، لكن لديهم موهبة مهمة هي أنهم درسوا جيدًا جدًا أوضاع المطربين الغربيين و(بوزاتهم) الاحترافية.. إنهم يعرفون جيدًا كيف ينظرون للكاميرا، ثم يأتي مخرج درس جيدًا الإضاءة والمونتاج في الكليبات الغربية وعرف كيف يقلدها بدقة..
كنت أراقب "عمرو دياب" أثناء افتتاح إحدى الدورات الرياضية عندنا، تلك التي غنى فيها (بالحب اتجمعنا).. رأيته يجري وهو يحمل الميكروفون والكاميرا تلاحقه، ثم فوجئت بأن هناك مصورًا يركض وراءه لاهثًا وقد صوب الكاميرا عليه من زاوية منخفضة.. "عمرو دياب" يقلد بالضبط "ليونيل ريتشي" في ختام أولمبياد (لوس أنجيليس) عندما غنى أغنية (الليل بطوله) وأحال الاستاد إلى شعلة من الحماس. هذا من حقه، لكن لماذا يجب أن يقلد المصور المصري حركات المصور الأمريكي بحذافيرها؟.. الخواجة كان يجري وراء المطرب فلا بد أن نفعل مثله..
حتى تقليعة القبعات في المباريات الدولية التي تشهدها مصر.. قبعة العم سام العالية التي لا ينقصها سوى علم أمريكا، قد رسم عليها علم مصر ولبستها الحسناوات اللاتي لا يختلفن في شيء عن الجمهور الأمريكي.. لا أحد يريد (شيحة) ولا (سيد العضاض) كريه الرائحة الذي يرقص بالجلباب الأحمر ويهز كرشه العملاق.. هذا ليس زمنه لكنه زمن تقليد الخواجة…
فإذا انتقلنا إلى الأفلام نجد نفس اللقطة في مليون فيلم مصري: البطل يقفز قفزة جانبية واسعة ليطلق الرصاص بمسدسين نحونا وهو مستمر في السقوط بالسرعة البطيئة. كما رأيت مليون مرة فريقًا من الرجال الأشداء يتقدمون صفًا بالعرض نحو الكاميرا بذات السرعة البطيئة بينما انفجار مروع -بطيء هو الآخر- يدوي خلفهم. ولا واحد منهم يلتفت للخلف؛ لأنهم أشداء كما تعلم. هذه الأشياء فعلتها السينما الأمريكية وما زالت تفعلها، لكنها بالطبع فعلتها أولاً وفعلتها أفضل بحكم الإمكانيات.
الاستنساخ قوي جدًا في السينما، وهي ظاهرة قديمة على كل حال.. إن "هند رستم" ليست سوى تقليد محلي لـ"مارلين مونرو"، و"كمال الشناوي" ليس سوى "كلارك جيبل" مصري، و"إسماعيل يس" ليس سوى "جيري لويس" لا يكلف كثيرًا. تستمر الظاهرة حتى ترى "هاني رمزي" يضع ذات ماكياج وطريقة تمثيل "جيم كاري" في (غبي منه فيه) ويقلد "رون أتكنسون" حرفيًا في (أسد وأربع قطط). عندما يقدم الغربيون (الصرخة) و(أعرف ما فعلت الصيف الماضي) يظهر أكثر من سيناريو حول مراهقين في مكان معزول بينما سفاح مجنون يذبحهم واحدًا تلو الآخر..
تفتح التلفزيون في رمضان فتكتشف أن هناك عشرين ساعة يوميًا من تقليعة (السيت كوم)، وهي اختراع غربي بالكامل، لكنه صار مقدسًا.. سوف تلمح أكثر من مسلسل قريب من (الأصدقاء) وسواه، مع حرص الممثلين على أن يكونوا مضحكين مما يجعلهم يبالغون في مقاطع الكلام ويحركون كل عضلة في وجوههم ويغمزون ويقطبون، ثم يتدخل شريط الضحكات (المعادل السمعي للزغزغة) ليعلمك أين ينبغي أن تضحك بالضبط! كل هذا غريب علينا لكن الخواجة يفعل ذلك..
التقليعة الأخرى هي (الستاند أب كوميديان) وهو الكوميدي الذي يقف أمام الجمهور على المسرح ليقول أشياء مضحكة... لا.. ليس المونولوجيست هو ما أعنيه.. هذا بدوره فن غربي تمامًا يعتمد على تراث من ملاهي برودواي وعروض تلفزيونية تابعها الغربيون جيدًا مثل (حياة ليلة السبت)، مع جيش ممن يكتبون النكات لهذه العروض ومنهم "ميل بروكس" وفريقه اليهودي، ومنهم "وودي ألين"، ومنهم "دان أكرويد"... عرف العالم العربي هذا الفن مؤخرًا مع (محور الشر) الفريق الأمريكي ذي الأصول الشرقية الذي قدم عدة عروض في عدة دول عربية. عندما نقدم عندنا هذا الفن دون أن تكون لدى المشاهد خلفية، يبدو النجم محرجًا مرتبكًا لا يعرف من أين يبدأ وماذا يقول (حتى "أحمد بدير" غرق في العرق وهو يقدم فقرته)..
وماذا عن قنوات الطهي العديدة؟.. وماذا عن الدعاة الشباب المتأنقين -ومن جديد لا أقصد "عمرو خالد"- الذين يستنسخون صورة الداعية البروتستانتي النجم التلفزيوني في أمريكا؟.. الداعية الذي يملك قصرًا وطائرة ويختًا وقناة تلفزيونية؟..
حتى النشرات الإخبارية عندنا تقلد قناة الجزيرة بلا أصالة، بينما الجزيرة نفسها استنساخ لأسلوب بي بي سي ولكن ببراعة وإتقان..
هناك حادثة يحكيها لي هواة كرة القدم لكني لم أرها ولا أستبعد أن تكون تشنيعة، عن النجم الكروي المسلم الذي أحرز هدفًا منذ عدة أعوام، فرسم علامة الصليب على صدره!.. هو لا يعرف معناها إنما رأى "مارادونا" يفعل هذا في الملعب وقلّده تقليدًا أعمى! من حق كل إنسان أن يطلب البركة من رموز دينه، لكن عليه أن يعرف أولاً معنى ما يفعله..
نعم.. مشكلتنا هي أن الخواجة يفعل ذلك.. قد يكون هذا ضروريًا بالنسبة لتقنية جديدة أو مفهوم علمي جديد، لكن من الخطأ أن نطبق هذا على الفن كذلك.. أن نعيد صناعة فنونهم بالعربية.. إنني لأبتعد بنظري وأتساءل: من نحن حقًا؟.. فلا أعرف..

لقد لخّص "سامي السلاموني" العبقري كل شيء.. إن ما نقوم به اليوم ليس سوى مضغ عود من القش في الكافتيريا؛ لأننا رأينا الخواجة يفعل ذلك!..

المصدر :
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_219_05.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_219_05.html)

مواطن مصري
24-10-2008, 05:58 AM
كوميكس جديد لد.أحمد خالد على بص وطل:

شــبــاب وفــضــائــيــات وأشــيــاء أخـــرى (http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_218_01.html)




لدي بعض المقالات المتناثرة سأحاول وضعها خلال الأيام المقبلة ..أنا أحتفظ بمقالات د.احمد القديمه التى كانت تنشر فى الدستور قبل أن يفتحوا موقعهم .. رغم أن بعض المقالات تم نشرها على موقعه الرسمى إلا أنه مازال عندى على الأقل 12 مقال لم ينشروا فى أى مكان على الانترنت من قبل :cool:

بمجرد أن أجد بعض الوقت سأنقلهم يدويا إلى هنا :)

للأسف يا أحمد فى المقالات التى شاهدتها لم اجد مقال (خاطرتان) .. ربما سأجده عندما أبحث بدقه أكثر وسط كومه قصاصات الدستور التى احتفظ بها .. وربما هو ليس عندى بالفعل :(

سـوار الياسـمين
28-10-2008, 02:51 PM
هل الديمقراطية هي الحل ؟

لو كنت أعمل في واحدة من تلك المؤسسات الغامضة التي مهمتها قياس الرأي في الشارع المصري (ولا تنشر نتائجها أبدًا)، فإن أول شخص سأقصده هو سائق التاكسي. هذا هو رجل الشارع بالمعنى الحرفي للكلمة .. رجل شقيان من الطبقة الوسطى يقضي وقته في السماع والتحليل والاستنتاج ولا يقرأ أبدًا وعنده تلتقي كل الشائعات ومنه تنطلق.. فقط دعه يتأكد من أنك لا تعمل في أمن الدولة وأنك غلبان مثله، عندها سوف يتكلم بصراحة ووضوح.. مصر تتمثل بدقة في المقهى وفي التاكسي وتحت الجميزة العجوز في قريتك ..

سائق تاكسي من هؤلاء قال لي بوضوح تام إنه لو تمت انتخابات نزيهة فلسوف ينتخب أي شخص يتكلم باسم الإسلام .. سألته في دهشة: أي شخص ؟.. قال: أي شخص يا بيه ..سألته: يعني لو (أبو مصعب الزرقاوي) رشح نفسه ستنتخبه ؟.. طبعًا يا بيه .. على الأقل هو بيقول قال الله وقال الرسول ...

هذا الكلام تسمعه في أكثر من مجلس ... نفس الذين هللوا فرحًا لأحداث سبتمبر يقولون اليوم إن أبا مصعب هو التطبيق الصحيح للإسلام .. "الإسلام الحقيقي هو بتاع طالبان" أو "ربنا ينصرك يا بن لادن !" .. فتوشك أنت على الجنون .. بعد كل هذا وكل ما صرنا إليه هناك من يصر على الرأي ذاته ؟

لقد تساءلت بعد أحداث سبتمبر عن شرعية قتل آمنين كل ذنبهم أن ذهبوا لعملهم صباحًا، فكان المهللون يضحكون بوجوه مشرقة مستبشرة ويقولون إن الطائرات ستنهمر على أوروبا قريبًا بإذن الله ... ما حدث هو أن الطائرات انهمرت لكن على العالم الإسلامي، واليوم تسعى امريكا جاهدة لأن تثبت أنها استحقت أحداث سبتمبر بأثر رجعي !.. يعني لو سقط البرجان اليوم لكان هذا مبررًا .. أما وقتها فلم يكن هناك مبرر واضح!

اليوم تجد أن رجل الشارع – من قابلتهم على الأقل فأنا لم أجر مسحًا ميدانيًا - يعتقد أن مذابح العراق عمل إسلامي صميم .. فمن سينتخبه هذا الرجل لو تمت انتخابات حرة ؟

الوجهة الأخرى من رأي رجل الشارع تحكيها القصة التالية: في الثمانينات كانت هناك انتخابات صاخبة بالغة الأهمية في مجلس الشعب .. وكنت أجلس في إحدى الوحدات الصحية مع كاتب الوحدة العجوز الطيب الذي يذكرك بصور (بابا نويل).. سألته عمن ينوي انتخابه، فقال في حكمة: مش حيفوز إلا الحكومة يا دكتور .. يعني أنا يبقى القلم في أيدي وأكتب نفسي تعيس ؟.. لا والله .. لازم اكتب نفسي سعيد ...

تأملت عبارته طويلاً وفكرت .. هذه هي الحكمة التي اختزنها المصري عبر قرون وقطرها وركزها .. هذا الرجل لم يقرأ كتابًا واحدًا في حياته لكنه آمن كرجل الشارع المصري أن الحكومة ستفوز ستفوز.. والفرعون الإله باق للأبد .. إذن فلنعد انتخابه .. و(إن جالك الغصب إعمله بجميله)...

يقولون إن قبائل البوشمان تملك حاسة التنبؤ وحاسة قراءة الأفكار، بينما الحضارة تنسف هاتين الحاستين نسفًا .. ويبدو أن القياس هنا صحيح أيضًا .. وأنا لا أتكلم عن الذكاء .. أتكلم عن غريزة فطرية تشعر المصري العادي بما ستتجه إليه الأمور .. وهي لا تخطئ أبدًا ..

إذن لو انتخب رجل الشارع بحرية فاختياره لن يخرج عن اثنين: النظام الحالي أو (أبو مصعب الزرقاوي).. والمشكلة أن كلا الخيارين لن يسمحا له بانتخاب شخص آخر .. هذه هي الحقيقة ... لقد تغير المواطن المصري وصار أميل للتطرف والعنف بعد ثلاثين عامًا من غسيل المخ .. لن تجد الفطرة الصادقة التي استلهمت طمي النيل وأمجاد الفراعنة تتكلم، بل ستجد خليطًا غريبًا من الضغوط الاقتصادية وشهوة المصالح وكلام مشايخ التكفير ..

في أغلب مواقع الإنترنت التي تجري استفتاءات لرئيس جمهورية جديد، فاز برئاسة الجمهورية إما (عمرو خالد) – وهو الأكثر نجاحًا - أو (القرضاوي) أو (أحمد زويل) وإحدى صحف المعارضة الناضجة سياسيًا رشحت (هيكل) !.. هذا عدم فهم واضح لعمل رئيس الجمهورية .. كل هذه شخصيات محترمة في مجالها لكن ما تاريخها السياسي وما قدراتها القيادية ..؟...مثلما كنا في المدرسة الابتدائية ننتخب أبرع التلاميذ في الرسم كي يدير اللجنة الفنية وكان يثبت دومًا أنه عاجز تمامًا عن أداء مهمته .. حكى (محمد حسنين هيكل) عن حواره مع الخميني عندما سأله عن مدى قدرة الأئمة على الحكم وهم لا يلمون بمجريات العصر الاقتصادية والسياسية ، فكان رد الخميني هو: "عندكم في العالم العربي يحكم الضباط .. فماذا يعرفون عن مجريات العصر الاقتصادية والسياسية ؟.. على الأقل الفقيه يتحرك من منطلق ديني واضح" .. هذا منطق لا بأس به، لكنه يبرر ارتكاب الخطأ بخطأ آخر .. ويشبه قولك: أنا أسرق لأن الآخرين يسرقون ..

شاهدت منذ أعوام الفيلم البريطاني (كرومويل) فوجدت كلامًا كثيرًا عن المعارضة ومحاولة الملك لعمل انقلاب برلماني .. الخ .. فقلت في دهشة: هؤلاء الناس يمارسون الحياة البرلمانية منذ 300 سنة حتى بلغوا هذا النضج، واحتاج النضج إلى أن يروى بالدماء وينضج على نار الحروب، بينما في مصر تجربتنا البرلمانية لم تتجاوز مائة عام كلها قبل ثورة 1952.. هل تشعر بأن النغمة مألوفة. ؟. هل سمعت هذا الكلام من قبل ؟.. كلام كهذا قاله أحمد نظيف حول أن الشعب المصري لم ينضج بعد للديمقراطية .. وكلام الرئيس مبارك حول أن الديمقراطية سوف تأتي بالمتطرفين الدينيين .. هذا كلام يبدو مستفزًا لكن هل يخلو من حقيقة ؟.. يمكنك أن تهاجمني كما تشاء لكن قلها بصدق .. هل هو خطأ تمامًا ؟

هل معنى هذا أن الديمقراطية لا تناسب الشعب المصري ؟... فليقطع لساني قبل أن أقول هذا.. لكني فعلاً أشعر بحيرة بالغة .. لا أملك ذرة ثقة في حكمة الجماهير الخالدة التي أنا منها، فهي الجماهير التي جاءت للسلطة في الخارج بهتلر وموسوليني ليصبغا الكرة الأرضية باللون الأحمر، وهي التي أعادت انتخاب الأحمق بوش برغم إجماعهم على أنه الأسوأ وأن أمريكا معه تنهار بسرعة غير مسبوقة ..

إذن ما الحل ؟.. لابد من ديمقراطية .. هذا هو صمام الأمان الوحيد لهذا المجتمع، لكنها سلاح خطر مع جماهير يرى معظمها أن الزرقاوي هو المسلم الوحيد صحيح الإيمان في هذا العصر، ومعنى مجيء شخص كهذا هو أن زمن الاختيار قد انتهى لأنه بالبداهة يرى أنه الأصلح وأن من يعترض عليه كافر .. إذن أنا أناقض نفسي وعبارتي تلتهم بعضها كتلك العبارات الثعبانية الكريتانية الشهيرة ..

أعتقد أن المخرج الوحيد من هذه المتاهة يكمن في الحصول على عقد اجتماعي صحيح يسمح للجماهير بمراجعة خياراتها من وقت لآخر .. عقد يجتمع عليه مفكرون من وزن جلال أمين وهيكل وهويدي وسواهم .. عقد لا يمكن خرقه أو نقضه ويجب التأكد من ذلك ..
وسوف تحتاج التجربة الديمقراطية إلى مائة عام من الخطأ والمران حتى تنضج، لكن يجب أن تستمر فلا يقصف عمرها حاكم جديد ونضطر أن نبدأ من جديد .. وهي لعنة العالم العربي الأبدية: البدء من جديد بلا أي تراكم للخبرات

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=90)

سـوار الياسـمين
28-10-2008, 02:56 PM
اختبار للعربي
بالعربي الجريح: عندما يتكلم محمود عوض عن كل شيء

هل كان كتابه (سياحة غرامية) أول كتاب كبير أقرؤه في حياتي ؟.. ربما .. وربما كان كتابه (ممنوع من التداول) الذي لم أفهم حرفًا منه وقتها بسبب سني الصغيرة، ولأنه ينقل ببراعة للمرة الأولى ما يقوله المفكرون الإسرائيليون عنا.. لقد انعقدت قصة حب بيني وكتابات (محمود عوض) طيلة حياتي، وبرغم أنه ينتمي لجريدة الأخبار – أي إلى كتيبة الإعلام الحكومي – فإنني كنت أعتبره (رجلنا) بشكل أو آخر طيلة الوقت، وأرجو ألا أسبب له بهذا مشكلة ما ..

كتابه الأخير (بالعربي الجريح) الصادر عن دار المعارف أعتبره عيدًا ثقافيًا صغيرًا بالنسبة لي، وهو قائم على تجميع مقالات نشرها سابقًا في مجلة الشباب على مدى 52 شهرًا ..

لأسباب هذه يرتاد الكتاب بأسلوب رشيق مساحات بانورامية من الاهتمامات . محمود عوض كان على علاقة حميمة بعبد الحليم حافظ وعبد الوهاب لذا يخصص عدة مقالات لهذين العظيمين. يحكي عن حضور كل فناني مصر عيد ميلاد الملك الحسن، وكيف أرغم الملك عبد الوهاب على غناء (دارت الأيام)، فكانت مشكلة عبد الوهاب أن يتم إخفاء الخبر عن أم كلثوم التي لا تقبل أن يغني الملحنون أغانيها بصوتهم.. وكيف قال له محمود عوض: "إما أن تغني فيسر الملك وتزعل أم كلثوم، أو تمتنع عن الغناء فتسر أم كلثوم ويغتاظ الملك !". في هذا اليوم قال فريد الأطرش للملك : (جلالتك إنسان حساس) غير عالم أن معناها في العامية المغربية هو أن جلالته رجل شاذ جنسيًا !.. كيف أصيبت هدى سلطان بزكام عابر فوجدت الملك يطمئن على صحتها في حفل المساء.. أي أن عطسة عطستها في غرفتها ظهرًا صارت من وشايات القصور وبلغت مسمع الملك! .. طبعًا قصة الفنانين المصريين مع محاولة الانقلاب الأوفقيرية التي كادوا يلقون فيها حتفهم، هي قصة حكاها محمود عوض في أكثر من موضع، ولعله أراد أن يعرفها الشباب الذين لم يقرءوها بعد ..

يحكي محمود عوض كذلك علاقته الخاصة بأنتوني كوين الذي قابله في نيويورك وحكى له عن طفولته والمرأة الأمريكية الثرية التي أرادت أن تشتريه من أمه المهاجرة المكسيكية البائسة.. فكرت الأم قليلاً فلم يغفر لها النجم العالمي طيلة حياته لحظة التردد هذه، حتى اعترفت له بعد أعوام طويلة بأنها كانت تفكر في طريقة الفرار به من هذه الأمريكية التي تملك كل شيء وتملك الفتك بهما لو رفضت الصفقة فورًا .. في نيويورك أيضًا يحكي مغامرته مع اللص الذي تسلل إلى غرفته وكاد يفتك به لولا أنه ظل على مكتبه ينظر له في ثبات من ثم فر المتسلل .. الحقيقة أن هذا كان ثبات الحائر الذي لا يعرف ما ينبغي عمله ..

يحكي محمود عوض عن رحلته مع السيجارة التي قادته بنجاح إلى العناية المركزة .. يحكي عن العولمة، وما قاله رئيس وزراء الصين لكارتر عندما طالبه بأن يسود نمط الحياة الأمريكي الصين .. قال الزعيم الصيني: لنفترض يا سيدي الرئيس أن نمط الحياة الأمريكي راق لعشرة في المائة من مواطنينا، فهذا يعني أن 120 مليون صيني قد يرغبون في أن تفتح لهم أمريكا أبوابها .. نحن موافقون على مغادرتهم الصين، لكن هل تقبلون بهم عندكم ؟..

هناك جزء لا بأس به من الكتاب يخصصه لرجال اليوم السابع، وهم الرجال الذين خاضوا معركة الإعداد لأكتوبر .. محمد علي فهمي البطل المجهول المسئول عن تطوير الدفاع الجوي المصري حتى صارت شبكة الصواريخ تملأ مصر وصارت الذبابة عاجزة عن اختراق دفاعاتها .. يحكي محمود عوض عن زيارات عبد الناصر للجبهة وكيف كان يجلب معه للمجندين آخر نكتة تقال عنه في القاهرة .. وكيف اعتاد الشهيد عبد المنعم رياض أن يأتي الجبهة في زيارات مفاجئة، حتى تصادفت إحدى هذه الزيارات مع هجوم مدفعي إسرائيلي.. هكذا استشهد الرجل .. حكى له العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري كيف أن الحراسة حول عبد الناصر ذابت من تزاحم الجماهير أثناء الجنازة، فاضطر رؤساء أركان الحرب العرب الحاضرون إلى أن يلعبوا دور كردون الأمن المركزي ليحموا عبد الناصر من التدافع ..

يحكي محمود عوض عن أحمد زويل وعن عبد القادر خان الذي كان يحصل على آلاف الدولارات وإمكانيات علمية هائلة في أوروبا، لكنه ترك كل هذا وعاد لبلده باكستان ليتقاضى راتبًا هو خمس راتب سكرتيرته في أوروبا (400 دولار)... السبب كما قال عبد القادر هو: "باكستان هي وطني .. غامرت بالإنفاق على تعليمي قبل أن تتأكد من أني أستحق .. وطني أنفق على تعليمنا بلا تفرقة أو تمييز، فإذا أصبحت متميزًا في النهاية فالبذرة زرعتها أمي وجامعتي ووطني .."

يحكي محمود عوض كذلك عن مسلسل الجريء والجميلات والصراع بينه ومسلسل أوشين .. مسلسل غاية في الأمركة يواجه مسلسلاً غاية في اليابانية .. الأول فاز بقلب الجمهور والثاني فاز باحترامهم .

كما ترى هو كتاب متنوع يتواثب من الشرق إلى الغرب، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الأمور المسلية إلى الأمور ذات الخطر ..وإنني لأضمن لك متعة حقيقية لا تخلو من ثقافة واسعة، ومعلومات غير جافة مليئة بالتسلية، وإن كنت أتمنى أن يصنف بشكل موضوعي نظرًا للتنوع الكبير في مواضيع المقالات.

د. أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/public/showarticle.aspx?ArticleID=97)

Dr. Ahmed Ismail
28-10-2008, 03:08 PM
مالكولم إكس
________________________________________
" لو لم تكن متأهبًا للموت من أجلها، فلتحذف لفظة (الحرية) من قاموسك"
" لو اضطررت للتوسل إلى رجل آخر من أجل حريتك فأنت لن تنالها أبدًا .. الحرية شيء يجب أن تناله أنت بنفسك"

مؤخرًا عرضت قناة (إم بي سي 2) الفيلم المثير للجدل (مالكولم إكس) والذي أراه للمرة الأولى .. قرأت عن الرجل الكثير لكني أعترف أن الفيلم البديع الذي أخرجه (سبايك لي) قدم بانوراما وافية لحياته بضعفه وقوته وصراعاته، وبتلك اللغة التي لا يستطيع أي فن أن يقدمها سوى السينما .. منذ اللحظات الأولى للفيلم ترى مشهد العلم الأمريكي يحترق فلا يبقى منه إلا حرف X بينما ترى المشهد الدامي الذي صار شهيرًا جدًا .. رجال الشرطة البيض يضربون (رودني كنج) أمام كاميرا أحد الهواة .. هذا المشهد حدث عام 1991 ومعناه أن المشكلة لم تنته بعد، برغم أن مالكولم إكس مات قبله بربع قرن..

يتفق (سيايك لي) مع (مالكولم) في أشياء كثيرة أهمها المقت المطلق للرجل الأبيض .. هناك نوع من العنصرية المضادة لدى (سبايك لي) الذي يظهر البيض في أفلامه وحوشًا آدمية أو مجانين، وهناك فيلم له لا أذكر اسمه يطارد فيه المدير الأبيض مبرمج الكمبيوتر الزنجي العبقري متوسلاً له ألا يستقيل، وهذا التوسل يصل لدرجة الزحف على الركبتين .. والسبب أن المدير فصل سكرتيرة العبقري الأسود دون أن يستأذنه ..!

في هذا الفيلم نرى نشأة مالكولم إكس التي لم تترك له سبيلاً سوى مقت البيض .. نشأة في ولايات الجنوب شديدة التعصب وسط الأعناق الحمراء كارهة السود .. له ستة أعمام قتل البيض خمسة منهم .. أبوه القس الذي يدعو إلى عودة السود إلى أفريقيا يتلقى هجمة من عصابات الكوكلوكس كلان تحرق بيته، ثم يلقى حتفه على قضيب الترام في ظرو ف غامضة قيل إنها انتحار (من المسلي أن نتخيل أن أبي هشم رأس نفسه ثم نام على قضيب الترام لينتحر)..

الأم نفسها شبه بيضاء لأن رجلاً أبيض اغتصب أمها .. لهذا تكره لونها ولهذا تزوجت رجلا شديد السواد ... هنا يحكي (مالكولم) عن عقدة الانتصار الجنسي كما أبدع في وصفها الطيب صالح في (موسم الهجرة للشمال).. كل زنجي يتوق إلى أن يظفر بامرأة بيضاء ليقهر كبرياء الرجل الأبيض ..

الحكومة الأمريكية تنزع الأطفال الثمانية من أمهم لأنها غير مؤهلة لتربيتهم، ثم الأم تجن وتموت في مصحة .. هذه هي الخلفية الأسرية التي خرج منها مالكولم .. بيت متماسك متدين لكن الحكومة الأمريكية لم تتركه كذلك ..
" في المدرسة كانوا يعتبرونني قطًا أو كلبًا بلا مشاعر، وكانوا ينادونني بلفظة ( Niggerزنجي) مراراً حتى حسبتها اسمي ..

" لفظة Nigger " لها خلفيات سيئة جدًا تعود لأيام العبودية، وهي تختلف كثيرًا عن لفظة Negro المهذبة .. لا سبيل لدى الفتى الأسود – الذي حرمته المدرسة من أن يكون محاميًا - إلا أن يسير في الطريق الذي سار فيه كثيرون قبله: الجريمة .. المخدرات .. النساء البيض ..

والنصر الرخيص الذي يحققه هو أن ينام مع امرأة بيضاء ويقهرها بفحولته ويهينها ويرغمها على تقبيل قدمه .. وهو لا يكف عن التساؤل وهو يرمق الأوغاد السود والعاهرات ألم يكن من الممكن أن يأتي من بين هؤلاء مكتشف علاج السرطان ؟.. كم طبيبًا ومحاميًا ومهندسًا فقده المجتمع بفقد هؤلاء ؟

في السجن – بتهمة معاشرة امرأة بيضاء والسرقة – يقابل أهم رجل في حياته .. الرجل الذي يحدثه عن الإسلام وعن (أليجيا محمد).. (أليجيا محمد) هو زعيم أمة الإسلام التي تدعو لنشر الدين الإسلامي بين زنوج أمريكا، وهي صيغة غريبة نوعًا من الإسلام، وحتى مظهر (أليجيا محمد) غريب كما نراه في الصور بالكاسكيت على رأسه الذي رسمت عليه الشمس والقمر والنجوم .. لكن هذه الصيغة تقنع الشاب الذي ولد من جديد ..في السجن يتعلم الفتى أن يقرأ الكتب ..

ويكون أول ما يفعله هو استكشاف لفظة (أسود) في القاموس .. إنها ترتبط بمعنى شرير .. عفن .. منفر .. قاس .. قذر .. الابتزاز هو Black mail .. يقرر اكتشاف لفظة أبيض فيجد
أنها عكس الأسود في كل شيء .. هذا القاموس كتبه رجل أبيض كما هو واضح .. من قال إن المسيح أشقر أزرق العينين ؟... المسيح عبراني .. لهذا يوجد احتمال لا بأس به أن بشرته داكنة ..

يخرج الفتى المسلم من السجن وقد صار ألد أعداء البيض، وعداوته تتخذ صورة الحرب مع دعوة انفصالية قوية ..
"نحن مائة مليون أسود انتزعوا من وطنهم وبيوتهم وبيئتهم ودينهم وألقوا هنا في أمريكا الشمالية ضائعين ...
أنا لست جمهوريًا .. لست ديمقراطيًا .. لست بالأحرى أمريكيًا ... أنا أسود .."يخطب في السود يدعوهم إلى إنقاذ ما تبقى من أرواحهم: "أنتم سود .. سود رائعو الجمال .. الرجل الأبيض يحاول تخديركم بالنساء والخمور والمخدرات ..
كل زجاجة خمر إنما هي مختومة بخاتم حكومي أمريكي ..

إن عصابات الكوكلوكس كلان التي كانت تحرق بيوتكم في الماضي ما زالت موجودة . فقط هم استبدلوا بالملاءة ثياب الشرطة .. " وفي حوار تلفزيوني يقول: "هناك نوعان من الزنوج .. زنجي المزرعة وزنجي البيت .. زنجي البيت
يلبس ويأكل جيدًا وتجده يحب سيده أكثر مما يحب السيد نفسه ..

هذا الزنجي يدافع عن سيده ويقول بصدق إنه لا توجد مشكلة .."
خطب (مالكولم) لا تميل إلى التسامح الديني مع الآخر أو أنصاف الحلول، ولا تخلو أبدًا من تهكم على المسيحية
بدعوتها المفرطة للتسامح، خاصة مع رمز التسامح الزنجي (مارتن لوثر كنج).. إنه لا يقبل المسلم الأبيض
ولا المسيحي الأسود .. ثم يبلغ ذروة تطرفه عندما يدعو السود صراحة إلى تكوين دولتهم الخاصة .. أن يصير البيض
والسود دولتين متجاورتين ..

وفي مشهد مهيب يسيء رجال الشرطة معاملة أحد السود .. هنا يتجه مالكولم إلى قسم الشرطة ليرى
الرجل .. يحاول رجال الشرطة البيض طرده باحتقار على طريقة: اغرب عن هنا .. لكنه يطلب من الضابط أن
ينظر من النافذة.. يا للهول !... الشارع كله يحاصره السود .. يرتعد رجال الشرطة وينقلون المتهم إلى
المستشفى لعلاجه من جراحه، فيمشي السود في مسيرة شبه عسكرية نحو المستشفى ليطمئنوا على
أخيهم .. فقط هنا يحاول الضباط البيض فض التجمهر، فيشير مالكولم بإصبعه لرجاله فيبتعدون في صف واحد
منظم .. وكما يقول الضابط لصديقه: "هذه سلطة مذهلة بالنسبة لفرد واحد !"

نفوذ مالكولم يتزايد .. هذه هي الفترة التي أطلق فيها على نفسه اسم (إكس).. إكس الحرف الذي
يرمز للمجهول .. هو لا يعرف اسمه الحقيقي ولا من أين جاء من أفريقيا، لهذا يعطي نفسه رمز المجهول .. دعك
من أن حرف X يذكره بالوسم الذي كانوا يحرقونه في جلد العبيد. ولسوف نلاحظ أن أكثر أتباع جماعة أمة
الإسلام يحملون حرف X بدلاً من الاسم الثاني ..
ترتبط حركة مالكولم بجماعة أمة الإسلام و(أليجيا محمد) الذي يجوب مالكولم البلاد يبشر بتعليماته كأنه رسول،
ويساعد في هذا طلاقة لسان مالكولم وثقل نطق أليجيا محمد .. إنه يلعب ذات دور هارون مع سيدنا موسى
أو هكسلي مع داروين أو هالي مع نيوتن .. وهنا نلمح صيغة التقديس الزائد التي يتعامل بها معه، فأليجيا
هو الحكمة المطلقة .. وهو الذي يعرف كل شيء، وهو لا ينطق عن الهوى .. تلك هي المشكلة ، فكل
إنسان قابل للمناقشة والنقد ..

لكن مالكولم سوف يدفع غاليًا ثمن هذا الحماس وهذا التفويض المطلق .. وسط دوامة التقديس ونشوة الثورة هذه يكتشف أن أعضاء أمة الإسلام كدسوا الثروات، ويكتشف ان أليجيا محمد أنجب طفلين غير شرعيين من سكرتيرتين لمكتبه، ويكتشف أن اليجيا يكرهه بسبب بريقه المتزايد وسط السود ..

تأتي الرحلة التي قام بها مالكولم إلى السعودية للحج والتي كانت منحنى مهمًا في حياته .. في هذه الرحلة
التي أذابته روحيًا اكتشف انه جزء من كيان ضخم عملاق، وأن هناك مسلمين أكثر بياضًا من الثلج، وأنه لا يستطيع
أن يرفض الآخرين لمجرد أنهم ليسوا سودًا ..

"لقد كنا نتحرك في ثورتنا مخدرين كأننا الزومبي، لكني بدأت أفيق وأفهم".. لقد أفاق من عالم (أمة الإسلام) ليدخل الإسلام الحقيقي .. من الطريف أنه تعرض لمشاكل جمة في المطار لولا أنه اتصل بابن عبد الرحمن عزام، وسرعان ما جاءه الأمير فيصل في الفندق ليبلغه بأنه ضيف على المملكة ..

في هذه الرحلة إلى الشرق وأفريقيا يمر مالكولم بمصر ..
لا ينسى الفيلم أن يرينا لمحة من زحام الناس حوله وفضولهم، وبائع الطماطم الذي يعرض عليه شراء ثمرة الطماطم بعشرين جنيهًا – في الستينات – وهي عادة خداع السائح التي لم يتخل عنها المصري قط !
لقد تغير مالكولم فعلاً.. لم يعد يرى الإسلام بالمفهوم العنصري الضيق لرجل أسود يريد الانتقام، بل هو يراه بمنظور واسع يشمل كل البشر.. وكما قال: "عندما كنت في مكة استطعت لأول مرة في حياتي أن أطلق على رجل أبيض أشقر الشعر لفظة (أخي)".. وحينما عاد كان اسمه الجديد هو (الحاج مالك)..

هنا تأتي لحظة الصدام مع جماعة أمة الإسلام ..
(مالكولم) القوة الضاربة للجماعة صار عدوًا لها .. وأي عدو !!!
يتلقى عدة تهديدات بالقتل من ذلك التحالف غير المقدس بين البيض والمستفيدين من جماعة أمة الإسلام .. هناك صورة شهيرة جدًا له في تلك الفترة وهو يحمل بندقية آلية ويسترق النظر من خصاص النافذة .. وفي هذه الفترة اعترف أحد خلصائه بأن جماعة أمة الإسلام كلفته بزرع قنبلة في سيارة مالكولم ..

يتحرك مالكولم نحو نهايته التي يعرفها ويتوقعها ويوشك أن يعرف موعدها (21 فبراير 1965) ... نفس السيناريو
الذي عرفناه مع حسن البنا عندما عرف أن الحكم بإعدامه قد صدر من القصر.. وفي خطبة عامة له في نيويورك
يحدث أحد الأشخاص جلبة تستجلب انتباه الحراس، وفي اللحظة التالية يهجم عليه من يفرغون في
جسده عشرات الطلقات ويفرون .. هناك من تم اعتقالهم لكن الفوضى التي صاحبت الحدث ظلت قائمة
حتى اليوم، وما زال الكثيرون يتساءلون: من قتل مالكولم إكس حقًا ...؟

القصة تثير العديد من علامات الاستفهام، وفيها مباحث كثيرة تذكرنا بحالنا .. ما النتيجة المحتومة للتعصب
ومعاملة مجموعة من المواطنين على أنها من الدرجة الثانية ؟

.. ما خطر الانقياد الأعمى وتقديس بشر ليس نبيًا أو رسولاً ؟
.. ما خطر غياب المحاسبة عمن يفترض أنهم ضمير المجتمع ؟
.. لماذا يقتلوننا في اللحظة التي نفقد فيها تعصبنا ؟.. ثم – الأهم – برغم تعصب المجتمع الأمريكي فإننا ننحني احترامًا لتفتحه، وسماحه لرجل يدعو إلى تدمير أمريكا والحرب على البيض والانفصال بأن يظل حيًا حتى التاسعة والثلاثين !.

ولو تركوه لأمن الدولة عندنا لانتهت المشكلة بعد أول خطبة له !
أسئلة لا حصر لها .. وفيلم لا يمكن نسيانه .. وشخصية ما زالت حية ساخنة إلى اليوم .. لقد تغير الكثير لكن (مالكولم إكس) ما زال حيًا .. مشاهد ضرب رجال الشرطة لـرودني كنج تقول إنه ما زال حيًا ..!


_____________________________________* * *______________________________

يا جماعة ..

مقالة (خاطرتان) بتاريخ 12 فبراير ..

هل من مجيب ؟!

سـوار الياسـمين
28-10-2008, 03:18 PM
إعلان زواج غير مشروط

هذا إعلان غير مدفوع الأجر،أرجو من أولاد الحلال أن يأخذوه بجدية برغم أنه يبدو أقرب للمزاح .. أبحث للواد ابني عن عروس مناسبة .. لا أشترط الجمالولا الأصل ولا الفصل ولا الأخلاق ولا الثقافة ولا التعليم ولا الدين ولا الطبعالهادئ ولا حسن التربية ولا السمعة الحسنة .. كل هذه الأشياء عرض زائل .. .. فقطلي شرط واحد هو أن يكون أبوها خطاطًا ممن يكتبون لافتات التأييد التي تعلق فيالشوارع .. ربما كانت سن ابني صغيرة جدًا لهذا لا أمانع أن ألهف أنا العروس فلاأعتقد ان المدام ستمانع خاصة إذا عرفت أسبابي ..منذ أعوام فطنت إلى أن أكثرالمهن رواجًا في عالمنا العربي هي تفصيل العلمين الأمريكي والإسرائيلي، ويكفي أنتشاهد أية نشرة أو مؤتمر شعبي لتدرك أن آلاف الأمتار من القماش تحرق كل عام ..ومعها يتدفق الذهب في جيوب ترزية الأعلام لو كانت هناك مهنة كهذه ..

بعد فترة بدأت أدرك أن حياتنا كمصريين لا تستقيم من دون لافتات ...لافتات مبايعة .. لافتات تأييد .. لافتات تأييد للمؤيدين .. لافتات شتيمة في غير المؤيدين الذين لايؤيدون .. شعب يعيش حياته باللافتات هو شعب صمم على أن يجعل الخطاطين أثرياء .. لم تكد تنتهي هوجة الانتخابات التي أصر المصريون بذكائهم الفطري الحاد على أنها مبايعة، حتى بدأت هوجة مجلس الشعب ..

هناك قصة طريفة عن مواطن بريطاني من ويلز كان يحتفظ بلافتة واحدة كتب عليها (يا للعار!).. وكان يرى أنهاتصلح لكل المناسبات باعتبار أن هناك دائمًا عارًا ما لابد من الاحتجاج عليه، ويقالإنه وجد نفسه في مشكلة حينما خرجت البلدة ترحب بعمدتها الجديد !.. هذه هي المرةالأولى التي لم يجد فيها لافتته صالحة ..

هذه القصة تريك الفكر العملي الاقتصادي الغربي .. لدى الرجل لافتة واحدة تصلح لكل شيء، ولو قررنا ان نقلد هذاالعبقري لاكتفينا بلافتة عملاقة تقول: "نؤيد ونبايع الرئيس الموجود حاليًاللأبد" .. وهكذا .. هناك دائمًا رئيسعلى حق دائمًا، وبهذا نوفر المليارات التي أنفقتها مصر على اللافتات ..

تمشي وسط المدينة فتدمي للافتات عينيك بقبحها وفظاظتها .. ضوضاء بصرية لا أول لها ولا آخر .. تدخل فنانوالجرافيك ليثبتوا أنهم استوعبوا عصر الكمبيوتر وأنهم يستطيعون ممارسة (النفاق الرقمي)، ليدخلوا مزجًا موفقًا بين صورة مبارك وبين الذي يؤيده لتوحي الصورة بأنهما صديقان حميمان .. ترى فيكل لافتة الرئيس ينظر للكاميرا باسمًا بينما يقف جواره الحاج (عبسميع)... لا تقرأالاسم لكنك تعرف انه الحاج (عبسميع) دائمًا .. تاجر حدايد أو أسمنت أو أعلاف أوقطع غيار سيارات.. بشاربه الرفيع وصلعته ولغده ونظرة الأجلاف في عينيه.. لا تحتاج لأن تكون من مباحث المخدرات كي تعرفأن الحاج (عبسميع) يتاجر في البانجو .. لا تحتاج أن تكون أخصائيًا اجتماعيًا كيتدرك أنه متزوج للمرة الثالثة من فتاة تصغره بعشرين سنة وأنه يتعاطى الفياجرابإفراط، وأن عنده سيارة (مرشيدس) .. لاتحتاج أن تكون طبيبًا نفسيًا كي تدرك أن صاحب هذا الوجه يحتفظ بدرجة من (البيدوفيليا)أو الميل غير الطبيعي للأطفال ولا مؤاخذة.. لا تحتاج أن ترى باقي الصورة حتى تدركأنه يمسك بسبحة في يده يعد عليها ملايينه ..

هذا هو الوجه الذي يطالعك عندالصباح وعند المساء، كأنها ليست لافتة تأييد بل لافتة مسمط يعرض إنتاجه من لحمةالراس .. واحد من ألف وجه مماثل تناثرتفي أرجاء مدينتك، يمزقون سلامك النفسي ويخدشون حياءك (هناك وجوه تخدش الحياء في حد ذاتها) وكلهم لفقصورته ليظهر جوار الرئيس كأنه من أخلص خلصائه .. وكل هذه الوجوه تصيح بحماس : نحنالمنتفعون !!.. البلد بلد أبونا .. وبإذن واحد أحد حناكلها والعة ..

إنهم يجعلون أية معارضة غير ذات قيمة ويجهضون أية كلمة موحدة، ولا عجب.. فهذا بلدهم وتلك مصالحهم وهم يدافعونعنها بكل مرتخص وغال .. نعم من القلب لزراعة البانجو .. نعم من القلب للاختلاس وغشحديد التسليح .. نعم من القلب للأطعمة الفاسدة المسرطنة .. نعم من أجل تجريفالأراضي .. نعم .. نعم .. نعم ....

ترى في وجوههم رائحة التهريب والتأشيرات المضروبة والبانجو والمضاربة و.. و.. ترى في وجوههم كل ما أفقرك وعذبكوبهدل كرامتك وأهانك بين الدول وملأك بالخوف على مستقبل أطفالك وجعل أعزة أهلكاذلة.. ترى في وجوههم مستشفيات الحكومةمعدومة الإمكانيات والمدارس الخربة والإعلام الهايف وصفر المونديال والسفيرالإسرائيلي والمليارات التي يمرحون بها في الخارج ..

حتى عندما تبتكر هذه الوجوه شعارات انتخابية فهي تأتي فضيحة في حد ذاتها .. (دوس دوس .. إحنا معاك من غيرفلوس).. (طمن أبوك .. البورسعيدية حاينتخبوك)..(لا لفار الجمالية اللي عاوز يبقىرئيس جمهورية) .. هل هناك شعارات أكثرابتذالاً وسخفًا ؟... لو جئت بتشيكوف ونجيب محفوظ ودستويفسكي وديكنز واميل زولا،وأعددت لهم شايًا ثقيلاً مع اتنين كيلو كباب وطلبت منهم ابتكار شعار سوقي واحد فهلكان بوسعهم الوصول لشعارات كهذه ؟

لكن كل هذا الإنفاق يتجه في النهاية إلى جيب واحد هو جيب الخطاط .. ولما كانت العضمة قد كبرت فإنني استبعد أنتبلغ بي الحماسة درجة دخول مدرسة الخطوط (من اجل مستقبل باهر مشرق) .. لهذا قررت أنآخذ الثروة من المنبع وأطلب لابني يد بنتأي واحد من هؤلاء، فهم مستقبل هذا البلد كما كانوا ماضيه .. منذ كانت لافتاتالتأييد تنحت على الجرانيت ويوقع عليها الكاهن نخت أمون، إلى أن تصير لافتاتالتأييد مكتوبة بالليزر الذي يولده محرك بيولوجي ذو ذكاء صناعي..

خلاص ؟.. ترسل العطاءات في مظاريف مغلقة إلى مقر الجريدة في موعد أقصاه آخر رمضان .. هذا بالطبع لو كانت هناكعطاءات ..

أعرف أنني بهذا أرسم لابني مستقبلاً باهرًا ؛ فكل المهن يمكن الاستغناء عنها في مصر ما عدا مهنة الخطاط.. هذابالطبع ما لم ينضج المصريون يومًا ويكتفوا باقتناء لافتة واحدة كتب عليها (ياللعار !).

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=111)

سـوار الياسـمين
28-10-2008, 03:37 PM
دليلك لكتابة القصص البوليسية - ب. ج. وودهاوس

حقيقة غريبة لاحظها المفكرون، هي أن أخطر الأوبئة في التاريخ انقضت على العالم بلا إنذار وفجأة. لم يلحظ أحد قط أن شيئًا غريبًا يحدث حتى نهضوا ذات يوم ليدركوا الحجم الحقيقي للمأساة. في القرون الوسطى مثلاً كانت الحياة هادئة .. الفرسان يتبارزون والراعيات يرعين الخنازير، والاقطاعيون منشغلون في الاستيلاء على الأراضي .. لابد أن هذا كان يوم ثلاثاء عندما مشى ذلك التابع في الطريق بين (ساوثهامبتون) و(ونشستر). فقابل خادمًا لئيمًا فتبادل معه الكلام بتلك اللهجة الإنجليزية القديمة:

قال التابع: ـ"كيف الآن ؟"
ـ"بخير .. فليكن مثل ذلك لك"
بعد هذا كما يحدث عندما يلتقي فلاحان، ساد صمت لمدة عشرين دقيقة، وفي النهاية قال التابع:
ـ"في قريتي جد جديد سبب الكثير من العجب .. إن (بيل) العجوز قد اسود لونه أمس "
ـ"اسود ؟"
ـ"اسود حقًا .."
ـ"بحق القديس (جيمس الكومبوستالي).. حيث أعيش صار راعي بقر أسود كذلك"
ـ"لا تقل هذا .."
ـ"الحق ما أقول"
صاح التابع:
ـ"ماذا عساه يحدث هذا؟"
ـ"ليس بوسعي القول، فأنا غريب هنا عن نفسي "

بعد أسبوع اجتاح الموت الأسود البلاد، وصار من الصعب ألا تجد رجلاً لا يشبه (آل جولسون) وهو يغني (سوني بلو).

نصائح لابني جون:
نفس الشيء ينطبق على فن كتابة القصص البوليسية الذي اجتاح بريطانيا كالوباء. في البداية لم نر الشر قادمًا .. لكننا الآن منغمسون فيه حتى الأعناق. لابد أنه فيروس معين يجعل أفضل الكتاب يصممون على كتابة القصص البوليسية . المشكلة أنه يصيب أسوأهم كذلك. هكذا تحولت هذه الجزر العظيمة إلى مستشفى مجاذيب مليئة بمخابيل يقرأ كل منهم القصص البوليسية التي كتبها الآخرون. و99 من كل مائة رواية هراء .. فكرة مقلقة فعلاً..

لو كان لي ابن يريد أن يكتب قصصًا بوليسية، وهو بالتأكيد ما كان سيفعله، فإنني سأنتحي به جانبًا وأشرح له مصاعب هذه المهنة.

سأقول له:
ـ"(جون) أو (جيمس).. إن هذه المهنة خطرة .. هناك قارئ متربص بك يتثاءب .. تخبره أن سير (جريجوري بولسترود) قتل في مكتبته .. فيقول لك: ومن يبالي بهذا؟.. تخبره إن النوافذ والأبواب مغلقة، فيكون رده: هي كذلك دائمًا .. تخبره أن أصابع الاتهام تشير إلى ستة متهمين فيقول وهو موشك على النوم: لابد أنه اتضح في النهاية أن القاتل واحد منهم ؟"

هذه هي المشكلة .. أنت متأكد من أن البطل ولا البطلة لم يرتكبا الجريمة .. لابد أن القاتل ليس (ريجي بانكس) لأنه شخصية مضحكة وأية شخصية مضحكة في قصة بوليسية لا يمكن أن تقتل. لا يمكن أن يكون القاتل هو العم (جو) لأنه طيب مع الكلاب، من هنا تستنتج ان القاتل هو وريث بعيد يحقد على الضحية منذ أربعين عامًا.

من قتل السير (رالف) ؟

لو انني كتبت قصة بوليسية فلسوف اتجه فورًا إلى الإثارة العظمى. لن يرتكب الجريمة أي شخص في الكتاب .. هذا هو المقطع الأخير من القصة التي كنت لأكتبها في أسبوعين لو أنني مولع بهذه القصص:

سألت المفتش :
ـ"هل تعني أنك حللت هذا اللغز الغامض ؟.. أنت تعرف من طعن السير رالف بتلك المدية الشرقية؟"
قال لي:
ـ"نعم"
ـ"لكنك مكتئب"
ـ"لأنه من المستحيل تقديم الفاعلين للعدالة .. لقد كانا اثنين .. اثنين من أسود القلوب وأكثرها تهديدًا للمجتمع.. "
ـ"لكن ما دمت تقول هذا، فكيف لا يمكنك أن تذيق المجرمين ما يستحقانه ؟"
ـ"لأنهما ليسا في هذا الكتاب على الإطلاق .. لقد كان المجرمان شديدي الذكاء بحيث لم يتوغلا أكثر من صفحة العنوان .. إن من قتل سير (رالف) هما مستر (ستاوتون) و(هودر)"
تمت

سيكون هذا مثيرًا بالتأكيد. إثارة تفتقر لها القصص البوليسية الحالية.

لاحظ أنني استعملت ما نسميه المخبر المتوسط .. واحد من هؤلاء المخبرين الهواة المقتضبين الذين لهم وجه صقر .. يخيل إلي ان هذا أفضل الأنواع مقارنة بأنواع المخبرين الأخرى:

1- الجاف.
2- الممل.
3- الفوار.
وأنا لا أحب هذه الأنواع الثلاثة.

المخبر الجاف عجوز يضع قبعة، ويلبس نظارة من الطراز الذي يثبت على الأنف، ويسعل في أناقة. إنه ممل غالبًا. لكنه ليس مملاً كالمخبر الممل .. إن هذا الأخير هو النوع الذي يكشف عن المجرمين بمعلوماته الواسعة بالسموم وكل شيء .. ويجد المجرم بسهولة اعتمادًا على شكل جمجمته ..

المخبر الفوار اختراع جديد نوعًا .. إنه شاب ذكي خفيف هوايته حل الألغاز .. يحبونه في سكوتلانديارد وأحيانًا ما يهز المفتش (فاراداي) رأسه موافقًا على اقتراحات الشاب. إنه ليس جادًا صارمًا مثل (هولمز) ورؤية الجثة لا تثير فيه إلا ألطف الخواطر. خذ عندك هذا المشهد:

المخبر مبتسمًا: إذن هذه هي الجثة اللطيفة العجوز ؟.. لقد آذوا الوريد الودجي المسكين .. تؤ تؤ .. ماما لن تحب هذا المشهد .. لكنه عمل جميل .. ألا ترى هذا ؟

ليس بالفتى الجذاب، لكنه في كل مكان اليوم، ويؤسفني ان أقول هذا.

أفضل المخبرين هم الذين تجدهم في قصص (إدجار والاس) لأنهم يعملون في سكوتلانديارد .. إن هذا المخبر له خلفية .. يمكنك أن تثق به وتصدقه .. ولو أصر ابني على أن يكتب القصص البوليسية فلسوف أطلب منه أن يعطي البطل سُلطة .. بهذا تكون إدارة الفيش والتشبيه تحت أمره، ولو أراد أن يمنع القاتل من مغادرة لندن فإنه يكلف 3000 شرطي بمراقبة الطرق. صحيح أن القاتل سيهرب لكن لا تقل إنه ليس من الجميل أن تحظى باهتمام 3000 رجل شرطة.

الآن على ابني (جون) أو (جيمس) أن يهتم بنقطة أخرى .. ماذا عن القاتل نفسه ؟

القاتل الأستاذي المجنون:
مجرمو القصص البوليسية يقعون في ثلاث قوائم كلها سخيفة:

1- رجال أشرار من الصين أو الهند .. باختصار من كل مكان عدا لندن، يبحثون عن الجوهرة التي سرقت من معبدهم.
2- رجال يحملون شهوة الانتقام على مدى ثلاثين عامًا.
3- المجرم الأستاذي.

بالنسبة للنوع الأول أنصح ابني بأن يجرب كل شيء آخر أولاً.. لقد وصل هؤلاء القتلة لنقطة التشبع.. ثم إن الجنسيات التي تنتج الأشرار قد صارت حساسة هذه الأيام .. اجعل المجرم صينيًا ولسوف يتلقى ناشرك عشرات الخطابات الغاضبة من أمهات صينيات .. الأمر لا يستحق هذا كله.

أما القاتل من الطراز الثاني فغير مقبول .. نحن نعيش في زمن عملي، ولم نعد نؤمن مثل آبائنا برجل يظل حاقدًا ربع قرن.. في عصر الجولف والتنس والتلفزيون يبدو عسيرًا أن يحتفظ شخص بشعور مرير تجاه شيء حدث له عام 1901.

أما عن المجرم الأستاذي، فإن نفسيته شيء لم استطع فهمه قط. أفهم شخصية الرجل الذي يريد مالاً فيسمم عمه ويطلق النار على ابني عمه ويزور وصية .. هذا هو البيزنس الحق. يعتمد على قواعد تجارية سليمة. لكن القاتل الأستاذي لا يريد مالاً.. إنه يملك الملايين .. فماذا يريد بالله عليك ؟.. لم لا يتقاعد ؟

لقد قرأت قصة أخيرة عن واحد من هؤلاء اضطر للحياة في بدرون قرب مصرف النهر.. وراح يقطع الخشب في الغابة، ولو حسبت ما يدفعه من مال لرواتب كل الصينيين ذوي العين الواحدة، والمكسيكيين الذين على وجوههم ندوب، وكل الخرس الذين يجيدون قذف الخناجر، فإنك تجد أنه أنفق نحو ثلاثة ملايين جنيه.

كان بوسعه بهذا المبلغ ان يملك يختًا وسيارات ومنزلاً فاخرًا وضيعة ريفية واسطبل خيول. كان بوسعه ان يعيد إحياء الأوبرا البريطانية أو يطبع نسخًا رخيصة من شكسبير. لكنه فضل ان يعيش في هذا الوكر لأنه يريد أن ينفذ جريمة أستاذية .. فلا تعرف إن كنت تضحك أم تبكي.

عرفت ذات مرة قاتلاً أستاذيًا في قصة أدار منظمة كاملة لعدة أشهر، والغرض شق نفق إلى البنك. وماذا تظن كان في البنك ؟... اثنا عشر ألف جنيه !...

اثنا عشر ألف جنيه !... وهو سعر قريب مما أتقاضاه أنا مقابل هذا المقال!..

عامة يا (جيمس) أقترح أن تتجنب هذه الأنواع الثلاثة من القتلة. فكر في القاتل العادي المجنون الذي يمكن أن يهرب بجريمته. قل للرجل الذي يحلم بالانتقام: ماذا لو قتلت سير (رالف) يا عزيزي ؟.. ماذا تفعل في ليالي الشتاء الطويلة وقد انتهى أي مبرر للانتقام ؟

بالنسبة للقاتل ألأستاذي نخبره أنه يكافح كي يضيف مالاً لدخله المرتفع بالفعل .. حرام أن يقف في ليلة باردة خارج نافذة غرفة نوم البطل يضخ الغاز، أو يثقب السقف ليسقط منه ثعابين الكوبرا.

لكننا نصفق للقاتل العادي البشري الذي له دوافع بشرية، ونربت على كتفه فينظر لنا ويكشر عن أنيابه في ضحكة مرعبة!

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=89)

سـوار الياسـمين
28-10-2008, 04:00 PM
هل هبط الأمريكان على القمر فعلاً ؟

يبدو أنه لا يوجد مكان في العالم تفر إليه من نظرية المؤامرة إلا القبر.. وربما تجد من يشكك في وفاتك لا سمح الله ويزعم أنها خدعة كبرى قام بها الموساد. في العام 1969 زعم الكثيرون في مصر أن الأمريكيين لم يصلوا للقمر وإنما هم يكذبون، وكنت تجد الواحد من هؤلاء ينظر لك متهكمًا ولسان حاله يقول: "يا لك من ساذج ! .. ".

كانت هذه هي الصيغة الأولى للإشاعة إلى أن جاءت الصيغة الثانية حول أرمسترونج الذي سمع الأذان على سطح القمر. المهم أن هناك مؤامرة وشيئًا تخفيه الحكومة الأمريكية وخلاص. وقد اعتقدت أن هذه من العادات الأبدية المميزة للشخصية العربية التي تجلس وتصدر الأحكام ولا دور لها في الصراع الحضاري، حتى وجدت عددًا من مواقع الإنترنت الأمريكية تناقش هذه الفرضية بحماس .. لا أصدق حرفًا من هذا التشكيك، لكنه جدير بأن نسمعه أولاً ..

بدأ كل شيء بخبير تصوير يدعى (كيفين أوفرستريت) أبدى رأيه في الصور الشهيرة التي تظهر هبوط طاقم أبوللو 11 على القمر ، ثم بدأ المتشككون يزدادون عددًا .. إلى أن قدمت شبكة فوكس الإخبارية عام 2001 برنامجها الشهير عن الخدعة الكبرى، مما جعل الموضوع شبه منته لدى هواة نظرية المؤامرة.

يرى هؤلاء أن صور الهبوط على القمر تم تصويرها في ستوديو في قاعدة جوية في (سان برناردينو).. أما المؤيدون فيقولون إنه لو كانت الصور مزيفة لما صمدت خلال ثلاثين عامًا لفحص العلماء والمدققين .. من المستحيل تصور وجود مؤثرات خاصة بهذه الدقة عام 1969، بينما الأفلام الحديثة مثل (حرب الكواكب) و(رحلة النجم) مليئة بالأخطاء التي يكتشفها أي طفل.

يعتمد (أوفرستريت) على حشد من النقاط التي وجدها في الصور .. مثلاً انعكاسات الأشياء على زجاج قناع رواد الفضاء يوحي بوضع معكوس للعلم الأمريكي غير الموضع الذي غرس فيه فعلاً.

العلم يرفرف مع النسيم فكيف يوجد نسيم على ظهر القمر ؟. لا توجد أية نجوم في أية صورة التقطتها ناسا برغم أنه من المنطقي أن تزدان السماء بها متى غادرنا غلافنا الجوي. يقول المدافعون عن ناسا إن هذا منطقي لأن ضوء الشمس يغمر سطح القمر ويحجب أية نجوم ، والأمر يشبه خروجك من غرفة ساطعة الإضاءة إلى الليل .. عندها لن ترى أي نجم. قال المشككون إن آثار المركبة القمرية واضحة ومحددة أكثر من اللازم، ولابد من خلط التربة بالماء لإحداث أثر كهذا .. الإجابة هي أن التربة القمرية ناعمة جدًا كالدقيق تلتصق بالأحذية وترسم أي شكل يلتصق بها من دون ماء.

قال المشككون إن أحد الجبال عليه حرف C بشكل واضح وإن هذه علامة تخص صاحب (العهدة) كما يكتبون (بيومي) على ظهر الكراسي عندنا.. الحقيقة أن هذا الحرف لم يوجد في الصورة الأصلية التي صار عمرها ثلاثين عامًا، إنما في النسخ المستخدمة منها فهو مجرد عيب تحميض.

يتساءل المشككون كيف يظل الفيلم سليمًا في درجة حرارة قمرية هي 280 فهرنهايت ؟. المفترض أن يذوب ويتحول لكرة.. الإجابة هي أن علب الأفلام كانت واقية ضد تغيرات الحرارة.

أما النقطة الأهم التي يكررونها في كل مقالاتهم تقريبًا فهي: كيف استطاع رواد الفضاء اختراق حزام (فان ألين) الإشعاعي القاتل المحيط بالأرض ؟... الإجابة هي أنهم يجتازونه مرتين فقط أثناء المغادرة وأثناء الرحيل، وتكون سرعتهم خمسة وعشرين ألف ميل في الساعة لهذا يتعرضون له أقل من ساعة، وهذا لا يكفي إلا لإصابتهم ببعض الغثيان .

وكيف استطاع الرواد أن يمشوا وسط مليارات النيازك الصغيرة التي ترتطم بهم كل ثانية ؟... كيف لم تحدث المركبة ثقبًا تحتها عندما لمست تربة القمر ؟.. الإجابة هي أن مساحة القاعدة التي تمس التربة عريضة مما أدى لتوزيع الضغط وبالتالي صار الضغط عليها لا يتجاوز وزن رائد الفضاء ذاته، دعك من أن عدم وجود ثقب هو أقرب للتصديق من وجوده، لأنه كان بوسع ملفقي المشهد أن يصنعوا واحدًا. أما اغرب ما قاله المشككون فهو أن بعض الصور تظهر طاقم السفينة في بناية حديثة بها أضواء معلقة .. هذه صور تذكارية صورت على الأرض قبل الإقلاع ولم تزعم ناسا قط أنها صورت على القمر. أما عن العلم الذي يبدو مرفرفًا فهذا يعود إلى سلك معدني تم تثبيته في القماش كي لا يبدو العلم منكسًا .

قالوا إن فيلم الفيديو تم تصويره على الأرض بطريقة الحركة البطيئة حتى يبدو الأمر كأنها جاذبية القمر الضعيفة التي تبلغ سدس جاذبية الأرض، وإن تسريع الفيديو يجعل الصور تبدو كأنها على الأرض بالضبط. قالوا كذلك إن الصور متقنة جدًا بينما التحكم في الكاميرا الضخمة بثياب الفضاء المربكة أصلاً تجعل هذا مستحيلاً. من ضمن الاعتراضات أيضًا أن الخلفيات في الصور متشابهة برغم أن الصور أخذت من أماكن متباينة .. وهناك صور متشابهة جدًا قيل إنها التقطت في أيام مختلفة .. الحقيقة أن هذا كان خطأ من فنيي ناسا الذين صنفوا صورًا التقطت في ذات الساعة على أنها التقطت في أيام مختلفة. ثمة موقع شهير آخر يزعم أن الفيلم تم تصويره في المنطقة 51 المزعومة المحرمة على الطيران والصحافة لأن الصور تشبه الصحراء في تلك المنطقة، ولهذا ما زالت هذه المنطقة محرمة على المواطنين حتى لا يفتضح الأمر.

يتساءل البعض: لماذا لم ترسل ناسا رجالاً آخرين للقمر منذ عام 1972 ؟.. الإجابة هي أن العملية كانت مكلفة وخطرة .. وقد أرسلت ناسا 12 رجلاً بالفعل ..وأثبتت أنها قهرت الاتحاد السوفييتي.

هذا يكفي .. خاصة أن تنفيذ نفس المهمات اليوم سوف يكون باهظًا جدًا نظرًا لحساب التضخم.

من ضمن ما يقال كذلك إن عشرة رواد ماتوا أثناء مشروع أبوللو بظروف غامضة لا تفسير لها في مركبات أو طائرات نفاثة. قالوا إنها حوادث متعمدة كي لا يتكلموا عن الفضيحة التي لمسوا أبعادها.
السؤال هنا هو: لماذا تفعل ناسا هذا؟ وما مصلحتها ؟.. يجيب المشككون أن الهدف بسيط و(شريف) جدًا. لكي تحصل على 30 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب.. ثم أن الحكومة الأمريكية كانت تعاني الويلات في فيتنام لذا أرادت أن تشغل الناس بموضوع آخر، ولو لاحظت التواريخ لوجدت أن تاريخ الخروج من فيتنام يتزامن مع توقف رحلات الهبوط على القمر بعد أبوللو 17 (هذا الكلام يوحي بأن بعض هؤلاء القوم من أصول عربية).. دعك من رغبة الحكومة الأمريكية في قهر السوفييت الذين كانوا يعملون بحماس مجنون للهدف ذاته، لهذا اخترعت هذا الهبوط لتدعي التفوق عليهم.

وبعد يبدو هذا الكلام مألوفًا بذات طريقة (صدام لم يقبض عليه بعد .. الصور زائفة وليس هذا موسم بلح النخيل .. أما لو ظهر مكبلاً بالأصفاد فليس هو .. هناك ممثلون يشبهونه .. لو اتضح أنه هو مائة في المائة فقد قبضوا عليه مخدرًا) . المهم ألا تصدق وخلاص. لكن الأمريكيين مهما فعلوا مجرد هواة لن يتفوقوا علينا في فن نحن سادته وفرسانه الذين لا يشق لهم غبار!

د.أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب (http://www.rewayatmasreya.com/Public/ShowArticle.aspx?ArticleID=96)

مواطن مصري
04-11-2008, 05:55 PM
أوباما والذيل اليهودى (http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=7274&Itemid=31)


منذ بضعة أسابيع قلت إن فوز ماكين بالانتخابات شبه مؤكد، واستندت في هذا إلي رأي مفكرين كبار قالوا إن أمريكا ليست مهيأة بعد لرئيس أسود أو رئيس امرأة، وإنه في ساعة الجد سوف يتم انتخاب الأبيض الانجلوساكسوني البروتسنتانتيWASP.. أي «ماكين» باختصار شديد. طبعًا كان هذا قبل الأزمة الاقتصادية وسارة بالين وعوامل أخري كثيرة جعلت فرصة أوباما شبه مؤكدة في الفوز، ما لم تحدث معجزة أو يتورط أوباما في فضيحة جنسية خلال هذه الفترة القصيرة. الخلاصة أن الاعتراف بالحق فضيلة بلا شك..

غير أن أوباما نفسه مقلق .. ها هي ذي الانتخابات لم تبدأ بعد والرجل يبذل الوعد تلو الوعد لإسرائيل في سخاء، حتي وصفه روبرت فيسك ساخرًا بأنه «يبدو كأنه يرشح نفسه للكنيست الإسرائيلي لا رئاسة الولايات المتحدة»». ربما أكون مخطئًا كالعادة، لكن هل فيسك يتكلم بما لا يعلم؟

كبرهان علي هذا الكلام، ظهر مؤخرًا إعلان لحملة أوباما منشورًا في موقع أمازون ضمن إعلانات مدفوعة عن كتاب «اللوبي الإسرائيلي». اضطر أوباما لرفع هذا الإعلان بعد ما كتب عنه محرر نيويورك صان. أكد أوباما أن الإعلان ظهر هناك بطريق الخطأ .. لم يقرأ الكتاب لكن ما سمعه عنه يجعله لا يتفق مع مؤلفيه. مذعورًا أكد أن له وجهة نظر مختلفة عن الكتاب وأنه يؤمن بمساندة إسرائيل بلا حدود .. وهو يري أن ما يقال عن كون مساندة إسرائيل تسيء لسمعة أمريكا كلام فارغ.. هكذا يؤكد أوباما ما قاله فيسك من قبل..

مع الانتخابات الأمريكية يكثر الكلام عن اللوبي اليهودي في أمريكا. لفظة لوبي في حد ذاتها مشتقة من رواق Lobby البرلمان البريطاني الذي كان الأعضاء يجتمعون فيه قبل المجادلات البرلمانية. وحجم هذا اللوبي اليهودي يتراوح بين كونه يدير مصائر العالم من خلف الستار في ضوء الشمعدانات السباعية، وبين كونه غير موجود علي الإطلاق كما يري البعض. هل إسرائيل تحرك الولايات المتحدة بيد قادرة اسمها اللوبي اليهودي ؟ أم أن إسرائيل هي نفسها يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، تنفذ سياستها بكفاءة وقدرة كما يري «هيكل»؟

الانتخابات الأمريكية تعيد هذا السؤال للأذهان، وقد تذكرتْ قناة الجزيرة ذلك الكتاب المهم «اللوبي الاسرائيلي» الذي كتبه ميرشايمر ووالت عن اللوبي الاسرائيلي، وصدر عام 2007 كتطوير لورقة بحثية صدرت عام 2002. الأول أستاذ علوم سياسية في شيكاغو، ومعارض عنيف لحرب العراق و له مقالان مهمان عنها هما «الحرب غير الضرورية» و«إبقاء صدام في الصندوق»، وكرر في كل مناسبة أن الحرب علي العراق هدفها الأوحد جعل إسرائيل أكثر أمنًا. الثاني أستاذ علاقات دولية في هارفارد. من حين لآخر يجرؤ مثقف في العالم الغربي علي أن يعلن أن الامبراطور عار تمامًا .. طبعًا يتحدي بذلك تهمة معاداة السامية الجاهزة لتطير الأعناق وتقطع الأرزاق. وحتي اليهود الذين ينتقدون إسرائيل يصير اسمهم «اليهود الذين يكرهون أنفسهم». حتي استعمال مصطلح اللوبي الإسرائيلي نفسه يتهمك بمعاداة السامية.

هذا الكتاب يقول باختصار إن مجموعة المصالح التي تشكل اللوبي الاسرائيلي تدفع الولايات المتحدة دفعًا إلي تشجيع الجرائم ضد الفلسطينيين ومعاداة سوريا وإيران وتجاهل الولايات المتحدة لمصالحها الجوهرية. هو لوبي مثل أي لوبي آخر يهدف لمصلحة أعضائه، لكنه يفعل ذلك بكفاءة عالية جدًا. وهذا اللوبي أقنع الشعب الأمريكي أن مصالح إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة هما نفس الشيء. إن منظمة «إيباك AIPAC» أو لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية تسيطر بقوة علي الكونجرس، مع 34 مؤسسة سياسية أو اقتصادية مما يمنح اللوبي قوة غير معتادة، مسلحًا بتهمة معاداة السامية، لكن هذا اللوبي لم يستطع غزو الساحات الأكاديمية علي كل حال، برغم أن اللوبي يراقب بعناية أبحاث وكلام أساتذة الجامعات. ويجب أن نتذكر أن جامعة هارفارد أصرت علي محو شعارها من أية نسخة من هذا البحث، كما أبرزت بوضوح أن الدراسة تعبر عن رأي كاتبيها ولا علاقة لها بها.

ليس اللوبي مكونًا من اليهود فقط، بل يتضمن عددًا هائلاً من المبشرين الإنجيليين ومنهم بات روبرتسون ورالف ريد. هؤلاء يؤمنون بأن إسرائيل نبوءة إنجيلية لابد أن تتحقق، والعرب الأوغاد يمنعون تحقق هذه النبوءة. هناك كذلك شبكة من الإعلاميين اليهود في وسائل الإعلام. ومعظم رجال اللوبي يؤمنون بسياسات حزب الليكود ولهم دور بالغ الأهمية في تحريك الحرب علي العراق. بالتالي أمريكا تحارب وتعاني وتدفع من أجل إسرائيل حاسبة أن هذه مصلحتها. إسرائيل تلقت مساعدات قدرها 140 مليارًا منذ الحرب العالمية الثانية وهي أكثر طرف ينال مساعدات أمريكية في العالم، دعك من أنها الطرف الوحيد الذي ليس عليه أن يبرر أوجه إنفاق المعونة.. يعني هي حرة تمامًا. ومن أجل إسرائيل استعملت الولايات المتحدة حق الفيتو 32 مرة منذ عام 1982 حتي اليوم.

هذه العلاقة أفسدت تمامًا علاقات أمريكا مع العالم العربي «هذا صحيح لكن علي مستوي الشعوب طبعًا» برغم أن إسرائيل عبء حقيقي علي أمريكا.. طفل مزعج قد تضطر أمريكا إلي تركه في البيت حتي لا يحرجها كما حدث في حرب الخليج الثانية.

هذا ما قاله الأستاذان الأمريكيان.. بذكاء تجنبا استعمال لفظة «لوبي يهودي» وفضلا استعمال «لوبي إسرائيلي» حتي تنتقل الإيحاءات إلي السياسة لا الدين، وهما يذكران الحقيقة المعروفة: أمريكا ليست حليفة إسرائيل ضد الإرهاب، بل هي تواجه الإرهاب لأنها حليفة إسرائيل!. سجل إسرائيل في الإبادة العرقية ليس أكثر نصاعة من أعدائها.. وشامير الإرهابي الذي اغتال «فولك برنادوت» وسيط الأمم المتحدة للسلام، صار رئيس وزراء إسرائيل وقال بوضوح تام: اليهودية لا ترفض الإرهاب كسبيل للصراع.

هناك من امتدح الكتاب باعتباره دعوة للصحوة أو «مكالمة إيقاظ»، وأقر ساسة كثيرون منهم برجينسكي بصحة هذا الكلام . قال أحدهم : «لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط ما لم تنظر أمريكا بصراحة لحقيقتها المذكورة في هذا الكتاب المحزن». وقال أحدهم: «البحث يتضمن الكثير مما هو حقيقي والقليل مما هو جديد..». عامة دعا مشجعو الكتاب إلي نبذ تهمة معاداة السامية الجاهزة .. لا مشكلة في انتقاد إسرائيل إذا كان المنتقد لا يسلب إسرائيل حقها في الوجود. يقول آخر: «الحملة المسعورة علي الكتاب دليل آخر علي أن كلامه صحيح..»

يقول جوزيف مسعد أستاذ السياسة العربية في جامعة كولومبيا: هل اللوبي الإسرائيلي قوي فعلاً؟.. لقد واجهت قوتهم المروعة ومحاولاتهم لطردي من الجامعة، لذا أجيب: نعم.. لكن هل اللوبي يتحكم في سياسة أمريكا نحو الفلسطينيين؟.. أقول لا.. أمريكا سياستها استعمارية أصلاً .. وهي لا تساند من حركات التحرر إلا ما يناسب سياستها..

أما من هاجموا الكتاب فقالوا إنه مجرد تنويع علي نظريات المؤامرة البلهاء المعتادة.. إن فرضية أن الذيل اليهودي يحرك الكلب الأمريكي تبسيط لا تتحمله الأمور. أحدهم قال: هذا يفترض أنه لو تخلت أمريكا عن سياستها المساندة لإسرائيل لأعلن بن لادن التوبة، وعاد ليعمل في المقاولات مع أسرته!. من الغريب أن من ضمن معارضي الدراسة «ناعوم تشومسكي» نفسه الذي رأي أن البحث انتقائي جدًا. قالوا كذلك إن الكتاب ابتزاز أخلاقي وإن البترول وليس اسرائيل هو ما يحرك سياسة أمريكا في المنطقة. هذه نقطة رد عليها المؤلفان بسهولة: لو كان هذا هو الحال لساندت أمريكا الفلسطينيين ولكانت صديقة إيران الحميمة.

هناك بالطبع لوبي عربي في أمريكا.. تصور هذا!.. البداية هي الرابطة القومية للعرب الأمريكيين NAAA التي تكونت عام 1972، ثم ظهرت جمعيات أخري كنتيجة للكراهية المتزايدة ضد العرب مع حرب 1973 وحظر البترول. قال جيمس زغبي إن اللوبي العربي يعاني مشاكل في التنسيق والانتخاب .. بالأحري هو غير موجود تقريبًا.

الانتخابات الأمريكية علي الأبواب، وسوف نري ونسمع .. لكن سياسة أمريكا ثابتة تجاهنا ولن تتغير ما لم نتغير نحن، سواء هز الكلب الذيل أم هز الذيل الكلب.

ايهاب احمد عمر
10-11-2008, 04:22 AM
لو لم تكوني موجودة

د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمِّهِ ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمِّها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......
أغنية اليوم تحفة خالدة للمطرب الفرنسي "جو داسان" من كلماته وألحانه، واسمها (لو لم تكوني موجودة)، ويمكنك أن تسمعها وتراها على هذا الرابط (http://www.youtube.com/v/ckqx7kbq8tg&hl=en&fs=1&color1=0x402061&color2=0x94 61ca)


لو لم تكوني موجودة..
قولي لي لماذا أوجد أنا ....؟
Et si tu n'existais pas
Dis-moi pourquoi j'existerais

ألكي أمضي في عالم من دونك؟..
عالم بلا أمل ولا ندم؟
Pour traAner dans un monde sans toi
Sans espoir et sans regret

لو لم تكوني موجودة..
لحاولت أن أخترع الحب..
Et si tu n'existais pas
J'essaierais d'inventer l'amour

كأنني رسام يرى تحت أنامله
ميلاد ألوان الصباح
تلك اللحظة التي لن تعود أبدًا..
Comme un peintre qui voit sous ses doigts
NaAtre les couleurs du jour
Et qui n'en revient pas

لو لم تكوني موجودة..
قولي لي لمن أوجد أنا....؟
Et si tu n'existais pas
Dis-moi pour qui j'existerais

أمن أجل العابرات اللاتي استسلمن بين ذراعيّ..
واللاتي لم أحبهن قط؟
Des passantes endormies dans mes bras
Que je n'aimerais jamais

لو لم تكوني موجودة..
فلن أكون إلا مجرد نقطة زائدة..
Et si tu n'existais pas
Je ne serais qu'un point de plus

في هذا العالم الذي يروح ويمضي..
كنت سأشعر بالضياع..
كنت سأفتقدك..
Dans ce monde qui vient et qui va
Je me sentirais perdu
J'aurais besoin de toi

لو لم تكوني موجودة..
قولي لي كيف كنت سأوجد؟
Et si tu n'existais pas
Dis-moi comment j'existerais

كنت سأتظاهر بأنني أنا..
لكني ما كنت لأكونه حقًا..
Je pourrais faire semblant d'Aatre moi
Mais je ne serais pas vrai

لو لم تكوني موجودة
لبحثت جاهدًا عن سر الحياة..
فقط كي أخلقك..
وأتأمّلك..
Et si tu n'existais pas
Je crois que je l'aurais trouvA
Le secret de la vie, le pourquoi
Simplement pour te crier
Et pour te regarder

لو لم تكوني موجودة..
قولي لي لماذا أوجد أنا....؟
ألكي أمضي في عالم من دونك؟..
عالم بلا أمل ولا ندم؟
لو لم تكوني موجودة..
لحاولت أن أخترع الحب..
كأنني رسام يرى تحت أنامله
ميلاد ألوان الصباح
Et si tu n'existais pas
Dis-moi pourquoi j'existerais
Pour trainer dans un monde sans toi
Sans espoir et sans regret
Et si tu n'existais pas
J'essaierais d'inventer l'amour
Comme un peintre qui voit sous ses doigts
Naitre les couleurs du jour
Et qui n'en revient pas

http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_221_029.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_221_029.html)
مقال د.احمد خالد توفيق في بص و طل هذا الاسبوع :)

high hopes
12-11-2008, 07:42 PM
القماش أم الترزي ؟




في حواره الممتع مع (محمد هشام عبية) في الدستور الأسبوعي، والذي كان إرهاصة بانضمامه لكتيبة الدستور، قال الأديب السكندري الساخر جلال عامر إن مشكلته ليست مع الترزي فقط .. بل هو يعتقد أن القماش فيه مشكلة كذلك. يقصد بالترزي الحكومة طبعًا والقماش هو الشعب المصري. وأوافقه تمامًا على هذا الرأي .. مع الاعتراف الواضح بأنني جزء من هذا القماش وعندي كل عيوبه، فلا أتحدث من برج عال افتراضي. وقد تذكرت هذا التعبير عندما حدث ما يلي:

(أحمد) قريبي طالب الجامعة الأمريكية جاءني يحمل مقالاً لكاتبة أمريكية، وقال لي إن أستاذ الأدب عندهم طلب منهم أن يردوا على هذا المقال ردًا مفحمًا، ويريد أن أساعده في هذا (باعتباري بائع كلام طبعًا كما يفترض). المقال لطالبة تدعى (كيري ماكنتوش) ويحمل عنوانًا يثير الغيظ هو (علاج الكسل المصري). تقول كاتبة المقال:

ـ"ذات صباح استيقظت الساعة 9:25 فتأكدت أنني سأتأخر عن موعد الصف في التاسعة والنصف. على عكس هذا وصلت بعد 15 دقيقة لأجد أنني سبقت الأستاذ (المصري) ومعظم الطلبة بخمس دقائق. مرة أخرى كنت أدرس لامتحان منتصف العام مع طلبة من الجامعة الأمريكية، وجلسنا في شقة واسعة نأكل البيتزا وكعك الشيكولاته، ثم سألتني الطالبات عن توقعاتي لأسئلة الامتحان. أدركت أنهن لم يقرأن ولم يدرسن لكنهن يردن مني أن أخبرهن بما يردن معرفته.

"هذا الافتقار للمفهوم الغربي للعمل ليس مقصورًا على الجامعة الأمريكية. يبدو لي أن كل الناس في القاهرة مشغولون جدًا بألا ينشغلوا بشيء. الرجال يتسكعون على النواصي في منتصف النهار وكثيرون يشربون الشاي ويدخنون الشيشة في المقاهي لساعات. أكثر شخص مشغول في المجمع – البناية الفيدرالية الأساسية في مصر – هو عامل البوفيه. يبدو لي أن المجتمع المصري على كل المستويات يفتقر إلى الحافز الذي يجعله يعمل أكثر وأسرع وأكفأ . ربما يرجع بعض الغربيين هذا لصفات وراثية، مع الافتقار لمبدأ العمل البروتستانتي الذي قصّر فترات الراحة بعد الثورة الصناعية. ربما كان هذا الكسل رد فعل على الوضع الاقتصادي الاجتماعي للدولة.

"الوظائف الأعلى يتم الفوز بها عن طريق الواسطة لا الكفاءة. معظم طلبة الجامعة الأمريكية لديهم آباء في مناصب عليا يضمنون لهم وظائف ممتازة، لذا فإن التعيين بعد التخرج مضمون ولا يوجد داع للتفوق الأكاديمي .. غالبا ما يكفي اجتياز كورس تدريبي بعد ذلك. والفقراء في مصر يمرون بالعكس تمامًا.

"مصر مجتمع شديد الطبقية، وأكثر الثروة في يد قلة محدودة من الصفوة، بينما الباقون يعانون درجات مختلفة من الفقر. هذا على نقيض الولايات المتحدة موطن فكرة (الفقير يصير ثريًا) حيث يمكن للكفاح أن يقودك لقمة العالم. في مصر لا يرى كثير من الفقراء أية فرصة سوى أن يعملوا بنفس مهنة أهلهم. وهكذا يصير من الطبيعي ألا يجد الناس قيمة للعمل الزائد. ولسوف تسوء الحالة الاقتصادية الاجتماعية في الأعوام القادمة ما لم تتبن الحكومة سياسات تغير التركيب الاجتماعي للدولة.

"لا أستطيع تقديم اقتراحات لأنني لا أملك العلم الكافي ولا من حقي كأجنبية أن أفعل ذلك. أنا أكتب هذه الكلمات ومحمد يدق جرس الباب. إنه طفل في السادسة يكوي الثياب ومستعد دومًا ليقوم بأي عمل تطلبه. ربما لأنه ما زال صغيرًا مفعمًا بالطاقة. آخذ ثيابي وأعطيه أجره فيرحل، ويرسل قبلة لملصق علقته زميلتي في المسكن للرئيس (جمال عبد الناصر) الثائر الاشتراكي الذي لم تتحقق أحلامه بعد."
المقال يثير الغيظ طبعًا، من منطق (أدعي على ابني وأكره اللي يقول آمين). هذه أمور نقولها طيلة اليوم لكنها تكون موجعة عندما يقولها الغربيون حتى لتوشك على اتهامهم بالوقاحة. على إنني قرأت المقال مرتين وقلت لأحمد: "ماذا تريد أن نقول ؟.. هذا المقال هو الحقيقة كلها بلا نقصان.. لا أحد يعترض على حرف منه.. بصرف النظر عن ربطها صفة النشاط بالبروتستانتية – وهي رسالة لن تسعد المسلمين ولا الأرثوذكس في مصر - وتلميحها إلى أن للدين دورًا في حالة الخمول هذه، فإنني أذكرك بأن سوفوكليس تحدث عن كسل المصريين وأن الرجل يجلس في البيت بينما تعمل زوجته، وبعد هذا جاء رجال الحملة الفرنسية ليكتبوا لأمهاتهم قائلين إن المصري له وجه قوي الملامح والقسمات مفعم بالرجولة، وهو يجلس يدخن النارجيلة طيلة اليوم ولا يعمل أي شيء! "

قال لي: "البروفسور مصر على أن نثبت لها أنها مخطئة.. مثلاً هي استيقظت متأخرة عن المحاضرة وبرغم هذا تلومنا .. ثم هي راضية عن عمل الصبي ذي السنوات الست ولم تعترض"

قلت: " الرد على مقال كهذا يحتاج إلى رئيس تحرير صحيفة قومية .. هؤلاء هم العباقرة القادرون على أن يبرهنوا على أن النهار مظلم والليل مشمس، ويكتبوا ثلاثة آلاف كلمة حول ذلك .. أنا لست عبقريًا مثلهم لهذا لا أدير مؤسسة صحفية كبرى .. "

لما أيقن أنني لا جدوى مني قرر أن يغير موضوع الكلام، فحكى لي قصة عجيبة عن صديقه المصري بالجامعة الأمريكية. تعرفون أن الجامعة الأمريكية صارت في منطقة التجمع الخامس النائية. صديقه هذا ابن ناس مهذب وراق وقد اعتاد أن يذهب للجامعة ويعود منها بسيارة الأسرة مع سائق خاص. تعطلت السيارة في ذلك اليوم على الطريق .. وقف مع السائق حائرين لا يعرفان ما يجب عمله. هنا توقف سائق سيارة نصف نقل ابن حلال، وعرض على الفتى أن يوصله للجامعة إلى أن يجد السائق حلاً للسيارة. ركب الفتى السيارة نصف النقل ممتنًا .. وبعد ربع ساعة وفي منطقة مقفرة فوجئ بالسائق الشهم يوقف السيارة ويأمره بلهجة مليئة بالوعيد بأن يعطيه خمسين جنيهًا !.. أخرج الفتى المندهش المبلغ فأخذه السائق، ثم أرغمه على النزول وتركه وحده وسط الصحراء !.. من حسن حظ الفتى أنه ترك له الهاتف الجوال كي يتصل بمن يوصله إلى الجامعة !

هذه قصة جديرة بالتأمل .. السائق الشهم اعتبر طالب الجامعة الأمريكية رزقًا حلالاً .. لو لم نسرق هذا الفتى الثري ابن الناس فمن نسرق إذن ؟.. وماذا يضيره لو خسر خمسين جنيهًا ؟ .. ثم هو – السائق - يمارس السطو بكثير من السذاجة والتردد .. مع الفتى هاتف محمول باهظ الثمن لكنه تركه له. لماذا ؟.. لأنه لا يستطيع أن يكون قاسيًا إلى هذا الحد .. أي أن تصرفه خليط عجيب من النذالة والتردد والتوحش والحقد والرحمة والرفق والجدعنة والغباء .. تصرف يحتاج إلى طبيب نفسي ليحلله..

سمعت القصتين مندهشًا .. مقال الأخت (كيري ماكنتوش) وذلك السائق الشهم الذي لم يكن شهمًا لهذا الحد. موضوعان مترابطان يلمسان بلا رفق الشخصية المصرية الجديدة. فإذا أضفنا لهذا حوار الأستاذ جلال عامر عن القماش والترزي، لبدأنا بالفعل ندرك أن القماش ليس على ما يرام .. بل هو قماش تلف تمامًا .

من هذا ترى يا أحمد أنني عاجز تمامًا عن مساعدتك .. فعلاً أنا آسف .. لو نجحت في كتابة مقالك هذا فأنا أضمن لك أن تشق طريقك بسهولة في مصر اليوم.


الدستور
11/11/2008

ايهاب احمد عمر
13-11-2008, 04:15 PM
كوميكس جديد لـــ د.احمد :
"يوميات مصري"
http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_222_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_222_01.html)


http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_01-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_02-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_03-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_04-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_05-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_06-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_07-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_08-1.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_09-1.jpg

ايهاب احمد عمر
13-11-2008, 05:42 PM
حكايات الاستاذ حسن
د.احمد خالد توفيق

في العام 1987 كنت أحمل هذا اللقب الفخم (مدير الوحدة الصحية) بقرية (.....) القريبة من كفر الزيات، وهو لقب كنت أشعر بأنه واسع فضفاض عليّ في هذه السن المبكرة. لم أدرك مدى أهميتي إلا حينما سمعت الموظفين يتكلمون في غرفتهم الداخلية:
ـ "بيقولوا الراجل هيمشي في أكتوبر.. هيروح الجامعة"..
أصابني الهلع؛ لأن الرجل سيمشي، ثم فطنت إلى أنني هذا الرجل بعينه!.. إذن أنا كبرت وصرت خطِرًا كالآخرين!..
عرفت المزيد عن خطورتي عندما كنت أركب سيارة نصف نقل مع أحد موظفي الوحدة، قاصدين الإدارة الصحية في كفر الزيات لتسلُّم شحنة أدوية. بما أن القصة حقيقية فإننا سنجعل اسمه (حسن).. قصير القامة أسمر لامع العينين ضيقهما. وقد قرر على الفور أن يريني أهميته ويثبت لي أنه لا غنى عنه.. جاءت سيرة كاتب الوحدة في الكلام، فقال لي بلهجة من لا يريد أن يقول أكثر:
ـ "رجل طيب لكن والله أعلم.. والله أعلم.. شخصيته ضعيفة أمام زوجته"..
ابتسمت باعتبار المعلومة بالغة الأهمية وجوهرية لعملي، وعدنا نتكلم.. جاءت سيرة ممرضة في الوحدة، فقال في لهجة من يكره فضح بنات الناس:
ـ"كنت سأتزوجها.. لكن لا بد من تصديق العالِمين بهذه الأمور.. أخلاقها سيئة.. إذن فليكن الأمر كذلك.. أخلاقها سيئة"..
فيم يفيدني أن أعرف هذا؟.. وما دخلي بأخلاقها؟.. هل سمع أنني أرغب في الزواج منها؟.. بعد قليل كان قد حكى لي أسرار كل واحد من زملائه بالوحدة، ومنهم الديوث ومدمن المخدرات وضعيف الشخصية وخريج السجون والمختلس. تساءلت في سري: الرجل يعرف أنني غير مهتم بهذه الأمور، وأنني راحل أصلاً عما قريب.. الأمر لا يزيد إذن على كونها عادة يريد تدريبها فلا تذبل، كما يحب عازف الكمان أن يعزف قليلاً قبل النوم.. يريد أن يكون الأذن السرية للمدير أي مدير..
أبطأت السيارة عند كوم سباخ عال، وفلاح عجوز متهالك ممزق الثياب مال على النافذة يسأل:
ـ"الجحف يا "مصطفى"؟"
أطلق السائق "مصطفى" سبة مليئة بالكبرياء.. نحن في مهمة حكومية حساسة يا بهائم، وأنتم تعتبرونها سيارة أجرة.. نسيت أن أقول أن الجحف هو (القحف)، وهو محطة مهمة جدًا في المشاوير الريفية.. كل مشوار ريفي في أي مكان لا بد من أن تتضمن محطاته (الجحف - الجنطرة - الجباسة - المشروع).. هناك مشروع دائمًا.. ماذا؟! لا تعرف معنى (القحف) أيضًا؟!.. حرام عليك.. القحف هو جذع شجرة غليظ نائم على الترعة بالعرض ويُستعمل كجسر مرتجل..
يعاود الأستاذ (حسن) حكاياته.. هذه المرة يصمم أن يطلعني على ثقافته الدينية، بعد ما أظهر براعته في الاغتياب وأكل لحم أخوته موتى:
ـ "الإيمان قدوة"..
يعني إيه؟.. تركيب لغوي غريب جدًا.. مثلاً (المؤمن قدوة) مفهومة أكثر، لكنه يردد وهو يهز رأسه في خشوع:
ـ"الإيمان قدوة"..
حتى شعرت أنه مغنٍّ شعبي من مطربي الموالد الذين سمعت ملايين من أغانيهم في هذه السيارات.. ذلك الخلط الفريد بين القصص الديني والخيال وأغاني أم كلثوم.. وبالفعل عرفت أنني محق عندما بدأ يحكي قصته.. كان يقول..........
لحظة حتى نسمع ما تقوله هذه المرأة البدينة التي تنحني على النافذة:
ـ "المشروع يا "مصطفى"؟"
سبّها السائق.. مشروع إيه يا ولية يا مجنونة؟.. العربية دي تبع الحكومة.. وانطلق بالسيارة بينما المرأة تسبُّنا جميعًا من بعيد..
القصة كما حكاها لي الأخ (حسن) تدور حول طالب في كلية آداب طنطا.. الطالب من قريتهم وهو يعرفه جيدًا. يسهر الطالب ليلة الامتحان يدرس على لمبة الجاز حتى الثانية بعد منتصف الليل..
لا تسألني عن سبب استعمال لمبة الجاز بينما القرية فيها كهرباء.. القصة دائمًا هكذا.. من دون لمبة جاز لا كفاح.. لسبب ما كان الطالب وحيدًا في داره عندما دق الباب..
فتح الباب ليجد ست الحسن والجمال.. فتاة رائعة البهاء مذعورة باكية. قالت له إنها ضلت طريقها وما من مكان تبيت فيه إلا عنده.. هكذا قال لها الفتى: تعالي يا بنت الناس نامي هنا والصباح رباح..
نامت الفتاة ولسبب ما -أيضًا- لا يوجد مكان تنام فيه سوى أمام الفتى. هكذا قضى الليل يغالب شهوته.. كلما أوشك الشيطان أن يهزمه مد يده ليلسع أنامله باللمبة الملتهبة.. من ثم يتذكر عذاب النار.. وجاء الصباح..
عادت الفتاة إلى طنطا لتخبر أباها بالقصة كلها.. يبدو أن الخبيثة لم تكن نائمة إنما تتظاهر بذلك وتلعب بأعصاب الفتى. هرع أبوها إلى القرية يبحث عن هذا الفتى الشهم.. سأله عن الفتاة التي باتت عنده أمس فحكى له كل شيء.. تفحص الأب أنامل الفتى فوجد آثار الحروق واضحة جلية..
تصور.. يتضح أن أبا الفتاة هو نفسه عميد كلية الآداب!.. الكلية التي يدرس الطالب فيها!.. وهكذا عمل على أن ينجح الفتى ويصير معيدًا بالكلية، ثم زوَّجه لابنته؛ لأنه عرف كم هو رائع...
وهتف (حسن) والدمع يبلل عينيه:
ـ "قلت لك يا دكتور إن الإيمان قدوة!"
وسمعت مصمصة شفاه فنظرت لأجد أن السائق موشك على البكاء تأثرًا بدوره.. لم يطل تأثره؛ لأنه أخرج رأسه من النافذة ليسب طفلاً عاري النصف السفلي يلعب أمام السيارة.. ياد يا ابن الـ.. يا ابن الـ.. هنا قال (حسن) وهو يتمخط خارج النافذة:
ـ"الإيمان قدوة"..
نعم.. فقط أريد أن أعرف الإجابة عن بعض الأسئلة. كنت أعرف عميد كلية آداب، فماذا تفعل ابنته بالضبط في قرية جوار كفر الزيات بعد منتصف الليل؟.. وكيف وجد عميد كلية آداب سيارة تنقله إلى الجحف؟.. كما ترى القصة كلها تدور في فلك الحكايات الشعبية من طراز (تزوج بنت السلطان وعاشا في تبات ونبات). ثم إن كان الإيمان قدوة فعلاً فلماذا لا يعلِّمه الإيمان أن النميمة حرام وأن الاغتياب نوع من أكل لحم الموتى؟.. ألا توجد لمبة جاز أخرى تلسعه كلما أوشك على اتهام واحد من زملائه في الوحدة؟
رفعت رأسي فرأيت لافتة (الإدارة الصحية بكفر الزيات)، ففتحت الباب.. في المرة القادمة ذكّروني ألا أصطحب معي (حسن) فجهازي العصبي لم يعد يتحمل أكثر.
المصدر :
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_222_02.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_222_02.html)

الطفل العنكبوت
16-11-2008, 12:45 PM
تم حذف المقال بواسطتي لتكراره
أخي الطفل العنكبوت شاكرة لك جهدك في احضار مقالات الدكتور أحمد خالد توفيق، لكن أرجو مستقبلًا التأكد من عدم تكرارها قبل وضعها:)
يمكنك مراجعة فهرس المقالات التي وضعته العزيزة سوار الياسمين هنا
http://www.rewayatnet.net/forum/showpost.php?p=690638&postcount=2

السلام عليكم مارس :)

mars3000
16-11-2008, 02:17 PM
السلام عليكم :)

في البداية أشكر كل من بذل جهده ووضع هنا مقالًا من مقالات الدكتور أحمد الرائعة وشكرًا للدكتور أحمد خالد توفيق على هذه المقالات
شكرًا جزيلًا لكم جميعًا أعزائي :jhgf:

أحببت فقط أن أخبركم أيضًا أنني أضفت فهرس المقالات التي وردت بهذا الموضوع والذي أعدته العزيزة "سوار الياسمين" إلى بداية الموضوع وستجدونه هنا
فهرس مقالات " الدكتور أحمد خالد توفيق"
http://www.rewayatnet.net/forum/showthread.php?t=37194
وأقوم بتحديثه مع كل مقال جديد يضاف للموضوع
أرجو مراجعته أعزائي منعًا لتكرار المقالات ;)
ولكم جزيل الشكر فلاور::

السلام عليكم مارس

محمد عبد الرحمن
18-11-2008, 02:45 PM
يقبل وضع المقال
الكتاب الذى يتحدث عن أمثلته د . أحمد قرأته منذ سنوات والنتيجة أى كلام فى أى كلام

للعلم فقط
الى المقال
" كليوباترا هى وفاء "

(أرسل لي أحد الشباب هذا الإعلان عن كتاب جديد في السوق، وهو كتاب يصفه الإعلان بأنه «مفاجأة القرن 21»، ويؤكد أنه مصرح به من الأزهر ووزارة الإعلام السعودي ورابطة العالم الإسلامي. يعدنا الكتاب بأن يثبت لنا بالأدلة الشرعية ما يلي:

- الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها ولا الشمس.



- السماء تبعد عن الأرض بـ 7 ملايين كيلومتر فقط.

- الأرض أكبر من الشمس والقمر معًا.

- سرعة الضوء = سرعة الصوت.

- الشمس تجري حول الأرض يوميًا.

- أكذوبة عشنا فيها حينًا من الدهر اسمها الجاذبية الأرضية.

- الأعرابي الذي كان أعلم من جاجارين أول رائد فضاء.

- النجوم عددها محدود وقريبة جدًا من الأرض.

- الشمس تبعد عن الأرض 687272 كيلومتر فقط.

- الأرض ليست كوكبًا.

- الجبال لم تتكون من الأرض بل أتت من فوقها.

سعر الكتاب ثلاثون جنيهًا في مجلد يمكنني أن أري غلافه الأنيق المصبوغ بماء الذهب. يقول الإعلان إنها الطبعة التاسعة. طبعًا يمكنني أن أعرف أنه حقق نجاحًا ماديًا هائلاً.. إنه لمغر جدًا أن تقرأ كتابًا كهذا، ولو وجدته أمامي لابتعته بلا تردد.

يجب أن يكون المرء عادلاً.. بالطبع أنا لم أر الكتاب ولم أقرأه لهذا لن أعتمد علي إعلان عنه، وبالتالي لا أضمن أن موافقة الأزهر عليه صحيحة بصورته المذكورة في الإعلان. أحب أن أعتقد هذا.. لو صح الكلام المذكور في الإعلان لكانت ضربة قوية لعلمي الفلك والفيزياء ونظرية النسبية وميكانيكا الكم، فهذا المؤلف قد استطاع أن يسحق نيوتن وأينشتين وكوبرنيكوس وإنريكو فيرمي وتايكوبراه وجاليليو وهوكنج بضربة ساحقة ماحقة، دون أن يدرس حرفًا من علم الفيزياء.

يقابل المرء طيلة يومه أمثلة مشابهة، وليس هذا الكلام غريبًا علي مسامعنا علي كل حال. لكن الاستفزاز يبلغ أحيانًا درجات لا تطاق تجعلك تتساءل: ما جدوي الكتابة إذا ظللت صامتًا الآن؟

مثلاً.. اعتدنا سماع ادعاء اليهود أنهم هم بناة الأهرام تحت قهر الفراعنة، ثم غادروا مصر وتركوها لنا هدية. بعد هذا جاء أنيس منصور ليطرح فكرة أن الأهرام جاءت من الفضاء.. هناك مشكلة لدي العالم كله هي أن يأخذ الأهرام منا وخلاص.. بأي تفسير ممكن.. يجب أن نؤمن أن الأهرام لم يبنها الفتي الأسمر مفتول العضلات «حور» الذي هو جد «محمود» وعم «مينا» اللذين يقفان الآن في طابور الخبز في شبرا..

الآن يتطوع باحث مصري بدور مشابه، فيزعم نظرية فريدة من النظريات التي تنهمر علينا كل يوم، وقد انطلق من نقطة ذكية هي أن الأهرام مفرطة في الضخامة هكذا يصل إلي نظريته التي تؤكد أن الأهرام لم يبنها اليهود ولا الفضائيون ولا الفراعنة!. عنوان الكتاب الذي صدر عام 1996 يستحق وقفة : «الفراعنة لصوص حضارة »!.. وهو يعتمد علي منطق بسيط.. الأهرام ضخمة ولا نعرف طريقة بنائها، إذن من بناها عمالقة لهذا كان الأمر سهلاً كأنهم يضعون علب كبريت فوق بعضها.. انتهي البحث !. تأمل هذه الجملة المنطقية القوية: فمن جهة العقل لا يوجد ما يدل علي كون بناة الأهرام هم الفراعنة، بل الأنسب أن يكون بناتُه قوم عاد الذين أعطاهم الله عز وجل القوة وزادهم في الخلق بسطة .منطق غريب.. ما دام البناء ضخما فمن صنعه هو الأضخم وقت صنعه. هناك صور كثيرة جدًا ملفقة ببرنامج فوتوشوب لهياكل عمالقة وعامل صعيدي يحفر ليظهر هيكل عملاق تحت الرمال. عندما يكون طول العملاق من قوم عاد 15 مترًا فإن حمل هذه الأحجار سهل جدًا.. طبعًا الحكومة المصرية تخفي هذه الحقائق. لا أدري ما المنطق القوي هنا؟.. هناك آثار ضخمة وألغاز غامضة في الكون كله. وماذا عن أهرام المكسيك الغريبة يا أخي؟.. من بناها؟. ألم ير المنمنمات الدقيقة التي توشك ألا تراها بالعين المجردة في المتحف المصري؟. هل سيتطوع بنظرية أخري تؤكد أن شعبًا من الأقزام فعل ذلك؟

قوم عاد الأولي في رأي الباحث هم بناة الأهرام.. بني قومهم مدينة إرم ذات العماد بالأحقاف .... لماذا لم نجد مقابر وآثارًا لقوم عاد؟.. لأن الأهرام هي آثارهم، وتعبير «إرم ذات العماد» القرآني يقصد به «الأهرام المدببة» لأن القبائل العربية كانت تحيل حرف الهاء همزة.. معلوماتي أن الأحقاف في الجزيرة العربية فماذا جاء بها هنا؟

الحقيقة الثانية كما يقول هي أن الفراعنة هكسوس جاءوا من شمال الجزيرة العربية، وهم من العماليق بقايا عصر ثمود.. والخلاصة أن الحضارة الفرعونية جاءت من الجزيرة العربية، بينما المصري العادي كان غلبان جاهلاً نحيلاً مذعورًا يعيش في بيوت من طين..

الكتاب يحوي حقائق لا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل، لكن من بينها أنه لا يوجد شيء اسمه التحنيط.. لا توجد ديناصورات وإنما هي خدعة كبري.. «هي عظام حيوانات قوم عاد العمالقة مدفونة منذ 70 ألف عام، وحتي لا ينتبه الناس إلي تلك الحقيقة الجلية فقد صوروا أشكالاً «هكذا في الأصل» لديناصورات مخيفة علي العظام من وحيهم ونسج خيالهم وادعوا أنها عاشت منذ 65 مليون سنة ليلهوا الناس «. والدليل الذي لا يدحض لديه هو: هل يتصور أحد أن تظل العظام 65 مليون سنة؟. الفراعنة كانوا يتحدثون باللغة العربية ولكن يكتبونها بحروف الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية، وقد أثبت العديد من أساتذة اللغة العربية بأن كليوباترا تعني في الأصل وفاء، وأن آمون يعني آمين، ورع يعني رأي . وإخفاء تلك الحقيقة عنا ليس سببه إخفاء أصل أن مصر هي أصل العرب فحسب، بل لإخفاء حقيقة أن التوراة نزلت باللغة العربية!!

منذ البداية هناك حول الموضوع صبغة دينية تهدد بخراب بيتك لو أنكرته.. قوم عاد ذكروا في القرآن إذن إنكار قوم عاد إنكار للقرآن.. هذا صحيح، لكن هنا تأتي الحيلة المعروفة: مزج ما هو مقدس بما هو رأي المؤلف.. هل لو أنكرت أن قوم عاد بنوا الأهرام تكون قد أنكرت وجودهم؟. بنفس الطريقة أنفق العرب المليارات علي من يخرجون الجان من أجسادهم.. هل إنكار تلبس الجان للإنسان إنكار لوجود الجان؟… هكذا يمكن أن يمر كل شيء ..

ثم يلعب علي الوتر الذي لا يفشل أبدًا: «وأكثر ما يُصرِّح به الآثار يون تتم معالجته سياسيا قبل طرحه إعلاميا. فعلوم الآثار قد صادرها الغرب مصادرة تامَّة واستغلَّها سياسياً»

بوضوح يتهم الباحث مقدمًا من يزعم أن الفراعنة بنوا الأهرام بأنه من عملاء اليهودية في مصر!.. راجع المنطق المضطرب من جديد.. مثل منطق الطبيب الذي قال إن الإيدز لا وجود له وهو خدعة ألفتها أمريكا لنشر الشذوذ..! كيف يمكن نشر الشذوذ باختراع داء والزعم أنه ينتقل بالشذوذ؟..

النظرية لها شعبية قوية جدًا علي شبكة الإنترنت والناس تقبلها كحقيقة مسلمة مذهلة أخري، وهناك قارئة قالت في دهشة: «بالضبط مثل خدعة ناسا عندما زعمت أنهم نزلوا علي القمر !». والكارثة الألعن هو هذا الرد في أحد المنتديات: «هو بجد الكلام ده حقيقي؟ أنا أصلا في كلية أثار بجد الكلام ده مضبوط أنا هتجنن أنا خلاص آخر سنة ليا في الجامعة يعني الكلام اللي أنا بدرسه ده ملوش أي لازمة بالله عليك ترد عليا». هذا طالب في آخر سنة بكلية الآثار، وهو يشك في كل ما درسه من قبل بسبب هذا الكلام.

نحن نتراجع بلا توقف.. هل كان أحد يجرؤ علي كتابة هذا الكلام منذ عشرين عامًا؟ اليوم يكتبونه ويبيعونه ويجدون من يقرأه في حماس باعتبار هذا هو «العلم كله».. أليس هذا بالضبط مناخ القرون الوسطي ومحاكم التفتيش وإعدام تايكوبراه والتهديد بحرق جاليليو؟.. الاعتراض علي هذا الهراء يهدد بأن تتحول إلي فولتير.. سيقولون: «هذا الكاتب يطالب بالعلمانية وإلغاء الدين كما فعلت أوروبا»..يقولونها وهم ذاهبون للمصرف لإيداع حصيلة بيع الكتاب الأخير وصرف شيكات الفضائيات. بينما صمتك علي هذا الكلام هو كتمان شهادة الحق فعلاً.. والآن تصور معي النتيجة بعد عشرين عامًا وماذا نتوقع من شعب لا يقرأ سوي هذا الكلام، وقد عشش الصدأ وخيوط العناكب في رأسه. تخيل معي!)


د . أحمد خالد توفيق

http://dostor.org/ar/index.php?optio...8284&Itemid=31 (http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=8284&Itemid=31)

ايهاب احمد عمر
20-11-2008, 04:39 PM
بعد الثانية صباحا ً
رواية جديدة لـــــــــ د.احمد تنشر علي حلقات في بص و طل

الحلقة الاولي :
http://www.boswtol.com/affareet/naction_223_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_223_01.html)




بقلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز



http://www.boswtol.com/affareet/images/223/action_01.jpg


ليكن يا أستاذ (مراد)..

صدقني أنا مصغ جيدًا لما تقول، لكني كذلك أتابع ما نراه على الشاشة.. أنا من النوع الذي يركز أفضل إذا لم ينظر لعيني محدثه أثناء الكلام، وهذا لا يعني أنني أستخف بك. فقط أرجو أن تعيد الشريط لبدايته..



كنت أتساءل منذ البداية عن سبب اهتمامك برأيي كمصمم للخدع الجرافيكية للأفلام. نحن نحقق نتائج لا بأس بها في مصر، لكن هذه الأمور تكلف مالاً وتحتاج إلى سخاء في الإنتاج.. الإعلانات هي مصدر دخلي الأول كما تعلم..


عندما دخلتْ عليّ السكرتيرة (شاهنده) وقدمتْ لي بطاقتك حسبت أنك تنوي عمل سلسلة من الإعلانات عن المول الخاص بك.. (شاهنده) حسناء؟.. أرى هذا من نظراتك وعينيك الموشكتين على الجحوظ، لكن لا تنس أنها واجهة إعلانية أخرى ولابد أن تكون براقة أكثر منها صادقة أو بارعة.. تفضل..اسمي (كمال جودة).. أرجو أن تشرب القهوة وأن تحكي لي سبب هذه الزيارة الكريمة..

كان ما قلته لي ببساطة شديدة هو:
ـ" افتتحنا المول منذ شهر.. أشياء غريبة تحدث"

هذه معلومة غير معتادة.. في العادة نتظاهر بأن كل الأشياء تحدث بالكيفية التي رسمناها لها وأننا لا نتلقّى مفاجآت. هذه طبيعية تجارية مهمة. لكنك تكلمني عن المول الخاص بك وتحكي قصة عجيبة بعض الشيء:
ـ" العاملات يقلن هذا في الصباح وأنا لا أصدق.. العمال يؤكدون هذا وأنا أتهمهم بأنهم يبتلعون مخدرًا ما.. إنهم يلاحظون أن أوضاع المانيكانات تتغير في الصباح عن الوضع الذي تركوه أمس.. هذه أشياء تلاحظها النساء أفضل لأن الرجال......."


ـ"نعم.. نعم.. الرجال حمقى لا يلاحظون أي شيء على الإطلاق.. هذا معروف"

-"بالضبط.. هناك ذراع موديل ترتفع وأخرى تنخفض.. هناك ساق تحركت.. هناك مانيكان كامل تغير موضعه فصار بقرب الدرج الداخلي.. أنا لا أصدق أن لصًا يتسلل للمول ليلاً – برغم الحراسة الممتازة - فلا يسرق أي شيء وإنما ينقل بعض التماثيل من مكانها.."


ـ"كل هذا جميل لكن – وسامحني على غبائي – لا أرى علاقة قوية بين هذا والخدع الجرافيكية"


هززت يدك مضمومة الأصابع على شكل قمع بمعنى أن أنتظر قليلاً وقلت:
ـ"بالطبع كان أول ما فعلته هو أن جعلت أحد رجال الأمن يمضي النوبتجية داخل المول، وبصرف النظر عن كونه فعل ذلك أم نام كلوح الخشب حتى الصباح، فهو يؤكد أنه لم ير شيئًا، والمانيكانات لم تغير موضعها.. لو كانت تغير مكانها فعلاً فهي خجول جدًا لا تفعل ذلك أمام العيون...."

http://www.boswtol.com/affareet/images/223/action_02.jpg

لكنك تقول إن هذا الحارس كف عن مراقبة التماثيل ليلتين، وعندها تكرر الشيء ذاته وعدت تسمع القصص عن المانيكان الفلاني الذي أدار رأسه وذلك الذي رفع ذراعه. قمت أنت بتكوين شبكة من الوشاة كالتي يصنعها طغاة العالم الثالث.. الكل يراقب الكل. وكل عاملة مكلفة بأن تعرف آخر ما قامت به زميلتها قبل أن ترحل.. هل هناك من يبقى في المول وحده بعد انصراف الآخرين؟.. لا شيء..


أنا أفهم هذا.. وأكون شاكرًا لو كففت عن النظر إلى سكرتيرتي كلما دخلت الغرفة.. لا يعني هذا إنني أغار عليها، لكنه يشعرني بأنك تتجاهلني، دعك من أنه يعطيني فكرة سيئة جدًا عن أخلاقك، وهي الفكرة التي تزداد قوة كلما رأيت عينيك المحتقنتين وشاربك الرفيع وذلك الفم المفتوح الذي يتصاعد منه دخان السجائر كما يتصاعد غاز الميثان من مستنقع..


هنا فقط خطر لك أن تشغل الدائرة التلفزيونية المغلقة لتسجل ما يحدث ليلاً..
بيني وبينك هي فكرة مرعبة.. كابوس يطاردني طيلة حياتي هو أن أرى ما يحدث في شقتي المظلمة الخالية المغلقة أثناء سفري.. ماذا يدور فيها بالضبط؟


أنت قمت بتشغيل عدة كاميرات من التي تراقب العملاء، وكلفت رجل الأمن السهران أمام الشاشات بتسجيل أي شيء غريب يراه دون تدخل.. إن الإضاءة الليلية في تلك القاعات خافتة مرعبة تجمد الدم في العروق، لكنها تسمح برؤية صورة معقولة..

هذا هو الشريط إذن.. هذا ما صورته الكاميرات أمس...


فلنر معًا...

يتبع









تم تعديل الرد بواسطتي لإضافة النص :).

ZAGALO

ايهاب احمد عمر
27-11-2008, 04:18 PM
بدأت مجلة بص و طل الاسبوع الماضي نشر رواية جديدة حصرية للدكتور احمد خالد توفيق بعنوان
لمطالعة الفصل الاول
http://www.boswtol.com/affareet/naction_223_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_223_01.html)
الفصل الثاني
http://www.boswtol.com/affareet/naction_224_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_224_01.html)

و نشر اليوم بالمجلة قصة كوميكس للدكتور احمد ها هي وصلتها
http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_224_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_224_01.html)

((إضراب))

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_01.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_02.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_03.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_04.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_05.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_06.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_07.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_08.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comics_09.jpg
عذرًا إيهاب قمت بتعديل ردك لإضافة الكوميكس هنا ، شكرًا لتفهمك، مارس :)

سـوار الياسـمين
30-11-2008, 12:14 AM
أديب الغرف المغلقة والخطر الخفي يفوز بنوبل

لا يبدو أن اللجنة التي تختار الأدباء لجائزة نوبل تنوي أن تستقر على سياسة محددة تسهل لنا التنبؤ بنتائج العام القادم؛ فتارة تبدو لنا اللجنة يمينية جدًا كارهة للشيوعية والمعسكر الشرقي برمته، وتارة يبدو لنا أنها ذات ميول يهودية واضحة، وتارة نتصور أنها تعادي كل ما هو عربي أو إسلامي. هذا العام كان اختيار اللجنة مفاجأة للجميع ولصاحب الجائزة نفسه.. إن الكاتب المسرحي البريطاني (هارولد بنتر) شخصية مثيرة للجدل بالمعنى الحرفي للكلمة. " في مسرحياته يفضح الكارثة المتوارية خلف الهزل اليومي ويرغمنا على اقتحام غرف الكبت الموصدة" بهذه الكلمات المعقدة الغامضة بررت اللجنة اختيارها الذي رأى المهتمون بالأدب انه موفق هذه المرة على الأقل. يحكي لنا محمود قاسم في كتابه المهم عن جائزة نوبل أن الجائزة الأدبية تمنح لكاتب له تاريخه الأدبي العريق مع التركيز على كتاب معين من إبداعاته .. مثلاً (مائة عام من العزلة) في حالة ماركيز و(أولاد حارتنا) في حالة نجيب محفوظ .. أحيانًا ما تصرفت الجائزة بقسوة ولا مبالاة مثلما حدث عندما تجاهلت تولستوي وأبسن وجيمس جويس ومارسيل بروست ود. هـ. لورانس .. ورأيي الخاص أنها تجاهلت توفيق الحكيم ويوسف إدريس من عندنا. أغلب من فازوا بالجائزة بلغوا سنًا تجعلهم يتوقفون عن الإبداع .. لهذا فإن أصغر من نالها ماركيز (53 سنة) وسونيكا (52 سنة) ويوسف برودسكي (47 سنة).. وغالبًا ما يكون الفائز بها كاتبًا مجهولاً عالميًا باعتبار الجائزة تعويضًا للمغمورين عن الشهرة التي لم ينالوها. إن نيل الجائزة يعني أن يفتش العالم عن كتاباتك ليعرف ما تقول، وهو ما حدث بشكل واضح مع أديبنا نجيب محفوظ. إن الجائزة تقف مع الإبداع الغربي ومن يساندونه أو يفضحون الشيوعية مثل باسترناك في روايته (د. زيفاجو)، الذي اضطر آسفًا للتنازل عن الجائزة حتى لا تحدث له مشكلة في وطنه . عامة بدا كأن جائزة نوبل اعتبرت نفسها عدوًا لدودًا للشيوعية حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي .. وقيل إن الانشقاق عن الكتلة الشرقية شرط أساسي للفوز بها. نصيب الأسد كان لفرنسا ثم الولايات المتحدة وبريطانيا.. وقد غادرت الجائزة العالم الغربي مرات محدودة مثلاً لتذهب لطاغور في الهند عام 1913 وكاوباتا في اليابان عام 1968 .. بدءًا من عام 1986 تذكر مانحو الجائزة ان هناك قارة أسمها افريقيا تجاهلوها 80 مرة، فوزعوا الجوائز جغرافيًا خلال ست سنوات.. غربًا لسونيكا وشمالاً لنجيب محفوظ وجنوبًا لنادين جورديمر ما هي الاعتبارات الغامضة التي تحكم هذه الاختيارات ؟.. لا أحد يعرف .. هناك نظام سري شبه بابوي يتكون من لجنة من خمسة أعضاء يعينون من البرلمان السويدي، ويبدأ عملهم في فبراير من كل عام وينتهي في أكتوبر بتقارير بالغة السرية. وقد سخر الأمريكي ارفنج والاس من هذه اللجنة في روايته (الجائزة) عام 1963. عادة ما تمنح الجائزة للشعر والرواية ولا تمنح للقصة القصيرة، ولعل هذا يبرر عدم فوز يوسف إدريس الذي أدرج في قوائم الترشيح عامين كاملين . كما تمنح الجائزة للمسرح في حدود ضيقة جدًا فإذا منحت لمسرحي كان هذا عن عمل آخر .. هكذا فاز بها مسرحيون مثل بيكيت وسونيكا ووالكوت عن روايات أو دواوين شعر. وبالطبع لم يفز بالجائزة أي فلاسفة إلا راسل وبرجسون.
نعود لكاتبنا هارولد بنتر الذي اشتهر كواحد من أهم كتاب المسرح لما بعد الحرب العالمية الثانية، وأطلق عليه (سيد كوميديا الخطر الخفي) . اشتهرت مسرحياته بتيمات معينة أطلقوا عليها اسم (التيمات البنترية) منها استعمال الصمت كموتيفة مهمة، والحوار المقتضب الغامض، مع التهديد الدائم بخطر خفي، والفانتازيا الجنسية والوسواس والغيرة وكراهية الأسرة والمرض العقلي.
ولد في هاكني في حي وست إند بلندن لأب ترزي يهودي. كان من الأطفال الذين تم ترحيلهم من لندن أثناء الحرب العالمية الثانية والذين اشتركوا في خبرة إنسانية مخيفة مهمة. اكتشف في قراءاته أديبين أثرا في حياته تأثيرًا بالغًا هما كافكا وهيمنجواي، ثم تلقى منحة للدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية. رفض أداء الخدمة العسكرية واستعد للسجن إلى درجة أنه كان يذهب للمحكمة ومعه فرشاة أسنانه، لكن المحكمة اكتفت بتغريمه.
عام 1950 بدأ نشر قصائده باسم مستعار هو (هارولد بنتا) وعمل ممثلاً في إذاعة بي بي سي، كما مثل على المسرح. عام 1957 قدم مسرحية (الغرفة) التي كتبها خلال أربعة أيام. ثم قدم أول مسرحية طويلة له هي (حفل عيد الميلاد) عام 1957، والتي تظهر رجلاً يرتجف خوفًا من غرباء لسبب لا نعرفه. يحاول الهرب لكنهم يظفرون به. جو كافكاوي واضح جعل النقاد يهاجمونه بعنف، وماتت المسرحية بعد أسبوعين من العرض، وقد قال عنهم بعد أعوام: "النقاد مجموعة من الناس لا لزوم لهم، وأنا لا احتاج لنقاد كي أخبر المشاهد بما عليه أن يعتقده" ..
قدم مسرحيات (الراعي ) عام 1960 و(ألم خفيف) عام 1961 و(الأقزام) عام 1963 و(المونولوج) عام 1973 و(أرض قفر) عام 1975. ظهرت زوجته فيفيان مرشانت في اكثر من مسرحية له، وقد اخرج عدة مسرحيات خاصة به في الستينات. بعد مسرحية (الخيانة) عام 1978 توقف لفترة حتى قدم مسرحية (ضوء القمر) عام 1994.
أكثر مسرحياته تدور في غرفة واحدة فيها أناس خائفون من خطر لا نستطيع تمييزه أو معرفة دوافعه. والحوار مقتصد ودقيق كأنه الشعر .. كتب عدة سيناريوهات سينمائية منها (الخادم) و(الحادث) و( آخر الأساطين) و(زوجة الملازم الفرنسي).. على مدى حياته كتب 29 مسرحية و21 سيناريو سينما وأخرج 27 عرضًا مسرحيًا. نال بنتر الكثير من الجوائز ومنها دب برلين الفضي عام 1963 وجائزة بافتا عام 1965 والسعفة الذهبية في كان عام 1971.
منذ الإطاحة باللندي في شيلي عام 1973 اهتم بنتر بحقوق الإنسان لكن آراءه كانت متناقضة ومثيرة للجدل .. مثلاً كان من المدافعين عن سلوبودان ميلوسفيتش سفاح الصرب بعد القبض عليه كمجرم حرب، واعتبر هجوم الناتو على الصرب خطأ فادحًا.
في مجلس العموم 2002 أدان الحرب الاستباقية على العراق وقال: "بوش قال إنني لن أترك أخطر أسلحة العالم في يد أسوأ قادته .. حسن .. أنظر في المرآة يا صاحبي .. هذا أنت .."
عام 2002 شخص أنه مصاب بسرطان المريء، ويبدو أنه شفي منه. وفي العام 2005 أعلن انه سيترك الكتابة للمسرح ويتفرغ للسياسة تمامًا: "كتبت 29 مسرحية . أليس هذا كافيًا ؟"

يذكر له الغربيون قصيدته عن غزو العراق التي يقول فيها: "هاهم أولاء يمضون ثانية / اليانكي في مواكبهم العسكرية يغنون أغاني الفرح/ بينما هم يهرعون عبر العالم مسبحين بحمد إله أمريكا/ الخنادق مليئة بالقتلى/ أولئك الذين لم ينضموا لهم أو رفضوا أن يغنوا معهم/ أولئك الذين فقدوا صوتهم أو نسوا اللحن/ الفرسان معهم سياط تقطع فيسقط رأسك في الرمل .. رأسك في الطين .. رأسك بقعة على التراب .. عيناك خرجتا من المحجرين/ وهواء الموت تنبعث منه رائحة إله أمريكا .."

د. أحمد خالد توفيق
28/6/2007
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب

سـوار الياسـمين
30-11-2008, 12:19 AM
عن بهجة المقابر

ما أن اقتربت من المسجد لصلاة الجمعة حتى أصابني الذعر .. وجوه الجالسين متجهمة ساهمة مربدة والخطيب يبكي بتلك الطريقة (الخليجية) المنتحبة المولولة، وهو ينشد لمدة ربع ساعة شعرًا رديئًا جدًا من تأليفه غالبًا .. ينشده كأنه يغني، وكلام عن الموت، وكيف سيغمضون – إن شاء الله البعيد – عينيك بعد الوفاة، ثم يخيطون عليك الكفن، ثم يحملونك ليلقوا بك في حفرة عميقة مظلمة تجد فيها نفسك وحدك مذعورًا بردان مصدومًا، ثم كيف سيعبث الدود بك وكيف سيلهو في محجريك ويخرج من أنفك، وكيف تصير ترابًا متحللاً.. يقول كل هذا بصوت متحشرج مخنوق، ثم يتوقف دقيقة للبكاء بعدها يعاود الكلام وقد بدا أنه لن يصمت أبدًا ..
كل هذا الكلام جميل ومهم جدًا . فقط هناك مشكلة واحدة هي أننا كنا في ثاني أيام عيد الفطر !!
بحثت بعيني عن النعش الموضوع بانتظار الصلاة عليه فلم أر .. سألت عما إذا كان أحدهم قد مات فلم أجد .. !. المجنون يخطب هذه الخطبة الملتهبة الباكية عن الموت في ثاني يوم من أعياد الفطر لمجرد أن هذا موضوع مبهج راق له !

ونظرت للجالسين حولي فرأيتهم في حالة لا توصف من الكآبة والغم، وبعض المراهقين راحوا يتبادلون الضحكات المكتومة .. لكن سلطة الميكروفون وهيبته لا يمكن خرقهما .. اللعنة على من يصرخ أولاً توقف .. هذا هو شعار اللحظة .. أول من يفتح فمه معترضًا هو منافق غالبًا وربما زنديق كذلك ..

ثم لاحظت ذلك الأداء الهستيري .. منذ أعوام ساد مفهوم أن كثرة بكاء الإمام دليل على شدة التقوى، وصار الخطباء يفتشون عن البكاء واختناق الصوت بحثًا .. أما من لا يبكي فهو على الأرجح خطيب غير جيد لم يعرف الإيمان طريق قلبه..

ثم نغمة التعالي هذه .. كأنه يقول لنا: أنا ضمنت مكاني في الجنة وخلاص .. فقط أنا قلق عليكم أيها التعساء ..

كل هذا الاستمتاع بوصف الدود الخارج من الأنف والكفن والقبر في يوم العيد وبلا أية مناسبة .. هل هو أقرب للتقوى أم أقرب إلى الاكتئاب والخلل العقلي ؟.. إنها (الملانخوليا) ذاتها .. إنها الماسوشية التي تعشق تعذيب النفس، وهي السادية التي تعشق تعذيب الآخرين .. ربما يجد علماء النفس مثل د. (الرخاوي) مصطلحات أدق تصف هذه الظاهرة مثل (التافيفيليا) التي هي التلذذ بفكرة الدفن .. كلها أفكار يعرفونها ويصفونها في الخارج لكنهم لم يربطوها بفكرة التدين العميق .. فقط ربطوها بالخلل النفسي ..

أنت لست تقيًا يا صاحبي كما تعتقد .. أنت مجرد مريض نفسي سلموه الميكروفون ..
لديك ألف موضوع تفتحه في العيد .. بشروا ولا تنفروا .. لو أردت أن تلقن هؤلاء كم أنت تقي وكم أنهم أوغاد، فلديك الكثير من السلوكيات التي يمكن أن تتكلم عنها .. الشباب يترنحون في الشوارع ليلة العيد ممسكين زجاجات التوسيفان . فلماذا لا تعلق ؟.. لا أطالبك بأن تكون سيد قطب وتنتقد الأوضاع التي أدت بهم لهذا الوضع فلا أعتقد أن لديك هذه الشجاعة .. لكن هناك بالتأكيد ألف موضوع يصلح ليوم العيد غير الدود والكفن ..
كنت استمع للخطبة وأنا أتذكر كتب عذاب القبر التي صنعت مليونيرات من ناشريها .. فجأة صارت هذه هي ثقافة الشباب المصري، ولم يعد له حديث إلا عن الثعبان الأقرع وعدد ضمات القبر لدى نزول الجسد فيه .. عرفت مهندسة في الثلاثين – ذروة العطاء – أدمنت هذه الكتب وصارت خبيرة في كل الأهوال التي ستلاقيها في القبر .. ثم رأيتها قد اشترت لنفسها الكفن واحتفظت به في فخر واعتزاز .. طيب ليه يا ستي ؟.. لما تموتي بإذن الله سيشتري لك أهلك الكفن .. لكنها مصرة على أن هذه من علامات التقوى ..

وترى أغلفة هذه الكتب فترى الاستمتاع السادي الذي رسم به الرسام تلك المقابر في الصحراء، حيث ساعة الغروب تضفي جهامة على كل شيء .. طبعًا كان يتمنى أن يرسم ذئبًا أو ذئبين لكن هذا سيجعل الكتاب لا يباع في السعودية لأن الذئب كائن حي..

تذكرت كذلك كلمات الصحفي الأمريكي سليط اللسان (توماس فريدمان) عن العرب والمسلمين .. هؤلاء فشلوا في الحياة وفي مجاراة العصر فجلسوا جوار جدار يحقدون .. هل كلامه خطأ على طول الخط ؟... هذا الخطيب يمثل عينة من الذين فشلوا في كل شيء .. لم يبق أمامهم إلا التلذذ بفكرة الموت .. فشلوا في الدنيا فجلسوا ينتظرون الآخرة، وهم لا يعرفون أن من أضاع دنياه أضاع آخرته ..

قل أي شيء .. قل أي تفسير لكن لا تقل لي من فضلك إن هذا العواء والبكاء ولطم الخدود في يوم العيد بلا أية مناسبة أمر طبيعي .. هذه طبيعة مريضة مكانها المصحة وليس المسجد..

والخطبة تدنو من نهايتها فيعتذر الرجل عن التطويل .. ثم يعتذر عن النكد الذي سببه لنا بالكلام عن الموت في العيد .. "أردت أن نتذكر نهايتنا في هذا اليوم بالذات"
هكذا سيعود لداره مسرورًا راضيًا مما يعتقد أنها ضربة لازب أو (ضربة محسوسة جدًا) على رأي شكسبير .. سوف يؤرخ لهذا اليوم باعتباره اليوم الذي حقق فيه فتحًا ومنع هذه الخراف الضالة من اللهو والفرح والتفاؤل يوم العيد .. ولو لم يلق خطبته هذه لغادرنا المسجد لنغتصب كل امرأة نراها ونفرغ براميل الخمر ونبقر بطون الحوامل ونأخذ بلحي الشيوخ الأجلاء ..

أحد المصلين همس في أذني وهو يغادر المسجد : ما هذه الخطبة المجنونة ؟ .. نظرت له واتسعت عيناي مهددًا.. وقلت ضاغطًا على كلماتي: ما دمت متضايقًا فأنت تخشى الموت .. لماذا تخشى الموت ؟.. لابد أن ذنوبك كثيرة كرمال الصحراء ولست نقيًا مثلي .. تذكر يا أخي أنك قد تبيت الليلة تحت الأرض يعتصرك الثعبان الأقرع .. عندها لا تقل إن الخطيب لم يحذرك.

د. أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب

سـوار الياسـمين
30-11-2008, 12:20 AM
عبقرية الغباء


ترجمت هذا المقال الذي وصلني عبر الإنترنت لأنه يحوي ردودًا غبية لدرجة أنها عبقرية. أعتقد أنه يمكننا جمع نماذج لا حصر لها من العبقرية المماثلة في مصر:

مس ألاباما التي صارت ملكة جمال أمريكا عام 1995. يسألونها: إذا ما استطاعت أن تعيش للأبد فهل تقبل ؟.. ولماذا ؟
الإجابة: لن أعيش للأبد لأنه لا يجدر بنا أن نعيش للأبد .. لأنه لو عشنا للأبد فلسوف نعيش للأبد.. لكن ليس بوسعنا أن نعيش للأبد لهذا لن نعيش للأبد ..
* * * * *

"التدخين يقتل .. وإذا أنت قتلت فقد فقدت جزءًا مهمًا فعلاً من حياتك"

النجمة بروك شيلدز في حملة فيدرالية لمنع التدخين

* * * * *

"لم يسبق لي أن أجريت جراحة ركبة في أي جزء آخر من جسدي"

ونستون بنيت – لاعب كرة سلة

* * * * *
"فيما عدا جرائم القتل، تظل واشنطن تتمتع بأقل معدل جريمة في البلاد"

عمدة واشنطن ماريون باري

* * * * *
"لن أترك مجموعة صحفيين ينبشون في أوراقنا .. فنحن رئيس الجمهورية"

هيلاري كلنتون

* * * * *
"هذا الوغد المنحط يستحق أن يركله جحش حتى الموت، وأنا الرجل القادر على القيام بهذا العمل"

مرشح انتخابات في تكساس

* * * * *

"ليس التلوث هو ما يؤذي البيئة، بل ما يفعل ذلك هو الشوائب في الهواء والماء"


آل جور – نائب الرئيس كلنتون


* * * * *

"نحن نتأهب لحادث غير متوقع، قد يحدث أو لا يحدث"

آل جور – نائب الرئيس كلنتون


* * * * *

"أنا أحب كاليفورنيا .. فقد تربيت بالفعل في تكساس !"

دان كوايل


* * * * *

"علينا أن نتوقف ونسأل أنفسنا .. ما كمية الهواء النقي التي نحتاج لها ؟"

لي أيواكوكا

* * * * *

"كلمة (عبقري) لا تنطبق على كرة القدم .. العبقري هو شخص مثل نورمان أينشتاين"


جو ثيسمان – محلل رياضي

* * * * *

"نحن لا نفرق بين الناس .. فقط نحن نستبعد نوعًا بذاته من البشر"

كولونيل جيرالد ولمان - مدرب في الجيش

* * * * *

"لو لم ننجح فنحن نجازف بالفشل"

بيل كلنتون

* * * * *

"عادة تأتي أغلب واردات أستراليا مما وراء البحار"

كيبل اندبيري

* * * * *
"سوف تتوقف كوبونات الطعام الخاصة بك بدءًا من مارس 1992 لأننا تلقينا مذكرة تقول إنك توفيت. ليرحمك الله. يمكنك تقديم طلب ثان في حالة تغير ظروفك"

إدارة التموين – جرينفيل – ساوث كارولينا


د. أحمد خالد توفيق
الموقع الرسمي لروايات مصرية للجيب

محمد جمال
01-12-2008, 08:42 PM
بعد الثانية صباحاً
بقلم : د. أحمد خالد توفيق
رسوم : فواز
الحلقة الثانية

http://www.boswtol.com/affareet/naction_224_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_224_01.html)

http://img216.imageshack.us/img216/8657/action01xu8.jpg

اقترب يا أستاذ مراد
التوقيت على الشاشة يدل على الثانية والنصف وخمس دقائق صباحًا.. ماذا نراه هنا؟..

هناك فتاة.. فتاة لا أرى وجهها ولا ملامحها، لكنها تتقدم بحركات متصلبة بطيئة لتعبر الكادر.. انتظر.. سوف أثبت الكادر وأكبر ملامحها.. هل ترى؟.. سأزيل الضوضاء البصرية قليلاً.. هل تعرف هذا الوجه؟.. لا.... بيني وبينك أعتقد أن هذا ليس وجهًا بشريًا على الإطلاق.. أقرب لوجه دمية من الدمى التي تضعون عليها الثياب في المحلات..

إنها تدور.. تواجهنا.. لحظة.. أرى شخصًا آخر يتحرك.. إنه ذلك الموديل الذي كان في ركن المكان.. يتحرك بنفس الحركة المتخشبة..

هذه المانيكانات حية إذن.. بصراحة لا أعتقد أن هذه خدعة جرافيكية ما.. أليس هذا ما تريد معرفته؟.. أمن أجل هذا جئت تطلب رأيي؟

لا توجد حيلة.. ليس هذا تحريكًا بإيقاف الكادر Stop motion.. في بدايات السينما العالمية عرض الفرنسيون على العالم فيلمًا اسمه (بيت الأشباح) يظهر أكوابًا وأطباقا تتحرك تلقائيًا، وقد حير هذا الأمر الأمريكيين الذين راحوا يبحثون عن خيوط خفية.. في النهاية عرفوا مبدأ التحريك بإيقاف الكادر.. حرك الكوب ملليمترًا ثم التقط صورة.. حركه ملليمترًا آخر والتقط صورة.. عند عرض الفيلم يبدو الكوب حيًا.. لكن هذا ليس الحال هنا..

تفسيري؟.. تفسيري الوحيد هو أن هؤلاء أناسٌ متنكرون كالدمى.. هناك قصة قرأتها قديمًا عن لصوص تنكروا كدمى وظلوا ثابتين حتى أغلق المتجر أبوابه. أرى أنه لا بد من أن تفحص هذه التماثيل في الصباح. تقول إن شيئًا لم يسرق من المول ليبرر هذه الخدعة؟

لا أعرف.. كل ما أستطيع قوله هو أن هذه الصور أصلية تمامًا.. هل هذا كل شيء؟..

لا؟.. تقول أن أنتظر حتى الدقيقة 2:46؟.. ماذا فيها؟

إن عددهم يتزايد وهم يتحركون في كل اتجاه.. في الواقع يبدو أن المول واقع تحت غزو هذه الدمى. مشهد كابوسي مريع.. لا أحب أبدًا أن أجد نفسي بينهم..

ولكن.. هناك جوار قاعدة الدرج أرى هذه البقعة الضوئية.. ماذا يحدث؟.. إنها تزداد وضوحًا.. أرى الشكل الخارجي يظهر.. إنها فتاة.. سلويت فتاة رقراق شفاف.. برغم كل شيء يمكن أن أرى موضع العينين والفم.. إنها تستطيل وتفرد ذراعيها.. هذا تجسد..

لا.. لا أعتقد أن هناك أي عبث بهذه الصورة. لا تعتقد أنك ضحية خدعة ما. ما تراه هو الصورة ذاتها.


ما هذا؟.. لا أعرف.. يذكرني بتجسد الإكتوبلازم في تجارب تحضير الأرواح. إن شبكة الإنترنت تعج بصور كهذه لكنها جميعًا زائفة، أما هنا فأنا فعلاً لا أعرف ما أعتقده.. لو سمحت لنفسي بالتعبير فأنا أعتقد أن هذا شبح.. لا أجد تفسيرًا آخر..

http://img352.imageshack.us/img352/1756/action02lo8.jpg

هذه ظاهرة غريبة.. لكن دعني أقل شيئًا: أنا لست طفلاً يا أستاذ (مراد) وإنني لأرى في نظرات عينيك أنك تعرف أكثر بكثير مما تقول.. لنقل إنك لست مذعورًا بما يكفي.. لست مصدوًما بما يكفي.. أن للمشهد خلفية عندك..

أراك تريد الكلام.. هلم.. تعالي يا (شاهنده) وقدمي لضيفنا بعض المياه الغازية الباردة.. هيا.. حاول أن تكون صريحًا معي كما يجب على كل إنسان أن يكون صريحًا مع مصمم الجرافيك الخاص به.. ماذا تقول؟

أقول إنني أعرف مصدر هذا كله.. هناك من مات في هذا المول.. لم نجد الجثة قط، لكن الكل يجمع على أن حالة وفاة مرعبة حدثت هنا.. نحن لا نحكي هذه القصة علنًا، فهي مضرة بسمعة المول، لكن ما يحدث ليس له تفسير آخر.. أنا طلبت رأي من يفهم هذه الأشياء وقال لي إن حالات الوفاة التي يصحبها عنف تترك الكثير من الطاقة النفسية في مكان الوفاة.. هذه الطاقة تتردد كما الصدى بلا توقف.. طاقة تحرّك وتُحدِث جلبة وتتجسد أحيانًا.. فقط كنت آمل أن تؤكد لي أن الشريط ملفق وأن هناك من يريد العبث بي

اطمئن من هذه الناحية!.. لا أحد يعبث بك على الإطلاق.. سوف تحكي لي هذه القصة بالتفصيل، وفي الوقت ذاته أريد أن ترتب لي السهر ليلة في هذا المول.. وحدي!.. نعم.. أنت لم تخطئ سماع ما أريد!

يتبع

* * *

high hopes
03-12-2008, 03:49 PM
جونسون أم دنانة؟



يحكون هذه القصة عن (جونسون) الرئيس الأمريكي عندما كان يخوض الانتخابات ليصير حاكم تكساس ضد منافسه حسن السمعة (لي أو دانييل) . بما أن جونسون كان شخصية لا تتورع عن شيء فإنه استعمل أسلوب الحرب القذرة ضد منافسه .. طلب من سكرتيره أن ينشر في الصحف خبرًا ينفي فيه عن منافسه أنه يضاجع الأبقار، وأنه ضُبط وهو يمارس هذا العمل المشين !. قال السكرتير في ذهول:
ـ"لكن أحدًا لم يتهمه بشيء كهذا من قبل !"
قال جونسون في بساطة : "وهذا ما نفعله نحن !.. نحن لا نتهمه بل ننفي عنه التهمة !.. فقط أنشر التكذيب ودع الناس يتساءلون .. ودعه هو يؤكد النفي !"
هذا ذكاء شرير لا شك فيه .. جونسون يعرف أن نفي التهمة لا يدحضها فعلاً، وإنما سوف يتساءل الناس عن سبب ظهور هذه الإشاعة .. هل هناك ظل من الحقيقة فيها ؟.. لا دخان من دون نار.. هل يعرفون شيئًا لا نعرفه نحن ؟
هذه الطريقة يتبعها الكثيرون بالفطرة.. وهي تتم عبر مراحل ثابتة: عباس لم يختلس العهدة .. وهل هناك من اتهم (عباس) باختلاس العهدة ؟.. لم يقل أحد هذا لذا ننفيه !.. بعدها يثور الكثير من الغبار ويتساءل الناس: يبدو والله أعلم أنهم يعرفون شيئًا عن كون (عباس) سرق العهدة .. بعد عام أو عامين تبقى ذكرى غامضة حول (عباس) الذي سرق العهدة لكنهم ينكرون ..
لهذا سررت كثيرًا لأن د. محمود جامع نفى صحة ما نشرته صحيفة شهيرة منسوبًا له من إساءات للرئيس الراحل أنور السادات وحرمه. قال في صحيفة المصري اليوم إن ما نشر كان دردشة عامة قبل الحوار الصحفي أساء ناشر الحوار استخدامها، ومن بين ما كذبه ما قيل على لسانه عن استيلاء السيدة جيهان السادات على عقد ماسي قيمته ثلاثة ملايين جنيه .. وقال: «ما نشر يمثل إساءة إلىّ شخصياً وإلى أسرة الرئيس الراحل أنور السادات».
أنا لست مولعًا بعصر السادات على الإطلاق، وأرى أن السادات بدأ كل شيء ما زلنا نعاني منه اليوم على نطاق أكبر، حتى لأعتقد أن السادات ما زال يحكمنا فعلاً، لكن هذا شيء والاتهام بالسرقة والكلام عن الأعراض وإدمان المخدرات والخمور والإقامة في بيتين منفصلين شيء آخر .. بالفعل تمنيت أن ينكر د. جامع هذا الكلام وقد فعل لحسن الحظ مما أثلج صدري.
دعك من أننا اعتدنا أن نعتبر الدكتور جامع أصدق أصدقاء السادات، لذا لا نتحمل أن يصدر هذا الكلام عنه هو بالذات .. إن هذا يشرخ شيئًا عزيزًا في نفوسنا. كلنا نختلف مع موسى صبري لكن لا ننكر أن الرجل ظل مخلصًا للسادات حتى آخر لحظة من حياته.. حياة موسى صبري. قد تختلف مع هيكل لكن تذكر أن الرجل ظل متوافقًا مع ماضيه ولم يتهم عبد الناصر بالدكتاتورية أو التهور أو .. أو .. وبالطبع لم يتهمه في ذمته المالية، وأنت تعرف أن هيكل قادر على صياغة عباراته بذكاء واقتدار بحيث يخرج نفسه من أية مسئولية، لكنه لم يفعل ..
كما تدين تُدان على كل حال، فقد كنت طالبًا في المدرسة الثانوية وبرغم هذا كانت أذناي تحمران خجلاً وغيظًا عندما أقرأ بريد القراء في (أخبار اليوم)، حيث يتبارى القراء في اتهام (خالد محيي الدين) والمناضل (إبراهيم شكري) بكل موبقة في حياتهما الخاصة، وكانت أسماء القراء على غرار (محمد أمين – بنها) (سيد أحمد – الجيزة).. الخ .. مما يستحيل التأكد منه. فإما أن القراء لم يعد لهم هدف في الحياة إلا شتيمة هذين العظيمين العاجزين عن نشر الرد، وإما أن هذه خطابات لفقها سكرتير التحرير. ثم ظهر النبوي إسماعيل أمام مجلس الشعب ليؤكد أنهم قبضوا على كتاب المعارضة وهم يتناولون البلابيع ويمارسون الشذوذ وأنزلوهم في الشارع (بلابيص)!.. صفق المجلس كله، وتساءلت أنا عن سبب تجمع كل هؤلاء المعارضين في مكان واحد لممارسة الرذيلة .. هل هو عيد جنسي شبيه بـ (ماردي جرا) في الولايات المتحدة ؟.. عيد جنسي خاص بكتاب المعارضة فقط ؟.. هذا كان يُقال ويُسمح به أيام السادات، بل كان من وسائل التقرب من الرجل العظيم .. عندما تسمح بأن يُقال هذا عن أعدائك، فعليك أن تتذكر أن مثل هذا سيقال عنك يومًا ..
أذكر أن رسائل بريدية إلكترونية وصلتني منذ عامين، تسخر سخرية بذيئة من مسئول كبير وأسرته .. تضايقت جدًا ورددت الخطاب لصاحبه مصحوبًا بقدر لا بأس به من السباب .. قلت له: أنت بهذا تضعني في موقف عدائي لك على الفور، وتقوي قضية الطرف الآخر .. اختلف كما تشاء مع سياساته وقراراته وفكره لكن لا تقترب شعرة من بيته وأسرته من فضلك ..
في نفس الفترة القصيرة سمعنا كلامًا لا يختلف كثيرًا عن إشاعة جونسون إياها، ومصدرها كاتب صحفي كبير شديد الذكاء ورئيس تحرير مؤسسة صحفية كبرى.. هذا الرجل كما قلت شديد الذكاء وأنا أعتبره ألمع واجهة للنظام حاليًا، فهو يعرف ما يقول ويعرف كيف يبدل الحقائق ببراعة، وعندما تراه في الفضائيات يبدو واثقًا هادئًا يختلف كثيرًا عن أسماء نعرفها جيدًا تزيد الطين بلة. ها هو ذا الرجل يطلق كلمات غامضة مريبة عن (جميلة اسماعيل) الإعلامية الشجاعة الباسلة، التي أوشكت أن تتحول في أذهان المصريين إلى (إيزيس) .. حتى لو لم تكن (إيزيس) فأنت يا سيدي الفاضل جعلتها كذلك، وكل من قرأ كلماتك تعاطف معها بشدة وكسبتْه إلى صفها. تصدى له بشجاعة الأستاذ (حمدي رزق) في مقال ملتهب وأعتقد أن حربًا كلامية مروعة ستنشب في الفترة القادمة.
طريقة التلميح البذيء ضد الإعلامية الشجاعة ذكرني بالوصف العبقري لشخصية (دنانة) في رواية د. علاء الأسواني (شيكاغو). (دنانة) من الشخصيات الساحرة فعلاً في الأدب العربي الحديث، وهو في القصة رئيس المبعوثين المصريين بالخارج ومخبر هاو وباحث نصاب ووغد. يصف الأسواني دنانة بأنه ذو طابع أنثوي لا تخطئه العين من حيث زم شفتيه، ووضع يده في وسطه، وولعه بالثرثرة والنميمة وإلقاء عبارات تحمل أكثر من معنى. كل هذا جعله اقرب لامرأة متنمرة منه لرجل صارم. هكذا يتشاجر مع زوجته مثلاً فيقلب شفتيه كلما رآها، أو يمر جوارها فيخبط كفا بكف، أو يترحم على أمه التي كانت زوجة صالحة. مثلاً يصف حادثًا وقع لإحدى الخريجات فيقول: "الأخت شيماء تعرضت لحادث وأخونا طارق - جزاه الله خيرًا - يقف الآن خلفها ليواسيها !". فهو يجيد هذه العبارات ذات الطابع الكيدي الانثوي والتعبيرات الماكرة التي تقبل أكثر من تفسير.
بصراحة يا سيدي رئيس التحرير الكبير، أعتقد أن ذكاءك تخلى عنك هذه المرة .. ولئن كنت أنت تتبع طريقة جونسون في نفي إشاعات لم توجد أصلاً، أو طريقة دنانة في الكلام ذي المعنيين، فإن القارئ ذكي جدًا ويفهم الطريقتين. أما أنا فأكتفي بأن أؤكد أن مقالك هذا لم يُكتب محاباة لأعداء أيمن نور ولا تقربًا للسلطة .. من قال هذا الكلام الفارغ ؟


الدستور
2/12/2008

ايهاب احمد عمر
04-12-2008, 06:41 PM
بعد الثانية صباحا ً .. الحلقة الثالثة





http://www.boswtol.com/affareet/images/225/afareet_03.jpg


نعم يا أستاذ "مراد"..
أنا أتصل بك من المول..
الساعة الآن الثانية والنصف وأنا متوارٍ هنا في غرفة المراقبة. واضح أن هذه الظاهرة خجول ولا تتم أبدا أمام عيون المشاهدين.. آمل أن أرى شيئًا يؤكّد ما رأيناه أمس.. لهذا السبب طلبت منك أن تصرف رجل الأمن الليلة..


أنا متحمس فعلاً.. هذا ليس عملي ولا مجال اهتمامي، لكنني أكره أن أرى ظاهرة بلا تفسير.. دعك من أنني أريد التأكد من عدم وجود ألاعيب لا أعرفها. الشريط سليم ولم يمسّ لكن هذا لا يستبعد قيام شخص ما بألعاب ضوئية أمام العدسة.. لا أعرف كنهها لكن لو كانت موجودة فمن الضروري أن أرى وأن أفهم..

الفتاة اسمها (عزة) إذن؟... فتاة فقيرة حاصلة على شهادة متوسطة، وكانت تعمل بائعة في المول وقت افتتاحه.. لقد اختفت ولم يستطع رجال الشرطة العثور عليها، لكن زميلاتها يقلن همسًا إنها ماتت هنا..


أنت تعتقد أن شبحها يحوم في المول ليلاً.. لكن ما الذي تجنيه من تحريك المانيكانات؟.. الأشباح تظهر لتخيف لكنها لا تتسلى، دعك من أنها لا تخفي آثار عبثها.. ما قيمة التخويف الذي لا يراه إلا أقوياء الملاحظة؟
ما هذا؟.. هناك من يفتح الباب!.. النجدة!
صبرا.. إن......
لا عليك.. هف ف!... الحمد لله.. إن هناك قطا حبيسا هنا والباب كان مواربًا.. لقد نظر لي للحظة ثم توارى.. مخيفة هذه القطط فعلاً.. عيونها تنطق بالكثير...


أنت تعرف أنني أمقت جلستي هذه، وبالتأكيد أفضّل أن أذهب لأمضي الليلة في داري. لكن ما قيمة هذه السهرة إذن إن لم أر ما يحدث؟
أنا أراقب الشاشات.. لو رأيت شيئًا غريبًا سأتصل بك.. سأسجّل ما يحدث طبعًا.. في هذا الضوء الخافت الواهن أرى قاعات العرض وأرى المانيكانات.. مفزعة حقًا ولو أطلت النظر لشعرت بأنها تتحرك لكن هذا وهم طبعًا..

ما هذا؟.. فعلاً هذا المانيكان يتحرك.. الضوء خافت واهن، والصورة تهتز قليلاً، لكنه يتحرك.. الآن أرى هذا الضوء يتجسد... بقعة تتجسد ببطء على شكل فتاة ترفع يديها صارخة..

أنا لا أهذي صدقني.. كل شيء على الشاشات أمامي..

http://www.boswtol.com/affareet/images/225/afareet_04.jpg

سوف أتركك الآن.. يجب أن أرى بنفسي.. لم أعد أريد أن أصدق.. سوف أجد الوقت الكافي لأرى كل شيء رأي العين قبل أن تكف الأجسام عن الحركة..

رحمتك يا رب!... لقد دبت الحياة في كل شيء.. ما أراه هو رقصة بطيئة بلا هدف محدد تدور في الضوء الخافت حول مركز تتجسد فيه بقعة الضوء هذه.. إن التماثيل تتراجع ثم تتقدم.. وداعًا.. سوف أخرج لألقي نظرة وأعود إليك...
.........................................
.........................................
.......................................

نعم يا أستاذ "مراد"..
لقد عدت.. هذا أنا..

لقد فهمت كل شيء الآن وعرفت سبب هذه الظاهرة.. اسمع.. هل يمكنك أن تلحق بي هنا؟.. نصف ساعة من الآن؟.. سوف أشرح لك كل شيء.. فقط أحضِر معك "رفشا" واستعد للمفاجأة.. لا تضيع الوقت فلا يمكن الشرح على الهاتف.. تعالَ حالاً..




يتبع




http://www.boswtol.com/affareet/naction_225_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_225_01.html)






تم تعديل الرد بواسطتي لإضافة النص :).

ZAGALO

ريم البرارى المستحيلة
04-12-2008, 07:58 PM
بين الصحافة والسياسة.. الدعاية والحقيقة (1)

http://www.boswtol.com/5gadd/images/225/sahsah_29.jpg
كل من قابل الكاتب الكبير "مصطفى أمين" وقع في حبائل شخصيته المغناطيسية بلا فكاك.. العام 1983.. مجلة طلابية بدائية مطبوعة بالرنيو يرسلها له صديقي "محمد الغنام"، ومقال كامل عنها بقلم "مصطفى أمين" في عموده اليومي (فكرة)، ثم موعد للقاء عملاق الصحافة في مكتبه بأخبار اليوم. المحراب يُفتح.. مكتبته الجدارية الشهيرة.. نصف ساعة كامل يخصصه لطالبَيْ طب في العشرين من العمر، لكنه ينهض لمصافحتهما بيده القوية الثابتة.. عندها تدرك أنه ليس عملاقًا فقط بالمعنى المجازي للكلمة، بل بالمعنى الحرفي كذلك. صلعته الشهيرة وسالفاه الأشيبان الأنيقان على جانبي رأسه يجعلانك لا تصدق أنه حقيقي، وضحكته الرنانة الشهيرة وصوته (الستريو) العميق الذي يجعل مسند المقعد يتذبذب من تحت ساعديك.. تخرج من عنده كالمنوَّم مغناطيسيًا لا تصدق أن هذا كله حدث فعلاً.
في هذا الوقت كانت سلسلة كتبه (سنة كذا سجن) أشهر من نار على علم، وأعتقد أن هذه الكتب لعبت دورًا مهمًا في خلق فكرة (الكرنكة) والغول المدعو "صلاح نصر" و"جمال عبد الناصر" الطاغية أو الغافل عن طغاته.. لم نكن في حالة تسمح لنا إلا بالتصديق.. والتصديق فقط..
هذا هو الجانب الذي عرفناه من القصة، وهو الجانب الذي يعرفه معظم الشباب كما رأينا مع مقال سابق في (بص وطل) يستعرض كتاب (سنة أولى سجن) والأهوال التي واجهها الكاتب البريء. لكن هناك جانبًا آخر للقصة لا يعرفه الكثيرون.. عرفه من عاشوا في الستينيات ثم شكّوا فيما عرفوه، وها هو ذا "محمد حسنين هيكل" يعيد حكاية القصة في كتاب (بين الصحافة والسياسة) الذي نُشر في بيروت أولاً ثم نشرته دار الشروق.. عرف "هيكل" أنه سيُتَّهم بالكذب وبأنه يصفي خلافات مع خصمه القديم، وأنه يزين العصر الناصري كعادته. لهذا نشر هذا الكتاب في وقت مبكر جدًا بينما كل أطراف القضية -ما عدا "عبد الناصر"- أحياء قادرون على الرد عليه ومقاضاته إذا أرادوا.. بالإضافة لهذا قام بتوضيح مكان كل وثيقة وكل شريط تسجيل جاء ذكره في الكتاب؛ لأنه -كما يقول في المقدمة: "ظهر أن الكبار يكذبون، ثم أن الكذب أصبح الصناعة الثقيلة الوحيدة في عصر الانفتاح الاستهلاكي". لم يتلقَّ أي رد وتجاهل خصومه الكتاب بالكامل، وهي طريقة ما زالت تثبت فعاليتها؛ لأن الكتاب نُسي فعلاً فلا يذكره إلا قليلون.
http://www.boswtol.com/5gadd/images/225/sahsah_30.jpg
الكتاب في صورته الأخيرة ليس مجرد سرد لقضية "مصطفى أمين"، بل له فعلاً حظ من عنوانه؛ لأن خلفية الأحداث بانوراما شاملة لقصة الصحافة في مصر قبل وبعد الثورة، وعلاقة الحاكم بالصحفي.
يبدأ "هيكل" منذ العام 1942 وهو صحفي شاب متحمس تدرب في (إيجبشيان جازيت) وعمل في فترة نادرة من تاريخ مصر، حيث القاهرة في هذا الوقت من الحرب العالمية الثانية ملتقى كل التيارات السياسية والساسة الغربيين والقادة والثوار والجواسيس، وكما يقول: "كان النوم عزيزًا في تلك الأيام". ثم أدخله "محمد التابعي" -أستاذه العظيم- عالم السياسة المصرية وكواليسها عن طريق مجلة (آخر ساعة). في هذا الوقت كانت جريدة أخبار اليوم التي أصدرها التوأمان "علي" و"مصطفى أمين" تدك حصون الوفد دكًّا بمقالاتها النارية. ثم قرر "محمد التابعي" أن يبيع (آخر ساعة) إلى أخبار اليوم.
شعر "هيكل" بأنه بيع للأخوين ضمن ما بيع كأنه من عبيد الأرض الروس، ولم يكن على استعداد لهذا. لكن "التابعي" أقنعه بالعكس، وانتهى المشهد الدرامي الذي دام أيامًا بـ"علي أمين" يدخل ليحتضن "هيكل" ويهنئه على انضمامه لكتيبة أخبار اليوم. هكذا وجد نفسه وقد صار يعمل مع التوأمين قبل أن يبدي موافقة علنية. لاحظ منذ البداية أن "مصطفى أمين" يلعب دور سائق السيارة، بينما "علي أمين" هو المُوتُور الذي يحترق داخليًا ليولد الطاقة والحركة. ونَمَت بينه وبين أسرة أخبار اليوم علاقة حميمة شبه أسرية، لدرجة أنهما أدخلاه في وصيتهما عندما سافرا للولايات المتحدة في طائرة واحدة.
تقع ثورة يوليو، وتنشأ تلك الصداقة الفريدة بين "عبد الناصر" و"هيكل". مع ذلك التساؤل الذي يسأله الجميع: هل كان "هيكل" ناصريًّا أم كان "عبد الناصر" هيكليًّا؟.. في هذه الفترة قرر "مصطفى أمين" أن يكتب سلسلة مقالاته الشهيرة (قصة فاروق كاملة) وهي مقالات مثيرة مفعمة بأسرار الفساد والغواني ووصيفات القصر وما إلى ذلك. وبدأ يقدم تقارير دورية تطوعية لـ"عبد الناصر" عن لقاءاته..
قال "عبد الناصر" كلمة ظلت في ذهن "هيكل" طويلاً هي: "مصطفى ينقل معلومات من هنا لهناك والعكس.. لكن القضية المهمة هي: لمن ولاؤه أصلاً؟.. لهنا أم لهناك؟".
في العام 1957 يقرر "هيكل" أن يرحل إلى الأهرام، المؤسسة العريقة التي كانت تواجه خسائر مادية فادحة في ذلك الوقت. هذه مشكلة بالنسبة لارتباطاته العاطفية مع صاحبي أخبار اليوم وكتيبتها. السبب هو أن طموحه بلغ مداه مع أخبار اليوم ولم يعد هناك ما يمكن أن يحققه أكثر، بينما الأهرام تجربة مغرية فعلاً. هكذا فارق أخبار اليوم بعد وداع مؤثر، وإن ظلت علاقاته قوية بالتوأمين مع الحفاظ على غداء مشترك كل ثلاثاء. لكنه أدرك أن "عبد الناصر" يعاني نوعًا من انعدام الثقة بالأخوين، وبالذات "مصطفى أمين"، وهو ما لم يكن "هيكل" قادرًا على تفسيره في ذلك الوقت.
في العام 1965 يطلب "علي أمين" أن ينتقل للأهرام ليعمل مع "هيكل".. لم يعد يتحمل المشاكل الكثيرة داخل أخبار اليوم، لذا هو يطلب أن يعيَّن مراسلاً للأهرام في لندن. وهو ما تم فعلاً. يطلب "علي" مقابلة "عبد الناصر"؛ ليودعه قبل السفر فيوافق "عبد الناصر" لكن بشرط واحد: سيقابله هو لكنه لن يقابل "مصطفى"!
بعد فترة يقول "عبد الناصر" لـ"هيكل" بشيء من الحدة:
- "أنت تقابل "مصطفى أمين" بانتظام.. ليس من شأني أن تقابله أو لا، لكن أرجو أن تتحفظ معه!"
هنا يتذكر "هيكل" لقاءاته مع "مصطفى"، وكيف كان يشعر طيلة الوقت بأنه يخضع لنوع من اعتصار المعلومات أو ضخها.. لكنه لم يولِ أهمية للأمر واعتبره مجرد فضول صحفي ابتعد عن مصادر الخبر..
لكن القصة كانت في بدايتها.. وهذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله.

http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_225_016.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_225_016.html)

(javascript:popUpWindow2('../modules/send-to-friend.asp?url='+get_url(),'125','200','200','200' );)

ايهاب احمد عمر
12-12-2008, 04:20 PM
بعد الثانية صباحا ً .. الحلقة الرابعة :




http://www.boswtol.com/affareet/images/226/afareet_03.jpg



مرحبًا يا أستاذ مراد..
جئت سريعًا كما أرى.. إنها الثالثة والنصف صباحًا.. جميل أنك أحضرت معك الرفش..

لا يوجد شيء يتحرك الآن لكنك تلاحظ أن كل التماثيل غيّرت مكانها. بالطبع لا تعتقد أنني نقلت كل تمثال من مكانه، دعك من أن الشريط موجود.. لقد سجلت المشهد كاملاً..

أنت محق بصدد الطاقة النفسية ومحق بصدد التماثيل.. هذه الطاقة النفسية الكاسحة حركت كل شيء هنا، وكان مصدرها تلك البقعة الضوئية أسفل الدرج..
هل تعرف ما يوجد هناك؟..


هات الرفش.. سوف أحفر هنا.. عملية شاقة طبعًا لكني سأفعلها بسرعة.. سوف أبدأ بتحطيم طبقة السيراميك هذه ثم أنتزع الملاط من تحتها.. أرجوك أن تتركني أفعل هذا.. لو اتضح أنني مخطئ فلسوف أصلح كل شيء على نفقتي الخاصة..


تلك الفتاة البائسة لقيت حتفها بطريقة شنيعة.. لقد هوى قاتلها على رأسها بجسم ثقيل عدة مرات، فلما سقطت أرضًا وجد نفسه في مأزق.. كانت عملية استكمال الدرج جارية، وكانت هناك حفرة مليئة بالرمال لذا ألقى بجثتها هناك وواراها بالرمال.. كانت هناك أجولة بها أسمنت.. هكذا قرر أن ينتهز الفرصة ولعله استعان بمعونة واحد آخر، وهكذا دفن الجثة وفوقها طبقة من الرمال ثم صب فوقها طبقة من الأسمنت فالمزيد من الرمال.. وفي الصباح أشرف بنفسه على تركيب السيراميك في الموضع ذاته لتدفن الجثة إلى الأبد..


لهذا يبدأ ذلك الضوء الغامض عند أسفل الدرج.. هذا هو المكان.. الفتاة تعلن عن موضع قبرها..
كيف حدث هذا؟.. من الفاعل؟... القصة هي البساطة ذاتها.. صاحب العمل الذي يفترض أن أية فتاة تعمل عنده هي جارية ملك يمينه، خاصة إذا ما كان مثلك لا يترك امرأة في حالها. الفتاة كانت جميلة فقيرة شريفة، وفي ذلك اليوم طلبتَ منها أن تبقى بعد انصراف الجميع لتساعدك.. إن الافتتاح قريب ولا بد من العمل الشاق..

هنا كشفْتَ عن وجهك القبيح.. لكن الفتاة كانت باسلة وقاومتك بعنف وأطلقت صرخات كفيلة بإيقاظ الموتى.. هكذا بحثت حولك عن شيء يخرسها.. وجدت ذلك الفأس الذي تركه العمال قبل انصرافهم فهويت به على رأسها.. مرة.. ومرة.. ومرة..

نعم يا سيدي.. أنتَ القاتل.. وهذه هي الجثة.. إنني أزيل الملاط فأرى معالم جسد متحلل اختلط بالرمال والأسمنت لكنه لم يصر هيكلاً عظميًا بعد..
لا بد أنك أبديت دهشة صادقة أمام رجال الشرطة وتساءلت عن سبب اختفائها.. حسبت أنك نجوت بفعلتك لولا أن العمال لفتوا نظرك إلى هذه الظاهرة..
ها هي ذي الجمجمة.. ما زالت بعض معالم الوجه البشري موجودة.. تلك حقيبتها ولا شك.. كان عليك أن تدفنها معها طبعًا.

أنت تنكر يا أستاذ مراد.. هذا حق.. ليس هناك ما يثبت أنك أنت القاتل سوى كلامي.. يمكنك أن تنجو بفعلتك..


http://www.boswtol.com/affareet/images/226/afareet_04.jpg




لكنك تنسى أشياء مهمة.. عندما جئت أنا لهذه الغرفة كنت "كمال جودة" مصمم الجرافيكس.. لكني خرجت لأرى ما يحدث بالخارج وتركتك على سماعة الهاتف.. الآن صرت أعرف كل شيء وأذكر تفاصيل المشهد.. والسبب؟

إن الطاقة الروحية تفعل أشياء كثيرة، لكنها تحتاج أحيانًا إلى جسد ينفِّذ لها ما تريد... الإضاءة ضعيفة وأنت مرتبك تركز عينيك على هذا القبر الذي يتسع، فلا تلاحظ هذا الجرح البليغ الذي ظهر فجأة في رأسي.. لا تلاحظ عظام جمجمتي المهشمة.. لا تلاحظ التغير الذي طرأ على ملامح وجهي حتى لم تعد تمتّ للبشر بصلة.. لو أردت الدقة لقلت إنني أبدو كفتاة متحللة تحطمت جمجمتها..

نعم.. الآن ترى كل شيء في الضوء الخافت.. لا تنس أننا وحيدان فلا جدوى من صراخك يا أستاذ "مراد".. لا جدوى من صراخك أبدًا..




تمت







http://www.boswtol.com/affareet/naction_226_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_226_01.html)





تم تعديل الرد لإضافة النص بواسطتي، يرجى مستقبلا وضع النصوص بدلا من الروابط فقط :)

ZAGALO

ريم البرارى المستحيلة
12-12-2008, 11:43 PM
بين الصحافة والسياسة.. الدعاية والحقيقة (2)



http://www.boswtol.com/5gadd/images/226/sahsah_23.jpg


بدأت مقالات "علي أمين" تصل من لندن تباعًا. وكان لهيكل موعد مهم معه في لندن بصدد جراحة يجريها لعيني ابنه – ابن هيكل - لكن جاءه استدعاء من مصر للحضور فورًا لكتابة خطاب الرئيس الذي سيلقيه في عيد الثورة. عاد "هيكل" لمصر وترك ابنه في عهدة "علي أمين"، والتقى بعبد الناصر حيث جلسا يعدان خطة الخطاب القادم.. هنا قال "عبد الناصر" فجأة:
ـ"لقد قبضوا على "مصطفى أمين" بتهمة التجسس للأمريكان!"
يقول "هيكل" إنه أصيب بذهول تام، فطلب منه "عبد الناصر" ألا يقول شيئًا، وأن يتجه لمكتب (سامي شرف) سكرتيره ليطلع على الملفات ويصغي للتسجيلات ثم ليتكلما فيما بعد. هكذا وجد "هيكل" نفسه جالسًا في غرفة اجتماعات مغلقة وحده مع جهاز تسجيل ومجموعة شرائط وملفات. الملفات سرية للغاية تبدأ عام 1964 بالحديث عن عميل مخابرات أمريكية سيأتي لمصر بصفته دبلوماسيا واسمه (بروس أوديل). يظهر الرجل في مصر فعلاً ويحضر العديد من حفلات السفارة.... ثم تبدأ علاقته بمصطفى أمين عام 1965. لقاءات دورية في بيت الأخير بالزمالك يوم الأربعاء من كل أسبوع. يقوم "أوديل" بإجراءات مخابراتية معينة بغرض التضليل قبل التوجه إلى عنوان "مصطفى". ثم وجد "هيكل" مذكرة من رئيس هيئة الأمن القومي يقول إنهم راقبوا وسجلوا المحادثات، ويطلب ضبط الرجلين لخطورة المعلومات التي يقدمها الطرف المصري.
هكذا تم الضبط يوم 21 يوليو عام 1965. اتضح كذلك أن "مصطفى" لا يقبض من الرجل لكنه يدفع له مالاً بغرض تهريبه خارج مصر لحسابه.


http://www.boswtol.com/5gadd/images/226/sahsah_24.jpg
مصطفى أمين

بدأ "هيكل" يسمع التسجيلات.. وهي عبارة عن أسئلة يوجهها الأمريكي و"مصطفى أمين" يرد.. أسئلة عن اليمن.. عن قائد الطيران المصري.. عن سيارة عسكرية ضبطت مليئة بالحشيش.. عن تخصيص 15 مليون جنيه للجيش.. عن محاولة "عبد الناصر" تسريع بناء السد العالي.. عامر لم يذهب لليمن والرئيس العراقي (عارف) مريض بالسرطان.. القوات المصرية في اليمن مائة ألف جندي.. وهكذا (سبع صفحات كاملة).. كل هذه الشرائط محفوظة في هيئة الأمن القومي، وكانت معروضة في متحف الهيئة، وراجعها "كمال حسن علي" الذي كان رئيس هيئة المخابرات العامة.
بالطبع أطلق سراح "أوديل" على الفور بسبب جواز سفره الدبلوماسي بينما ظل "مصطفى أمين" في قبضة الأمن. تم استدعاء عدد من كبار الصحفيين منهم "أحمد بهاء الدين" و"فتحي غانم" و"حسن فؤاد" للاطلاع على التسجيلات والملفات.
المفاجأة الثانية كانت خطابًا من ستين صفحة أرسله "مصطفى أمين" من محبسه لعبد الناصر يوم 8 أغسطس. كما قال "عبد الناصر": هذا اعتراف كامل.. لو ضغطنا عليه فلن يكتب سوى صفحة أو اثنتين، لكن ستين صفحة كتبت على مدى خمسة أيام.. هذا كتب بإرادته الكاملة..
الخطاب منشور بالكامل كصورة في ملحقات الكتاب، وفيه يعتذر "مصطفى أمين" عمّا سببه من ضرر، لكنه يقول إنه تصرف على مسئوليته الخاصة ودون علم الرئيس محاولاً انتزاع معلومات مهمة من الأمريكان. ثم يحاول تبرير كل معلومة قالها للأمريكي بأنه كان وراءها هدف آخر.
يقرأ "هيكل" الخطاب الطويل جدًا ثم يتأمل معنى هذا كله.. بعد الحرب العالمية فطنت الولايات المتحدة إلى أن نفوذها يحتاج إلى دور نشر خاصة في عدد من البلدان تروج للسياسة الأمريكية صراحة.. لماذا ظهرت دار كيهان في إيران عام 1945 وكان هدفها التبشير بنمط الحياة الأمريكي؟.. ماذا عن ظهور أخبار اليوم عام 1944 في مصر؟.. ولماذا تم ذلك بعد لقاء "مصطفى أمين" بكيرميت روزفلت في الولايات المتحدة؟


http://www.boswtol.com/5gadd/images/226/sahsah_25.jpg
جمال عبد الناصر

يقول "هيكل" عبارة ذكية مأثورة عن الصحفي الأمريكي "جيمس رستون": لو طبقت على الصحفيين معايير بوليسية صارمة، لأمكن اعتقال كل صحفي بلا استثناء على أنه عميل دولة أجنبية!.. السبب أن الصحفي يتصل ويقابل ويأخذ معلومات ويعطي.. هذا صحيح. ولربما ينطبق على قصة "مصطفى أمين"، لكن المشكلة أن "مصطفى أمين" في التسجيلات يعطي فقط.. ثم هو قد قدم لأوديل على طبق من فضة معلومات تقول:
هناك انفجار وقع على مدمرة مصرية في الإسكندرية.
"عبد الناصر" مريض بالسكر.
هناك صفقة أسلحة جديدة مع الاتحاد السوفيتي.
مصر اتفقت مع الصين على صنع قنبلة ذرية.
"عبد السلام عارف" مريض بالسرطان.
مصر تبيع احتياطها من الذهب.
وغير هذا كثير..
العلاقة بين الصحفي والسلطة معقدة فعلاً، تتكون من طرفين يحتاج كل منهما للآخر ولا يثق به البتة!. ولكن "مصطفى أمين" يزعم في كل التسجيلات أنه عرف هذا من الرئيس شخصيًا برغم أن العلاقة بينهما كانت منتهية تمامًا. دعك من قصص عجيبة، مثل أنه ذهب للسفير الأمريكي في مكتبه مع "هيكل"، وقام "هيكل" بإلهاء السفير على حين قام "مصطفى أمين" بقراءة برقية سرية مهمة جدًا من واشنطن. ينكر "هيكل" القصة طبعًا لأنها تصلح لفيلم مثير من أفلام "جيمس بوند" لكن لا علاقة لها بالواقع، وبالتأكيد لم يكن السفير الأمريكي بهذه البلاهة. يرى "هيكل" أن ذاكرة "مصطفى أمين" تخونه كثيرًا فينقل كلامًا على أنه قاله بينما قاله سواه والعكس، وفي مقال له عام 1983 ينتقد المنافقين الذين يتكلمون عن (أدب السلوك في حضرة الملوك). بينما كان "مصطفى أمين" نفسه هو مبتكر هذا التعبير في مقال يهاجم فيه "النحاس" قبل الثورة!

http://www.boswtol.com/5gadd/images/226/sahsah_26.jpg
محمد حسنين هيكل

يواصل "هيكل" رحلته فيحكي أن علاقته ظلت طيبة مع "علي أمين"، وإن لم يستطع زيارة "مصطفى" في محبسه لأن "جمال عبد الناصر" منعه من ذلك. اضطر بسبب ضغوط إنسانية إلى أن يدفع أتعاب المحاماة عن "مصطفى أمين" من خزانة أخبار اليوم التي عهد له بإدارتها. لدرجة أن "السادات" اتصل بهيكل مندهشًا يتأكد من الخبر, فلما أكد له "هيكل" ذلك، قال "السادات": لا بد أن مصطفى أمين يمسك لك ذلة يهددك بها حتى تفعل ما تفعله!
قابل "هيكل" ابنة مصطفى (رتيبة) المراهقة، وقال لها إن أباها لم يرتكب أي خطأ سوى محاولة إخراج ماله من مصر، وهذا خطأ ناجم عن حسن النية، لكنه لا يعتقد أن أباها جاسوس. قال "هيكل" إن كثيرين كتبوا في عهد "السادات" زاعمين أنه قابل الفتاة وقال لها بسادية إن أباها جاسوس، لهذا اضطر إلى سرد هذه القصة..



لكن القصة لم تنته بعد.. فإلى الحلقة القادمة والأخيرة..

http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_226_013.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_226_013.html)

high hopes
14-12-2008, 12:29 AM
مائة عام فقط



كل عام وأنت بخير .. لو سار كل شيء على ما يرام، فلسوف تقرأ هذه السطور في اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك. منذ عامين كان خروف العيد مربوطًا لبوابة الدار الحديدية من الداخل، عندما جاءت قرب الفجر عصابة من عشرة بلطجية مسلحين بالمدي والسنج وحاولوا اقتحام البوابة أو تحطيمها لسرقة الخروف بزعم أنه يخصهم، وأحدثوا صخبًا أيقظ الشارع كله. فلما لم يستطيعوا اقتحام البيت انطلقوا يسرقون أي خروف يجدونه، وقاموا بسرقة أكثر من جزار سهران جوار خرافه في ليلة العيد، فلم يتوقفوا حتى دوى صوت سرينة الدورية الراكبة. تذكرت هذه العصابة اليوم، كما تذكرت عصابات مماثلة جابت شوارع نيويورك في ظروف مماثلة منذ مائة عام ونيف ..
في تلك الليلة من عام 2002 لم يفز مارتن سكوسيس المخرج الأمريكي الكبير بالأوسكار الذي انتظره طويلاً، عن فيلمه الضخم (عصابات نيويورك). الحقيقة أنه كان يجب أن يتوقع هذا؛ لأنه في مناخ التعصب القومي الأمريكي الذي تلا أحداث سبتمبر لم يكن أحد مستعدًا لمنح جوائز لفيلم يقول إن نيويورك قامت على أكتاف البلطجية.
أنت رأيت الفيلم حتمًا وتعرف أنه ممتع بلا شك، لكنك تشاهده وأنت تعاني شعورًا ممضًا بأنك تعرف هذا كله.
(رأيت هذا من قبل) تعصف بك طيلة الوقت Déjà vu ظاهرة
اعتمد الفيلم على كتاب (عصابات نيويورك - 1928) للكاتب (هربرت أزبيري)، ويدور حول حرب الشوارع في نيويورك بين الأيرلنديين والأنجلوساكسونيين الذين يسمون أنفسهم (السكان الأصليين) للفوز بالسيطرة على منطقة عشوائية اسمها (فايف بوينتس) .. مع خلفية من الحرب الأهلية وثورة الفقراء وما سمي بمظاهرات التجنيد الإلزامي Draft riots. إن الأيرلنديين يمثلون جالية كبرى في نيويورك منذ بدء الهجرة عام 1800، وسبب الهجرة هو مجاعة البطاطس في أيرلندا التي أدت لنزوح أسر كثيرة إلى الولايات المتحدة. وكانوا مفلسين فاستقروا في المدن التي أنزلتهم السفن فيها. بالطبع كانوا من الكاثوليك بينما السكان الأصليون من البروتستانت مما زاد الخلافات تعقيدًا., منذ لحظة وصولهم كانوا يقابلون بعنصرية وكراهية شديدين.

أما (السكان الأصليون) أو حزب (لا أعرف شيئًا) فيتكون من المولودين في الولايات المتحدة أو القادمين من إنجلترا، وهم يعتبرون أنفسهم أحق بالبلاد من سواهم. طبعًا المصطلح يثير السخرية لأن السكان الأصليين فعلاً هم الهنود الحمر. كان هذا الحزب ضد المهاجرين وضد الكاثوليك معًا.

تدور أحداث الفيلم عام 1846 في منطقة (فايف بوينتس) في مانهاتن. سوف نكتشف أن الشوارع وقتها كانت تختلف جدًا عن نيويورك التي نعرفها .. إنها أقذر وأخطر من أي حي عشوائي نعرفه اليوم.

منطقة (فايف بوينتس) كانت أقذر مناطق نيويورك طرًا. معنى الاسم هو (النقاط الخمس) لأن خمسة شوارع تتقاطع فيها. واليوم لا وجود لها لكن مكانها توجد المحكمة الفيدرالية والحي الصيني. في البداية كانت بركة تجمعت حولها المصانع ومتاجر القصابين الذين راحوا يلقون فضلاتهم في مائها، وهكذا ارتأى الحاكم ردم البركة التي صارت كريهة الرائحة. وسرعان ما صارت هي (فايف بوينتس). اكتظت المنطقة بالمهاجرين الفقراء حتى صارت من أقذر أوكار المدينة. وقام أصحاب البنايات بتقسيمها بالخشب إلى شقق أصغر فأصغر لتتسع لهذه الأعداد. أسفل كل بناية كان هناك groggery وهي كلمة مهجنة من لفظتي (بقالة) و( خمارة) وكان هناك بيت دعارة في كل بناية. بالطبع فاق عدد الناس قدرات الصرف الصحي وهكذا كانت المنطقة تسبح فوق بركة من المجاري وانعدمت أية خدمات صحية، دعك من الحرائق التي لا تنقطع في هذه المدينة الخشبية. هكذا كان 70% من الأطفال أقل من عامين يموتون كل عام. يقولون إن الأطفال كانوا يشربون لبنًا فاسدًا من أبقار مريضة تم حلبها بأقذر الأيادي، وكانت الأبقار تموت فيباع لحمها على الفور. باختصار كان على المهاجرين أن يجدوا طريقة للحياة لهذا كانت الطريقة الوحيدة للبقاء هي السرقة أو الدعارة. وكانت سمعة (فايف بوينتس) قد طبقت الآفاق لدرجة أن الكاتب العظيم (تشارلز ديكنز) زارها خصيصًا – ومعه رجلا شرطة يحميانه - ليرى إلى أي مدى يبلغ البؤس البشري. كذلك زارها البطل الأمريكي (ديفي كروكيت) والأديب العظيم (هرمان ملفيل) صاحب (موبي ديك).

كان على المهاجرين أن ينضموا لعصابة ما لأن هذا يضمن لهم الحماية نوعًا ، وبعض تلك العصابات كان تعداده يبلغ 15 ألفًا !. كانت العصابات الشهيرة هنا هي (الأربعون لصًا) و(ذيول القمصان) و(القبعات القبيحة) و(حرس الصراصير) و(الأرانب الميتة)، وكانت هناك أزياء موحدة لكل مجموعة، فمثلاً (حرس الصراصير) كانوا يلبسون سراويل مقلمة بالأزرق، بينما القبعات القبيحة كانوا يلبسون قبعات عريضة مضحكة. الأرانب الميتة كانوا يلبسون قمصانًا حمراء. على أن أخطر عصابة كانت الـ (وايو) وهي صيحة كانوا ينادون بها بعضهم، وهي العصابة التي علقت إعلانات لخدماتها لو أردت أن تضرب شخصًا (دولاران) أو تقتله (مائة دولار).

تلعب مظاهرات الجياع دورًا مهمًا في ذروة الفيلم. هذه المظاهرات قامت في 11 يوليو عام 1863 . بدأت الشعلة مع قرارات الكونجرس لفرض التجنيد الإلزامي بسبب الحرب الأهلية المستعرة وقتها، وهو ما رفضه الفقراء الذين شعروا بأنهم يجندون إجباريًا للدفاع عن الأغنياء والسود. اضطر الرئيس الأمريكي لنكولن لإرسال قوات ضخمة من الجيش لقمع الهياج في الشوارع، وكان المتظاهرون يعلقون الزنوج على أعمدة النور وأحرقوا ميتمًا للأطفال السود. لكن طلقات مدفعية الأسطول أبادت الجميع في النهاية، ومن فوق القبور بنيت نيويورك الحديثة وناطحات السحاب.

الحقيقة أن تشابه هذا العالم مع واقعنا الحالي مدهش .. الأحياء العشوائية التي تذكرك بأماكن بعينها.. التعصب العرقي والديني ضد كل من هو مختلف .. الفقر الشديد الذي يتجاور مع الثراء الفاحش .. في مشهد مثير نكتشف أن الأحزاب المتنافسة على الانتخابات تستعين بالبلطجية والعصابات لقهر الخصوم وهزيمتهم !

ثم تأتي ثورة الجياع ككابوس مخيف .. هنا يتم تمزيق الجميع وحرق كل شيء .. يكفي أن يروا أنك نظيف أو أنيق نوعًا كي يمزقوك في الشارع، ثم يقتحمون بيوت الأثرياء .. يطلق رب الأسرة طلقة أو طلقتين من مسدسه ويأمر نساء الدار بالاختباء، وفي اللحظة التالية ينقض عليه مائة فقير جائع ظمآن للدم .. والشرطة عاجزة عن عمل أي شيء وحالة ارتباك عامة في كل مكان. فلا يأتي الغوث إلا من الجيش .. عندنا في مصر مررنا بتجربة مماثلة لم تبلغ هذه الدرجة من البشاعة، لكن حسمها الجيش في النهاية ..

ينتهي الفيلم وأنت تتساءل: هذه المشاهد حدثت في نيويورك عام 1846 .. هل كانت مخاضًا ضروريا لنصل إلى نيويورك الحديثة التي نعرفها ؟..كيف استطاعت أمريكا تحويل هذه الحياة المزرية إلى مجتمع حديث متحضر ؟.. وهل يمكن لنا أن نحلم بعد مائة عام أن تتحول أحياؤنا العشوائية إلى نيويورك ؟

الفيلم يلقي أسئلة كثيرة جدًا ولا يمنحك أية راحة، لكنني أعرف يقينًا أن الأمريكيين ما كانوا ليمنحوا جائزة الأوسكار لفيلم يخبرهم أنهم أحفاد عصابات الأرانب الميتة وحرس الصراصير والأربعين لصًا ..!



د. أحمد خالد توفيق
الدستور 9/12/2008

Lord
16-12-2008, 05:42 PM
المتحرشون

بقلم د. أحمد خالد توفيق

aktowfik@hotmail.com (aktowfik@hotmail.com)

من الأشياء التي تضايقني فعلاً أنني لم أدرس الإعلام، وبالتالي لا أجد الإجابة عن أسئلة أطرحها علي نفسي كثيرًا. ثمة أشياء قد يعرفها المرء بالفطرة أو الخبرة، لكنها لا تكفي لإعطاء إجابات، إلا إذا كانت الفطرة والخبرة تسمحان لرجل الشارع بإبداء رأيه في التصميم الهندسي لكوبري «أبو العلا»، أو الطريقة المثلي لعلاج سرطان الكبد، أو قواعد تقسيم الميراث..

ظاهرة التحرش.. هذا هو العنوان الذي تصادفه تقريبًا في كل جريدة يومية أو أسبوعية، وفي كل موقع إنترنت. كلما همد الموضوع نوعًا امتدت يد تحرك الصابون من جديد ليمتلئ السطح بالفقاقيع.. تحرش جماعي في العيد.. الخ. الأفلام التسجيلية الباسلة «نهي رشيد» التي صممت علي ألا تترك المتحرش بها يفر.. الخ .. من ثم تبدأ هوجة مقالات وبرامج التحرش من جديد. مقال طويل يبدأ بقصص تحكيها عدة فتيات عما تعرضن له من تحرش لفظي أو فعلي، مع تأكيد بعضهن علي أنهن محجبات لكن الحجاب لم يمنع فعل التحرش. المركز المصري لحقوق المرأة ينشر تقريرًا يؤكد أن 83% من المصريات و98% من الأجنبيات يتعرضن للتحرش الجنسي. ثم ينتقل المقال إلي رأي علماء النفس والاجتماع.. الردود محفوظة وهي أن البطالة والضغوط الاقتصادية تدفع الشباب لهذا.. ربما يأخذ الرد شكلاً سياسيا أكثر فيتهم الشرطة بالتقاعس بسبب انشغالها بالأمن السياسي بدلاً من الأمن الجنائي. ثم ينتهي المقال - لو كان في موقع إنترنت - بردود قراء متناقضة متصارعة، منها من يؤكد أن الفتيات اللاتي نزلت سراويلهن وارتفعت بلوزاتهن هن السبب، ومن يؤكد أن العودة للدين هي الحل، ثم تتدخل فتاة لتؤكد أنها محجبة وقورة، لكن الأوغاد لم يتركوها وشأنها ..الخ...

قل لي بصراحة: كم مرة قرأت هذا المقال بهذه التفاصيل ؟القضية معقدة ومتداخلة، ويمكن بسهولة اتهام كل الأطراف.. لو اتهمت الفتيات فقط فأنت ترضي نفسك وتشعر شعورًا زائفًا بالعدالة الشعرية، فقد نلن ما يستحققن.. في معظم حوادث التحرش والاغتصاب وحتي القتل التي تسمع عنها اليوم، تتلقي الضحية قدرًا لا بأس به من اللوم. هذا يشعرنا بالأمن وبأن هذا لن يحدث لنسائنا.. ذات مرة حكي لي أحدهم قصة عن فتاة اغتصبت، فطلب القاضي منها أن تريه كيف كانت تجلس قبل الجريمة، وماذا كانت ترتدي.. فلما رأي المشهد وجده مثيرًا جدًا لدرجة أنه برأ المتهم فورًا!... هذه القصة تخريف كما هو واضح لكنها تعكس نظرة المجتمع الانتقامية للفتاة المغتصبة أو المتحرش بها. وكعادة العبقري يوسف إدريس قال هذا كله منذ أربعين عامًا في قصة قصيرة عن الفتاة التي تعرضت لتحرش ثقيل العيار في الحافلة، فلما صرخت انهال الناس عليها سبًا ولومًا وضربًا ثم ألقوا بها كالعاهرة من الحافلة. عالم الأنثروبولوجي المهذب الذي راقب هذا المشهد حاول ببراءة أن يسأل الناس عن سبب هذا السلوك الجماعي المحير، فضربوه بدوره وكسروا له نظارته..

لو اتهمت الفتية فقط فأنت تتناسي كل هذا العبء الهرموني والنفسي والاقتصادي علي عاتق شاب لا يجد أملاً في أي شيء، وتتجاهل منظر الفتيات في الشوارع.. لسان حال الواحدة منهن يقول: «عجبًا لهؤلاء الشباب.. كشفت عن صدري وضيقت الفستان علي ردفي، وبرغم هذا يصرون علي عدم التعامل معي كإنسانة بل يريدون الظفر بهذه الأشياء.. يا لهم من حيوانات !!». الفتيات يعتقدن فعلاً أنهن يعرفن السلعة الوحيدة التي تضمن لهن المستقبل، ويتصرفن علي هذا الأساس لكنهن يتضايقن عندما يحاول الجمهور غير المستهدف الحصول عليها !.. تبني هذا الرأي لا يخلو من منطق لكنه لن يروق كثيرًا لجمعيات حقوق المرأة..

لو اتهمت الحكومة فقط فأنت تنسي أن عقوبة الإعدام لم تمنع الاغتصاب.. بالعكس هذه الجريمة تتزايد.. فما السبب ؟أنا لا أتهم هذا أو ذاك أو أعلق علي أي شيء، لكني فقط ألقي أسئلة عن تأثير الكلام عن ظاهرة ما بهذا الإلحاح.. هل يكرسها ويثبتها ؟.. الغربيون يعرفون ما يسمي بـ «تأثير فرتر) عندما انتحر بطل قصة «آلام فرتر» لـ «جوته» بإطلاق الرصاص علي رأسه .. بعدها صارت موضة أن ينتحر العاشق الفاشل بإطلاق النار علي رأسه. يقول أوسكار وايلد: «الطبيعة تقلد الفنان»، فهل المجتمع يقلد الإعلام؟.

منذ أعوام دأبت جريدة الأهرام علي نشر قصص حقيقية تتعلق بزنا المحارم.. تنشرها بانتظام أسبوعي غريب، وقد اكتشفت أن هناك كثيرين ينتظرون هذه المقالات في شوق لا يمت للتقزز بصلة.. باختصار وبلا تزويق كانوا يتحمسون جنسيا لقراءة هذا، وبالتأكيد طرحت أمام كثيرين أساليب جنسية لم يتخيلوها من قبل.. نفس الشيء ينطبق علي أخبار حفلات الجنس الجماعي أو جمعيات تبادل الزوجات.. الرد الجاهز دومًا هو: "نحن نفتح الجرح لنخرج ما فيه من صديد"... وهو رد منطقي، لكن النتيجة هي أن الصدمة تتحول إلي اشمئزاز والاشمئزاز يتحول إلي دهشة.. والدهشة تتحول مع التكرار إلي لا مبالاة.. وفي النهاية لم يعد خبر «زنا المحارم» أو «تبادل الزوجات» يثير أي انفعال.. مجرد خبر كحوادث الطريق..

الأمر مع الوقت تحول إلي عشق الصديد نفسه..

هل كل المقالات التي تتحدث عن التحرش تبغي فعلاً فتح الجرح بمبضع الجراح ؟.. لا أعتقد.. معظمها «أكل عيش» واستغلال لمادة مثيرة بطبعها.. مادة تبيع وتحدث جدلاً، أما ما بعد هذا فإن للمجتمع ربًَا يحميه..

هل يمكن أن يكون كل هذا الكلام عن ظاهرة التحرش منبعًا متجددًا لظاهرة التحرش؟.. هل ظاهرة التحرش وجه آخر للتطرف الذي يحمل سادية ومقتًا للمرأة باعتبارها مصدر الخطايا ؟.. أم أن هذا الاهتمام بالتحرش ناجم عن العولمة ومعايير تمكين المرأة التي وجدنا أنفسنا نتكلم بلغتها من دون أن ندري؟ ..كم من الكلام عن المرض يعتبر صحيا وكم يعتبر جزءًا من المرض ذاته؟فعلاً أنا لا أملك أجوبة.. هذه من اللحظات التي يتمني المرء فيها لو يجد الأجوبة عند خبراء الإعلام وأساتذته. ولسوف أكون سعيدًا جدًا لو اهتم أحدهم بي إلي درجة أن يرسل ردًا أنشره هنا!

عتاب: هذا عتاب صغير للأخوة في «الدستور»، وبما أنني أعرفهم جيدًا منذ إصدارهم الأول فأنا أعرف يقينًا أنهم سينشرونه ما دمت تقرأ هذه السطور الآن..هم لم يمتنعوا يومًا عن نشر أي نقد لهم، لأنهم ليبراليون فعلاً مع مسحة تلقائية وجنون محببين، ولهذا اختصهم القارئ بتصديقه ونبذ الصحف القومية. أثار غيظي أن أري في الصفحة الأولي لعدد يوم «الأحد 7 ديسمبر» صورة لحجاج بيت الله الحرام في عرفات. لم يكونوا علي جبل عرفات ولم تكن أي من الشعائر المقدسة خلفهم وإنما مطاعم «كنتاكي» !. لافتة واضحة تمامًا مع تعليق يؤكد أن الصورة تظهر حجاجًا أمام كنتاكي لو لم تفهم معني شعار «KFC»، مما يوحي بأن «كنتاكي» من الشعائر المقدسة للحج. أعرف جيدًا أن هذا ليس إعلانًا مدفوع الأجر، لكنه سوف يفسر كذلك لدي أغلبية الناس، وإنني لأرجوهم أن يتنبهوا لأخطاء كهذه في المستقبل.


الدستور 16/12/2008

ايهاب احمد عمر
18-12-2008, 08:02 PM
بين الصحافة والسياسة.. الدعاية والحقيقة (3)

هل ما زلت تذكر الأوضاع كما تركناها؟.. "مصطفى أمين" في السجن بتهمة التخابر.. "هيكل" في الخارج متمتعًا بنفوذ هائل.. "علي أمين" في لندن. جميل.. أنت لم تنسَ شيئًا..
يصمم "هيكل" على زيارة "مصطفى أمين" في السجن، فيوافق "جمال عبد الناصر" على مضض، ويطلب من "هيكل" الاتصال بوزير الداخلية لطلب تصريح. وهكذا يتوجه "هيكل" لسجن الاستئناف مع (محمود عبد العزيز) رئيس قسم الحوادث في الأهرام الذي يتمتع بالطبع بنفوذ يسهل المهمة لـ"هيكل".
كان اللقاء عاطفيًا وإن بدا أن الكلام مربك ثقيل.. وحينما تكلم "هيكل" كان كل ما قاله هو: "لماذا؟"، وحين تكلم "مصطفى" كان كل كلامه عن خطر الشيوعيين الذين يزحفون على كل مكان، وهو خائف منهم على الرئيس. حتى شعر "هيكل" بأن موضوع الشيوعيين هذا ورقة توت يصر "مصطفى" على ألا تسقط..
تزداد الأمور سوءًا عندما يتوجه "هيكل" و"سعيد فريحة" الصحفي اللبناني الشهير و"أحمد محمد محجوب" للقاء الرئيس "عبد الناصر" لطلب تخفيف الحكم على "مصطفى أمين"، لكن "عبد الناصر" يلقي في وجوههم قنبلة أخرى: "علي أمين" يعمل مع المخابرات البريطانية ولديه مستندات تسمح بقول هذا. هنا يذكرنا "هيكل" بمراجعة وثائق السفارة البريطانية في نهاية الكتاب لنعرف أين الحقيقة وأين الافتراء.
يسأل "عبد الناصر" "هيكل": كيف يعيش "علي أمين" بهذا المستوى في لندن؟.. جناح كامل في فندق درجة أولى، وفاتورة قيمتها 3000 جنيه إسترليني في شهر واحد.. فمن أين هذا المال كله؟
http://www.boswtol.com/5gadd/images/227/sahsah_02.jpg
محمد حسنين هيكل
نحن الآن عام 1968.. رؤوس كثيرة طارت بعد هزيمة 1967 ومن أهمها رأس "صلاح نصر" رئيس المخابرات. "مصطفى أمين" يكتب لقريبة له أن "صلاح نصر" لفق القضية كلها؛ لأنه كان يغار منه.. "عبد الناصر" يعرف جيدًا أن الخطاب ليس موجهًا لقريبته بل لـ"عبد الناصر"؛ لأن الخطاب يسلم مفتوحًا لمدير السجن قبل إرساله.
من جديد يواصل الصحفي اللبناني الكبير "سعيد فريحة" التوسط لتخفيف الحكم عن "مصطفى أمين".. لكن "عبد الناصر" يصر في عناد على العقاب كما هو، ولا يرى أن جريمة الرجل خلاف سياسي بل هي قضية أمن دولة كاملة الأركان.. فقط ينجح "فريحة" في انتزاع وعد منه بإطلاق سراح "مصطفى أمين" عندما يتم تحرير الأرض المحتلة.
عام 1970 يصير "هيكل" وزيرًا للإرشاد القومي -وزير إعلام بمسميات اليوم- ويتسلم مهام منصبه، ومن ضمن هذه المهام ملف عن المراسلات بين "علي أمين" وأخيه.. السبب أن الرسائل القادمة من الخارج تخضع للرقابة، و"علي أمين" يعرف هذا.. لهذا هي في الواقع آراء يريد "علي أمين" أن تصل للسلطة في مصر. وقد لاحظ "هيكل" سمة عامة في هذه الخطابات: كل خطاب فيه مدح لـ"عبد الناصر" و"هيكل".. وكل فيه خطاب فيه ذم في السعوديين.. وكل خطاب فيه خبر نشرته الصحف البريطانية لكنه يبدو معلومات جديدة لمن لا يتابع..
وهكذا تستمر الخطابات حتى ما بعد وفاة "عبد الناصر".
http://www.boswtol.com/5gadd/images/227/sahsah_03.jpg
سامي شرف

هنا يتذكر "هيكل" مذكرة مهمة كتبها "سامي شرف" سكرتير "عبد الناصر" لرئيسه عام 1970.. المذكرة تقول إن "سامي شرف" يشك في وجود مؤامرة ما على البلاد ويورد بعض الملاحظات التي تؤيد وجهة نظره. يرد "عبد الناصر" بخطه على المذكرة قائلاً: "لقد قابل "علي أمين" في روما أحد المصريين المقيمين في ليبيا، وقال له إن الوضع في مصر سينتهي في نهاية عام 1970".
لكن ما علاقة هذا بمذكرة "سامي شرف"؟
لماذا تداعت هذه الملاحظة إلى قلم "عبد الناصر" دون مبرر؟
من هو هذا المصري المقيم في ليبيا؟..
الخطير في الموضوع أن الوضع في مصر انتهى فعلاً آخر عام 1970!!
ماذا كان "علي أمين" يعرفه؟.. وماذا كان "عبد الناصر" يعرفه؟.. هذه أسئلة لا إجابة عنها لكنها مخيفة..
---------------------------
الآن بدأت علاقة "هيكل" القصيرة العاصفة مع "أنور السادات". لقد عاد "علي أمين" من لندن بعد تسع سنوات من فراق مصر، وقابل "هيكل" الذي خصص له مكتبًا جوار مكتبه في الأهرام. ومن جديد حاول اللبناني (الجدع) "سعيد فريحة" أن يتوسط لدى "السادات" للإفراج عن "مصطفى أمين". لكنه ما إن صارح "السادات" بهذا حتى انتفض الأخير غضبًا وصاح:
ـ"جرى إيه يا سعيد؟.. أنا لا أعفو عن الجواسيس!.. ما تورط فيه الرجل كان تجسسًا بالمعنى الحرفي للتجسس.. أنا حذرت "عبد الناصر" منه وحذرت هذا الأستاذ (يقصد هيكل).. هذا الموضوع مغلق فلا تفتحه ثانية".
كان رد الفعل عنيفًا لدرجة أن "سعيد فريحة" راح يردد: "ويلي!.. شو ها العنف؟.. مع "عبد الناصر" كان من الممكن أن نتناقش.. لكن هذا الرجل أغلق الباب على الفور!"
لا يفهم "هيكل" سبب تحول موقف "السادات" تجاه "مصطفى أمين" بعد ذلك، وبعد كل هذه الحدة. فجأة يقترح "السادات" أن يفرج عن "مصطفى أمين" مجاملة للأمريكان الذين طلبوا ذلك، ويتلازم هذا مع تسليم الإسرائيليين جثث الصهاينة الذين قتلوا لورد موين عام 1945 وبعض جواسيسهم. كانت هذه فترة خلافات لا تنتهي بين "السادات" و"هيكل"، وكان مفترق الطرق قريبًا جدًا..
لماذا -يسأل "هيكل"- تأخر السادات في الإفراج عن رجل بريء أربع سنوات كاملة؟.. ولماذا أفرج عنه إفراجًا صحيًا ولم يمنحه عفوًا كاملاً؟..
http://www.boswtol.com/5gadd/images/227/sahsah_05.jpg
عبد القادر حاتم
خلال أسبوع تم نقل "هيكل" من الأهرام وتعيين "عبد القادر حاتم" رئيسًا لتحريرها. هكذا عرف الصحفي الكبير أن علاقته بالسلطة والأهرام انتهت تمامًا. وسرعان ما بدأت حملات تشهير ضد "عبد الناصر" تتهمه بكل شيء تقريبًا.. وكان "هيكل" يعرف أن هذه هي البداية فقط.. حتى في إنجلترا عندما انتهى عهد "كرومويل" أصر ابن الملك على استخراج جثة "كرومويل" من قبرها وشنقها!
ثم بدأت مجلة الحوداث اللبنانية تتبنى الهجوم على "هيكل" بلا توقف، وهي مقالات واضح من أسلوبها تمامًا أن "مصطفى أمين" هو كاتبها. "هيكل" نفى "علي أمين" للندن وكان يزور "مصطفى" في السجن للتشفي فيه، وهو من لفق له التهمة!.. لم يرد "هيكل" لكن "سعيد فريحة" اللبناني (الجدع) انبرى في جريدة الأنوار يعلن ما عرفه وشهادته الحقيقية.. لدرجة أنه نشر لوحة كاريكاتورية للغدر والخيانة توأمين لهما ملامح مميزة جدًا!.
يقول "هيكل": لقد ذكر "مصطفى أمين" أنه قال له إنه عذب في السجن كما قال هذا لمحاميه "محمد عبد الله". طبعًا نفى "هيكل" في المحاكمة أن "مصطفى" ذكر حرفًا عن التعذيب، وحتى المحامي الشيخ طلب الشهادة في المحكمة وقال بوضوح إن مصطفى لم يقل له قط أنه تعرض للتعذيب.
هناك قصة روجتها مجلة الحوادث عن "هيكل" تقول إن "خروشوف" الزعيم السوفيتي واجهه صراحة بأنه يتقاضى مبالغ من الأمريكان، وأمره بمغادرة الاتحاد السوفيتي فورًا. يقول "هيكل" إنه لم يقابل "خروشوف" سوى مرة واحدة عام 1964 في يالطا ومنها لمصر. بعدها بخمسة أشهر سقط "خروشوف"، فمتى قابل "هيكل" وطرده؟ هناك معلومة أخرى -قرأناها مائة مرة في تلك الأيام- أن رجل المخابرات "مايلز كوبلاند" اتهم "هيكل" في كتبه بأنه رجل مخابرات.. ليس لـ"كوبلاند" سوى كتابين، ولم يذكر فيهما "هيكل" سوى مرة واحدة باعتباره صديق "عبد الناصر".. الحقيقة أن أحدًا لا يقرأ أو يتحقق!
http://www.boswtol.com/5gadd/images/227/sahsah_04.jpg
خروشوف
انتهى الكتاب المثير للجدل، ولكنه يطرح أسئلة كثيرة عن الحقيقة وكيف يمكن أن تضيع نهائيًا وسط المزايدات. "هيكل" أنهى الكتاب بطلب صريح لـ"مصطفى أمين" أن يطلب إعادة محاكمته ما دام يعرف يقينًا أنه ظُلم، لكنه لم يتلقَّ ردًا. هناك كثيرون لا يحبون "هيكل"، لكن هذا من جديد يطرح سؤال التحيز والتعصب المسبق: هل ما في الكتاب أكاذيب؟.. هل ما في ملحق الوثائق وسجلات هيئة الأمن القومي أكاذيب؟.. هل ننكر هذا كله لمجرد أننا لا نثق بـ"هيكل"؟.. هكذا تغيب الحقائق في مصر وتلتوي كما الْتَوَتْ حقائق لا حصر لها من قبل.
أعرف يقينًا أن الكثيرين من الإخوان والشيوعيين لاقوا تعذيبًا وحشيًا في سجون "عبد الناصر" -وبعضهم أعرفه شخصيًا- لكن هل عُذِّب "مصطفى أمين" فعلاً كما ذكر في كتبه؟.. "صلاح نصر" كتب كتابًا شهيرًا اسمه (عملاء الخيانة في مصر) نفى فيه قصة التعذيب، وذكر فيه أنه راجع موسوعة كاملة عن الكلاب بحثًا عن ذلك الكلب العملاق الذي وصفه "مصطفى أمين" فلم يجد إلا كلب آل باسكرفيل في قصة "شارلوك هولمز" الشهيرة!
طبعًا "هيكل" جعل نفسه ملاكًا سديد التفكير نقي النفس في هذه القصة كلها. ربما نأخذ عليه هذه الصورة المبالغ فيها لكن هل ما ذكره أكاذيب كله؟... تلك هي القضية، ولهذا ما زلت أصر على أن نقرأ الكتاب أكثر من مرة.

المصدر :
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_227_02.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_227_02.html)

ايهاب احمد عمر
18-12-2008, 08:05 PM
هذا الجدار .. رواية مسلسلة جديدة علي بص و طل
رابط الحلقة الاولي
http://www.boswtol.com/affareet/naction_227_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_227_01.html)


بقلم: د. أحمد خالد توفيق
http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/action_01.jpg
عزيزي عصام:
كيف حالك وكيف الحياة في (ولنجتون) عاصمة نيوزيلندا؟.. أعتقد أنك نسيت كل شيء عن مصر منذ فترة.. لا ألومك كثيرًا فقد عانيت كثيرًا في الأعوام الأخيرة حتى إنك صرت تشتهي الفرار اشتهاءً.. لكن الوطن لفظة معقدة كثيفة، تشتمل على الأرض ورائحة الجو والبشر والسماء و.. و.. و.. لكل وطن نجوم خاصة به.. لكل وطن رائحة ليل خاصة به.. لا تقل إنك تعبت من كل شيء في مصر.. لا تقل إنك تعبت مني مثلاً..

يعزينا عن فراقك أننا نقيم في شقتك بالعجوزة.. على الأقل هي تحمل رائحتك ولمساتك في كل شيء.. إنها الشقة التي عشت فيها أعوامًا طويلة وحدك، وهي الشقة التي أثارت خيال الكثيرين، حتى راحوا يتهمونك بأشياء كثيرة ناسين أنك مجرد أستاذ جامعي غريب الأطوار.. لست سفاحًا ولا ماجنًا ولا غارقًا في الفساد.. مجرد علامة استفهام آدمية أخرى، والبشر يمقتون علامات الاستفهام.. تذكر عندما رأينا تلك الحشرة الغريبة في شرفة دارك.. لم نتردد ونزع كل منا حذاءه واندفعنا نسحقها.. نحيلها غبارًا تناثر في الريح..

هل كانت تلك الحشرة ضارة؟.. هل كانت سامة؟.. بالطبع لم نعرف وعلى الأرجح كانت حشرة بريئة، لكنها غامضة.. كانت علامة استفهام لذا كرهناها.. ولذا سحقناها..

هكذا أنت.. شخص غريب الأطوار لابد أن يعتبره الناس عدوًا مخيفًا...

في النهاية سئمت أنت كل شيء وقررت الفرار.. حصلت على تأشيرة للهجرة إلى ذلك البلد البعيد النائي (نيوزيلندا).. لا أحد يعرف عنه إلا أن فيلم (سيد الخواتم) وحلقات (زينا) صوروا هناك.. من الواضح أنك لن تعود أبدًا..

على كل حال أنا وزوجتي أحببنا شقتك فعلاً.. إنها جميلة بحق وتنم عن ذوق راق. مكتبتك ما زالت هنا وكذا معظم قطع الأثاث.. أنت لم تتزوج لهذا توقعنا أن نجد شقتك مقلب قمامة أو ساحة حرب، لكنك منظم تهوى النظافة بشكل مرضيّ..

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/action_02.jpg

لم نحدث أي تغييرات كما تعلم لكن ذلك الجدار. ذلك الجدار الذي بنيته أنت والذي يقسم غرفة الصالون إلى نصفين.. هذا الجدار بصراحة يضيق علينا الغرفة كثيرًا.. كان طول الغرفة أربعة أمتار، فجعلها الجدار مترًا ونصف المتر.. كما أنك جعلت الجزء المعزول من الغرفة بلا أبواب ولا طريقة للدخول له. باختصار أنت جعلت الجدار مزدوجًا..
هذا بيتك وأنت حر، لكن من حقي بعد أن صرت أعيش هنا وبعد ما صارت الشقة لي بعقد تمليك أن أفهم لماذا تصر على هذا الجدار. عندما سألتك عنه قلت لي إنك جمعت وراءه كل ما تملك من مهملات لا تريد أن تراها ولا تجرؤ على التخلص منها.. مثلاً مهدك وأنت طفل رضيع.. هذا شيء لا تريده ولن تستعمله أبدًا لكنك كذلك لا تطيق أن تلقي به في مقلب قمامة، أو تبيعه لبائع روبابكيا وغد يستعمله كمبصقة..
مثلاً مجموعة صورك طيلة مشوار حياتك .. نحو خمسة صناديق مليئة بالصور.. هذه لا تريدها لكنك كذلك لا تطيق أن تحرقها. هكذا قررت أن تضع كل هذه الأشياء في هذا المخزن، وبنيت ذلك الجدار.. كانت شروطك واضحة هي أنك ستعطيني الشقة بسعر لا يصدق.. شقة فاخرة كهذه في حي راق كهذا بهذا السعر؟.. فقط هناك هذا التعهد الشرفي بعدم إجراء أي تغييرات.

طبعًا هذا يتضمن عدم هدم الجدار.. لكن لم هذا الإصرار الغريب؟

المخلص محمود
يتبع

ايهاب احمد عمر
18-12-2008, 08:07 PM
كوميكس " من اجل مزيد من الريادة " :
http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_227_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_227_01.html)

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_01.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_02.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_03.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_04.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_05.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_06.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_07.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_08.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_09.jpg

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/comicsryada_010.jpg

تمت إضافة صور الكوميكس بواسطتي مارس :)

ايهاب احمد عمر
18-12-2008, 08:08 PM
سيدة أربانفيل
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_227_05.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_227_05.html)


د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ، فالتراب لن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار ( الغنا ده كان أيامنا احنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......


أغنية اليوم من كلمات ولحن وغناء المطرب (كات ستيفنز) سابقًا، والذي صار حاليًا الشيخ (يوسف إسلام).. يعرف الغربيون جيدًا قصة مطرب البوب ذي الأصل اليوناني الذي طبقت شهرته الآفاق في الستينيات والسبعينيات، والذي امتلك الشهرة والموهبة والثروة فاختار أن يتخلى عن هذا كله ليصير داعية إسلاميًا شهيرًا في لندن، وتحمل أن يعتبره الغربيون أحد رموز تنظيم القاعدة ..

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/kalam_015.jpg

أغنية اليوم اسمها (سيدة أربانفيل) وهي حبيبة المطرب السابقة (باتي داربانفيل).. ممثلة شهيرة ما زالت حية بالمناسبة برغم أن الأغنية تصف جثتها!. إنه يتحدث عن موت علاقتهما باعتباره موتها الفعلي.. الأغنية تمثل أسلوب (كات ستيفنز) بما فيه من حزن وشجن وحيرة حقيقية. له أغنية أخرى شهيرة اسمها (عالم متوحش) سرق لحنها بالمسطرة مطرب مصري شهير دون أن يذكر حرفًا عن ذلك.

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/kalam_014.jpg

يمكنك سماع الأغنية الرائعة ورؤيتها على الوصلة التالية:
http://www.youtube.com/watch?v=h61ffFRFmxw

سيدة أربانفيل

My lady d’arbanville, why do you sleep so still?
I’ll wake you tomorrow
And you will be my fill, yes, you will be my fill

حبيبتي سيدة أربانفيل.
لماذا ترقدين ساكنة هكذا؟
سوف أوقظك من نومك غدًا..
ولسوف تملئين عليّ عالمي..
نعم.. سوف تملئين عليّ عالمي..

***

My lady d’arbanville why does it grieve me so?
But your heart seems so silent.
Why do you breathe so low, why do you breathe so low,

حبيبتي سيدة أربانفيل .
لماذا أشعر بهذا الحزن ؟
لكن قلبك ساكن تمامًا ..
لماذا تتنفسين بهذا الوهن ؟
لماذا تتنفسين بهذا الوهن ؟

***

My lady d’arbanville why do you sleep so still?
I’ll wake you tomorrow
And you will be my fill, yes, you will be my fill.

حبيبتي سيدة أربانفيل .
لماذا ترقدين ساكنة هكذا ؟
سوف أوقظك من نومك غدًا ..
ولسوف تملئين علي عالمي ..
نعم .. سوف تملئين علي عالمي ..

***

My lady d’arbanville, you look so cold tonight.
Your lips feel like winter,
Your skin has turned to white, your skin has turned to white.

حبيبتي سيدة أربانفيل .
تبدين باردة للغاية هذه الليلة ..
شفتاك لهما ملمس الشتاء ..
وقد استحال جلدك أبيض .
استحال جلدك أبيض ..

***

My lady d’arbanville, why do you sleep so still?
I’ll wake you tomorrow
And you will be my fill, yes, you will be my fill.
La la la la la....
My lady d’arbanville why does it grieve me so?
But your heart seems so silent.
Why do you breathe so low, why do you breathe so low,

حبيبتي سيدة أربانفيل.
لماذا ترقدين ساكنة هكذا؟
سوف أوقظك من نومك غدًا..
ولسوف تملئين عليّ عالمي..
نعم.. سوف تملئين عليّ عالمي..
حبيبتي سيدة أربانفيل.
لماذا أشعر بهذا الحزن؟
لكن قلبك ساكن تمامًا..
لماذا تتنفسين بهذا الوهن؟
لماذا تتنفسين بهذا الوهن؟

***
I loved you my lady, though in your grave you lie,
I’ll always be with you
This rose will never die, this rose will never die.

أحببتك يا سيدتي..
برغم أنك ترقدين في قبرك..
سأكون دومًا معك..
وهذه الوردة لن تموت أبدًا..
هذه الوردة لن تموت أبدًا..


تمت إضافة نص المقال بواسطتي مارس :)

مواطن مصري
26-12-2008, 10:22 PM
مفاجآت رأس السنة

كل عام وأنت بخير.. أنت قارئي العزيز لهذا قررت أن أقدم لك مفاجأة مذهلة أعرف أنها ستروق لك: لن أتكلم عن الحذاء الذي أصاب بوش!.. تصور التضحية التي سأقوم بها لأفعل ذلك، لكني بالفعل أعرف أنك أخذت أكثر من كفايتك من هذا الموضوع.. تفتح التلفزيون لتسمع مناقشات حوله.. يحتل نصف أية صحيفة تعرفها.. تجلس في المقهى.. تفتح السخان.. ترفع الموبايل.. الحذاء وبوش.. بوش والحذاء.. كفاك هذه الجرعة، ولنغلق الموضوع..

رأيي؟.. هل يهمك رأيي بعد كل ما قيل ويُقال؟.. طبعًا أنا سعيد جدًا بهذا المشهد، لكن لنعطه حجمه الطبيعي، فهو ليس عيد الكرامة العربية ولكنه رد انفعالي يدل على الغيظ والقهر المكبوتين، وهؤلاء الساسة الغربيون اعتادوا هذه الأمور منذ زمن.. أعتقد أن توني بلير لو لم يُضرب بالبيض الفاسد لشعر بالقلق على تأثيره وأهميته. اعتقادي الخاص والله أعلم أن الصحفي لن يُؤذى وسيخرج سالمًا؛ لأنه اختبار حقيقي لما تزعمه أمريكا.. سوف تضغط الحكومة الأمريكية على العراقية كي لا تؤذي هذا الصحفي بالذات، فقد فعل ما فعل أمام العالم كله، ومصيره محكُّ اختبار.. لو فعل هذا بعيدًا عن عدسات الكاميرا والفضائيات لأذابوه في الأحماض بلا شك..

المفاجأة الثانية هي أنني لن أتكلم عن انقطاع الكابلات البحرية وحالة العجز المعلوماتي الكاملة التي كنا فيها. لقد جلسنا كبطة كسيحة تنتظر الذبح إلى أن يقوم الخواجات بإعادة الإنترنت لنا، حتى نتمكن من العودة لشتيمتهم. ماذا تفعل إسرائيل لمواجهة ظروف كهذه وهي الدولة التي يرهقها التفكير في أمنها إلى درجة الوسواس؟.. لابد من دراسة الأمر على أعلى مستوى.


المفاجأة الثالثة هي أنني لن أكتب حرفًا عن ابنة المطربة ليلى غفران وصديقتها, مع أن الموضوع يَعِدُ بسطور كثيرة أقبض ثمنها.. السبب هو أنني أعتقد أن الفتى لم يفعلها، ولكني لا أعرف شيئًا على الإطلاق وكل المعلومات مضللة ومتناقضة كأن القاتل هو من يمد الصحف بها.. في أول يوم تحدثت الصحف عن بقايا المشروبات الروحية والحشيش الموجود في مسرح الجريمة، وعن الساعات السبع التي مرت بين طعن الفتاتين.. ثم لم تعد هناك مشروبات روحية ولا حشيش.. الفتاتان طعنتا في الوقت ذاته لكن فتاة توفيت بعد الأخرى بسبع ساعات.. المتهم يملأ دمه مكان الجريمة.. مفاجأة: لا توجد آثار لدم المتهم في مكان الجريمة.. هكذا يصير لك رأي كل يوم، ولا تعرف هل الشرطة تصدر تصريحات زائفة أم السادة الذين يحررون هذه الأخبار يستعملون خيالهم؟.. الاحتمال الأخير وارد كما نرى من كثرة التكذيبات التي تنشرها الصحف من وقت لآخر.. فلان قال إنه سيستقيل.. ثم بعد يومين: نعتذر عن الخطأ؛ لأن فلانًا لم يكن في مصر أساسًا -ربما لم يولد بعد- ولم يلتقِ بمحررنا ولم يصدر هذه التصريحات. للأسف بعض المحررين يكذبون كثيرًا جدًا.. لكن الداخلية تكذب أكثر..

المفاجأة الأخرى التي تستحقها بالتأكيد هي أنني لن أتكلم عن التحرش.. لقد كتبوا الكثير والكثير عن هذا الموضوع حتى لم تعد هناك ثغرة واحدة يمكن أن تمر منها بمقال فكرته جديدة. لو كف الشباب عن التحرش لتوقف سيل المقالات ولحرمت الصحف من مورد مالي مهم جدًا.
لهذا لن نتكلم عن التحرش...

أنت قارئي العزيز.. لهذا سأضحي من أجلك ولن أكتب عن التوريث.. هذا موضوع آخر قتل بحثًا في المقالات والمدونات وكل شيء.. يقول صديق لي: عندما ترى رجلاً يعد كنكة القهوة. ويعد السكر والماء والبن، ثم يؤكد لك أنه لن يعد قهوة وأنه لا يطيق مذاقها.. فماذا تقول؟.. تصمت طبعًا..
لكنهم قادرون في أية لحظة على ملء السيارات بآلاف من عمال المصانع وصغار الموظفين الذين يهتفون ويلوحون بلافتات مكتوبة بالدم تتوسل للوريث كي يرث.. وعند الظهر يأخذ كل منهم كيسًا ورقيًا فيه علبة عصير و(شاندوتش) لحم ويعود كل واحد لبيته سعيدًا، بينما تخرج الصحف حاملة صور الإجماع الشعبي الساحق على التوريث.. عندها ماذا ستفعل ؟

لن أتكلم كذلك عن قانون المرور الجديد الذي صار طريقة للتحرش.. يسد عليك مجموعة من الفتوات ضخام الجثة الطريق ويرغمونك على دفع خمسين جنيهًا؛ لأنك تضع ملصقًا على الزجاج وإلا سلبوك الرخص، ثم يطلقون سراحك على وعد باللقاء غدًا.. فيم يختلف هذا عن (التثبيت) أو السطو المسلح بمعناه البسيط الشائع؟.. احمد ربنا على السلامة ولا تحاول إبلاغ الشرطة؛ لأننا نحن الشرطة!

كذلك لن أتكلم عن أزمة التعليم.. هذا موضوع انتهى البحث فيه..
هل رأيت ما أضحي به من أجلك ؟
هداياي تنهمر على رأسك فلا تمنحني كلمة امتنان واحدة؟!
هناك مفاجأة أخرى من نوع صاعق.. لن أتكلم عن الاحتقان الطائفي، ولن أتَّهم الكنيسة بمحاولة ابتزاز الدولة، ولن أتَّهم تيار التطرف بأنه جعل الأقباط خصومًا ويحاول شق مصر إلى نصفين.. لن أتهم هذا أو ذاك، خاصة ونحن على أبواب عيد المسيحيين.. فكل عام وهم بخير..

أما المفاجأة الأجمل والأروع فهي التالية: لن أتكلم عن أي شيء.. فقط افتح النافذة وانظر للظلام في الخارج.. خذ شهيقًا عميقًا وتخيل أن هذا الفراغ المريح يتسرب إلى داخلك.. تلذذ بنعمة الصمت ونشوة أن هناك كاتبًا فضَّل أن يخرس ولا يصدع رأسك..
هل تسمع الصمت؟.. إن للصمت ضجيجًا وإن للصمت لغة.. فقط نحن نسيناها في مصر..
لا يوجد مقال.. أليس هذا رائعًا؟.. ألم تصر أفضل مما كنت بعد (عدم قراءة) هذا المقال؟..
أنت تستحق هذا بالتأكيد.. كل عام وأنت بخير..


ــــــــــــ
المصدر:

http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_228_06.html

مواطن مصري
26-12-2008, 10:37 PM
هذا الجدار - الحلقة الثانية

بقلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز



http://www.boswtol.com/affareet/images/228/action_01.jpg

عزيزي عصام:

كما قلت، كان من الواضح أنك راغب في عدم هدم الجدار.. أفهم هذا والله العظيم لكن زوجتي لا تفهمه.. بعد أيام من الحياة في الشقة قالت لي:
ـ"كيف نستغني عن ثلثي حجرة الصالون بهذه البساطة؟"
ـ"لأننا أخذنا الشقة بهذا الشرط.. هناك من يلعبون الشطرنج فإذا خسروا اكتشفوا أن اللعبة سخيفة ومملة ومضيعة للوقت.. نحن لن نكون كهؤلاء.."
هكذا صمتتْ.. بعد أيام عادت تطلب مرة أخرى..
أنت تعرف قصة (ذو اللحية الزرقاء).. إنها تعبر بدقة عن فضول الأنثى.. زوجة ذي اللحية الزرقاء منحها زوجها قصرًا به 99 غرفة، لكنه اشترط ألاّ تفتح الغرفة المائة.. النتيجة هي أنها لم تعد تطيق الحياة، ولم تعد ترى في الكون كله إلا تلك الغرفة المائة.. ثم فتحت تلك الغرفة.. حسن.. أنت تعرف باقي القصة، وإن القلم ليسقط من يدي رعبًا.. لا داعي لهذه الخواطر، لكن قل هذا لزوجتي بالله عليك..
مشكلة الزواج بالنسبة لشخصية كشخصيتي هي أن طلقاتك لا تصل لهدفها أبدًا.. هناك من يلوي معصمك في آخر لحظة، أو يضع حاجزًا أمامك أو يغطي عينك.. وأنا اعتدت أن أريد الشيء فيحدث..

منذ أسبوع جاءت زوجتي مكتئبة وقالت لي:
ـ"هناك روائح غريبة آتية من خلف هذا الجدار.. فلتقطع ذراعي إن لم يكن صاحبك نسي قطة ميتة هناك!"
ـ"لا أدري لِم تخاطرين بذراعك يا عزيزتي.. إن بتر ذراعك لن يجعلك أجمل، فأنت – عدم المؤاخذة – لا تشبهين فينوس ميلو في شيء.. إن ما تقولين مستحيل.."
السبب هو أن الجدار مبني بالقرميد وهناك طبقة ملاط سميكة، مع طبقة دهان.. حتى لو كان الجيش الإسرائيلي كله ميتًا بالداخل فلن تتسرب رائحته. ثم إننا نتحدث عن عدة أشهر.. هذه هي الفترة التي تنتهي فيها البكتريا من مهمتها المقززة التي تقوم بها ببسالة وبلا اشمئزاز: إعادة النتروجين للتربة من جديد. أي أن أية جثة تتحول بعد هذه الفترة إلى عظام صقيلة نظيفة رائعة الجمال عديمة الرائحة..
قالت لي زوجتي في إلحاح:
ـ"لم لا نجلب أحد العمال ليحدث فجوة في هذا الجدار لنرى؟"
قلت في حزم:
ـ"لأننا وعدنا صديقي المسافر أولاً، ولأنني أعرف ما سيحدث.. سوف تصنعين الفجوة وتطلبين توسيعها.. ثم ترين أنه لا داعي لسدها من جديد.. تعالَ نوسعها أكثر.. وفي النهاية نجد أنك أزلت الجدار فعلاً برغم إرادتي، وأنني للمرة الألف لعبت دور الطفل الأبله.. لا.. أنا أرفض بعنف"


http://www.boswtol.com/affareet/images/228/action_02.jpg

على كل حال رحت أتشمم رائحة الجدار بعناية.. للنسوة حواس أكثر حدة من حواس الرجال هذا أكيد.. لكن لا رائحة لشيء ميت.. لو شئت الدقة لقلت إنها رائحة حساء الفاصوليا.. هذا لا يثير القلق..
أنت تعرف النساء يا صديقي.. زوجتي تنهض في منتصف الليل صارخة غارقة في العرق... زوجتي تخشى الاقتراب من الجدار ليلاً...
لقد جعل هذا الجدار حياتي جحيمًا بالفعل..
أمس قالت لي في قلق:
ـ"فلتقطع ذراعي إن لم يكن هناك شيء حبيس بالداخل.. هناك صوت خدوش على الجدار من الداخل.. أنا متيقنة من ذلك.. ثمة شيء يحاول الخروج..!!"

المخلص محمود

__________
المصدر:
http://www.boswtol.com/affareet/naction_228_01.html (http://www.facebook.com/inbox/readmessage.php?t=1080967903569&mbox_pos=0)

مواطن مصري
26-12-2008, 10:47 PM
ساعة الانتقام


رسوم: عبدالله أحمد
سيناريو : د.أحمد خالد توفيق



http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_01.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_02.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_03.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_04.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_05.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_06.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_07.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_08.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/228/comics_09.jpg


http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_228_01.html

مواطن مصري
26-12-2008, 11:55 PM
ليلة

د. أحمد خالد توفيق في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ، فالتراب لن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار ( الغنا ده كان أيامنا احنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......


http://www.boswtol.com/tafaneen/images/228/kalam_010.jpg

(فنسنت فان جوخ) الرسام الهولندي العظيم.. لو لم يكن رسامًا لصار شخصية من شخصيات (دستويفسكي). هذه النفسية المضطربة المعذبة التي أضناها الصرع، والتي تتأرجح بين ثقة مفرطة في النفس تصل لدرجة الغرور، وشك عارم في قدراته يصل لدرجة الانتحار. يكفي أنه قطع أذنه بالسكين ليعاقب نفسه على فشله في جدل فني طويل مع صديقه اللدود (جوجان) (وليس ليهديها لحبيبته كما هو شائع). هذه النفسية المعذبة ظهرت بوضوح في لوحاته العبقرية التي يصعب فهمها من المرة الأولى. يمكنك أن تخطف رجلك إلى متحف "محمد محمود خليل" لترى لوحة (أزهار الخشخاش) الأصلية التي تُسرق منا كل ثلاث ساعات ونصف ويستعيدونها.. لو وجدتها مسروقة انتظر قليلاً حتى يعيدها الإنتربول كالعادة.. كذلك يمكنك البحث عن فيلم (شهوة الحياة) الذي يقوم فيه "كيرك دوجلاس" بأداء دوره ويقوم "أنتوني كوين" بأداء دور (جوجان).
هناك كذلك جزء مهم عنه في فيلم (أحلام) لـ"أكيرا كوروساوا" العبقري الياباني.

قرأ المطرب الأمريكي (دون ماكلين) قصة حياة الفنان، فأحس أنه بدأ يفهمه.. بدأ يرى الرسالة الخفية التي تحاول اللوحات نقلها عبر العصور .. هكذا كتب ولحن وغنى هذه الأغنية الرقيقة التي أحدثت ثورة عام 1971 وما زالت.. إذن عندما خرجت هذه الأغنية للعالم كنت أنا في الصف الثالث الابتدائي، لكني كنت أسمعها في المذياع مرارًا في برنامج (سمير صبري) وبعده (الشارع الغربي) الذي كان يقدمه المذيع (أحمد فوزي).

الكليب الذي يصور الأغنية فيه شيئان فريدان.. أولاً هو يعرض أهم لوحات الرجل مصاحبة لكلمات الأغنية.. ثانيًا هو يحدثك (في نهايته) عن مرض الاضطراب ثنائي القطبية Bipolar disorder الذي أصيب به الفنان، ويريك عددًا من الشخصيات المصابة بذات الداء.. سوف تفكر على الفور في بعض معارفك الذين تعتقد أنهم مصابون بالداء ذاته!


شاهد الكليب الرائع على الوصلة التالية:


http://www.youtube.com/watch?v=nkvLq0TYiwI



ليلة
مزدانة بالنجوم..
فلتجعل (باليتة) ألوانك زرقاء وخضراء

Starry
starry night
paint your palette blue and grey

أنظر للخارج حيث نهار الصيف..
بعينين تدركان ظلام روحي

with eyes that know the
darkness in my soul.

الظلال فوق الجبال..
أرسم الأشجار وأزهار النرجس الأصفر..
أقتنص النسيم ورجفة برد الشتاء..
بالألوان فوق أرض جعلها الثلج كالكتان الأبيض


sketch the trees and the daffodils
catch the breeze and the winter chills
in colors on the snowy linen land.

الآن أفهم ما حاولت أن توصله لي..
أفهم
كيف كافحت لتحتفظ بعقلك..
كيف حاولت أن تحرر هؤلاء
لكنهم ما كانوا ليصغوا..
ولم يعرفوا كيف يفعلون ذلك..
ربما سيصغون لك الآن..

And now I understand what you tried to say to me
how you suffered for your sanity
how you tried to set them free.
They would not listen
they did not know how
perhaps they'll listen now.

ليلة
مزدانة بالنجوم..
أزهار مشتعلة تتألق لامعة..
سحب ملتفة في ضباب بنفسجي..
تنعكس في عيني (فنسنت) الزرقاوين الصافيتين..
ألوان تتدرج..


starry night
flaming flo'rs that brightly blaze
swirling clouds in violet haze
reflect in
Vincent's eyes of China blue.
Colors changing hue

حقول نهارية من الحبوب بلون الكهرمان..
وجوه لوحتها الشمس تصطف بالألم..
تستريح تحت يد الفنان المحبة..


weathered faces lined in pain
are soothed beneath the artist's
loving hand.

الآن أفهم ما حاولت أن توصله لي..
كيف كافحت لتحتفظ بعقلك..
كيف حاولت أن تحرر هؤلاء
لكنهم ما كانوا ليصغوا..
ولم يعرفوا كيف يفعلون ذلك..
ربما سيصغون لك الآن..


how you suffered for your sanity
how you tried to set them free.
They would not listen
they did not know how
perhaps they'll listen now.

فهم لم يستطيعوا أن يحبوك..
برغم هذا كان حبك صادقًا لهم..
وحينما لم يعد أمل أمامك
في تلك الليلة المزدانة بالنجوم..
قتلت نفسك
كما يفعل العشاق كثيرًا..
لكن كان بوسعي أن أخبرك
يا (فنسنت)
أن هذا العالم لم يوجد لشخص جميل
مثلك


but still your love was true
and when no hope was left in sight on that starry
starry night.
You took your life
as lovers often do;
But I could have told you
Vincent
this world was never
meant for one
as beautiful as you.

ليلة
مزدانة بالنجوم
لوحات معلقة في قاعات خالية
رءوس بلا إطار على جدران بلا اسم
بعيون ترمق العالم ولا تستطيع النسيان
كالغرباء الذين كنت تقابلهم

Starry
starry night
portraits hung in empty halls
frameless heads on nameless walls
with eyes
that watch the world and can't forget.
Like the stranger that you've met

رجال مهملون بثياب رثة..
الشوكة الفضية لوردة حمراء بلون الدم..
ترقد مهشمة محطمة فوق الثلج البكر

the ragged men in ragged clothes
the silver thorn of bloody rose
lie crushed and broken
on the virgin snow

الآن أحسبني أفهم ما حاولت أن توصله لي..
كيف كافحت لتحتفظ بعقلك..
كيف حاولت أن تحرر هؤلاء
لكنهم ما كانوا ليصغوا..
وما زالوا لا يصغون..
ربما لن يفعلوا أبدًا

And now I think I know what you tried to say to me
how you suffered for your sanity
how you tried to set them free.
They would not listen
they're not
list'ning still
perhaps they never will


_______

ملحوظه:
لنك الكليب غير موجود فى المصدر على بص وطل (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_228_04.html) .. لذلك قمت بالبحث على يوتيوب حتى وجدته وأضفته بنفسى :)

محمد عبد الرحمن
30-12-2008, 05:13 PM
حفل اعدادم جماعى




يصر هذا العام 2008 علي ألا يرحل دون أن يخبرنا كم هو ثقيل ومؤذ وابن كلب، حتي إنني أتوقع ألا ينتهي قبل أن تنشب الحرب النووية بين الهند وباكستان أو يتحفنا بزلزال آخر. من السبت 27 ديسمبر وقناة «الجزيرة» لا تتوقف عن بث الصور المحطمة للأعصاب من قطاع غزة. قاسية هي قناة «الجزيرة» .. رائعة هي قناة «الجزيرة» .. ضرورية هي قناة «الجزيرة»... فقط الصور المتحركة تنقلك لقلب الحدث لتري أكوام الجثث في الشوارع،

وتري ذلك المجند ينطق الشهادتين في لحظة الاحتضار، وتري ذلك الشاب الذي يتحشرج صدره بالأنفاس الأخيرة، وتري ذلك الذي سيقضي حياته بعين مفقوءة، وتلاميذ المدارس الباكين الذين لا سند لهم سوي المعلمة المذعورة بدورها.. تشم البارود والدخان والدم الطازج المسفوح، وتعرف أن عدد القتلي صار 180 مع العبارات المعهودة «الوضع مرشح للتصاعد» و«علي جميع الأطراف أن تتحمل مسئولياتها». ولسوف يظهر عمرو موسي محاطًا بـ 5677 ميكروفونًا توشك علي خنقه ويبدو قلقًا منهمكًا كالعادة. لا أشك في صدق الرجل لكن ما في يده من أوراق قليل جدًا، ولو كنت مكانه لاستقلت استقالة تشبه الصفعة علي خد النظام العربي، لكني هنا أتذكر كلام
د. جلال أمين في حوار صحفي قديم: «الرجل يهوي الشهرة والأضواء وأعتقد أنه باق في منصبه لأنه يحب ذلك».

من الجانب الآخر سوف تصل التصريحات الجاهزة «علي الأطراف ضبط النفس» و«لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها».. الحمد لله أن البيت الأبيض لم يصدر التصريح الحارق للدم إياه: «نحن نشجع إسرائيل علي التفكير في نتائج هذه الأفعال». كل هذا تنقله لك قناة الجزيرة، ولو لم تكن موجودة لأمكنك أن تقرأ الخبر في الشريط أسفل الشاشة «غارات إسرائيلية علي غزة».. خبر محايد عابر يمكنك أن تقرأه وتشرب الشاي وتنام راضيًا عن نفسك ..

كل هذا العقاب من أجل صاروخ قسام مُصنّع في ورشة حدادة، غالبا لم يفعل. أسوأ من تحطيم مزهرية علي مائدة طعام في إحدي المستوطنات. كل هذه الجثث المكدسة شاخصة العينين علي المحفات في أروقة المستشفيات .. مصر تعلق ولكن. لسان حالها يقول : لقد قرروا الاستمرار في إطلاق الصواريخ من غزة .. وأنهوا التهدئة .. فليشربوا إذن. السيدة ليفني سعيدة جدًا لأن هذا يظهرها كما تريد أن تكون بالضبط: نمرة متوحشة شرسة تتخذ دورها في لوحة شرف المجازر ككل من سبقوها.

كل هذا كوم، وسيل الذين اتهموا مصر مباشرة بالتواطؤ كوم آخر. الهجوم تم خلال أربع وعشرين ساعة من زيارة الأخت ليفني للقاهرة ولقائها بالأستاذ «أبو الغيط».. فهل هي لم تخبره بنية الهجوم حقًا ؟.. الحقيقة أن صورة مصرتسوء بلا توقف بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، ومصلحة البلدين تتقارب حتي لتوشك علي التطابق كما يحدث عندما تضع صورتين شفافتين فوق بعضهما.. كلا الطرفين يكره سوريا وإيران .. كلا الطرفين ضد فتح .. كلا الطرفين يحاصر غزة ... نعم .. لا تقل لي من فضلك إن مصر لا تحاصر غزة كما يؤكد كل مسئول حكومي يلتقون به في التليفزيون، بل هي قد برهنت عن هذا بحرارة أكثر من مرة. مصر التي كانت حارسة العالم العربي صارت «بودي جارد» مسئولاً عن حماية حدود إسرائيل الغربية. لا أحد يطالب بالحرب .. لا أحد يريد الدماء تغطي الشوارع، لكن هناك ألف وسيلة دبلوماسية أعنف من الصمت وأعقل من الحرب.. يمكنك إظهار الغضب يا أخي .. لماذا لا يظهر هذا الغضب.إلا مع إيران وسوريا وأيمن نور؟
العدد يرتفع إلي 200 .. المزيد من الجثث علي الشاشة ..
العدد صار 208 أثناء كتابة السطر السابق .. من المسئول اللبناني الذي وصف المشهد بأنه «حفل إعدام جماعي» ؟.. إنه عبقري فعلاً..
فلتنته يا عام 2008 أرجوك .. لقد اكتفينا منك ..

كنت أنوي اليوم أن يكون المقال كله مخصصًا لبعض الردود التي جاءتني بريديًا علي مقال التحرش، لكن ما تقدمه الجزيرة جعلني أشعر بالسخف. تحرش إيه بس ؟.. لم يعد هناك شباب يتحرشون في غزة، فهم في المستشفيات أو المشارح ..

علي كل حال أنشر هنا مقاطع من بعض الخطابات التي وصلتني، وقد لاحظت أنه ما من مختص بالإعلام علق علي مقالي، لكنها آراء ذكية مهمة وكفي..

الصديق «محمد بخاري محيي الدين» سكرتير تنفيذي في إحدي الشركات قال لي إنه تذكر علي الفور قصة فتاة العتبة التي شغلت الإعلام عامي 1992 و1993، ثم ينصحني بقراءة ما كتبه العظيم «جمال حمدان» عن الكبت الجنسي لدي المصريين في كتاب «وصف مصر». هذا الكتاب الجبار يصر علي أن يطل برأسه في كل موقف نمر به، ويبدو أنه لابد من أن يقرر علي طلاب المدارس ولو ملخصًا .. لا أذكر هذا الجزء بالذات لكني سأعود للكتاب لأنه أقرب إلي مرجع لا يمكن أن يكون حاضرًا بكل أجزائه في رأسك في كل لحظة.

صحفي شاب لن أذكر اسمه لأنني لم أطلب إذنه في نشر الخطاب الذي يضم بعض المعلومات الشخصية عنه. يتحدث عن حملة اسمها «احترم نفسك» أطلقتها مجلة شبابية شهيرة، وهذه الحملة مكرسة بالكامل للوم الذكور الأوغاد. يقول لي: إن للمركز المصري لحقوق المرأة رأيًا آخر.. فقد أثبتَ بإحصائياتِهِ أنَّ المظهرَ العام للأنثي غيرُ مرتبطٍ إطلاقًا بنسبةِ وإمكانيةِ التحرشِ بها، هم يذكرون أرقامًا، وأخشي أن أشكك في صحة أرقامهم تلك!!................... وقد قمتُ - وبعضٌ من فريق عمل مجلة «........» - بانتقاء عينة عشوائية تتكون من خمسين شابًا، وسألناهم عن ارتباط مظهر الأنثي بإمكانية معاكسته لها، فكان الجواب إن 94% «47 شخصًا» يعتقدون أن المظهر العام للأنثي يرتبط تمامًا بإمكانية التحرش بها من عدمه، وهي نتيجة تتضاد مع ما أعلنه المركز «المتحيز للمرأة». لهذا بدءوا إطلاق حملة مضادة اسمها «احترمي نفسك وأنا مش حعاكسك». يتساءل في قلق: هل هو صادق فعلاً ويقوم بدور مهم، أم إنه لا شعوريًا يستغل أزمة المجتمع من أجل الشهرة وإيجاد ما يكتبه ؟. لا أعتقد أيها العزيز أن هناك ضررًا من أن يحترم الجميع أنفسهم .. الذكور والإناث .. فقط أعترض علي استخدام الصديد كعنصر جذب في حد ذاته، وأن تدعي بعض المقالات موضوعية بينما هي في الحقيقة تداعب خيال القارئين. كتب الأستاذ محيي اللباد ذات مرة عن صحف وجدها في إيران لا تتكلم إلا عن حوادث الاغتصاب والقتل .. لكنها تصف هذه الحوادث بطريقة تجعل من يقرءون هذه القصص يحسدون مرتكبيها حسدًا عظيمًا !!

صديق آخر لن أذكر اسمه يقول: «أكتب إليك لأدلي بشهادة يعلم الله أنها صادقة، أنا لا أقود سيارة وأركب الحافلات العامة التي كثيراً ما تكون مزدحمة، وقد شهدت الكثير من حالات «التحرش» من قبل نساء برجال، المرأة قد تصعد إلي الحافلة المزدحمة أو نصف المزدحمة وتتعمد الاحتكاك بجسدها بالرجال ! صدقني أنا شاهدت هذا بنفسي مرات كثيرة للأسف ! أنا لا أخرف والله ! أنا أريد أن أقول إن التحرش مشكلة مزدوجة ولا أبالغ. في الغرب يعتبرون «البحلقة» نوعًا من التحرش، وأنا أقول إن لبس الملابس الضيقة جداً من قبل النساء يعد تحرشًا بالرجال وحرقًا لأعصابهم، قد تعتبرني مبالغاً أو متحاملاً علي النساء، لكن والله أنا أحب النساء جداً، وأعزو ما يفعلنه أحياناً إلي نقص عقولهن وأديانهن، أو إلي ضغوط البيت والعمل، ألا تري معي زيادة أعداد المدخنات من المحجبات، المرأة أحياناً تتحرش بالرجال لمجرد أنها في مشكلة كبيرة ! أو لأنها قرفانة» من زوجها في البيت! فتنتقم من نفسها وزوجها وكل الرجال بمحاولة إغوائهم وتحميلهم الكثير من الذنوب ! أنت معك حق ، كثرة الكلام عن الظاهرة يزيد منها ، وأري أنك بدأت تؤمن مثلي بنظرية المؤامرة ..».

في الحقيقة لا أعتقد يا عزيزي أن الأمربهذا السوء، ولم ألق حتي اللحظة فتاة تتحرش بالرجال بهذه الطريقة، إلا عن طريق المظهر .. وكما قلت هي تنصب مصيدة للعريس القادم لكنها تتضايق جدًا من الجمهور غير المستهدف الذي يقف في طريقها.

كنت أنوي نشر المزيد لكن المقال طال جدًا .. جدًا .. لهذا أشكر كل من تكرم بالرد .. وليكن العام 2009 أجمل بلا مذابح ولا انهيارات في المقطم ولا حرائق مسارح ولا تحرش !!


طبعا د . أحمد خالد توفيق
المصدر:
http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=11227&Itemid=31

ايهاب احمد عمر
01-01-2009, 08:08 PM
هذا الجدار .. الحلقة الثالثة

لم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز

http://www.boswtol.com/affareet/images/229/action_02.jpg

عزيزي عصام:
كيف يظل شيء حياً كل هذه الأشهر؟.. لا يوجد مدخل لهذه الغرفة المغلقة.. إن جدار البناية نفسه يحدها من الخلف، لكن من الوارد أن يلعب الصوت بعض الألعاب الغامضة.. أحياناً في منتصف الليل كان الجيران يخرجون لنا من بالوعة المطبخ، وكنت أسمع مدام (عواطف) تتشاجر مع أستاذ (مصطفى)؛ لأنه لا يبدل جواربه إلا كل أسبوع.. ربما هم يخدشون جدران غرفتهم الآن..
قالت زوجتي في إصرار:
ـ "فلنهدم الجدار"...
- "لا"..
تلحُّ بشدة حتى تذكرت تلك الأسطورة التركية الشعبية عندما يردد الناس: "حطم الصخرة يا "فرهاد".. حطم الصخرة يا فرهاد"، والبطل يقول: "سأحطمها.. من أجلكم سأحطمها".. زوجتي كانت تردد: "اهدم الجدار يا محمود.. اهدم الجدار يا محمود".. وأنا على وشك أن أقول: "سأطلّقها.. من أجلكم سأطلّقها".
سوف أعترف لك بشيء...
أنا نفسي أخاف هذا الجدار.. لقد كنت أقف جواره ذات يوم، فسمعت حفيفًا.. كأن هناك ثوبًا يحتكّ به من الجانب الآخر... وقف شعر رأسي رعبًا ورحت أتنصت..
يخيل لي أنني سمعت طرفًا من محادثة، لكن بصراحة لم أتبين أي مقطع سوى كلمة (لا يُطاق).. من جديد ألقي باللوم على ألعاب الصوت..
قمت بالطرق عدة مرات على الجدار فلا صوت سوى: تونك.. تونك.. تونك.. ما وراء الجدار أجوف فعلاً... لكن كيف تتحمل أن توجد في شقتك الخاصة غرفة لم تدخلها قط؟.. أحيانًا أشعر أن هذا الشرط اختبار منك لفضولنا.. هذا اختبار يفوق الطبيعة البشرية، وفي النهاية سوف تعود من مخبئك الخفي وتمنحنا زكيبة من الدنانير مكافأة لنا على أمانتنا..
http://www.boswtol.com/affareet/images/229/action_01.jpg
صباح اليوم حدث شيء غريب..
لقد وجدت زوجتي جاثية هناك جوار الجدار فلما رأتني ارتجفت وبدأت تشهق وتصرخ، واكتشفت أنها تحمل مثقابًا تريد أن تصنع به ثغرة في الجدار.. تريد أن ترى.. وكيف ترى من دون ضوء؟.. هل تنوي إدخال منظار ليفي ضوئي من الفتحة كما يفعلون مع مقابر الفراعنة؟.. لكنها أشارت في ثقة إلى مفتاح ضوئي صغير على الجدار الأيمن. قالت: إن هذا المفتاح كان يضيء مصباحًا ما بهذا النصف من الغرفة قبل أن ينفصل. ربما ما زال المصباح سليمًا ويمكن أن يضيء لنا هذا القبر المغلق.. أضاءت المصباح فخيل لي أنني سمعت صرخة!...
هناك كائن بالداخل لا يطيق النور!.. أم أنني أهلوس؟.. أمرتها أن تطفئ النور حالاً فقد تكون هناك أسلاك كهربية عارية.. شرارة وكومة من الورق.. ربما لا يوجد أكسجين يسمح بالاحتراق بالداخل لكني لن أجازف...

الحق أنني أزداد عصبية وتوترًا بسبب هذا الجدار الكريه.. لا أعرف إن كانت عصبيتي الخاصة أم هي عدوى من زوجتي، لكن المصاب بالدرن لا يتساءل كثيرًا عن مصدر العدوى وإنما يطلب العلاج.. وعلاجي عندك بلا شك..

ما الذي يوجد في تلك الغرفة يا (عصام)؟
لا أتكلم عن الصور والمهد وذكريات الطفولة.. أتكلم عما هو موجود حقًا..
أرجوك أن ترد.. أشعر أنني أكلِّم نفسي.. هل ما زلت حيًا أم أن قبائل الماوري قامت بطهيك تحت التربة والتهمتك في احتفالها السنوي؟

لو حدث هذا فهو شيء مؤسف، لكن أتمنى أن أعرفه لو حدث؛ لأن هذا يحررني من قسمي.. يومها سوف أزيل هذا الجدار وأعرف الحقيقة.. سوف يتسرب نور الشمس والهواء إلى هذه الظلمة الملغزة الرطبة، ولسوف نشفى من تساؤلنا عما ينتظرنا خلف الجدار.

أرجوك أن ترد يا (عصام)....
المخلص محمود

يتبع

yassmen.hassan
06-01-2009, 03:08 PM
إيناف إز إيناف



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com




شعور غريب فعلاً أن تجلس أمام شاشات التلفزيون لترى بدايات التحرك البري الإسرائيلي نحو غزة بعد القصف المدفعي .. للمرة الأولى في التاريخ يرى الناس مذبحة في مرحلة الإعداد لها، وبرغم هذا لا يحركون ساكنًا على الإطلاق . أذكر أيام غزو العراق أن مراسل الجزيرة في بريطانيا كان يرينا عند الظهر وعبر السلك الشائك الطائرات (ب – 51) وهي تسخن محركاتها وتنطلق للقتل، بينما في المساء يريك مراسل الجزيرة في بغداد الغارة التي قامت بها هذه الطائرات فور وصولها. كل شيء يصل لك لتراه لحظة بلحظة فلا تدعّ الجهل أو عدم العلم. واضح أن (وائل الدحدوح) و(وليد العمري) وباقي مراسلي الجزيرة تنتظرهم ليلة سوداء، لكنهم جيش حقيقي يخوض الحرب مع الأطراف المتصارعة ولا يقل وزنًا ولا خطرًا.
ومن وقت لآخر تظهر المتنمرة الشمطاء (ليفني) لتقول: "أقول لخماس .. إناف إز إناف (بزيادة بأه)" وهي الكلمة التي اختارت القاهرة مكانًا لتقولها .. فعلاً إناف إز إناف ...
سؤال للسادة خبراء القانون الدولي والعلاقات الدولية، وأعرف أنه سؤال ساذج يدل على حماقتي البالغة: ما جدوى مجلس الأمن ؟.. وماذا حقق لنا في أية فترة من فتراته ؟.. في كل مرة أرى ذات السيناريو، ويقدم مندوب فلسطين كلمة ممتازة مقنعة فعلاً، ويؤيدها مندوب سوريا أو قطر أو ليبيا في كلمة أجمل، ثم هو الفيتو الأمريكي يلقيه في (ألاطه وقرف) مندوب الولايات المتحدة بولتون أو سواه وانتهينا.. لم لا تنسحب المجموعة العربية من مجلس الأمن معلنة كفرها بالعدالة الدولية العرجاء هذه؟.. العدالة التي تقلق وتتحمس وتتوتر من أجل أحداث دارفور ثم تأخذ سيجارة وترحل عندما يتعلق الأمر بفلسطين أو العراق؟..
اليوم رأيت صبيًا في عمر أولادي أُلقى كالكيس الفارغ على الأرض جوار سلة المهملات، في مستشفى بغزة لأنه ميت على كل حال، والأطباء مشغولون بمن لم يلفظوا الأنفاس بعد .. هذا الصبي كان حيًا يلعب صباح اليوم. رباه !.. جهاز الإنسان العصبي لم يُخلق لتحمل هذا .. ثم يطالبونك بألا تنفعل ويسدون أمامك الشوارع ببوكسات الأمن المركزي التي يمكن أن ترهب الجيش الإسرائيلي نفسه، ويصدر عدد روز اليوسف حاملاً عنوان (العصابة) يتصدر الصورة (بشار الأسد) و(حسن نصر الله) ، ومليئًا بالشتيمة لأعداء إسرائيل جميعًا: حماس وإيران وحزب الله، كأنهم من قتلوا هذا الطفل. مع اتهام كل من يعترض بأنه حنجوري يريد أن يقاتل حتى آخر جندي مصري .. بصراحة لو أصدرت (ليفني) هذا العدد لما كتبت أفضل من هذا .. هذا عدد مكتوب بمزاج وصنعة وإيمان بلغ مرتبة اليقين.
مئات الرسائل في بريدي الإلكتروني، كلها تحمل عنوان (غزة) .. رجاء تمرير الرسالة .. رجاء تمرير الرسالة .. كل الشباب يمرر الرسائل التي تخبر الغرب بالوضع الحقيقي في غزة. مقالات د. (إبراهيم حمامي) الغاضب دائمًا تنهمر عليّ .. بين الخطابات خطاب من طبيب شاب يقول: "كلما نظرت إلى غزةشعرت أن جميع الأطراف المعنية تستحق الاحتراق في جهنم ابتداءً من اسرائيل الكافرةابنة الكلب، مروراً بأمريكا ذات الألف ناب، وحماس ذات التصرفات الحمقاء في الدفاع عن شكلها العام بغض النظر عن الشعب , و مصر المخنثة (التي تورطت في مستنقع لا يمكن الرجوع منه و لايمكن أن تطالب الحكومة بأن تفعل أي شيء في أي شيء )......مرورا ً أيضا بجميع الشعب، حتى ذلك الرجل الجالس أمامي في الميكروباص يعدد طرق القضاء على العدوان، بعد أن استطاع فهم كل الملابسات و القدرات لدى الطرفين، و بدأ في المحاكمات و اصدارالقرارات.لا أرى للوضع الحالي حلاً إلا الحلول الإلهية.. إن التهدئة ليست حلاًووقف النار ليس حلاًو العدوان ليس حلاًو الحرب العربية - إن وجد شيءٌ كهذا - ليست حلاً."
بصراحة أوافقك على كل شيء باستثناء لوم حماس.. على الأقل الآن .. لا اقدر أن ألوم شخصًا يواجه بصدره العاري النيران وأطنان القنابل الذكية لمدة أسبوع كامل، دون أن يستسلم أو يتوقف عن قذف الصواريخ .. شخصًا حوصر على مدى أشهر كاملة، وهو بالتأكيد في وضع لا يُقارن بوضع حزب الله في حرب 2006.. حزب الله كانت حدوده مفتوحة والأرض واسعة والإمدادات تصله. تأمل كيف يتكلم هؤلاء الرجال أمام الكاميرا وهم يعرفون أن الجيش الإسرائيلي كله قادم لذبحهم الآن، وكيف أن كلاً منهم ودع أولاده وكتب وصيته .. هل حقًا تستطيع أن تلومهم وتنام ؟
ترى الهليوكوبتر الإسرائيلية تحلق متلكئة في السماء، كبطة فخور تبيض بيضة هنا وبيضة هناك .. أمامها كل الوقت .. لا يبدو بيضها مخيفًا قاتلاً لهذا الحد، لكنك تتساءل: لو كانت لدى حماس صواريخ مضادة للطائرات، ألن تلقن هذه البطة الفخور درسًا ساخنًا ؟.. صاروخ واحد .. مملكتي مقابل صاروخ واحد ..
فعلاً – كما قال د. (عزمي بشارة) – هذه أحقر حرب خاضتها إسرائيل على الإطلاق.. عملية صيد مسلية بلا خطر من أي نوع .. صيد سمك في برميل ..
المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي يقول إن مقاتلي (خماس) يتوارون في الفنادق الفاخرة ويتركون شعبهم يحترق. هذه الكلمات مألوفة وسمعناها ألف مرة في كل الحروب، حتى إني سمعتهم يقولونها عن أنور السادات في حرب 1973 .. متحدث حماس يتكلم من دمشق ويؤكد أن عشرات الإسرائيليين ماتوا على يد مقاتلي حماس أثناء محاولة الاختراق .. شيء من الأمل يتراقص في نفسي، لكني لا أجرؤ على التمني ..
حماس صامدة لكن إلى متى ؟.. موازين القوى مختلة تمامًا، والحديد لابد أن ينكسر عند نقطة ما .. هل تصمد حماس ؟.. هل تنسحب إسرائيل في النهاية مكتفية بمن قتلتهم من نساء وأطفال ؟.. لو حدث هذا لكان ثورة جديدة في العلوم العسكرية والاستراتيجية .. بعد حرب لبنان لن تتحمل إسرائيل وشعبها هزيمة جديدة من مجموعات ميليشيا ضعيفة التسليح محاصرة ومخترقة. أجرؤ على الاعتقاد بأن شيئًا لن يبقى كما كان .. لا أبالغ لو قلت إنه يزلزل فكرة إسرائيل ذاتها .. ينسف فكرة الجيوش النظامية .. ينسف الأنظمة العربية الحالية ..لهذا أفهم كراهيتهم لحماس؛ فلابد أن هناك من الحكام العرب من يهلل ويرقص عشرة كلما ألقت قاذفة إسرائيلية بقنابلها على غزة ..
من الناحية الأخرى، لست راضيًا عما يقوله العرب عن مصر. أربع وعشرون ساعة من الشتيمة فيها كأن طائراتها هي التي تقصف غزة الآن، حتى إنني لم أسمع ذات القدر من السباب في إسرائيل. كانت لغة قادة حماس – على الأقل في البداية – متحفظة تحمل عتابًا مهذبًا للشقيقة الكبرى. ثم صارت الشتائم علنية وشرسة، وهذا ساعد على شق الصف إلى حد كبير .. ومن جديد بدأت المشاجرات في كل الصحف ومواقع الإنترنت : مصر التي باعت العروبة .. بالعكس مصر ضيعت ثروتها وحياة أبنائها من أجلكم يا جربانين يا حثالة. نفس أجواء اتفاقية كامب ديفيد وجبهة الرفض ...
لن ندخل في دائرة (ما حنا قلنالكم ما سمعتوش الكلام) الحكومية المصرية. رئيس التحرير أو رئيس (التبرير) المصري الشهير الذي يستضيفونه دومًا على الفضائيات بدا راضيًا جدًا وقد (ردت الدموية) في وجهه ولمعت عيناه بعد مقتل الشهيد (ياسر)، لأنه وجد نقطة واضحة حقيقية يهاجم بها (حماس)، وكان قبل هذا يقول كلامًا فارغًا مرتبكًا لا أول له ولا آخر حتى ينتهي الوقت، فيتنهد ويحمد الله ويأخذ مظروف المكافأة.
طبعًا يتصاعد الدم لرأسنا عندما تُشتم مصر، لكن علينا أن نتذكر أن مصر عندما دافعت عن فلسطين كانت تدافع عن حدودها الشرقية أولاً، وقد فهم كل استراتيجي عظيم أن مصر لا تُحتل إلا من الشرق .. فهمها تحتمس الثالث ونابليون ومحمد علي وعبد الناصر .. مصر كانت تدافع عن نفسها أولاً، ثم هي فعلاً لم تحارب منذ ثلاثين عامًا فلا يزعمن أحد أن الدفاع عن فلسطين هو سبب ما نحن فيه .. ثلاثون عامًا من السلام كانت تكفي كي يخرج كل منا من الفيلا ليركب سيارته (الفور باي فور) إلى المطار ليقوم بجولة سياحية حول العالم.. هذا لم يحدث، فلا تتهم فلسطين واليمن والكونغو من فضلك .. ومن جديد نقول إننا لا نطالب بالحرب .. نطالب بشيء بين صمت الحملان المتخاذل والحرب ..
الآن جاء خبر يؤكد أن مصر تدين الهجوم البري على غزة .. ياه !.. وجايين على نفسكم كده ليه ؟.. لابد أن باراك يرتجف خوفًا الآن ..
أكتب هذه الكلمات مساء السبت .. يعلم الله وحده حالنا عندما تقرأ هذا المقال يوم الثلاثاء. هل نكون كاسفي البال مفعمين بحقد ومرارة جديدين، أم نكون منتشين غير مصدقين ما حدث ؟.. نفس القلق والأمل الخفي عشته في حرب العراق وفي حرب لبنان 2006 حتى فاض بي .. فعلاً يا أخت (ليفني) أوافقك تمامًا: إناف إز إناف ..!

Dr.Ahmed
06-01-2009, 04:26 PM
شكرا على تصحيح المقال يا ياسمين .. كنت مغتاظًا من الصيغة التي نشر بها في الدستور. اختلافات طفيفة جدًا بين المقالين، لكن من كتب المقال يشعر بها مضخمة صارخة ..

ايهاب احمد عمر
08-01-2009, 07:28 PM
هذا الجدار .. الحلقة الرابعة و الاخيرة
قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز

http://www.boswtol.com/affareet/images/230/action_01.jpg

عزيزي أستاذ "عصام":
للمرة الأولى أكتب لك.. أنا مدام "ثريا القماش" التي بِعت لها تلك الشقة بالعجوزة..
أعتذر إن كنت أسبب لك أي إزعاج، لكن بصراحة لم أعد أطيق ترك ذلك الجدار الذي بنيته أنت في غرفة الصالون.. لقد كان طول الغرفة أربعة أمتار، فجعلها الجدار مترين ونصفًا.. أعرف أنني قبلت هذا الشرط منك، بل إننا ذهبنا للمحامي لتوقيع عقد الشقة، وبعد التوقيع جعلني المحامي أوقِّع على تعهد بعدم عمل أية تعديلات في الشقة..
لكن الأمر لا يطاق فعلاً.. أهم غرفة في شقتي التي هي ملكي ضيقة جدًا. ثم إنني بالفعل لا أعرف ما تضعه خلف هذا الجدار باستثناء ذكرياتك المزعومة.
هناك رائحة عفن دائمة تتسرب من تحته.. أذكر أنني دعوت ضيوفي ذات مرة للغداء وقد أعددت حساء فاصوليا ممتازًا له رائحة رائعة، لكنهم عزفوا عن الأكل؛ لأن رائحة العفن تلك تزايدت فجأة فصدّت نفوسهم..

وماذا عن الأصوات؟.. أصوات واضحة تتكلم بالداخل.. أحيانًا أخدش الجدار بظفري متوقعة أن يسمعني أحد بالداخل...
ذات مرة تعالت الأصوات فعلاً، فأصابتني نوبة هستيرية ورحت أصرخ في وجه زوجي: "هذا الجدار يثير جنوني.. إن هذا لا يطاق!.. لا يطاق!!"
الأدهى أن هناك من يدق على الجدار كثيرًا كأنه شخص يستوثق من وجود فراغ خلفه. وذات مرة فوجئت بنجفة الصالون تضاء من دون أن يضغط أحدهم المفتاح، وسمعت صوتًا كأنه صوت مثقاب يدار في الجهة الأخرى من الجدار، فصرخت بقوة.. عندها انطفأ النور ثانية..

عزيزي أستاذ "عصام".. أكره أن أقول هذا لكني أخطرك أنني سأهدم الجدار ومهما كانت المسئوليات القانونية. فقط أردت أن تعرف؛ لأنني شخصية واضحة تتحرك في النور.

مع الشكر.
"ثريا القماش"


"بص وطل" - الحوادث:
بناء على بلاغ من "محمد القماش" (تاجر) للعقيد "هاني الحفناوي"، انتقل رجال الشرطة إلى شقة صاحب البلاغ بالعجوزة، حيث تبين أن مالك الشقة السابق "عصام محمد فتحي" -في نيوزيلندا حاليًا- قد قام ببناء جدار في غرفة في الشقة، وأصر على ألا يهدمه المالك الجديد، لكن السيدة "ثريا" زوجة المالك الجديد للشقة أصرت على أنها تشم رائحة كريهة عبر الجدار، وقامت بجلب عمال لهدمه. بعد الهدم فوجئت بوجود جثتين لرجل وامرأة في حالة تحلل تام، ويبدو أن صاحب الشقة السابق قد قام بقتلهما ودفنهما في هذا الجزء ثم بنى جدارًا بنفسه. أثبت فحص الأوراق الخاصة بالقتيلين أن الجثة لـ"محمود الشيمي" وزوجته، ويبدو أن القاتل دعاهما لشقته بحجة اقتراب سفره ثم دس لهما مخدرًا في الشراب، وقام بجرهما إلى هذا الجزء من الغرفة، واستكمل بناء الجدار الذي كان قد بدأه فعلاً قبل ذلك. وفي الأيام التالية استدعى عمال المحارة والنقاشة ليتأكد من أن القبر مموه بالكامل. يعتقد أن سبب القتل هو خلافات مالية بينه وبين القتيل. أمرت النيابة باستكمال التحقيقات.
http://www.boswtol.com/affareet/images/230/action_02.jpg
عزيزي "عصام":
أعتقد أن خطاباتي لم تصل لك.. ربما لأنني لم أرسلها قط.. ربما لأنني لم أكتبها قط. على كل حال فهمت أشياء وأشياء، وقد بدأت أخيرًا أستوعب الحقيقة الشنيعة التي لم أستوعبها قط بسبب سذاجتي، وإنني لأتذكر بجلاء كل ما حدث يوم دعوتنا لدارك لتصفية ديونك لي.. زوجتي تتحدث عن أننا يجب أن نلحق بك في نيوزيلندا لاستعادة الود القديم.. وأعتقد أني أوافقها على ذلك، فما رأيك أنت؟
المخلص "محمود"
تمت
المصدر :
http://www.boswtol.com/affareet/naction_230_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_230_01.html)

ايهاب احمد عمر
08-01-2009, 07:34 PM
"ديجا فو"

بقلم د. أحمد خالد توفيق
http://www.boswtol.com/5gadd/images/230/sahsah_01.jpg
أذكر القارئ بأن (ديجا فو déjà vu) هو تعبير فرنسي معناه (شوهد بالفعل). وهو يستخدم للدلالة على تلك المواقف التي تمر فيها بحدث معين، فتشعر بأنك عشته من قبل.. هناك تفسير فسيولوجي محبط يقضي بأن الأمر يعود لتأخر وصول الدم لأحد الفصين الصدغيين في المخ عن الآخر، وهذا يضايق الناس؛ لأنهم يحبون أن يشعروا بأنهم مرهفون شفافون ذوو قدرات غيبية، وليسوا مجرد أشخاص لا تعمل دورتهم المخِّيَّة جيدًا.. هم أكبر من هذا..
أنا أعاني حالة عنيفة من ظاهرة (ديجا فو)، لكن المشكلة هي أنني عشت هذا فعلاً وجربته وتعذبت به ألف مرة.. حتى إنني أقترح مصطلحًا جديدًا هو (ديجا فيسو déjà vécu) أي (عِيشَ بالفعل)...
مثلاً أحداث غزة.. لقد عشت هذا الموقف مرارًا لا حصر لها من قبل. هناك تفاصيل حدثت حرفيًا عند بَدء الانتفاضة الثانية وعند اجتياح مخيم جنين.. نفس المظاهرات الغاضبة في العالم العربي وأوروبا، ونفس لا مبالاة الحكَّام وإيثارهم السلامة وقمعهم المظاهرات بقوات تكفي وحدها لتحرير فلسطين.. نفس الكلمات المؤثرة المقنعة فعلاً في الأمم المتحدة ثم يتداولون، فيرفع مندوب الولايات المتحدة يده بالـ"فيتو" ضد قرار الإدانة.. يقدم الفيتو وهو لا مبالٍ و"قرفان" ومشغول بأمور أهم. الرئيس الأمريكي يؤكد أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها.. دعوة لمؤتمر قمة عربي لا ينعقد أبدًا كأن الاجتماع وأكل الفنادق والنوم في (فور سيزونس) جهد شاق لا يتحمله أحد.. نفس الاتهامات لمصر حتى بلغ الأمر درجة حرق العلم المصري في الانتفاضة الثانية. نفس معركة (مصر خائنة متخاذلة – مصر قدمت الكثير من أجلكم يا ناكري الجميل)..
ذات جثث الأطفال المكفَّنة.. ذات القُبلة الأخيرة على الجبين قبل القبر يطبعها أبٌ باكٍ.. أنا متأكد من أن هذه الطفلة ماتت من قبل في جنين، وفي اجتياح جنوب لبنان عام 2006!.. ذات الملثَّم يتوعد إسرائيل أمام الكاميرا.. ذات الكلمات الباردة تقولها "مادلين أولبرايت" ثم "رايس" ثم "ليفني".. هناك دومًا امرأة شمطاء متنمرة "مش لاقية راجل يلمّها".. نفس المتحدثين في قناة "الجزيرة"، ومَن يؤكد أن العدو ارتكب غلطة عمره، ومَن يؤكد أن المقاومة ارتكبت غلطة عمرها.. الأول يتهم الثاني بأنه عميل ومِن المارينز الجدد، والثاني يتهم الأول بالحنجورية والعيش في عصر المعلقات..

ذات القلق واللوعة في أعماقك.. ذات الأمل الخافت في أن يتغير مسار المعركة.. معارك أم القصر في العراق وذعر الأمريكان والاستجواب لـ"رامسفيلد" في الكونجرس: هل أخذتنا إلى فيتنام أخرى يا أحمق؟.. البارجة الإسرائيلية تحترق أمام شواطئ بيروت.. حماس تَعِد بمزيد من المفاجآت.. ثم ينقشع الضباب فتكتشف أن كل شيء قد ضاع كما في العراق، أو تكتشف أن "حزب الله" كان أذكى مما تصورنا كما في حرب 2006.. لم يتضح الأمر مع حماس بعد..

لماذا يتكرر كل شيء؟.. لأننا ما زلنا نحن.. ولأنهم ما زالوا هم.. لم يتغير أي طرف..
تعالَ معي نبتعد عن غزة قليلاً.. تعالَ إلى شارع الهرم؛ لتعيش تجربة أخرى رأيتها ألف مرة.. شقة مفروشة إيجارها ألفا جنيه في الشهر.. أربعة أجهزة كمبيوتر.. برنامج جرافيكس.. شباب من خريجي كلية الفنون الجميلة، وخمس دقائق من الرسوم المتحركة تظهر (علي بابا) أو (جحا) وهو يلوِّح بيده ويقول كلامًا لا تسمعه؛ لأن الصوت لم يُضَفْ بعد.. مخرج متحمس ينوي صناعة حلقة Pilot لتسويق هذا الفيلم في دبي.. ثم لا نرى أي شيء أبدًا، وتختفي هذه الشركة ويختفي هؤلاء الشباب..

"ديجا فو" أعتقد أنني زرت ذات الشقة مائة مرة.. فقط كانت الوجوه تختلف في كل مرة..
بنفس الظروف تقريبًا رأيت مائة مجلة أو جريدة شبابية تصدر وتموت بعد عددين.. نفس الوجوه.. نفس الأفكار.. نفس الكلمات.. مثقفو وسط البلد بالقلنسوة الصوفية على طريقة (إيمينم) والجربندية والجينز، يكتبون لعدة أماكن لابد أن من بينها الدستور و"بص وطل".. بعضهم معدٍّ في إحدى القنوات الفضائية.. بطلهم العالمي هو "جيفارا" وبطلهم المحلي هو "منير" و "أحمد فؤاد نجم"و الجلسة في مقاهي وسط البلد وتدخين الشيشة بنَهم والنكات البذيئة والثورة على كل شيء.. عالم المدونات ونقابة الصحفيين والفشل في الحصول على كارنيه.. بعضهم يكتب الرواية الأولى التي لا يستطيع نشرها والتي يتباين موضوعها، لكن الحشيش يلعب فيها دورًا مهمًا جدًا.. هناك خلطة محكمة معروفة مقاديرها ولا تفشل أبدًا: ثورة - تجديف - جنس - يأس - حشيش.. تتغير الأسماء لكن الوجوه والثياب والأفكار هي هي..
كم مرة جلست فيها مع ذلك المخرج الشاب المتحمس الذي درس بالخارج، والذي يريد أن يقدم أول أفلامه معي؟.. أقول له إنه لابد أن يجد منتجًا قبل أن يبدأ، فيؤكد في ثقة أنه يعرف ما يفعله، معه سوف تختلف الأمور. كم مرة طوَّرنا فيها فكرة ما وكتبنا لها معالجات، وكتبنا السيناريو؟.. ثم تبدأ المراحل التي أعرفها جيدًا.. ملاحقته لي؛ لأن الوقت ضيق.. ثم الفتور.. ليس العثور على منتج سهلاً.. ثم قلة الحماس.. فالاختفاء.. ثم عدم الرد على مكالماتي.. للمرة الألف تعرف أن المنتج هو كل شيء بينما المخرج (غلبان مثلنا) لا يملك من أمره شيئاً..
خذ عندك كذلك فرق مسارح الأقاليم والثقافة الجماهيرية.. المخرج المتحمس الذي يريد أن يقدم نصًا شهيرًا، لكنه يضحك في خبث؛ لأنه سيدس فيه رموزًا وإسقاطات لا تنتهي.. سوف يشتم الحكومة دون أن تدرك ذلك.. يشعر بأنه يقود ثورة.. المصري هو ابن البلد أو القهوجي ومصر هي الفلاحة الأصيلة.. الحاكم الظالم هو العمدة أو صاحب العمارة أو الغول.. لا بأس بأغنية للشيخ "إمام" هنا أو تقليد ساخر خبيث للحاكم هناك، أو أن يهتف الناس في مسرحية (ماكبث): بالروح.. بالدم.. نفديك يا "ماكبث".. هذا إسقاط جبَّار.. إسقاط عبقري.. الثورة قادمة..
البروفات والصراخ المجنون في الممثلين، والمسرح المترب و"الخيش" الذي يتدلى من السقف.. نفس الميزانسين.. الممثل الذي يجري من عمق الكواليس إلى منتصف المسرح؛ ليصرخ منفعلاً أكثر من اللازم، فلا تفهم حرفًا مما يقول، ثم يسقط على ركبتيه ليصفق الناس.. الأصوات المبحوحة من الصراخ. رأيت هذا ألف مرة، وفي النهاية ترى المسرحية وقد جلس في القاعة المخبرون ورجال الأمن المركزي الذين هم الجمهور الوحيد، والذين اكتسبوا ثقافة مسرحية جديرة بأستاذ في السوربون.. تنتهي المسرحية فلا تحدث ثورة ولا يذكرها أحد..
أمثلة الـ"ديجا فو" كثيرة جدًا.. جدًا.. ولو أحصيت الأمثلة لاحتجت إلى عشرين مقالاً آخر. لا أعرف السبب فعلاً.. هل الحياة تكرر نفسها بهذا الشكل الممل؟.. أم أنني عشت أكثر من اللازم؟..

انتهى المقال، ومن جديد يغمرني الشك بأنني قلت هذا الكلام من قبل في مكان ما!.. هل يمكنك أن تذكّرني من فضلك؟..

المصدر :
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_230_02.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_230_02.html)

ايهاب احمد عمر
08-01-2009, 07:38 PM
إلى أين تذهبين يا حبوبتي؟

http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_230_05.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_230_05.html)


د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/kalam_013.jpg

أغنية اليوم تعود لعام 1969، ويقدمها المطرب بيترسارشتيت، واسمها (إلى أين تذهبين يا حبوبتي؟).. ربما تتذكر اللحن؛ لأنها شهيرة جدًا. إنه يريك كيف أن حبيبته السابقة صارت على قمة المجتمع النفاثة jet set. سوف تقابل في النص عشرات المصطلحات الفرنسية المتحذلقة، لدرجة أن النص يُنشر أحيانًا مع معاني الكلمات للمستمع الناطق بالإنجليزية، إلا أنه ليس استعراض عضلات، بل هو يرينا مدى تحذلق الفتاة وحياتها الفاخرة. يمكن بلا جهد وبالفهلوة المصرية الشهيرة أن تدرك أن "مارلين دتريتش" ممثلة اشتهرت بمشيتها، و"زيزي جون مير" راقصة بارعة، و"ساشا ديستل" مطرب فرنسي كبير.. و"بالمان" مصمم أزياء للخاصة.. "جوان" -لي- بان مصيف للأثرياء.. شارع "سان ميشيل" منطقة راقية في باريس.. وهكذا.. أي إنه يكفينا أن نعرف أن هذه مصطلحات (أعجمية) تصور حياة الفتاة الحالية، ثم يفاجئنا المطرب بأنه نشأ مع الفتاة وعرف أصلها جيدًا.. لقد كانا متسولين في أزقة (نابولي)، لكنه يؤكد لها -في تشف- أنها لن تنسى أصلها أبدًا وسوف تطاردها الحقيقة في كل ليلة وهي في فراشها!..
يمكنك سماع الأغنية الرائعة على الوصلة التالية:
http://www.youtube.com/watch?v=g_dduKiZb6w

هي مناسبة جدًا وإن كان المقطع الأخير (الآن انظري في وجهي يا ماري كلير.....) غير موجود، وإن كان يمكنك تخمين اللحن مما سبق..

إلى أين تذهبين يا حبوبتي؟

You talk like Marlene Dietrich and you dance like Zizi Jean-Maire.

تتكلمين مثل (مارلين دتريتش)..
وترقصين مثل (زيزي جون مير)..

***
Your clothes are all made by Balmain and there's diamonds and pearls in your hair.
Yes there are..

ثيابك كلها من صنع (بالمان)..
وهناك ماس ولآلئ في شعرك..
نعم.. هناك..

***
You live in a fancy apartment off the Boulevard St. Michel
Where you keep your Rolling Stones records and a friend of Sasha Distel.
Yes you do ..

تعيشين في شقة فاخرة قرب طريق (سان ميشيل)..
حيث تحتفظين باسطونات (الرولنج ستونز).. والمطرب (ساشا ديستل) صديق لك..
هو كذلك..

***
But where do you go to my lovely... when you're alone in your bed.
Tell me the thoughts that surround you. I want to look inside your head.
Yes I do .

لكن إلى أين تذهبين يا حبوبتي
حينما تكونين وحدك في فراشك؟
قولي لي الأفكار التي تحيط بك..
أتمنى أن أرى ما بداخل رأسك..
بالفعل...

***
I've seen all your qualifications that you got from the Sorbonne
And the painting you stole from Picasso. Your loveliness goes on and on.
Yes it does..

رأيت كل الشهادات التي حصلت عليها من السوربون..
والصورة التي سرقتها من بيكاسو..
إن ظرفك لا حد له..
هو كذلك..

***
When you go on your summer vacation, you go to Juan-les-Pins
With your carefully designed topless swimsuit
You get an even suntan on your back and on your legs.

وحين تذهبين لعطلة الصيف
تذهبين إلى (جوان لي بان)
بمايوه مصمم بعناية من قطعة واحدة
حتى تلوح الشمس بالتساوي ظهرك وقدميك..

***
And when the snow falls you're found in St. Moritz with the others of the jet set.
And you sip your Napoleon brandy, but you never get your lips wet.
No you don't..

وحين يسقط الجليد نجدك في (سان موريتز)
مع سواك من علية القوم..
تشربين البراندي النابليوني
لكنك لا تبللين شفتيك أبدًا..
حقًا لا تفعلين..

***
But where do you go to my lovely... when you're alone in your bed.
Tell me the thoughts that surround you. I want to look inside your head.
Yes I do ..

لكن إلى أين تذهبين يا حبوبتي
حينما تكونين وحدك في فراشك؟
قولي لي الأفكار التي تُحيط بك..
أتمنى أن أرى ما بداخل رأسك..
بالفعل...

***
Your name it is heard in high places. You know the Agha Khan.
He sent you a race horse for Christmas and you keep it just for fun, for a laugh, aha aha.

اسمك معروف في مجتمعات الصفوة
وتعرفين الأغاخان..
أرسل لك حصان سباق كهدية الكريسماس
تحتفظين بها على سبيل المرح..
من أجل ضحكة.. ها ها ها..

***
They say that when you get married, it will be to a millionaire.
But they don't realize where you came from and I wonder if they really care, or give a damn.

يقولون إنك عندما تتزوجين فسوف يكون زوجك مليونيرًا.
لكنهم لا يدركون من أين جئت..
وأتساءل إن كان الأمر يعنيهم..
أو يهتمون به على الإطلاق..

***
But where do you go to my lovely... when you're alone in your bed.
Tell me the thoughts that surround you. I want to look inside your head.
Yes I do ..

لكن إلى أين تذهبين يا حبوبتي
حينما تكونين وحدك في فراشك؟
قولي لي الأفكار التي تحيط بك..
أتمنى أن أرى ما بداخل رأسك..
بالفعل...

***
Ah, remember the back streets of Naples, two children begging in rags
Both touched with a burning ambition to shake off their lowly-born tags, so they try.

أه.. تذكري الأزقة الخلفية في (نابولي)..
تذكري طفلين بالأسمال يتسولان..
كلاهما يحرقه طموح قاتل للخلاص من أصله الوضيع..
وهكذا حاولا..

***
So look into my face Marie-Claire and remember just who you are.
Then go and forget me forever
But I know you still bear the scar deep inside, yes, you do.

الآن انظري في وجهي يا "ماري كلير"
وتذكري من أنت حقًا..
بعدها ارحلي وانسيني للأبد..
لكني أعرف أنك ستظلين تحملين الندبة..
في أعماقك..

***
Ah, I know where you go to my lovely... when you're alone in your bed.
I know the thoughts that surround you, cause I can look inside your head.

أنا أعرف أين تذهبين يا حبوبتي
حينما تكونين وحدك في فراشك..
أعرف الأفكار التي تحيط بك..
لأن بوسعي أن أرى ما بداخل رأسك..

yassmen.hassan
13-01-2009, 09:43 AM
ضحكت هاكيتس فعلاً



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com




يقولون إن صورة واحدة تغني عن ألف كلمة، ويقول الخبثاء: لكنك تحتاج إلى ست كلمات كي تقول هذا !. تذكرت هذه المقولة عندما رأيت رسمًا كاريكاتورًيا رائعًا لفنان موهوب، يمثل إسرائيل غولاً ذا عدة أذرع ينقض بها على أقزام عرب شكلهم يوحي بالشفقة، والرسم يلخص عدة مقالات كاملة تتكلم عن دولة عصرية تتمتع بعلاقات دولية ذكية وتكنولوجيا وسلاح متطور ونظام ديمقراطي حقًا، فكيف لا تتوقع أن تقهر هذه الدولة ربع مليار عربي يمزقون أنفسهم طيلة الوقت ؟. لا يملك المرء إلا أن يشعر بإعجاب بهذه الدولة، لكنه إعجابك بالبعوضة أو بكتريا الطاعون أو فيروس الإيدز .. لا أحد يحب فيروس الإيدز لكنه يبهرك علميًا عندما تدرس تركيبه.. كيف إنه متكيف وانسيابي ومصمم بدقة لمهمة القتل. كيف استطاعت هذه المجموعة من شذاذ الآفاق القادمين من أوروبا، المسلحين بأسطورة أن يصيروا حقيقة تدعمها 300 قنبلة نووية، وأن يظلوا أحياء يومًا آخر وسط ربع مليار عربي يمقتونهم كالجحيم ؟. لابد أن تنبهر بهذه القدرة وتتساءل عن السبب الذي جعل هؤلاء يحركون المنطقة كلها تبعًا لمصالحهم وأجندتهم.
إسرائيل أداة بارعة متقنة، لكن هل تملك القدرة على البقاء حقًا ؟.. ستون عامًا فقط مرت عليها، تسببت خلالها في عدد لا حصر له من حروب شرسة وبحور من الدماء ومجازر ومآس وثأر لا يسقط بالتقادم، ومن الواضح أنها لا تذوب أبدًا في الوسط الذي غرست فيه ولا تتكيف .. كلما مرت الأيام تفاقم الأمر أكثر وازدادت العداوة .. حتى مع حال العرب الخامل الحالي، فهم مصرون على رفض هذا النبت السرطاني. هل تقدر إسرائيل فعلاً على الاستمرار ؟.. لا أعتقد ولا أتصور .. الجسم يطرد العضو الغريب المزروع مهما طالت المدة ما لم تمُتْ المناعة، والظاهر هنا أن المناعة لم تمُت . فلا أعتقد أن يهوديًا في العالم سيحتفل بمرور مائة عام على قيام دولة إسرائيل.
لست محللاً سياسيًا ، بل أعتمد على معرفتي بطبائع الأشياء، لكني وجدت في كلمات الراحل العظيم د.عبد الوهاب المسيري ما يؤكد هذا الرأي كثيرًا. عبد الوهاب المسيري ظل حتى آخر لحظة يؤمن أن نهاية إسرائيل قريبة جدًا .. بل إنه اعتبر أن فترة عشرين عامًا تفصلنا عن تلك النهاية طويلة جدًا، وهي أقرب إلى التفاؤل الصهيوني، ونحن نعرف طبعًا أن الرجل يعرف ما يقول، وأنه كرس أربعين عامًا من حياته لدراسة الصهيونية واليهودية، فلن يدهشني أن يعرف أكثر من الحاخامات أنفسهم. هناك مفكرون يهود كثيرون توقعوا الشيء ذاته، ومنهم الفرنسي (جاك أتالي) الذي كتب مقالاً شهيرًا عن هذا في الإكسبريس الفرنسية.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لم يقدر على أن يكون إحلاليًا بالكامل – كما حدث في أمريكا وأستراليا – أي أن يبيد السكان الأصليين ليحل محلهم، وقد نجح في هذا ما بين عامي 1948 و1967، ثم بعد عام 1967 وبعد ما ضم كتلة فلسطينية بشرية ضخمة، بدأ يعتمد على فكرة المعازل البشرية للسكان الأصليين والابارتايد، مع التركيز على فكرة المستوطنات لخلق واقع جديد على الأرض بحيث تصير العودة لحدود 1967 مستحيلة. الصراع والتحفز الحربي لفترة ستين عامًا شيء مرهق فعلاً، وقد بدأ هذا يظهر عليهم، لكنهم كذلك غير مستعدين للسلام .. هذا هو المأزق التاريخي الذي وقعت فيه إسرائيل .. تريد سلامًا لكنها كذلك لا تريد إعطاء أية حقوق للعرب ولا تريد التنازل عن حلم الأسطورة التي تعتبر هذا وطن اليهود الذي وعدهم الله به.. المشروع كما يراه الباحث الكبير مليء بالشروخ، لكنه لا يسقط لأن أسباب بقاءه تأتي من الخارج .. أي إن إسرائيل أقرب إلى كوب زجاجي مهشم لا يبقيه سوى يد الغرب التي تمسكه. لا تنس أن السبب في وجودها هو هواية أوروبا لتصدير مشاكلها للخارج .. يومًا ما سوف تتراخى قبضة الغرب عن هذا الكوب المزعج وعندها ....
المقاومة مهما كان الثمن الذي تبذله حققت الكثير جدًا، ومنه " فقدان المجتمع الإسرائيلي للثقة بنفسه إلي حد كبير، وانهيار الإجماع علي الاستيطان، وحدوث هجرة معاكسة من داخل إسرائيل، وتفكك الوضع الاقتصادي، إضافة إلي معاناة الجيش الإسرائيلي المستمرة".. وللمرة الأولى منذ ميلاد إسرائيل رسمت لنفسها حدودًا بعد ما كانت دولة بلا حدود .. إن تطلعاتهم تنكمش ..
حتى على مستوى الأسطورة نفسها فإسرائيل مخالفة للديانة اليهودية، وخطيئة توراتية كبرى اسمها (ضحكت هاكيتس) أي (التعجيل بالنهاية)، وهذا يعني أنه تم تغيير العقيدة اليهودية من الداخل من أجل أغراض إمبريالية توسعية .. يجب ألا ننسى أن جماعة (ناطوري كارتا) ما زالت تحرق العلم الإسرائيلي كل عام باعتبار إسرائيل وطن الزنادقة. الأغرب أن المسيحيين الإنجيليين أهم سند للصهيونية يدعون في الواقع إلى تجميع اليهود في فلسطين تمهيداً إما لتنصيرهم أو لإبادتهم. طبعًا لا أحد يذكر هذا الجزء بتاتًا.
يرى د. المسيري – أستعمل الفعل المضارع باعتبار كلماته باقية - أن الإسرائيليين يواجهون كمّاً عربياً وكيفاً عربياً، فالإنسان الفلسطيني ينمو ويستوعب العصر، فلم يعد هو مزارع البرتقال البسيط الساذج الذي يرقص الدبكة طيلة اليوم ثم يموت برصاصة في رأسه .. ويقول أستاذ جغرافيا في الجامعة العبرية: "الفلسطينيون سيهزموننا في غرف النوم ومدرجات الجامعة"، فلا تنس أن المرأة اليهودية هي أقل نساء العالم خصوبة، والمرأة الفلسطينية على العكس تمامًا.
تذكرت هذا كله وأنا أرى عصبية الإسرائيليين وتوحشهم في الحرب الحالية.. هناك انفلات أعصاب لا شك فيه، وقد رأيت متحدثهم الرسمي يوشك على سب مذيعة قناة الجزيرة، ويؤكد في صلف وعنف :"إسرائيل لا تحتاج إلى مبررات ولسوف نضرب المدارس والمساجد لأن إسرائيل دولة قوية جدًا". شيء ما في كلماته ولغته جعلني أشعر بالحقيقة .. هذا رجل خائف فعلاً.. لهذا هو متوحش ..
هذه حرب لا تجرؤ إسرائيل على أن تفكر في خسارتها .. لو خسرتها بعد عامين من هزيمتها في لبنان، ولو هزمت على يد ميليشيات محاصرة ضعيفة التسليح، فمعنى هذا أن هيبتها وقوتها الرادعة انتهت للأبد. ما معنى أن تخسر الحرب ؟.. عندما تقضي دولة نووية أسبوعين في محاولة القضاء على المقاومة أو منع إطلاق الصواريخ فلا تنجح، ويموت جنودها وتسقط الصواريخ – مهما كانت بدائية – على قواعدها، فهي تخسر فعلاً. عندما لا تجد حلاً سوى قصف البيوت الآمنة وذبح الأطفال، ولا تخجل من كون هذه أحقر حرب خاضتها في تاريخها، فإنها تخسر الحرب أو خسرتها فعلاً، وكما قال صديق لي ساخرًا: "يعني معنى كده أنه لو عند حماس دبابة واحدة كانت حتخلّص !!‍" .
إنهم يخسرون بلا توقف .. المظاهرات التي تغلي في العالم كله، والعالم العربي الذي يوشك على التوحد بمعجزة على مستوى الشعوب على الأقل، وحساب الدم الذي يتضخم بلا توقف .. ثم هم يخالفون قاعدة استراتيجية مهمة ذكرها هيكل على لسان أحد قادتهم: "يجب صيد مصر بالحربون وصيد الشام بالشبكة" .. أي أنه يجب التعامل مع مصر بعنف وقسوة، بينما يجب التعامل بكياسة جراحية مع أهل الشام. السبب هو أنه لا يجب ترك ثأر دائم مع الجيران .. طبعًا صار لدى كل بيت في فلسطين – والعالم العربي في الواقع - دين دم لابد من سداده يومًا ما.
نعم .. هم يزدادون عصبية وبالتالي توحشًا. الذئب المسعور هائج يضرب رأسه في القفص ويمكن أن يقضم أية يد يجدها أمامه، ولنا أن نتوقع عددًا لا بأس به من المذابح قبل أن تواجه إسرائيل الحقيقة: أنها فشلت مرة أخرى.
نعم .. لا أعرف المستقبل، ولا أعرف ما في جعبتهم ولا كم سوف يكلفنا هذا، لكن النظر لهذا الوضع يقول إن استمرار إسرائيل مستحيل .. لن تنجح في إبادة الفلسطينيين بالكامل، ولن تمتزج أبدًا بالوسط المعادي المحيط بها الذي يلفظها بلا توقف. أتذكر هنا كلمات أحد مفكريهم الساخرين الذي يوصي آخر من يغادر البلاد أن يطفئ النور ويغلق صنبور الماء قبل أن يركب الطائرة إلى بولندا!

ايهاب احمد عمر
15-01-2009, 04:34 PM
في انتظار التترات - الحلقة الاولي

قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز


http://www.boswtol.com/affareet/images/231/action_03.jpg

سأعترف لك بشيء: أنا أمقت أكلة لحوم البشر.. إنهم سمجون يفتقرون لروح الدعابة، ولهم عادات غذائية مقززة نوعًا..

مصاصو الدماء كذلك لا يوحون بالثقة.. إنهم يكذبون كثيرًا جدًا جدًا.. موضوع أن تسمح لهم بالدخول بكامل إرادتك الحرة يجعلهم لا يكفون عن الكذب.. أما المذءوبون فهم لطيفو المعشر.. لا أملك تحفظات ضدهم، لكن عليك أن تتذكر التقويم القمري جيدًا.. لو جلست مع رجل مهذب، ولاحظت فجأة مع قدوم الليل أنه متوتر قلق وأن عينيه تحمران وأنه يريد أن يترك وشأنه.. ولو دفن وجهه بين ذراعيه ثم رفعه؛ لتجد أنك تحدق في وجه ذئب، فهي مشكلتك أنت..

"الزومبي" كذلك لا يروقون لي؛ بسبب رائحتهم الكريهة.. هم بطيئو الحركة ويمكن أن تفر منهم، لكنك تنسى عامل "الدهولة" أو التورط، حيث ترتبك وتتعثر وتسقط على الأرض، وحينما تنهض على قدميك تكتشف أنك محاط بعشرين منهم.. إنهم يتحركون ببطء لكن بثقة..

بصراحة.. لو كان عليك الاختيار ولو كان عليك أن تجد عريسًا لابنتك، فعليك بالمذءوبين.. فقط تأكد من أن تبتعد عن يوم الاكتمال القمري..

أقدم لك نفسي: "ديفيد كالاواي".. بطل أفلام رعب.. لا أعني أنني ممثل بل أعني أنني أعيش في فيلم رعب فعلاً.. أنت مندهش.. أليس كذلك؟.. أنت تعتقد أنه لا وجود لحياة بطل الفيلم داخل الفيلم.. إنه مجرد سيناريو مكتوب وممثلين.. حسن.. دعني أؤكد لك أن لنا حياتنا الخاصة بالداخل.. أنا كائن حي لي إرادة مستقلة داخل الشاشة..

لماذا أنا "ديفيد"؟.. هل رأيت فيلمًا أمريكيًا بطله ليس "ديفيد" أو "سام" من قبل؟.. إن سيطرة اليهود على هوليوود أمر صار مملاً..

هناك قواعد عامة جمعها محبو أفلام الرعب؛ ليعرف بها البطل كيف يظل حيًا حتى تترات النهاية.. أنا جربت هذه النصائح ووجدتها مفيدة كلها.. والسبب هو أن كتَّاب أفلام الرعب ينقلون من بعضهم نقلاً حتى صارت هناك قواعد ثابتة نعرفها..

في البداية أنا أراقب التترات لأعرف أين اسمي بالضبط.. لو كان اسمي هو الأول ضمن الممثلين فأنا سأعيش حتى النهاية.. طبعًا هناك أفلام إيطالية شنيعة اسمها "الجياللو" يموت فيها الجميع حتى البطل والمخرج والمصور، لكن سنفترض أن هذا الفيلم أمريكي..
http://www.boswtol.com/affareet/images/231/action_02.jpg


هناك طريق سريع في مكان ما من الغرب الأمريكي.. أنا أقود سيارتي الفارهة جوار فتاتي وأُصغي لموسيقا الروك. اسمها "سارة" -تأثير يهودي آخر- وترتدي ثيابًا خليعة.. هي كذلك مدمنة مخدرات.. هكذا أعرف يقينًا أنها ستكون الضحية الأولى.. الفتيات الخليعات يمُتْنَ في نصف الفيلم الأول..

يمكنني الآن أن أصنِّف الفيلم الذي نحن فيه بسهولة.. هذا من أفلام الطرق السريعة.. هناك مليون فيلم بهذه الطريقة.. رحلة في طريق سريع مقفر.. ربما تطاردنا شاحنة مجنونة أو يستوقفنا شرطي سير أو تتعطل السيارة.. بعد هذا نجد أنفسنا في بلدة ليست على الخرائط، ويعيش فيها أكلة لحوم بشر أو عبدة شيطان أو مسوخ تشوهت بالانفجار النووي.. طبعًا الشرطي جزء من هذه المؤامرة.. و.. فعلاً.. السيارة تصدر أصواتًا غير مريحة على الإطلاق.. إنها موشكة على أن تتعطل..

ماذا ينتظرنا.. هل لاحظ أحد اسم الفيلم؟.. هذا غريب.. أنا لم ألحظه وكان يمكن أن يساعدني.. لو كان اسم الفيلم "الغيلان" أو "عندما يكتمل القمر" مثلاً لأمكننا أن نتوقع ما سنراه..

قالت "سارة" وهي تقذف في فمها بقطعة لادن:
- (اسم المخرج "خافير لوبيز").

آه !.. ذلك الوغد المكسيكي السادي!.. أعرفه.. سوف يكون فيلمًا داميًا فعلاً، فهو على شيء من المرض النفسي.. غالبًا لن يكون هناك شيء خوارقي.. مجرد مجموعة من السفاحين..

سوف نرى.. سوف نرى....

يتبع

المصدر :
http://www.boswtol.com/affareet/naction_231_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_231_01.html)

ايهاب احمد عمر
15-01-2009, 05:32 PM
الأم
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_231_04.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_231_04.html)

د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......

http://i407.photobucket.com/albums/pp154/ladyoscar3000/Dr%20Ahmad/charles.jpg

لن تجد شريطًا للمقطوعات الهادئة أو الأغاني القديمة يخلو من هذا اللحن. (شارل أزنافور) المطرب الفرنسي أرمني الأصل يصف لنا بدقة وحساسية مشهد وفاة أمه، ويصف كيف احتشدت الأسرة حول فراشها، وكيف عاد ابنها العقوق؛ ليرتمي عند قدميها. بينما في الخارج تدور الحياة دورتها اليومية. بعد ماما سوف يتغير كل شيء ولن يعود العالم أبدًا كما كان..

لحن يقطر بالرقة وصوت يوشك أن يسيل منه الدمع أو الدم لا أدري بالضبط.. لو كنت لا تعرف هذه الأغنية -وهذا مستحيل على الأرجح- فإنني سأحظى بقدر لا بأس به من الشتائم؛ لأنني جعلتك تبكي وجعلت قلبك يعتصر ألمًا. هذا حقيقي.. لكنه ذلك الألم المقدس الذي يجعلنا أصفى وأرق..
سوف تتذكر هذه الأغنية طويلاً جدًا، ولسوف تبقى نغمتها السهلة تتردد في ذهنك طيلة اليوم، فإذا جعلتك هذه الأغنية تدنو من أمك لتلثم أطراف أناملها وتحمد الله على أنها ما زالت تمنَح الدفء والترابط للأسرة، فهذا يشعرني أنني لم أترجم الأغنية سدى..

يمكنك سماع ومشاهدة كليب للأغنية على الوصلة:

http://www.youtube.com/watch?v=fYSHG5f7VZg

وهي مناسبة جدًا وإن كان المقطع الأخير (الآن انظري في وجهي يا ماري كلير.....) غير موجود، وإن كان يمكنك تخمين اللحن مما سبق..

الأم

Ils sont venus,
Il sont tous là,
Dès qu'ils ont entendu ce cri,
Elle va mourir la mamma,

كلهم جاءوا..
كلهم كانوا هنا..
ما إن سمعوا تلك الصرخة..
وعرفوا أنها ستموت...
ماما..

***

Ils sont venus,
Ils sont tous là,
Y'a même Georgio,
Le fils maudit,
Avec des présents plein les bras.

كلهم جاءوا..
كلهم كانوا هنا..
حتى "جورجيو" وصمة عار الأسرة
جاء..
وذراعاه مليئتان بالهدايا

***

Tous les enfants jouent en silence,
Autour du lit sur le carreau,
Mais leurs jeux n'ont pas d'importance,
C'est un peu leur dernier cadeau,
A la mamma.

كل الأطفال راحوا يلعبون في صمت
حول الفراش أو على الأرض..
لكن لعبهم لم يكن ذا أهمية..
إن هذه هي هديتهم الأخيرة لماما

***

On la réchauffe de baisers,
On lui remonte ses oreillers,
Elle va mourir la mamma,
Sainte Marie,
Pleine de grâce,
Dont la statue est sur la place,
Bien sûr vous lui tendez les bras,
En lui chantant Avé Maria,
Avé Maria.

غمروها بقبلاتهم الدافئة
ورفعوا لها الوسائد..
يعرفون أنها ستموت
ماما..
والعذراء "مريم"
المليئة بالجلال

التي يقف تمثالها في الغرفة..
لابد أنك رفعتِ ذراعيك لها وغنيتِ
المجد للعذراء

***

Y'a tant d'amour,
De souvenirs,
Autour de toi,
Toi, la mamma,
Y'a tant de larmes,
Et de sourires,
A travers toi,
Toi, la mamma.

لكم من حب
وكم من ذكريات تحيط بك يا ماما..
لكم من دموع وابتسامات
جاءت منك يا ماما..

***

Et tous les hommes ont eu si chaud,
Sur les chemins de grand soleil,
Elle va mourir la mamma,
Qu'ils boivent frais,
Le vin nouveau,
Le bon vin de la bonne traye,
Tandis que s'entassent pêle mêle,
Sur les bancs foulards et chapeaux

الرجال يشعرون بالحر في الطرقات المشمسة
وهي ستموت..
ماما...
يشربون نبيذًا باردًا جيدًا
من كرمة طيبة..
وهناك في الشارع سوق خيرية لبيع القبعات والأوشحة..

***

C'est drôle,
On ne se sent pas triste,
Près du grand lit de l'affection,
Y'a même un oncle guitariste,
Qui joue en faisant attention,
A la mamma.

شيء غريب!
لا يوجد شعور بالحزن حول الفراش الكبير..
هناك عمُّ يجيد عزف الجيتار
يضرب الأوتار وهو ينظر باهتمام
لماما

***

Et les femmes se souvenant,
Des chansons tristes des veillées,
Elle va mourir la mamma,
Tout doucement les yeux fermés,
Chante comme on berce un enfant,
Après une bonne journée,
Pour qu'il sourit en s'endormant,!

النسوة يتذكرن أغنيات السهر القديمة.
وماما ستموت..
بنعومة تغمض العينين
كأنك تغني لطفل بعد يوم جميل..
فيبتسم وهو يغيب في النوم..

***

Avé Maria,
Y'a tant d'amour,
De souvenirs,
Autour de toi,
Toi, la mamma,
Y'a tant de larmes,
Et de sourires,
A travers toi,
Toi, la mamma,
Que jamais,
Jamais,
Jamais,
Tu nous quitteras

لكم من دموع وابتسامات وذكريات
جاءت منك يا ماما..
لن تفارقينا أبدًا
أبدًا..
***

ايهاب احمد عمر
16-01-2009, 01:43 AM
فلسفة الثعبان غير المقدس

قلم د. أحمد خالد توفيق
http://www.boswtol.com/5gadd/images/231/sahsah_02.jpg
فليرحم الله شاعرنا التونسي العظيم "أبا القاسم الشابي". هذا الشاب ظاهرة يجب أن تتم دراستها بعناية أكثر. موهبة اشتعلت كبركان بلغت نيرانه عنان السماء خلال عمر قصير لم يطل أكثر من 25 عامًا، ثم خمد بسرعة البرق إذ قتله داء القلب (وقيل الدرن)، حتى أن مجلة (أبوللو) الشعرية قدمته بكل فخر للقراء في عدد ثم نعته لهم في العدد التالي!.. نموذج آخر للموهبة الحارقة التي تتوهج بعنف وسرعة ثم تتحول لرماد وتحرق صاحبها معها، فالجسد البشري له قدرة معينة على تحمل العبقرية لا يتحمل أكثر منها.
في هذه السنين النادرة انهمرت أشعار الفتى بلا توقف، وحدت بصيرته إلى درجة أن قصائده صارت أمثالاً ونبوءات وأناشيد قومية. كم مرة رددت فيها:
"إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر"

وكم مرة قلت فيها:
"لا عدل إلا إن تعادلت القوى
وتصادم الإرهابُ بالإرهابِ"

لاحظ الكلمات المختارة وكيف أنها عصرية جدًا.. في ذلك الوقت (عشرينيات القرن العشرين) لم تكن قضية الإرهاب ساخنة أو موجودة أصلاً، لكنك تشعر بأن العبقري يعلق على ما يحدث في غزة اليوم. لقد اجتازت نظرته الثاقبة الزمن والمسافات.
كنت أصغي لقناة الجزيرة؛ لأني تعبت من مشاهدتها، وقد اختلطت الرؤى والمشاهد في ذهني من فرط ما رأيت من مذابح وجثث أطفال وفوسفور، عندما وقعت عيني على كعب الديوان القديم لـ"أبي القاسم الشابي" الذي لم أقرأه منذ عشرين عامًا لأنني أحفظه تقريبًا. رحت أقلب الصفحات وقد تذكرت قصيدة رائعة كتبها الشاعر، وتذكرك بقصص (كليلة ودمنة) وقصص الحيوانات التي تحكي عن البشر في الواقع. القصيدة اسمها (فلسفة الثعبان المقدَّس).. القصيدة تبدأ بداية منعشة جدًا..
إن الشحرور يغني في مرح ليوم ربيعي مشمس.. لكن:
"ورآه ثعبان الجبال فغمـــــهُ
ما فيه من مرحٍ وفيضِ شبابِ
فانقض مضطغناً عليه كأنــــه
سوط القضـاءِ وفريـة الكــذابِ"

هكذا راح الشحرور يصرخ وهو في فم الثعبان:
"ماذا جنيتُ أنا فحقَّ عقابي؟
لا شـــيء إلا أننــــي متـغـــــزلٌ
بالكائـنات مغــــردٌ في غابـــي
أيـعّدُ هـذا في الوجـــود جريمـةً
أين العدالة يا رفاق شبــــابي؟
لا أين فالشرع المقدس هاهــنا
رأي القـوي وفكـــرةُ الغـــــلابِ
وسعادة الضعفاء جرمٌ ما لهُ عند
القـوي سوى أشــد عقـــــابِ"


بالفعل تشعر أنك تعرف هذا الشحرور نوعًا، لكن شحرورنا العربي لا يغرد أصلاً.. لقد كتموا صوته منذ زمن بعيد. على أن الشحرور يواصل الشكوى مشهِدًا الدنيا كلها على أن العدالة أكذوبة:
ولتشهد الدنيا التي غنيتـها
حلم الشباب وروعــة الإعجـــابِ
أن الســـلام حقيقة مكذوبةٌ
والعدل فلسـفة اللهيب الخابي



ثم يقول بيت الشعر العظيم الذي يلخص كل شيء، والذي يعرف كل طفل أنه الحقيقة بعينها:
لا عدلَ إلا إن تعادلت القوى
وتصـــادم الإرهــابُ بالإرهــابِ

كل طفل عرف ذلك، لكن من قال إن السياسيين يتمتعون بذكاء الأطفال؟.. لو كان الأمر كذلك لكانت الحياة رائعة.. ضباب السياسة والمصالح يحجب الحقائق فلا يعرفون أي الألوان الأبيض وأيها الأسود..
هنا يبتسم "باراك".. آسف.. أقصد الثعبان... بالمناسبة.. لا أعرف لماذا يبدو هؤلاء الإسرائيليون من الخارج بالضبط كما هم من الداخل؟.. هذه ظاهرة غريبة فعلاً.. "باراك" ثعبان أملس باسم بملامحه الدقيقة الخالية من الرجولة.. تذكر أنه كان متنكرًا كامرأة شقراء في العملية الخاصة على بيروت، فيبدو أنهم أجادوا الاختيار فعلاً (كل الصحف وقتها قالت: إن امرأة حسناء كانت تقود مجموعة رجال الكومندوز الإسرائيليين).. "شارون" خرتيت بلا زيادة ولا نقصان.. "ليفني" نمرة متوحشة تتظاهر باللطف أحياًنا قبل أن تلتهم ذراعك.. "نتنياهو" فتوة المدرسة الضخم الشرس محدود الذكاء الذي يضرب الصبية المتفوقين.. "بيريز" يشبه بالضبط "كرستوفر لي" الذي كان يقوم بدور "دراكولا" في أفلام "هامر" القديمة، حتى تتوقع أن يبرز له نابان في أية لحظة..
دعنا من هذا ولنواصل سماع قصيدة الشابي.. قلنا إن "باراك" -أقصد الثعبان- ابتسم:
فتبسَّم الثعبان بســمةَ هازئ ٍ وأجاب في سـمتٍ وفــرط كذاب
يا أيها الغـِـرُّ المثــرثــرُ إننـــــي أُرثــــي لثــورة جهـــلك الثــــلابِ
إني إله طالما عبد الورى ظلّي وخافــــوا لعنتــــي وعقــــــــابي
وتقربوا لي بالضـحايا منـــــهمُ فرحــين شـــأن العـــابـــد الأوّابِ
أفلا يسرُّك أن تكون ضحيتـي فتحلَّ في لحمي وفي أعصابي؟
وتكون عزماً في دمي وتوهجاً في ناظري وحدةً فـي نابــــــي؟

هذا هو منطق الطاغية.. أنا إله ومما يشرفك ويرفع مقدارك أن تكون ضحية لي.. لحسن الحظ أنه لم يقل له: من حقي الدفاع عن نفسي، أو هذا هو المخاض الضروري من أجل شرق أوسط جديد..
على كل حال، لا جدوى من المنطق إلا لإقناع المجتمع الدولي بأن هناك مبررًا قويًا فيستريح ضميره؛ لأن "السلام حقيقة مكذوبةٌ" أما بالنسبة للشحرور فهو سيؤكل في جميع الظروف، لهذا يقول وهو يحتضر:
لا رأي للحق الضعيف ولا صــدى والــــرأي رأي القاهــر الغــــلابِ
فاصنعْ مشيئتك التي قد شئتها وارحم جلالك من سماع خطابي
انتهت القصيدة الرائعة..
درسٌ عمره تسعون عامًا ألقاه "العبقري" على مسامعنا قبل أن يلقى ربه.. القوة منطق حق في حد ذاته، ولا جدوى من الصراخ أو طلب العدالة أو استجداء العالم "فالشرع المقدس ها هنا رأي القوي وفكرةُ الغلابِ".. لا عدل إلا إن تعادلت القوى.. أنت آمن بقدر ما أنت قوي قادر على إرهاب خصمك.. العالم يحترمك بقدر ما أنت مهيب، وإلا فلن تظفر سوى بصراخ بعض مؤيدي حقوق الإنسان وتأييدهم لك.. لقد كانت مشكلة الشحرور أنه كان أرق من اللازم وأضعف من اللازم..
تعلمنا من حماس وحزب الله أن الشجاعة لا تنقصنا، إذن فالفجوة فجوة علم وفجوة إرادات، وعلينا أن نسد هاتين الفجوتين حتى لا يلتهمنا "باراك".. أقصد الثعبان غير المقدس مرة أخرى.

المصدر :
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_231_03.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_231_03.html)

Dr.Ahmed
16-01-2009, 01:32 PM
تسلم ايدك يا إيهاب .. خاصة إعادة تنسيق الأبيات لأن موقع بص وطل رتبها بطريقة تجعلها مستحيلة القراءة .. والمستحيل الآخر هو إعادة التصحيح هناك بعد النشر.
فقط العنوان هو (غير المقدس) وليس (الغير مقدس) لأن أداة التعريف لا تدخل على (غير) أبدًا إلا في الاستعمال المعروف (عند الغير). والمثال الأقوى في القرآن الكريم: (غير المغضوب عليهم).

أكتب هذا التنويه ليس لأنني أعتبر كلماتي مقدسة لا يجب أن يتغير حرف منها لا سمح الله، ولكن لأنني أنتقد هذا الخطأ طيلة الوقت، وبالتالي يمكن أن يعتقد من يقرأ المقال أنني أقول ما لا أفعل وأرتكب ذات الأخطاء التي أسخر منها !

لكني بالطبع أكرر شكري ..

ايهاب احمد عمر
16-01-2009, 02:20 PM
تسلم ايدك يا إيهاب
العفو يا استاذي :)
فقط العنوان هو (غير المقدس) وليس (الغير مقدس) لأن أداة التعريف لا تدخل على (غير) أبدًا إلا في الاستعمال المعروف (عند الغير). والمثال الأقوى في القرآن الكريم: (غير المغضوب عليهم).

أكتب هذا التنويه ليس لأنني أعتبر كلماتي مقدسة لا يجب أن يتغير حرف منها لا سمح الله، ولكن لأنني أنتقد هذا الخطأ طيلة الوقت، وبالتالي يمكن أن يعتقد من يقرأ المقال أنني أقول ما لا أفعل وأرتكب ذات الأخطاء التي أسخر منها !

لكني بالطبع أكرر شكري
هو خطأ مني في نقل العنوان :o .. و تم تعديل الرد .

ايهاب احمد عمر
23-01-2009, 11:25 AM
في انتظار التترات .. الحلقة الثانية

قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز


http://www.boswtol.com/affareet/images/232/action_01.jpg
السيارة تالفة فعلاً.. لا أعرف ما المشكلة، لكني أنظر إلى الأفق عالمًا أنني سأرى البلدة.. لا شك في هذا.. لو لم توجد بلدة فلا فيلم هنالك.. "سارة" تنظر لي عبر زجاج السيارة وتلوك اللادن. لو تركتها هنا سأعود لأجد عنقها قد طار طبعًا.. ربما كان من الأفضل أن تأتي معي..
طلبت منها أن تلحق بي، ولم أنس أنْ أدُسَّ في جيبي مسدسًا وخنجرًا.. معي صليب صغير لكنني لن أستعمله، فأنا متأكد من أن هذا ليس فيلمَ مصاصي دماء.. مصاصو الدماء تقابلهم في الأفلام ذات الجو الفكتوري.. حيث الشمعدانات والكونتيسات والقِلاع المهجورة، أو تقابلهم في صورتهم العصرية بمعاطف الجلد الطويلة وموضات (البانك) فوق أسطح نيويورك..

مشينا في الصحراء بعض الوقت.. أعرف أن الظروف مناسبة جدًا كي تخرج دودة عملاقة من الرمال تبتلع "سارة" وتغوص ثانية.. لكن هذا لم يحدث..

هذه هي البلدة.. خالية تمامًا والريح تعوي في شوارعها، وهذا الباب يُفتَح ويُغلَق بلا انقطاع.. هناك كنيسة صغيرة أو ما يبدو كذلك.. بالطبع لا تكون الكنيسة كنيسة في هذه البلدان المهجورة أبدًا.. أنت تدخل لتجد مذبحًا تمارس فيه عقيدة غامضة.. ربما تجد فتاة مقيدة يستنزفون دمها..
هناك حانة صغيرة.. ندخلها... وأتجه إلى الكاونتر وأقرع الجرس..
لحظة !.. هل تلاحظ أن صوت الموسيقى قد توقّف؟ كانت هناك موسيقى تصويرية وتوقفت.. ثمة شيء موشك على الحدوث!...

"سارة" تفتح خزانة جدارية صغيرة فيعوي قط واثبًا منها.. تطلق "سارة" صرخات الهلع وتثب للخلف..ثم تهدأ قليلاً وقد أدركت أن هذا قط..

لكني أعرف أفضل منها.. القط في أفلام الرعب لا يمر بسلام أبدًا.. إنه خضة مزيفة تجعلك تطمئن قبل أن يأتي الرعب الحقيقي بثوان..
قلت لها وأنا أنظر حولي:
ـ"سوف يثب شيء علينا الآن.. توقّف الموسيقى التصويرية لا يريحني"

هنا حدث ما توقعت.. انفجرت الموسيقى التصويرية، ووثب ذلك الرجل من خلف الكاونتر.. رجل ذو وجه مشوه تمزق أكثره.. وثب علينا ثم سقط وقد اصطدم بالكاونتر نفسه.. ارتطم رأسه بالرخام وتكوم هناك خلفه..

جريت لأعرف ما حل به فأدركت أنني كنت محقًا بصدد نوعية الرعب في هذا الفيلم.. هذا رجل تعرض لخطر مرعب.. خطر يلتهم أكثر جسدك.. هل هو صاحب الحانة ؟.. لا أعرف.. إنه ميت..
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/action_02.jpg

سمعت "سارة" تصرخ من جديد فنظرت للخلف..

كان ذلك المسخ الشبيه بالإنسان يزحف على أربع خارجًا من باب جانبي.. إنه يحمل شكلاً بشريًا لكنه يعوي كالذئاب والدم يسيل من شدقيه.. لا داعي للبحث عمن قتل الساقي أو صاحب الحانة.. إنه أمامي الآن..

أخرجت المسدس وأطلقت ثلاث رصاصات على ذلك الشيء فعوى بجنون ثم تكوم على الأرض في بركة دم..

سألتْ "سارة" وهي ترتجف:
ـ"ما.. ما هذا؟"

ركلتُ الجثة بطرف حذائي وقلت:
ـ"نتيجة تجربة نووية يقوم بها الجيش الأمريكي في هذه الصحراء.. هذا احتمال. ربما التوأم السيامي المشوه لصاحب الحانة.. ربما هناك عالم مجنون قريب من هنا يعبث بالجينات.."

ـ"لكن هذا مرعب.."

ـ"ومَن قال يا عزيزتي إننا في فيلم كوميدي أو عاطفي؟.. هذا فيلم رعب فلا أقل من أن يتم إرعابنا.."
فقط أدعو الله ألاّ يكون فيلمًا كل مهمته أن يعرض لنا براعة الماكيير.. إن هذه الأفلام كثيرة جدًا.

سمعتُ "سارة" تصدر صوتًا غريبًا فنظرت لها.. كانت تعوي كالوحوش، ثم إنها سقطت على يديها وركبتيها وبدأ الزبد يسيل من شدقيها!

يا لك من مخبولة..!.. هل جرحك المسخ فنقل لك العدوى؟.. لقد تحولتِ بسرعة جدًا.. كنت أعرف أنك ستموتين لكن ليس بهذه السرعة!!

يتبع

ايهاب احمد عمر
23-01-2009, 11:27 AM
كوميكس المحترف





رسوم : عبدالله أحمد
سيناريو : د.أحمد خالد توفيق












http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_01.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_02.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_03.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_04.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_05.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_06.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_07.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_08.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_09.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_010.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/232/comics_011.jpg

ايهاب احمد عمر
23-01-2009, 11:32 AM
فصول تحت الشمس
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_232_04.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_232_04.html)


د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......

http://www.boswtol.com/tafaneen/images/232/kalam_08.jpg

هذه المرة نخرق قاعدة القدم، فنقدم لك أغنية تنتمي لعام 1974!.. أي أنها حديثة جدًا بالنسبة لي!.. سوف تتذكر هذه الأغنية الرائعة على الفور لو كنت مهتماً بالأغاني الغربية أو تسمع شرائط المقطوعات الموسيقية الهادئة. (تيري جاكس) مطرب كندي شهير، له صوت هامس حزين مليء بالشجن، قدم لنا أغنيتين شهيرتين، الأولى هي (لو رحلت بعيدًا) والأخرى هي هذه الأغنية. إنها ترجمة إنجليزية لأغنية فرنسية لم تنل ذات القدر من الشهرة اسمها (المحتضر).
الأغنية يغنيها رجل موشك على الموت، في الأصل الفرنسي يظهر بوضوح أنها رسالة انتحار يودع فيها الحياة؛ لأنه اكتشف أن زوجته تخونه، لكن (تيري جاكس) فضل أن يسود الأغنية جو الغموض بحيث لا نعرف أبدًا لماذا يموت هذا الشاب، هل هو مريض بمرض عضال؟.. هل انتحر؟.. هل قضى عليه إسرافه في اللهو بسبب (الكثير من الخمر والغناء)؟.. لا نعرف أبدًا.. لكنه يودع صديقه المخلص.. يودع أباه ويعتذر له.. يودع حبيبته (ميشيل).. ونفهم أنه يحب الحياة فعلاً برغم كل شيء..
هناك تعبيرات بليغة فعلاً مثل: (تعلمنا الحب وحروف الهجاء) و(خدشنا قلبينا.. وخدشنا ركبتينا).. هو وصاحبه طفلان يلعبان فيخدشان ركبتيهما في لعب الكرة، ويخدشان قلبيهما في قصص الحب الأولى. لكني لم أفهم بالضبط عبارة:
"But the hills that we climbed were just seasons out of time."
ولعلها تعبير إنجليزي شائع. طبعًا تعبير (الخروف الأسود) معناه (وصمة عار للأسرة)..
صوته مؤثر جدًا واللحن رشيق لا يمكن نسيانه، وتقول موسوعة "ويكيبيديا": إن الأغنية تستخدم أسلوبًا موسيقيًا فريدًا اسمه "Gear shift" بالانتقال لمفاتيح أعلى مما يلعب بعواطف المستمعين. بما أن معلوماتي في الموسيقى تشبه معلوماتي في الانشطار النووي، فإنني سأترك فهم هذا الكلام للعباقرة الذين يملكون خلفية موسيقية. لا يجب أن أعرف طريقة طهي البازلاء لأستمتع بها.

يمكنك سماع الأغنية ورؤيتها على الرابطة التالية:
http://www.youtube.com/watch?v=pfm-17pu6SQ


وداعًا لك يا صديقي المخلص
لقد عرفنا بعضنا منذ كنا في سن التاسعة والعاشرة..
معًا تسلقنا الجبال والأشجار..
تعلمنا الحب وتعلمنا حروف الهجاء..
خدشنا قلبينا.. وخدشنا ركبتينا..

Goodbye to you, my trusted friend.
We've known each other since we're nine or ten.
Together we climbed hills or trees.
Learned of love and ABC's,
skinned our hearts and skinned our knees.

***
وداعًا صديقي.. من العسير أن يموت المرء
بينما الطيور تغرد في السماء
لأن الربيع يملأ الجو الآن..
الفتيات الجميلات في كل مكان..
فكر في وسأكون هناك.

Goodbye my friend, it's hard to die,
when all the birds are singing in the sky,
Now that the spring is in the air.
Pretty girls are everywhere.
Think of me and I'll be there.

***

لقد ابتهجنا.. لقد مرحنا..
لقد عشنا فصولاً تحت الشمس..
لكن الجبال التي تسلقناها
كانت فصولاً خارج الزمن..

We had joy, we had fun, we had seasons in the sun.
But the hills that we climbed
were just seasons out of time.

***

وداعًا يا أبي.. أرجوك أن تصلي من أجلي.
كنت أنا وصمة عار الأسرة..
حاولت أن تعلمني الصواب من الخطأ..
الكثير من الخمر والكثير من الغناء
فلا أفهم كيف ظللت حيًا حتى اللحظة..

Goodbye, Papa, please pray for me,
I was the black sheep of the family.
You tried to teach me right from wrong.
Too much wine and too much song,
wonder how I get along.

***

وداعًا يا أبي.. من العسير أن يموت المرء..
بينما الطيور تغرد في السماء
لأن الربيع يملأ الجو الآن..
أطفال صغار في كل مكان
عندما تراهم فأنا هناك..

Goodbye, Papa, it's hard to die
when all the birds are singing in the sky,
Now that the spring is in the air.
Little children everywhere.
When you see them I'll be there.

***

لقد ابتهجنا.. لقد مرحنا..
لقد عشنا فصولاً تحت الشمس..
لكن الخمر والأغاني
مثل فصول العام قد ولت جميعًا..

We had joy, we had fun, we had seasons in the sun.
But the wine and the song,
like the seasons, all have gone.

***

وداعًا يا (ميشيل) يا صغيرتي..
لقد منحتني الحب وساعدتني كي أجد الشمس..
وكلما انهَرْت
كنت دائمًا بقربي
تساعدينني كي أقف على قدميّ من جديد..

Goodbye, Michelle, my little one.
You gave me love and helped me find the sun.
And every time that I was down
you would always come around
and get my feet back on the ground.

***

وداعًا يا (ميشيل).. من العسير أن يموت المرء..
بينما الطيور تغرد في السماء
لأن الربيع يملأ الجو الآن..
مع الأزهار في كل مكان..
أتمنى لو استطعنا أن نكون هناك معًا..

Goodbye, Michelle, it's hard to die
when all the bird are singing in the sky,
Now that the spring is in the air.
With the flowers ev'rywhere.
I whish that we could both be there.

***

لقد ابتهجنا.. لقد مرحنا..
لقد عشنا فصولاً تحت الشمس..
لكن النجوم التي بلغناها
كانت مجرد نجوم بحر ملقاة على الشاطئ..

We had joy, we had fun, we had seasons in the sun.
But the stars we could reach
were just starfishs on the beach

***

yassmen.hassan
27-01-2009, 09:52 AM
عن الصهاينة النازيين



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com



جدل طويل ذلك الذي غرقت فيه لعدة أيام مع مرتادي أحد مواقع الإنترنت من مؤيدي إسرائيل الأوروبيين، وهم ببساطة يؤمنون أن تلك الحرب على غزة هي حرب بين الخير والشر .. فقط من المصادفة السعيدة أن الخير – لأول مرة - يملك طائرات اف 16 وقنابل نووية وفوسفورية وطائرات أباشي. هذا وضع فريد غير معتاد كما ترى. بالطبع غلى دمي، وانهمكت في جدل طويل عقيم لا جدوى منه، حيث أن أحدنا لن يوقف الحرب بالضغط على زر. ضمن ما قلته إن عليهم أن يدركوا جيدًا أن الصهاينة حاولوا جاهدين التحالف مع النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، وهذا ورد بوضوح في كتاب جارودي (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية). هنا صار رد فعلهم مسعورًا: "نعم يا روح أمك ؟... هذه جديدة فعلاً.. هل تتصور يا أحمق أن اليهود يمكن أن يتحالفوا مع حارقي اليهود ؟" . وواحد منهم يحمل بعض الطباع المصرية كما يبدو من طريقة كلامه: "لا يهمني أن تتوارى بجبن خلف هذا الاسم المستعار، فلسوف نجدك ولسوف تُحاكم بتهمة إنكار المحرقة". قلت لهم: "إن النازية لا ترتبط بالمانيا وهتلر بل هي طريقة تفكير، وأنتم قد استحققتم اللقب بكل جدارة".
وجدت أنني فعلاً دست على أقدامهم المتقرحة، وقد خطر لي أن أبحث أكثر عن دقة هذه المعلومة .. وجدت كلامًا عن رسالة دكتوراه كاملة نوقشت في موسكو عام 1982 وعنوانها (الاتصالات السرية بين النازيين وقادة الحركة الصهيونية). وفيما بعد تحولت إلى كتاب صدر في الأردن اسمه (الجانب الآخر: العلاقة السرية بين النازية والصهيونية). هل تعرف صاحب رسالة الدكتوراه تلك ؟.. (محمود عباس) .. أبو مازن شخصيًا .. وقد عادت هذه الرسالة لتطفو على السطح بعد ما تولى السلطة الفلسطينية، إذ يرى كثيرون من الصهاينة أن (عباس) ليس صديقهم كما يزعم بل هو يخدعهم .. إنه رجل أنكر الهولوكوست يومًا ما، وهكذا لا يمكن أن يثقوا به..
أعتقد أن (محمود عباس) يتمنى أن تتلاشى هذه الرسالة من على وجه الأرض، لكنها تعود لزمن فتح الجميل عندما كان المناضلون مناضلين حقًا (قبل أن يظهر تعب المعادن). ليس هذا موضوعنا على كل حال، ولكننا نتكلم عن تلك العلاقة الآثمة بين الصهيونية والنازية التي نجحت إسرائيل في إخفائها تمامًا عن العالم.
يقول جارودي إن قادة الحركة الصهيونية المتعصبين لفكرة فلسطين كانوا يتمتعون بنظرة عنصرية للشعوب الأخرى، وقد أدى هذا إلى أن صار عداؤهم للإنجليز أشد من عدائهم للنازية. ومن أهم هؤلاء القادة (مناحم بيجين) و(إسحق شامير). لا ننكر أن معظم اليهود كانوا ضد النازية واعتبروا أنفسهم في حرب ضد ألمانيا، لكن عددًا لا بأس به من القادة كان مستعدًا للتحالف مع الشيطان من أجل ارتس يسرائيل. وفي خطاب وجهه الاتحاد الصهيوني الألماني للحزب النازي عام 1933 يقول: "نحن على يقين من إمكانية قيام علاقات طيبة بين ألمانيا واليهود .. إن الدعوات التي تطالب بالمقاطعة والموجهة ضد ألمانيا ليست صهيونية في جوهرها". راقت هذه الأفكار للنازيين لأنها تتحدث عن هدف مشترك هو الخلاص من اليهود بنفيهم إلى فلسطين. وكتب مفكر نازي كبير هو روزنبرج: "يجب دعم الصهيونية بكل قوة !". كانت منظمة هرتزيليا الصهيونية تعمل تحت حماية كاملة من الجستابو. باختصار .. كان يكفي أن تثبت أنك صهيوني حتى تتمتع بحماية كاملة في ألمانيا النازية ‍.. ! هل يعرف العالم هذه الحقيقة المدعمة بالوثائق ؟. المهم هنا – على عكس المعتقد الشائع - أن قائمة المتهمين بميلاد إسرائيل تتضمن ألمانيا النازية في مكان متقدم .. والهدف كان مشتركًا بين اليهود والنازيين ...
كانت هناك عملية انتقاء مستمرة .. اليهود المفيدون من ذوي البراعة المهنية أو الثروة سوف يذهبون لفلسطين، بينما يُترك الفقراء ومعدومو الموهبة ليتسلى بهم هتلر. وقد التقى ناحوم جولدمان بوزير الخارجية التشيكي (بينيس)، فاعترف بأن الأخير (غسله) ولامه لومًا شديدًا على قيام اليهود بخرق المقاطعة العالمية لهتلر.
حتى موسوليني لم يتركوه فأجروا اتصالات معه .. وبعد الحرب تمكن (كاستنر) نائب رئيس المنظمة اليهودية من إنقاذ عنق معاون هملر شخصيًا – ويدعى بيشر - من محاكمات نورمبرج لأنه كان يتعاون معه أثناء الحرب. ولما علت عام 1955 أصوات تحتج في إسرائيل على ذلك ، قالت صحيفة يديعوت أحرونوت : "لو تمت المحاكمة ستكون الحكومة كلها عرضة للانهيار من جراء ما ستكشف عنه!".
أما هرتزل فقد كتب ذات مرة: "سيكون أعداء السامية أوثق أصدقائنا، بينما تصير الدول الحليفة للسامية ألد أعدائنا"
هل اكتفيت ؟.. لا .. إن جماعة شتيرن الشهيرة دعت بوضوح عام 1941 – في ذروة الحرب – إلى التعاون مع النازية في مواجهة بريطانيا. جماعة شتيرن التي ارتكبت عددًا لا بأس به من المذابح في فلسطين والتي ضمت الإرهابي إسحق شامير. نفس الجماعة أرسلت للنازيين وثيقة تفاهم تقول: "إن إقامة دولة اليهود على أساس قومي وبحيث ترتبط بمعاهدة مع الرايخ، من شأنها أن تعزز مكانة ألمانيا في الشرق الأوسط مستقبلاً"
على كل حال لم يأخذ النازيون عروض شتيرن العاطفية المتحمسة على محمل الجد. وفي العام 1941 ألقى الحلفاء القبض على شامير نفسه (بتهمة التعاون مع النازيين). تأمل هذا .. شامير وبيجين اللذان لم يكفا عن الكلام عن المحرقة وكراهية النازي كانا من أطراف قليلة جدًا في أوروبا تحاول جاهدة أن تقدم أية خدمة لهتلر. أما أثناء غزو الاتحاد السوفييتي – وهي غلطة هتلر الكبرى - فقد عرض اليهود بحماس على النازيين أن يزودهم بمعدات استراتيجية على ألا تستعمل إلا على الجبهة الشرقية. لو نجحت هذه الصفقة لتمكن هتلر من هزيمة الاتحاد السوفييتي ولربما ظلت النازية حية حتى اليوم.
وقد وصف بن جوريون بيجين بأنه (ينتمي فعلاً للنموذج الهتلري) .. برغم هذا لم يكف بيجين لحظة عن الكلام عن الهولوكوست ومعاناة أهله فيه .. إن الرجل يحمل طباع مراب يهودي نصاب لا يمكن أن تثق بحرف مما يقول، وقد حكى (سايروس فانس) وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عن أنه دعاه ذات مرة للعب الشطرنج، فقال بيجين بصوته القبيح إنه لم يلعبها منذ كان في المعتقل النازي وراح يحكي ذكرياته عن التعذيب الذي رآه هناك. هنا جاءت زوجة بيجين فرأت رقعة الشطرنج .. قالت في مرح: "هذه اللعبة ؟.. إن زوجي لا يكف عن لعبها ليلاً نهارًا !"
دولة قائمة على الخداع والغدر منذ نشأتها، وانتهاء بالحرب على غزة، حينما قررت أن موضوع الأخلاق في الحرب موضة قديمة يجب الخلاص منها، وأن قوانين جنيف غطاها الصدأ .. هم لا يحاربون لإثبات مبادئ أو تثبيت قيم ولا مجال للفروسية هنا.. المهم ألا يخدش جندي إسرائيلي واحد. نفس المنطق البراجماتي الذي ألقت به أمريكا القنبلة الذرية على اليابان منذ ستين عامًا ونيف.
يجب أن يقرأ الغربيون هذه الوثائق وأن يعرفوا من تعاون مع النازيين حقًا أيام الحرب .. يجب أن يعرفوا حقيقة المحرقة ومن مات فيها فعلاً... هذه هي الدعاية الأقوى والأجدى بدلاً من تبديد الوقت في الكلام عن بروتوكولات حكماء صهيون التي يؤمن دارسو الصهيونية عندنا أنه لا وجود لها أصلاً.

أميرة الورود
29-01-2009, 10:05 PM
في انتظار التترات (3)
بص و طل
29\1\2009

قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز

http://www.boswtol.com/affareet/images/233/action_01.jpg
ضغطت على أعصابي وصوبت المسدس نحوها وأطلقت رصاصتين.. ما زالت معي عشر طلقات في جيبي، ومعي رصاصة فضية لو قابلت مذءوبًا، لكن لا أعتقد أنني سأحتاج لها في هذا الفيلم.. المخرجون المكسيكيون لا يحبون المذءوبين.. ليسوا جزءًا من ثقافتهم..
ونظرت في حسرة إلى الجثة.. جميلة جدًا للأسف ولم أقبِّلها ولا مرة، لكن سيكون عليّ أن أحرق جثتها وجثة صاحب الحانة لأن هذه المسوخ تنهض دائمًا في الوقت غير المناسب..

هكذا أحضرت عددًا من زجاجات الخمر وسكبتها على الجثتين وتأهبت لأن أشعل عود ثقاب، عندما سمعت من يقول بصوت واهن:
ـ"المقبرة.. كل شيء بدأ من المقبرة"
مشيت بحذر نحو مصدر الصوت فوجدت ذلك المزارع العجوز يجلس على الأرض في ركن القاعة محملقًا في الفراغ وهو يردد:
ـ"المقبرة.. اذهب هناك لتعرف بنفسك"
عندما دققت النظر أدركت أنه كفيف.. القاعدة الأولى في أفلام الرعب هي أن العجوز أو الأبله الذي يردد: (المقبرة أو البحيرة) صادق دائمًا ويعرف الكثير، لكنه كذلك يموت مبكرًا جدًا. القاعدة الثانية المهمة هي: لا تذهب هناك أبدًا... (هناك) هذه قد تكون أي مكان.. فقط لا تذهب إليه..
تركته حيث هو وقد نسيت موضوع الحرق هذا.. في الخارج كان العصر يغمر البنايات بشمسه غير الرحيمة، وكانت الريح الساخنة تهب من مكان ما مع الرمال..
رأيت من خلف البناية سيارة شرطة تقترب.. إنه المأمور.. يترجَّل منها وهو يحمل بندقية من الطراز الذي يشدون فوهته للتلقيم فتحدث صوت (كليك كلاك كليك).. لا أعرف اسمها لكنها موجودة دائمًا في هذه الأفلام..
صبرًا.. لقد سمِع صوت الطلقات وجاء يتبين الأمر.. مأمور الريف بالكرش والسروال المتدلي والقبعة والنجمة على صدره وكل (الألاطة) اللازمة.. لكن هذا المأمور يملك شيئًا آخر هو اللسان المشقوق الذي يخرج ويدخل بلا توقف.. إنه منهم لو كان لي أن أقول هذا..
كان ظهره لي ولم يكن أمامي الكثير من الوقت لأتردد.. أحكمت التصويب ثم أطلقت رصاصة دقيقة على رأسه.. استدار ونظر لي ثم سقط أرضًا.. المؤثرات الخاصة بإطلاق الرصاص غير متقنة في هذا الفيلم.. كان ينبغي أن تقذفه الطلقة للأمام وأن نرى الثقب بوضوح والدخان يتصاعد منه، فلابد أن هذا فيلم قليل التكاليف صنعه مستقلون عن نظام هوليوود Indies..
على كل حال اتجهت لجثته وانتزعت البندقية من يده...
سوف تكون مفيدة عندما نصل لذروة الفيلم..
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/action_02.jpg
اتجهت إلى سيارة الشرطة واتخذت موضعي خلف المِقود.. كان صوت جهاز اللاسلكي عاليًا فسمعت من يقول:
ـ"(روي).. نحن متأكدون من وجود شاب وفتاة في الحانة.. سنعد النار ومعدات الشواء إلى أن تعود بهما!"
فهمت.. هذه القصة مكررة أكثر من اللازم.. حسب أفلام الرعب الأمريكية، فمن النادر جدًا أن تقابل بلدة في ضاحية يأكل أهلها الدجاج واللحم البقري.. كلهم يأكلون البشر..

بدأت الجثتان في الحانة تتحركان.. تمشيان.. ثم رأيتهما على الباب.. "سارة" وصاحب الحانة يتقدمان نحوي.. طبعًا تُمسِك "سارة" بذراع العجوز الكفيف وتقضم منها قطعًا.. لقد صار هذا مملاً خاصة أن الذراع غير متقنة الصنع..
أدرت المحرك وأنا أعرف أنه لن يدور.. مهما كانت السيارة جديدة فالمحرك لن يدور ما دمت أستخدمها للهرب...هيا.. كرو كرو.. كرو كرو.. كرو كرو...

أخرجت فوهة البندقية من النافذة وفجَّرت رأسي الاثنين مرة أخرى.. ثم عدت أحاول.. أخيرًا.. دارت السيارة وانطلقت تنهب الطرقات...
صحت في فرحة ونظرت لمرآة الرؤية الخلفية فرأيت ذلك الشيء الذي كان يتوارى في المقعد الخلفي!.. لقد نسيت أنك لا تنجح أبدًا في الفرار بالسيارة في أفلام الرعب!

الأسوأ هو ذلك الصف من الموتى الأحياء الذي يقف ليسد الطريق عليّ.. لا يهم.. سوف أصدم هذا الجمع فأمزق عشرة على الأقل!

يتبع

أميرة الورود
29-01-2009, 10:09 PM
الحصار: زيارة جديدة لفيلم قديم
بص و طل
29\1\2009


http://www.boswtol.com/5gadd/images/233/sahsah_23.jpg

لسبب لا أفهمه أهوى أحيانًا تذكر أفلام سينمائية قديمة لم يعد أحد يتكلم عنها، ومن هذه الأفلام التي توقفت عندها مؤخرًا فيلم اسمه "الحصار" أنتج منذ عشرة أعوام، ولم يعرض في العالم العربي لأسباب واضحة.. لا تخلط بينه وفيلم "بين الحصار" من فضلك.. الأخير فيلم "ستيفن سيجل" الذي يختطف فيه القراصنة حاملة طائرات وينقذها الطاهي؛ لأنه أمريكي. الفيلم الذي أتكلم عنه من إخراج "إدوارد زويك" وقام ببطولته حشد من النجوم منهم "دنزل واشنطن" و"بروس ويليس" و"آنيت بننج".. الفيلم من ضمن أفلام (نيويورك - تحت – الإرهاب - العربي) التي أغرقتنا السينما الأمريكية بها حتى قبل أحداث سبتمبر بعامين. لم يكف صناع السينما الأمريكيون عن تخيل أبشع الأشياء تحدث لنيويورك، أي أنهم قدموا أحداث سبتمبر ألف مرة قبل أن تحدث. وهذا يثير التساؤل فعلاً.. هل كان هذا نوعًا من (التفويل) الذي أدى لأحداث سبتمبر، أم أن أحداث سبتمبر ذاتها جزء من سيناريو بارع أقرب إلى الخيال السينمائي؟.. لا تنس أن الجيش الأمريكي بعد سبتمبر شكَّل لجنة من كاتبي السيناريو لتخيل ما يمكن أن يحدث بعد هذا.. والأغرب هو ذلك المشهد الشهير من فيلم (قبلة طويلة قبل النوم – 1996) الذي تجده هنا: http://www.youtube.com/watch?v=GnvXnDxiuFY

وفيه يتحدثون عن مؤامرة لتفجير المركز التجاري واتهام المسلمين بعمل ذلك؛ كي يحصلوا على مخصصات أعلى من الكونجرس. في الواقع هم يتكلمون عن تفجير سابق حدث عام 1993.

على كل أحداث فيلمنا الحالي تبدو مألوفة جدًا.. هناك عمليات إرهابية والمسئول عنها إرهابي عربي هو الشيخ "أحمد بن طلال".. هكذا تقوم حكومة "كلينتون" باختطافه من دولة عربية خليجية يُقيم فيها. ومن اللحظات الأولى للفيلم ترى الإرهابي يتلو القرآن بينما الجنرال الأمريكي المهم جدًا "بروس ويليس" يراقبه في شيء من السخرية. سوف تلاحظ ارتباط تلاوة القرآن والأذان بالإرهاب في هذه الأفلام كأنهم يربّون نوعًا من الارتباط الشرطي البافلوفي لدى المشاهد الغربي (قرآن = قتل). ومن قبل لاحظ الناقد الراحل "سامي السلاموني" ملاحظة ذكية في فيلم (إكسبريس منتصف الليل) لم يفطن لها أحد، وهي أن كل عمل عنيف أو سادي في الفيلم يتبعه على الفور صوت الأذان.

على كل حال سوف نكتشف أن عملية خطف الشيخ عملية مخابرات وجيش سرية جدًا، فلا يعرف أحد أن الشيخ اختطف ولا أنه حي. إلا أن الكل يدفع الثمن عندما تنهمر العمليات الإرهابية الانتقامية على نيويورك.. يبدأ كل شيء بانفجار في حافلة.. انفجار لقنبلة تطلق لونًا أزرق كأنه مقلب أطفال. يحقق رجل الـ FBI دنزل واشنطن في الموضوع مع رجاله ونسمع آراءهم: ليس الفاعل هو تنظيم الجهاد فهم لا يملكون روح الدعابة هذه.. ليسوا من حماس لأن (حماس) جشعة للمال ولابد أن تطلب فدية.. كذلك لون الإسلام هو الأخضر وليس الأزرق.. فريق عمل دنزل واشنطن يتضمن عربيًا لبنانيًا هو "توني شلهوب" واسمه هنا "فرانك حداد". مهمته الأولى هي الترجمة إلى العربية.. هو نموذج للعربي الذي صار آدميًا.. يأكل البيتزا ويلعب البيسبول ويلبس البذلة مثل (بابار الفيل).. إنه موضوع هنا للتوازن، لكننا نعرف أنه يكره الفلسطينيين بجنون ويقول في غموض: "لو عرفتم ما فعلوه بقريتي عام 1974 ..." ثم يصمت لنخمن مما لم يقله أنهم فعلوا فظائع (هل ارتكب الفلسطينيون فظائع في القرى اللبنانية عندما كانوا هناك؟.. يبدو أن الفيلم يعرف أكثر)..

تتوالى العمليات الإرهابية التي لا تصدق ولا توصف، حتى يبلغ الأمر ذروته مع تفجير مقر الـ FBI نفسه.. ونسمع الأمريكيين يقولون:
ـ"هؤلاء الحمقى يعيشون في هذا.. ويحاولون أن يحضروه لنا"
ـ"يحاولون تغيير طريقتنا في الحياة"
وهي عبارة ابتكرها الفيلم على ما يبدو وظلت تتكرر منذ ذلك الحين كلما جاءت سيرة العرب
والمسلمين.

وفي النهاية يضع الرئيس الأمريكي نيويورك كلها تحت الأحكام العرفية، ويدخل الجيش بمعداته الرهيبة المدينة ليحتلها بالكامل، يقودها الجنرال الدموي "بروس ويليس" الذي يبدو بالطريقة التي يحبها شخصيًا.. البيريه المعووج والفم المزموم والنظرة المتعبة المحنكة لرجل رأى كل شيء.. هكذا يبدأ عصر الإرهاب ويتم احتلال الأحياء العربية ومحاصرة "بروكلين" بالدبابات.. العرب يعتقلون جملة ليوضعوا في معسكرات احتجاز تشبه الصور التي نراها من الحرب العالمية الثانية، بينما تشتعل المظاهرات التي يقودها اليهود مطالبين بالإفراج عن المسلمين.. هذه ليست أمريكا التي كافحنا من أجلها ونزفنا كل هذه الدماء.. لا تكرهوا المسلمين فمعظمهم أبرياء..

ويقول "واشنطن" في خطبة عصماء:
ـ"معنى هذا أن الإرهابيين ربحوا المعركة.. لقد هزمت القيم الأمريكية"

لكن الجنرال مستمتع جدًا باللعبة، وقد بدأ يفلت من سلطة الرئيس فعلاً.. وفي مشهد ذكي يقول له واشنطن: لا تعتبر أنني أعمل تحت قيادتك!.. فيقول له "ويليس" في سخرية وهو يشير للجنود المدججين بالسلاح من حوله: انظر حولك يا "هوبارد" لتعرف إن كنت تعمل تحت قيادتي أم لا!

يكتشف " دنزل واشنطن " الذي فقد رجاله وسلطته أن الجيش كان يعرف مكان "أحمد بن طلال"، وكذلك عميلة المخابرات المركزية.. بل يكتشف أن المخابرات المركزية هي التي دربت الإرهابيين العرب كي يحاربوا "صدام حسين"..

طبقًا لنظرية البطل الوحيد فإن "واشنطن" هو الذي يحبط هذه المؤامرة، ويقتل رأس الأفعى الممثل العربي "سامي بو عجيلة". طبعًا بعد ما يستعيد صديقه اللبناني "توني شلهوب" الذي قبض الجيش على ابنه بلا مبرر. وفي مشهد الذروة يستعيد رجال FBI السيطرة على الجيش، فيخفض رجال الجيش بنادقهم الآلية أمام المسدسات الصغيرة لرجال مكتب المباحث الفيدرالي؛ لأنهم لن يطلقوا النار على " دنزل واشنطن " طبعًا.

ويؤسر الجنرال "بروس ويليس" بتهمة تعذيب وقتل مواطن أمريكي من أصل عربي.

الفيلم مسل ومصنوع بإتقان بلا شك. لكنه بالطبع لا يعرف الكثير عن العرب ويخلط بين المقاومة والإرهاب كعادة الغربيين.. بمعنى أدق لا يرى فارقًا بينهما. ما دمت تقاوم لتستقل عن الغرب وترفض إسرائيل فأنت إرهابي.. لا فارق هنا إن كنت من حماس أو الجهاد أو حزب الله أو البعث.. الفوارق بين هذه المجموعات واهية جدًا في مخيلة كاتب السيناريو ونوع من الترف.

كلهم يصيحون "الله أكبر" قبل أن يفجروا أنفسهم في مدراس الأطفال، ويرون أن الغربيين (كلاب وكفرة).
"أحمد بن طلال" الزعيم الديني الروحي Holy man يشبه "الخميني" كثيرًا.. ثم هو عراقي.. هل سمعت من قبل عن زعيم ديني عراقي يشبه أئمة الشيعة ويمارس عمله في دول الخليج السنية، وفي الوقت نفسه يسيطر على تنظيم عملاق يشبه القاعدة؟

كما ترى مصدر هذا المعتقد إسرائيلي تمامًا.. لقد نجحت إسرائيل تمامًا في فرض أولوياتها ونظرتها للأمور على المشاهد الغربي..

أما عن رؤية الفيلم للعرب فحدث بلا حرج.. المشهد الأول للممثل "سامي بو عجاج" في الفيلم يظهره عاريًا تمامًا -أعني عاريًا بالمعنى الحرفي الكاشف للعورة- وهو يكلم عميلة المخابرات المركزية عن أخيه الذي عاش في المخيمات طويلاً -تعتقد أن هذا شيء من الإنصاف- لكنه بعد هذا يقول إن أخاه قابل شيخًا علَّمه أن يفجر نفسه ليظفر بسبعين عذراء في الجنة..

كل عربي يتم اعتقاله يشتم بالعربية شتائم بذيئة جدًا من شتائم السلخانة.. وعميل الـ FBI يقبلها في تواضع مرح. أما العرب الذين ليسوا إرهابيين أو لم يثبت هذا عليهم بعد، فهم يعيشون في بروكلين حياة كحياة الهوام.. الفقر والجهل والسذاجة.. العربي الوحيد المحترم في الفيلم هو اللبناني عميل FBI الذي يكره الفلسطينيين.

ليس هذا كله جديدًا وقد ناقشه الناقد الكبير "أحمد رأفت بهجت" مرارًا، لكن أهمية هذا الفيلم تكمن في كونه نوعًا من التنبؤ بأحداث سبتمبر قبلها بثلاثة أعوام، كما أنه يرينا بالضبط السيناريو المتوقع لو حدث عمل إرهابي كبير آخر ونسب للعرب في أمريكا. والأسوأ هنا أن أحداث سبتمبر جعلت المشاهد الغربي يعرف أنهم كانوا محقين في مخاوفهم. لكن هل هم محقون في مخاوفهم ونبوءاتهم فعلاً؟.. أم أن طرفًا واحدًا هو من يصنع الاثنين معًا.. الفيلم والعمل الإرهابي؟.. أرجو لو عرفت السر يومًا أن تهمس به وأنت تجثو جوار شاهد قبري فربما أسمعه وأفهم!

أميرة الورود
29-01-2009, 10:17 PM
سؤال سخيف.. إجابة أسخف!



http://www.boswtol.com/affareet/images/233/question.jpg (aktowfik@boswtol.com)


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg أريد أن ألفت نظر البنات في كليتي. أعمل إيه؟ (أحمد هـ. – الجيزة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg الإجابة التقليدية القديمة هي أن تقف أمام أكبر مرآة في القاعة. طبعًا لا أتوقع أن تكون هناك مرآة في كليتك لهذا أقترح أن تطلق الرصاص على رأسك. البنات حيموتوا فيك..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg بتشجع فريق إيه في كرة القدم؟ (سحر الورداني – إسكندرية)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg الفريق أبو فانلة حمرا فيها شريطين حمر.. اللي بيلعب فيه "علي أبو جريشة".. اسمه إيه؟.. آه.. الترسانة.



http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg مَن أجمل فتاة في العالم؟ (نرمين – القاهرة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg أكيد إنتي ومخبية علينا.. يا لئيمة..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg باموت في "تامر حسني".. أعمل إيه؟ (المعذبة مش عارف إيه كده – القاهرة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg مش عارف معقدة الأمور ليه؟.. اسألي عن أخلاقه.. اعرفي بيته.. قابلي أبوه.. اتجوزيه.. هو أنا لازم أفكر لك في كل حاجة؟


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg أريد أن تموت فيّ البنات (عادل خطاب – الإسكندرية)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg راجع الإجابة السابقة. سمي نفسك "تامر حسني"..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg يا ترى لك معجبات؟ (هويدا عبد المنعم – المنصورة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg سؤالك يحمل رائحة الشك.. طبعًا المرحومة أمي رقم واحد.. فيه بنت حلوة قعدت تبص لي بافتتان نص ساعة في المستشفى وبعدين نزلوا عمال قسم النفسية رجعوها العنبر تاني..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg هل تحب الفيديو كليب؟ (محمد فؤاد – طنطا)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg مش باشوفه لأن أم العيال بتنام متأخر.. طول ما هي صاحية باتفرج على الجزيرة وخصوصًا "جميل عازر"..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg من هو أسخف مؤلف قرأت له؟ (س. م. ع – الجيزة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg أنا حينما أكتب هذه الردود.. بصراحة تفوقت على نفسي..

ايهاب احمد عمر
29-01-2009, 11:47 PM
لقد اتصلت لاقول انني احبك :
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_233_06.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_233_06.html)

د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......



في العام 1984 قدم المطرب الأمريكي الأسود الكفيف "ستيف وندر" أغنيته الرائعة (لقد اتصلت لأقول إنني أحبك)، والتي كتبها وقام بتلحينها كذلك. اشتهرت الأغنية جدًا في ذلك الوقت الذي كنا فيه على وشك مغادرة الكليات، وبعضنا تخرَّج فعلاً ، ولفترة طويلة كانت الأغنية رقم واحد في أي سباق أغانٍ في مصر، كما أنها اشتهرت في أوساط الشباب برسالتها الرقيقة البسيطة: لا يجب أن توجد مبررات لأتصل بك.. أن أقول إنني أحبك هي مناسبة لا بأس بها..
طبعًا ثلاث الكلمات التي يتكلم عنها في الأغنية هي I love you.. بينما (أنا أحبك) كلمتان فقط في العربية..
في هذه الأغنية يحصي "ستيف وندر" المناسبات المختلفة (أمريكية الطابع طبعًا) وينفي أن يكون اليوم هو أية مناسبة منها.. هذا يوم عادي جدًا لا يميزه شيء، وبرغم هذا هو يوم متميز جدًا!
يمكنك رؤية وسماع الأغنية على الوصلة التالية:

I Just Called To Say I Love You
http://www.youtube.com/watch?v=5IHu8RSSCvE

هذا ليس رأس السنة
لنحتفل به..
وما من قلوب من الحلوى مغطاة بالشيكولاته
لنمنحها..

No new year's day
To celebrate
No chocolate covered candy hearts to give away

***

هي ليست بداية الربيع
ولا توجد أغنية لنغنيها..
في الواقع هو مجرد يوم عادي آخر..

No first of spring
No song to sing
In fact here's just another ordinary day

***

هي ليست أمطار إبريل
ولا تفتح الأزهار..
هو ليس حفل زفاف في ليلة سبت من شهر يونيو..

No April rain
No flowers bloom
No wedding Saturday within the month of June

***

أما ما هو حقًا
فشيء حقيقي..
خلق من هذه الثلاث الكلمات
التي أريد أن أقولها لك..
لقد اتصلت فقط كي أقول إنني أحبك..
اتصلت فقط لأقول كم أهتم بك..
لقد اتصلت فقط كي أقول إنني أحبك..
وإنني لأعنيها من أعماق قلبي.

But what it is
Is something true
Made up of these three words that I must say to you
I just called to say I love you
I just called to say how much I care
I just called to say I love you
And I mean it from the bottom of my heart

***

هو ليس يوليو الدافئ
ولا هو قمر حصاد يضيء ليلة حنونًا من شهر أغسطس..
هو ليس نسيم الخريف..
وما من أوراق أشجار تتساقط
ليس حتى موعد رحيل الطيور إلى سماوات الجنوب..

No summers high
No warm july
No harvest moon to light one tender august night
No autumn breeze
No falling leaves
Not even time for birds to fly to southern skies

***

ليست شمس برج الميزان
ولا عشية عيد القديسين..
ليس هذا عيد الشكر
من أجل كل بهجة الكريسماس التي جلبتها لي..

No libra sun
No Halloween
No giving thanks to all the christmas joy you bring

***

أما ما هو فشيء قديم وجديد معًا..
يملأ قلبك كما لا تفعل أية ثلاث كلمات أخرى..
لقد اتصلت فقط كي أقول إنني أحبك..
اتصلت فقط لأقول كم أهتم بك..
لقد اتصلت فقط كي أقول إنني أحبك..
وإنني لأعنيها من أعماق قلبي

But what it is
Though old so new
To fill your heart like no three words could ever do.
I just called to say I love you
I just called to say how much I care
I just called to say I love you
And I mean it from the bottom of my heart.
I just called to say I love you
I just called to say how much I care
I just called to say I love you
And I mean it from the bottom of my heart
Of my heart
Of my heart

***

yassmen.hassan
03-02-2009, 09:59 AM
خواطر متناثرة



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com



مواجهة على الهواء:في الثمانينات قدمت المذيعة اللامعة (سلمى الشماع) حلقة من برنامج زووم عن شركة (كونان) السينمائية الأمريكية، وقد لاحظ الناقد السينمائي الراحل العظيم (سامي السلاموني) أن الرجل البدين الشبيه بشارون الذي يظهر في خلفية الكادر هو الأخ (مناحم جولان) مدير الشركة الإسرائيلي .. الطيار الإسرائيلي الذي قصفنا عشرات المرات، ثم اعتزل القتل واتجه للانتاج السينمائي في هوليوود، وأطلق على نفسه اسم (جولان) تيمنًا بالاستيلاء على الجولان. تساءل السلاموني إن كانت سلمى الشماع ومعد البرنامج لا يعرفان حقًا أن شركة كونان إسرائيلية المنشأ، وقد تم توريطهما في هذا الكادر ؟.. أم هما يعرفان وتجاهلا هذه الحقيقة لأن التطبيع لغة العصر ؟
تذكرت هذه القصة عندما شاهدت المواجهة اللفظية بين (أردغان) و(بيريز) على شاشة التلفزيون في جلسة منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا.. هذا الرجل الجالس على يمين الكادر .. يبدو مألوفًا. هنا ركزت الكاميرا عليه فاكتشفت أنه عمرو موسى شخصيًا . ماذا جاء بك هنا يا سيد عمرو ؟.. كيف تجلس على منصة واحدة مع هذا السفاح ودماء أطفال غزة لم تجف بعد بالمعنى الحرفي للكلمة ؟
منسق الجلسة ديفيد إيجناتيوس كاتب واشنطن بوست يقاطعه معلنًا أن الوقت انتهى .. (أردغان) يحتد ووجهه يحتقن، ثم ينهض غاضبًا ويلقي بالسماعة، بينما بيريز الذي تشبه ملامحه الممثل كرستوفر لي بطل أفلام رعب هامر القديمة قد تحول لمصاص دماء غاضب مذعور فعلاً. عمرو موسى يصافح أردغان في إعجاب .. هنا يجذبه (بان كي مون) الأمين العام للأمم المتحدة ليجلس فيجلس. السؤال هنا لماذا جلست أولاً ؟.. ثم لماذا جلست ثانية وتركت أردغان التركي يحارب معركتك ويتخذ المواقف لك ؟.. ألم يكن انصرافك الغاضب معه مما يدعم موقفه ؟
الإجابة عن الشق الأول من السؤال لا يمكن أن تتضمن أنه لم يكن يعرف أن إسرائيل حرقت غزة، أو أنه لا يعرف بيريز، كما فعل الشيخ الفاضل الذي أكد أنه لم يكن يعرف أن غزة محاصرة .. علينا أن نصدقه، لكن ماذا عن السيد عمرو موسى ؟
عمرو موسى رجل وسيم وأنيق على راسي من فوق، لكنه لا يملك أوراقًا يلعبها، وعندما يُمنح ورقة لا يستخدمها في وقتها، لكنه يعطيك طيلة الوقت انطباعًا بأنه يقوم بأشياء مهمة جدا وكثيرة جدًا ولا وقت عنده لهذا الهراء.
أما عن غضبة أردغان، فأنا لا أؤمن بوجود عواطف في السياسة .. هناك مصالح .. وقد يكون في هذا تبرير شبه كاف لموقف عمرو موسى عندما جلس مع بيريز على منصة واحدة. أذكر وزير خارجية فرنسا الذي راح في نبل وكبرياء يؤكد قبل غزو العراق أنه لو كانت أمريكا اختارت أن تكون عضلات العالم، فقد اختارت فرنسا أن تكون ضميره. بعد غزو العراق فوجئنا بفرنسا تتقاتل على الظفر بقطعة من كعكة إعادة الإعمار التي احتفظت بها الولايات المتحدة كلها. أردغان كان نبيلاً وعبر عما نريد قوله بدقة، ولا شك أنه لو رشح نفسه رئيسًا للعالم العربي لفاز بالإجماع، لكنه بالتأكيد أذكى من أن ينساق وراء العواطف، ويفسد علاقته بدولة قوية مهمة في المنطقة حتى لو كانت مكونة من سفاحين. وهو بذلك يشطر قطبية (تركيا – إسرائيل) التي تنبأ محمد حسنين هيكل بأن المستقبل لها في المنطقة. لا أعرف السبب العملي الفعلي لهذا الموقف .. لاحظت أن الناس في الشوارع بدءوا يتحدثون عن أفندينا الخديوي وعن أن أيام الحكم العثماني كانت أفضل أيامنا، فهل هذا الموقف من أردغان تعبير عن أحلام خافتة وبعيدة جدًا أن تقود تركيا المنطقة كلها؟.. هذه المرة ليس الرجل المريض هو تركيا كما حفظنا في كتب التاريخ، وليس الغرب هو من يطمع في اقتسام أملاكه. الرجل المريض هو العالم العربي الذي - كما يبدو - تتلمظ على ممتلكاته تركيا وإيران ..

نادي الخاسرين: بصراحة لم تعد أعصابي تتحمل قراءة الصحف الحكومية، فهي تثير غيظي لدرجة الشلل، وأفضل عليها الصحف المعارضة والمستقلة التي تملؤني حقائقها كمدًا لدرجة الإصابة بالسرطان. لهذا أقرأ تلك المجلة الأسبوعية باعتبارها مستحضرًا صحفيًا حكوميًا لا يصيب بالتسمم. ومن قراءتها أعرف بالضبط الطريقة التي تريد لنا الحكومة أن نفكر بها، بدءًا من ذلك الغلاف الذي يحمل صورة طفلة ممزقة وفوقها كلمة (العصابة) وقد تناثرت صور كل رموز الرفض تقريبًا: بشار الأسد – حسن نصر الله – خالد مشعل – أحمدي نجاد – وزير خارجية قطر .. كل هؤلاء هم سبب جرح الطفلة، بينما لا يتكلم العدد تقريبًا عن إسرائيل .. الطائرات القطرية هي التي قصفت غزة، وقنابل إيران مزقت الأطفال، بينما سوريا تحاصر غزة .. وهناك رسوم كاريكاتورية مهينة جدًا لأمير قطر وحسن نصر الله .. الخ .. تذكرت الأيام السعيدة القديمة أيام كامب ديفيد، عندما كانت الصحف المصرية ترسم الزعماء العرب المعارضين يجلسون على قصرية أطفال، وأحدهم يسكب القصرية على الإسرائيليين لقتلهم بالغازات السامة، وبعد غزو العراق رأينا كاريكاتورًا يمثل زعيمًا عربيًا كبيرًا جدًا يشرب اللبن من ثدي امرأة حسناء ليتأكد من صلاحيته لأطفال العراق .. نفس الجو .. ومن جديد أتساءل: ألم نتحرك خطوة في درجة الخلاف ؟..
تعرف من المجلة حقائق غريبة .. حزب الله عمله الأساسي هو تجارة المخدرات (المصدر هو العبارة الغامضة : تقارير وصلتنا + ترجمة من الصحف الغينية !) ..حماس تملك شبكات دعارة كاملة .. هناك مقال يقول (وضاعت غزة .. شكرًا حماس !). ثم (الملف القذر لإمارة غزة الإسلامية) .. حماس حسب المقال منعت الحجاج واغتصبت البنات ونشرت التشيع وقننت الجلد والصلب وقطع اليد .. ثم تلتقي المجلة مع أم الشهيد (ياسر العيسوي) في شبين الكوم، لتقول أمه للمحرر:"انشروا أن (حماس) قتلت ابني ويتمت أولاده .. حتى يعرف الناس أن التعاطف معهم خيانة !". حتى لو قالت الأم المكلومة هذا، فماذا تتوقعه من أم قالوا لها إن رجال حماس قتلوا ابنها ؟. والسؤال هو : لو كانت حماس مجموعة من السفاحين الأثرياء الكذابين كما تصورهم المجلة فلماذا لم ينتفض عليها سكان غزة، وهي مشغولة بمكافحة الغزو الإسرائيلي ؟
قل لي بالله عليك هل لو كتبت الأخت ليفني او نتنياهو هذا العدد فهل كانا سيضيفان كلمة ؟.. لكن المجلة تعرف بالضبط ما تقول وتعرف من تخاطب، ولا يعنيها رأيك أنت في شيء .. أنا وأنت نشكل نادي الخاسرين فلا يهم ما نعتقده. لكن محرري المجلة اختلط عليهم الأمر، فهم لا يعرفون من الخاسر فعلاً في هذا كله.

toma
05-02-2009, 09:21 PM
سؤال سخيف.. إجابة أسخف! 2







http://www.boswtol.com/affareet/images/233/question.jpg (aktowfik@boswtol.com)


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg مفيش نمر غريبة بترن عليّ.. وبانام عادي جدا وما بيحصلش حاجة.. أعمل إيه؟ (خالد سليم - المنوفية)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg وسبب الوفاة كان إيه بالضبط؟


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg ما هي أول قصة حب فاشلة في حياتك؟ (أ.ص - القاهرة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg ما عنديش قصص حب فاشلة.. البنات هي اللي ما بتفهمش..



http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg تاني مرة: ما هي أول قصة حب فاشلة في حياتك؟ (أ.ص - القاهرة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg حبي لنفسي.. مش راضية تفهمني خالص..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg جربت تعمل شعرك سبايكي قبل كده وتقعد في كوفي شوب تعاكس بنات الدار؟؟ (هالة- الدلنجات)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg مش عارف يا هالة.. عندي إحساس غامض إني باتهزأ بس مش متأكد. إن يكن هذا تهزيئًا فربنا يسامحك.. إن لم يكن فيبقى يعني إيه سبايكي؟.. ثم دار إيه؟.. دار الهلال؟.. دار المناسبات؟.. دار المسنين؟


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg أعتقد بأن هناك أفعى وصرصارين يعيشون في مطبخي، ماذا تقترح؟! (أحمد رمضانة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg حظك حلو.. فاضل فصين ثوم وبصلة وملح وادعي لي..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg تاني مرة: أعتقد بأن هناك أفعى وصرصارين يعيشون في مطبخي، ماذا تقترح؟! (أحمد رمضان)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg اشترِ طائر (قاق قنبراني) أو (عندريس).. هو أنا لازم أفكّر لك في كل حاجة يا أحمد؟


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg باحس بسرعة بالملل وإن الناس بتكرر نفس الكلام وإن الناس مكبرة كل حاجة عن حجمها يا ترى حد بيحس بكده غيري؟؟ (عدنان عادل القليوبية)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg لأ طبعا.. ده إحساسك لوحدك.. بيتهيألي السبب إنك بتكرر نفس الكلام ومكبر كل حاجة عن حجمها..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg على فكرة إنت بجد إنسان سخيف (مها – الإسكندرية)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg وهو الشخص المناسب للمكان المناسب.. حد قال لك لا سمح الله إن اسم الركن (سؤال ظريف وإجابة أظرف) أو (تمتعوا بخفة دمي)؟


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg أيَّة صفحة تحب قراءتها في الجرنان وليه؟ (سامي ع. - بنها)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpgصفحة الوفيات طبعا لأتأكد من أنني لم أمت بعد.. هاعرف أحسن من الحكومة؟


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg تفتكر إيه مستقبل طالبة في كلية الصيدلة؟؟؟؟ (المش معذبة س.ح.م ة)
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg أول مرة أتلقى خطابا من السكك الحديدية المصرية (س ح م).. شعور جميل فعلا.. بيتهيألي طالبة كلية الصيدلة بتتخرج وتبقى دكتورة صيدلانية.. على العموم خلال سنتين هتتجوزي وتخلفي 3 عيال ولا يبقى وقت للسؤال عن مستقبل طالبة الصيدلة..


http://www.boswtol.com/affareet/images/233/q.jpg أنا شايف إن سبب البلاوي في الدنيا أربعة: أمريكا والحزب الوطني والأهلي و"تامر حسني" إنت رأيك إيه؟؟ (مصطفى فاروق )
http://www.boswtol.com/affareet/images/233/a.jpg لأ بقى .. إنت مستبيع وهتودينا في ستين داهية.. "تامر حسني" والأهلي كمان؟ أنا ماليش علاقة بيه يا باشا .. عمري ما قابلته والله العظيم..





http://www.boswtol.com/affareet/nquestion_234_01.html

مستر M
06-02-2009, 10:54 AM
في انتظار التترات (4)
بقلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز

http://www.boswtol.com/affareet/images/234/action_01.jpg

اندفعت السيارة وسط صفوف الموتى الأحياء.. إن ذوي الأعناق الحمراء Rednecks لا يطاقون أصلاً، فكيف لو تحولوا إلى زومبي؟

يمدون أيديهم عبر الزجاج... أحدهم وثب على الزجاج واصطدم به وتهشَّم وجهه فسال دمه.. يحب المخرجون الجدد هذه المؤثرات المقرفة جدًا.. لكني أعتقد أن هذا المسخ الذي ضرب الزجاج صُنع بالكمبيوتر CGI لأنه لا وزن له تقريبًا، ويطير بتلك الطريقة غير المقنعة المميزة للتحريك الرديء..

استدرت وأنا مستمر في القيادة وأطلقت طلقة واحدة على رأس ذلك الشيء الذي كان في المقعد الخلفي...

دخان ورائحة البارود ومخ ذلك الشيء... سينجح هذا الفيلم لأن الأمريكان يحبون هذه الأشياء..

أوقفت السيارة أمام تلك البناية الخشبية وجريت لأدخلها.. ومن بعيد سمعت صوت من تبقَّى حيًا من هؤلاء، كانوا قادمين نحوي ببطء لكن بثقة.. هناك مخزن بالداخل وهناك برميل وقود ركلتُه ليُغرِق الأرض، ثم وثبت من نافذة صغيرة هناك إلى الخارج وواربتها خلفي.. بسرعة درت حول البناية ورأيت آخِر هؤلاء الموتى الأحياء يترنح ليدخل البناية.. بسرعة أغلقتُ الباب من خلفه ووضعت صخرة خلفه..

جريت للنافذة الصغيرة وأشعلت عود ثقاب ثم فتحتها وأنا أطلق سُبَّة بذيئة.. يحب الأمريكان الشتائم التي تبدأ بحرف F أو S على أية حال.. ألقيت بعود الثقاب وأغلقت النافذة وابتعدت.. هذه لحظة رائعة.. سوف يجد المخرج ضالته وهو يظهر احتراق هؤلاء القوم وهم يترنحون، أو وهم يدقون على الباب محاولين الخروج..

البناية كلها تشتعل.. الدخان الأسود يتصاعد لعنان السماء وأنا ألهث.. لكن التترات لم تبدأ بعد.. ما السبب؟.. إذن هو من نوع الأفلام السخيفة التي تُعدُّ للمُشاهِد خضة أخيرة بعد ما يحسب البطل أنه قتل المسوخ.. غالبًا ستخرج يدٌ مشتعلة من وسط النيران لتمسك بي.. أو...
لكن اليد جاءت من الخلف..

http://www.boswtol.com/affareet/images/234/action_02.jpg



لا أعرف كيف ألقوني على الأرض ولا كيف وضعوا الأصفاد في يدي.. إنهم رجال شرطة.. هذا واضح.. ترى هل تحولوا بعد؟

هناك رجل شرطة ينظر لي في دهشة حيث رقدتُ وسَط الرمال.. تفحَّص البندقية وتشممها ثم نظر إلى البناية الخشبية التي صارت رمادًا، وأمسك بجهاز لاسلكي وسمعته يقول:
ـ"نعم.. فات الوقت لإنقاذ أي واحد منهم.. مجنون جاء إلى البلدة مع فتاته.. فجّر رأس صاحب الحانة وقتل صديقته والمأمور.. ثم دهم مجموعة من المزارعين بسيارة مسرعة.. وفي النهاية حبس مجموعة أخرى في مخزن وأشعل فيه النار..!"

ثم ركلني بطرف حذائه حيث رقدت على الرمال وقال:
ـ"لابد أنك قتلت عشرين واحدًا أيها المجنون!"

انفجرت في الضحك وصحت:
ـ"كل هذا فيلم سينمائي.. ألم تفهم بعد؟.. أنا وأنت وهم في فيلم سينمائي مرعب.. سوف تبدأ تترات النهاية حالاً!"

أنا في المصحة الآن.. مقيَّد في الفراش ولا أفيق تقريبًا من كثرة ما يصبُّون في دمي من عقاقير مهدئة..

لا أعرف.. إنهم يعتبرونني مجنونًا خطرًا بينما أنا لم أفعل شيئًا سوى أن حاولت إنقاذ نفسي.. هذا ليس هو الواقع بل هو مجرد فيلم يراه الناس في قاعة مظلمة.. ألا ترى هذا معي؟.. أنت اقتنعت بوجهة نظري وصدَّقت أن هذا فيلم، فلو كنت أنا مجنونًا فأنت مجنون مثلي..

سوف تكتب كلمة النهاية وتتصاعد التترات حتمًا.. أعرف هذا يقينًا وأنتظره.. لا أعرف لماذا تأخَّرت التترات لكنها آتية حتمًا!

تمت

high hopes
07-02-2009, 01:41 PM
نشوات قديمة



في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......


اربطي شريطاً أصفر حول شجرة البلوط العجوز



http://www.boswtol.com/tafaneen/images/234/kalam_013.jpg


في السبعينيات قدم "توني أورلاندو" وفريق (الفجر) هذه الأغنية الشهيرة جدًا ذات اللحن المرح الرشيق الذي يوحي فعلاً برحلة الحافلة. الفكرة رقيقة بلا شك برغم أن المغني خارج من ثلاث سنوات في (اللومان). لقد طلب من زوجته أن تربط شريطًا أصفر حول شجرة البلوط المجاورة للبيت كعلامة على أنها ما زالت تحبه وتريد أن تستمر حياتها معه. لو لم يرَ الشريط لأدرك أن كل شيء انتهى..
.
الحقيقة أن هذا التقليد شائع في الغرب، سواء للسجين الخارج من السجن، أو الجندي العائد للوطن. ولربما دعمته هذه الأغنية أكثر فلا تعرف هل الفنان يقلِّد الطبيعة أم العكس..

بصرف النظر عن هذه العادة فالشريط الأصفر له معانٍ عديدة.. عودة الغائب.. مساندة مشروع مقاومة الانتحار العالمي.. كما أنه شعار حملة مساندة سرطان الخصية! وفي الفلبين ساد هذا الشعار في حملة معارضة الدكتاتور "ماركوس"؛ لأن قطب المعارضة الفلبيني "أكينو" كان عائدًا للوطن بعد ثلاثة أعوام من النفي، وقد اغتيل في المطار.. هكذا صار يوم 21 أغسطس يوم (أكينو) حيث تعلق الشرائط الصفراء في كل مكان من البلاد.
معانٍ لا حصر لها تتعلق بالشريط الأصفر، لكنك ستحب الأغنية بلا شك، ويمكن تطبيق الفكرة عندنا بسهولة، حيث يطلب السجين الخارج من تأبيدة في سجن طرة من أم العيال أن تعلق البيجامة الكستور الخضراء على حبل الغسيل، لو كانت ما زالت تنتظر عودته ولم تخلعه بعد. ويغني لها "علقي البيجامة الكستور على حبل الغسيل".. شاعري جدًا!..
يمكنك رؤية وسماع الأغنية على الوصلة التالية:


http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=7NCZ4l8FCFc&feature=related)





I'm comin' home, I've done my time
Now I've got to know what is and isn't mine

أنا عائد للبيت..
فقد أنهيت مدتي..
الآن يجب أن أعرف ما هو لي وما ليس لي..

If you received my letter telling you I'd soon be free
Then you'll know just what to do
If you still want me
If you still want me
Whoa, tie a yellow ribbon 'round the old oak tree


و تلقيت خطابي الذي يخبرك بقرب الإفراج عني..
فأنت تعرفين ما يجب عمله
لو كنت ما زلت تريدينني..
لو كنت ما زلت تريدينني..
أوه.. اربطي شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز..
It's been three long years
Do ya still want me?
If I don't see a ribbon round the old oak tree
I'll stay on the bus
Forget about us
Put the blame on me
If I don't see a yellow ribbon round the old oak tree
لقد مرت ثلاثة أعوام طويلة..
فهل ما زلت ترغبين فيَّ؟
لو لم أر شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز..
فلسوف أبقى في الحافلة
وأنسى قصتنا
وألقي باللوم على نفسي..
لو لم أر شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز
Bus driver, please look for me
'cause I couldn't bear to see what I might see
I'm really still in prison
And my love, she holds the key
A simple yellow ribbon's what I need to set me free
I wrote and told her please


يا سائق الحافلة أرجوك أن تلقي النظر بدلاً مني..
فأنا لن أتحمل رؤية ما قد أراه..
أنا ما زلت في السجن حقًا..
وحبيبتي تملك المفتاح..
شريط أصفر بسيط هو كل ما أحتاج له كي أتحرر..
لقد كتبت وقلت لها: أرجوك..
Whoa, tie a yellow ribbon round the old oak tree
It's been three long years
Do ya still want me?
If I don't see a ribbon round the old oak tree
I'll stay on the bus
Forget about us
Put the blame on me
If I don't see a yellow ribbon round the old oak tree
أوه.. اربطي شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز..
لقد مرت ثلاثة أعوام طويلة..
فهل ما زلت ترغبين فيَّ؟
لو لم أر شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز..
فلسوف أبقى في الحافلة
وأنسى قصتنا
وألقي باللوم على نفسي..
لو لم أر شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز.. Now the whole damned bus is cheerin'
And I can't believe I see
A hundred yellow ribbons round the old oak tree
I'm comin' home
(Tie a ribbon round the old oak tree)



الآن يهلِّل كل من بالحافلة اللعينة..
وأنا لا أصدق ما أرى..
مائة شريط أصفر حول شجرة البلوط العجوز..
أنا عائد لبيتي...
اربطي شريطًا أصفر حول شجرة البلوط العجوز..





http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_234_05.html

مواطن مصري
11-02-2009, 02:55 PM
ركاب سوارس

الدستور - 10/02/2009

سوارس كانت حافلة بلا محرك يجرها حصان في شوارع القاهرة قبل ظهور الترام، وكانوا يستعملون الاسم هكذا «سوارس» كعلم بلا أداة تعريف، وقد جري تعبير «راحت علينا زي سوارس» علي الألسنة بمعني «زال عهدنا» . هناك لعمنا العظيم «بيرم التونسي» قصيدة جميلة اسمها «ركاب سوارس» يصف فيها مغامرته مع وسيلة النقل الشعبية المهينة هذه:


ركاب سوارس بعيد عنك شلق هلافيت
والعبدلله معاهم وابن حنت حنيت
أول ما نركب يدور القفش والتنكيت
وإن طالت السكة نحكي لبعضنا حواديت
قصدت يوم الحسين أشرب هناك خروب
جات قعدتي بين جدع عايق وبين كركوب
وشابة ف الوش قاعدة وابنها المقلوب
بيعوي زي اللي راكبه ستميت عفريت
ثم بلسانه الساخر الحاد الذي يمتلئ بالشاعرية والبلاغة كذلك يقول:
القفلة سارت تلملم كل صنف وصنف
في خطوة والتانية يتشعبط علينا جلنف

تذكرت هذه القصيدة ذلك الثلاثاء الدامي.. وأنا في القطار المتجه للقاهرة والمتوقف قرب قليوب في لا مكان، لفترة طالت ثم عرفنا فيما بعد أنه إضراب عمال البلوكات.. قالها لنا رئيس القطار الجالس في الكافتيريا يدخن .. ثم دفن وجهه في كوب الشاي كي لا يسمع احتجاجات الناس وغضبهم.. فقط من حين لآخر يعلن أنه غير مسئول عن شيء مما يحدث. هنا بدأت دراما إنسانية شديدة الروعة أعادت القصيدة لذهني علي الفور.. هذا قطار أسباني من المفترض أنه فاخر، ونحو ثمانين عامًا تفصلنا عن قصيدة بيرم لكن البشر هم البشر..

أحد العالمين ببواطن الأمور قال في غموض إن «رمسيس مقلوب برضه وفيه مظاهرات». ثم ذلك الشاب ذو الشعر الطويل والكوفية الذي ذكر ألف مرة لألف واحد أنه مخرج، يضرب كفًا بكف ويعلن أن هذا سيعطل عمله الإعلامي المهم. آخر مرة سمعته كان يحكي أنه مخرج لعامل البوفيه.. يقول إنه يجب أن يقدم برنامجًا عن هذا الموضوع...

الطالبات اللاتي كن ذاهبات للامتحان في حالة هستيرية يبكين بلا توقف.. أرجوكم لابد من عمل شيء.. اقترحت علي واحدة منهن أن يطلبن شرطة النجدة.. هذا هو الحل الوحيد الممكن لأن الموضوع قد يطول.. العالم ببواطن الأمور يؤكد أنه سيستمر حتي العاشرة مساء..

الفتاة ذات الماكياج الصارخ والجينز الضيق والحجاب المزركش المليء بالترتر تنهض من مقعدها في حالة هستيرية:

ـ «يا خيابي.. لو بابا عرف حتبقي مصيبة.. ده كان يحيقني»

لا أتعب نفسي في فهم سبب غضب أبيها لدرجة الحرق من إضراب عمال البلوكات.. لكن ذلك الرجل المتظاهر بالخطورة ذا النظارة السوداء يدنو ليجلس جوارها ويشرح لها في وقار وحكمة سياسة البلد وما ينبغي أن يكون.. ثم يصل لنظريته المعقدة التي تؤكد أن عمال البلوكات عملاء من الغرب لتدمير الإسلام..

هنا أتذكر بيرم التونسي من جديد:
يا خلق لسه الولد نازل بكا وعياط
والوش غرقان لشوشته في عماص ومخاط
الحلوة قالت لأمه: ياختي ابنك شاط
قالت: عايزني اشتري له ادلعدي كتاكيت
قال الأفندي: هاهع.. ابنك ده طالع ديك
والحلوة قالت: هيء هيء.. والديك مالهش شريك..

البعض بدأ يتسلق عربة القطار نازلاً ليبحث عن مواصلة أخري.. تلك السيدة العجوز الوقور تجلس في مقعدها وتبتسم في استسلام من رضي بالقضاء.. هي لن تذهب لأي مكان وسوف تبقي في القطار حتي يتحرك أو تموت.. نفس ابتسامة قبطان السفينة الغارقة الذي لن يتركها لأنها قدره...

الرجل الغامض يحكي للفتاة قصته عندما أرسلته المخابرات المصرية لفرنسا كي يقتل أحد عملاء الموساد، والفتاة تصغي في رعب ثم تقول له: «رفقًا بالقوارير!»

يمسك بزجاجة ماء ويلوح بها في خطورة أمام عينيها الخائفتين ويقول:

ـ «انت بتقولي كلام مش عارفه معناه.. عارفة يعني ايه قوارير ؟.. دي مثلاً قارورة.. فاهمة عاوز أقول إيه ؟.. دي قارورة..»

ـ «أيوه قايوية.. لكن بايضُه معناها إيه ؟»

يخلع نظارته ويفرك عينيه مفضلاً ألا يتكلم أكثر. في نفس الوقت يؤكد المخرج لبائع الشاي أن تجاربه مع «فاتن حمامة» في التصوير محبطة لأن وجهها لا يعكس النور بما يكفي.. مش كل وش ينفع يتصور يا حبيبي.. دي حاجات نفهمها احنا..

الآن قررت الفتاة أن تثب من القطاي.. أقصد القطار.. ينهض الرجل الغامض ليساعدها علي الوثب بيده القوية، ثم يعلن أنه سيرحل معها ليوقف لها مواصلة إلي القاهرة لأننا علي بعد ثلاثة كيلومترات من أقرب مدينة.. هنا أتذكر بيرم التونسي:

الحلوة ساوت هدومها يعني أنا نازلة
لفندي بالمثل ساوي البلطو والبدلة
هنا بدأ ركاب القطار الباقون يتغامزون.. فيقول بيرم التونسي:
كان في الجماعة جدع أحمق نطق ف الحال
وقال تمام يا غجر.. معلوم.. تمام.. أمال !
اتقل يا واد.. مش كده.. بزيادة يا ختي دلال
آه يا غجر يا شلق.. يا دون يا عكاريت !
قال العجوز: يا بني خلي الخلق للخالق
قال: انت مالك يا بارد؟. قال حتتخانق؟
ماهو انت أهه في اللي جنبك منغرز زانق
كان حد قال لك إحم؟. أو حد قال لك كيت؟

هذا ما حدث حرفيًا تقريبًا.. وكنت أنا غارقًا في خواطري وسط أصوات الشجار.. من حق عمال البلوكات أن يطالبوا بوضع أفضل، ولكن ما ذنب الزهرات الصغيرات المذعورات اللاتي وقفن باكيات يلوحن لأي سيارة متجهة للقاهرة؟.. ما ذنب السيدة العجوز الوقور التي لن تستطيع أبدًا النزول من القطار حتي لو ظل واقفًا إلي يوم الدين؟.. كل المواعيد التي ضاعت.. والتذاكر التي أهدرت. في الوقت ذاته ما ذنب العمال الذين لا يجدون ما يكفي لإطعام أطفالهم ومواجهة حياة صارت عسيرة علي الجميع؟. شعور محير فعلاً.. لابد للغضب من ضحايا ولابد من خاسرين علي كل الجبهات باستثناء هذا الأخ الغامض خبير القوارير..

لما طال الانتظار ساعتين توكلت علي الله ووثبت بلا رشاقة من القطار، وساعدت السيدة الوقور علي النزول. وهنا وجدت منظرًا مذهلاً.. عربات الشرطة تصرفت بكفاءة ملحوظة، فسدت الطريق السريع بالعرض بامتداد القطار لتكون هناك مساحة خالية تسمح بعبور مئات من ركاب القطار إلي الطريق السريع، وهناك وقف رجال المرور يوقفون سيارات الميكروباص المتجهة للقاهرة لنستقلها.. السيارات التي اكتشف سائقوها كنزًا ينتظر هناك جوار قضيب القطار.. وسرعان ما كان الميكروباص ينطلق بسرعة مجنونة نحو موقف عبود حيث يجب أن نجد مواصلة أخري لرمسيس..

الخلاصة التي توصلت لها هي أن الإضراب ليس قرارًا سهلاً، وأن الناس ثرثارون، وأنني لا أجذب الفتيات لأن شكلي مرعب، وأن بيرم التونسي عبقري حقيقي.. ومن جديد تذكرت نهاية القصيدة:

نزلوا الجميع الحسين ونزلت أنا منكاد
نازل لوحدي.. ولا صيدة ولا تزفيت!

ريم البرارى المستحيلة
12-02-2009, 11:43 PM
سؤال سخيف .. أجابة أسخف
http://www.boswtol.com/affareet/nquestion_235_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/nquestion_235_01.html)


س : أنا متأكد أن كل الأسئلة اللي بترد عليها دي من تأليفك إنت..(ع. ك القاهرة)
جـ : تصدق بالله؟ أنت السؤال الوحيد المزيف الذي رددت عليه هنا...



س : اللي ما بيسمعش اسمه أطرش.. اللي ما بيتكلمش اسمه أخرس.. اللي ما بيشوفش اسمه أعمى.. أمال اللي ما بيشمش اسمه إيه؟ (عدة رسائل)
جـ : اسمه (أخشم).. بجد مش هزار.



س : عايزة جوزي يحبني.. (هبة طنطا)
جـ : الإجابة القديمة الشهيرة هي: لا تتزوجيه أصلاً.. أو اكتبي له ثروتك ونطي من
البلكونة..



س : ستؤلف رواية, وسيضع عليها أحدهم اسمه, وتتناول شيكا بمبلغ محترم ما رأيك؟ (عبد
الله – القاهرة)
جـ : مؤلف القصص التي أضع عليها اسمي بيسألك: حتدفعوا له كام؟



س : عايز آخد مكانك على الساحة الأدبية.. أعمل إيه؟ (عبده شعبان)
جـ : أنا نازل في بنها أصلاً.. اتفضل المكان ما يغلاش عليك..



س : بتحبني؟ (سمسم)
جـ : برغم أن زوجتي لا تهوى استعمال الإنترنت فإنني لا أستبعد أن يكون هذا مقلبًا منها..
أنا أحب مصر أولاً وقبل كل شيء يا أخت سمسم.



س : البنات بيحبوا إيه في الولد؟ (عمر - مصر)
جـ : بيحبوا الشيء الذي ليس فيك..



س : أعمل إيه عشان ماحدش يعاكسني وأنا ماشية في الشارع؟؟ (زيزي- العاشر من رمضان)
جـ : خليكِ على طبيعتك.. محدش حيعاكسك أبدًا..



س : أنا عايز أقول لواحدة أنا معجب بيكى بس مش عارف أعمل إيه؟ (عماد)
جـ : لو كانت من قارئات "بص وطل" فقد عرفت من سؤالك أنك معجب بها وانتهى الأمر، ولو لم
تكن من قارئات "بص وطل" يبقى عاجبك فيها إيه بالضبط؟



س : السلام عليكم أولاً.. السؤال هو: هل سألك أحد هذا السؤال من قبل؟ (محمد النقيب)
جـ : بلا مزاح.. هناك عشرة سألوني نفس السؤال (مش باهزر)!



س : هو مين اللي فين؟ هو إيه اللي إزاي؟ (صلاح من هنا )
جـ : لأ بقى.. يبدو لي أنك فهمت فكرة الباب أكثر من اللازم.. أنا بدأت أخاف منك..



س : هو ليه لازم الواحد هو اللي يفضل يقول للبنت بحبك؟
جـ : لأنها لو بتقول لك بحبك طول الوقت حتخنقها من الزهق..



س : وليه فيه آباء بتفرق بين ولادهم قوي؟
جـ : لأن صوابعك مش زي بعضها..



س : وإيه ذنبي إني تفوقت في الدراسة وبعد كده والدي يقول لي أنت مستقبلك أحسن من
إخواتك ويكتب فلوسه كلها لإخواتي؟
جـ : لأنك بتضيع وقتك في كتابة أسئلة سخيفة..



س : ها هترد ولا هتنفض؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ (أحمد عبد الكريم)
جـ : أنفض؟؟؟ يظهر أن والدك بعيد النظر فعلاً..



س : يا ترى إيه أسخف سؤال أتسأل ليك؟ (وليد إبراهيم )
جـ : طبعًا الإغراء شديد أن أقول لك: هذا السؤال.. لكنها إجابة تقليدية جدًا. هناك سؤال
سخيف جدًا جدًا وصلني أمس ولا أريد أن أنشره حتى لا أتذكره وأجن..



س : ما الفرق بين "رفعت إسماعيل" والصابون السائل؟؟ (خالد العشري )
جـ : أنت اخترت شيئين متطابقين تمامًا وتطلب أن أجد فارقًا بينهما؟.. يا "خالد" حرام
عليك..



س :عندي مشكلة بس حلها أصلا مشكلة ولو حليتها طرف المشكلة التاني هيشوفني حد مش كويس ولو ماحليتهاش هيفتكر إني مش مهتمة أعمل إيه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ( ن.س )
جـ : الرد على هذه المشكلة مشكلة فعلاً. إنتي قتلتي عيل ومكسوفة تقولي لأمه؟!



س : إزيك النهارده؟ (آسر أحمدا )
جـ : الإجابة الأسخف الوحيدة المعقولة هي (زفت) لكني مهذب ولن أقولها..



س1: تفتكر لما تكون واحدة مستلطفة واحد وبتحبه تعمل إيه؟
ج1: ترى صورة له عند استيقاظه من النوم..



س2: مين أكتر حد بتكرهه في حياتك؟ (دينا خطابا )
ج2: اللي أنت مستلطفاه ده طبعًا....



س : د. "أحمد"؟! يعني إيه إيديولوجية الشعب المصري المعاصر وما علاقتها بحرب تحرير
زمبابوي؟!(Danny Bizarro ا )
جـ : مش معقول مش عارف!.. أمال بيعلِّموكم إيه في المدارس؟. ابحث عن أي كتاب يناقش
الابستمولوجية وعلاقتها بالبنية الكوزموبوليتانية لما بعد الحداثة.. هذه الأمور
بديهية..



س : تفتكر لو أبويا وأمي ماتجوزوش بعض وكل واحد اتجوز حد تاني كنت أنا هاجي تبع مين؟
(مروة - الجيزة )
جـ : سؤالك يؤكد أن يا ريت كل واحد فيهم اتجوز حد تاني فعلا..



س : لماذا لم أجد الحب حتى الآن؟ أنا وحش قوي كده؟ وصلت لغاية 24 سنة أهو وماحبتش إلا الحب اللي بيقولوا عليه الحب الطايش زمان كده؟(حسن أحمد)
جـ : ما أعرفش.. جايز شكلك بيخوف الأطفال والقطط.. لكن على الأقل أنت سعيد الحظ وجربت الحب الطائش زمان كده.. أنا قدك مرتين ولسه ما جربتش أي حاجة..



س : هو أنا بحب مين؟ (إدولف)
جـ : ده سؤال والا مطلع أغنية لـ"محمود عبد العزيز" من فيلم (الكيف)؟. اسمك يوحي بأنك
بتحب هتلر وبس..

ايهاب احمد عمر
13-02-2009, 05:31 AM
التآكل .. الحلقة الاولي

بقلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز


http://www.boswtol.com/affareet/images/235/action_01.jpg
سوف يستغرق الأمر وقتًا طويلاً جدًا قبل أن يعرف الناس من أين جاء التآكل..

خمسون يومًا لا أكثر، لكن قد يتبدل العالم ويتغير كل شيء.. وأنا أجلس هنا في هذا الوكر الضيق أنتظر النهاية ولا أعرف إن كانت ستأتي حقًا، ومن أية جهة؟.. وبأية طريقة؟..

أعتقد أن كل شيء بدأ في يوم جمعة هادئ عندما كان الناس عائدين لبيوتهم لتناول الغداء، وقد انتهت صلاة الجمعة منذ ساعة.. لابد أن أول الضحايا كان ذلك البقال العجوز. كان الزبائن يتزاحمون عنده ويكلمونه وفجأة بدأ وجهه يتآكل.. وبدأت عظامه تبرز للعيان.. ثم هوى على الأرض وثمة شيء كأنه بخار أخضر ينبعث منه، وفي اللحظة التالية أدرك الزبائن المذعورون أنهم ينظرون إلى هيكل عظمي تكسوه الثياب..

لم يصدق أحد ما حدث حتى تهاوت الضحية الثانية خلال ثلث ساعة.. ثم الضحية الرابعة..
هرع الناس إلى أجهزة المذياع والتلفزيون يبحثون عن أنباء.. يبدو أن هناك حوادث مماثلة في أكثر من مكان بالقاهرة.. ثمة شيء غير مفهوم..

يبدو أن فريقًا من منظمة الصحة العالمية جاء إلى مصر على وجه السرعة. بعد يوم وجد العلماء أن هناك حمضًا نوويًا وجزئ بروتين يملأ الأنسجة الباقية من الضحايا، وقد استطاعوا نقل العدوى لحيوانات التجارب بحقنها بهذا الجسم المبهم.. وخلال ساعات كان العالم قد عرف أن هناك فيروسًا مجهولاً جاء من مكان ما.. فيروسًا يقضي على ضحاياه خلال دقائق، وهذا عن طريق إذابة الأنسجة العضوية كلها..
ما كان يحتاج إلى أعوام في الماضي صار يحتاج إلى دقائق في عصر أجهزة الكمبيوتر الجديدة وكل ما صرنا نعرفه عن الهندسة الجينية.. لقد وجدوا الفيروس واستطاعوا تتبع تركيبه الجيني الذي يحوي قواعد لم يعرفها العلم من قبل.. قواعد غير أرضية.. وتذكر الجميع ما تنبأ به العلماء منذ دهر أن اللقاء الأول مع الكائنات الفضائية لن يكون لقاء مع كائن أخضر له هوائي على رأسه، بل هو على الأرجح سيكون مع كائنات وحيدة الخلية كالبكتريا أو لا خلايا على الإطلاق كالفيروسات.. وسرعان ما صار اسم الفيروس الجديد هو Erosion أي (فيروس التآكل)..

من أين جاء؟.. كيف هبط على كوكب الأرض؟.. لا أحد يدري..
http://www.boswtol.com/affareet/images/235/action_02.jpg
فقط عرف الناس أنه سريع جدًا.. ينتقل بسرعة جهنمية محدثًا نتائج وخيمة. يبدو أنه ينتقل بكل السبل المعروفة.. بالفم.. باللمس.. بالاستنشاق.. بالنشاط الجنسي.. بالحقن.. بلدغ الحشرات.. حتى قال أحدهم مازحًا إنه ينتقل بالنكات البذيئة. قال هذا طبعًا قبل أن يسقط ميتًا ويذوب..

التآكل في كل مكان.. إنه يزحف قادمًا من قلب المدينة.. يجتاح أحياء بأكملها.. هناك شقق كاملة صارت مغلقة بلا أحياء بعد ما ذاب قاطنوها.. حافلات توقفت في وسط المدينة؛ لأن السائقين لاقوا نهايتهم.. مدارس لم يعد فيها أحياء.. لقد ضرب الفيروس بسرعة شديدة جدًا قبل أن تضع أية جهة سياسة لمقاومته..

أنا حي.. لا أعرف السبب ولا لماذا لم أمت، لكن يصعب أن أقول إنني سعيد الحظ، عندما أنظر من الشرفة فأرى كل هذه الهياكل العظمية المغطاة بالثياب ملقاة في كل مكان.. عندما أتذكر أن زوجتي لم تعد من العمل.. لم تعد بعد ثلاثة أيام.. وعندما ذهبت إلى هناك لم أرَ إلا هياكل عظمية ترتمي على المكاتب.
ازداد الأمر سوءًا عندما انقطع إرسال المذياع والتلفزيون فالهاتف.. صرت معزولاً بالكامل، وعرفت أن ذات السيناريو يحدث في أرجاء القاهرة.. من يدري؟.. ربما أنا الشخص الوحيد الحي، لكن تصور هذا صعب طبعًا.. لسنا في فيلم سينمائي هنا، وبالتأكيد هناك أحياء في أماكن أخرى لكن كيف أجدهم؟

إن مَن ماتوا سعداء الحظ بالتأكيد.. لم يعرفوا أنهم يموتون، بينما أنا أرتقب وأرتجف ذعرًا وأنتظر الموت دقيقة بدقيقة.. والسؤال الأهم الذي يساوي الملايين هو: لماذا ظللت حيًا حتى الآن؟.. شيء ما حماني طيلة هذا الوقت، وعليَّ أن أحافظ عليه..

يتبع

المصدر :
http://www.boswtol.com/affareet/naction_235_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_235_01.html)

ايهاب احمد عمر
13-02-2009, 05:33 AM
وجدت حبي في "بورتوفينو"
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_235_03.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_235_03.html)

د. أحمد خالد توفيق

في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......

http://www.boswtol.com/tafaneen/images/235/kalam_02.jpg

هذه أغنية قديمة جدًا وجميلة جدًا وشهيرة جدًا للمطربة الفرنسية مصرية المولد (داليدا)، والتي عرفها عدد كبير من سكان شبرا في مراهقتها عندما كانت بنت الجيران الأجنبية الحسناء، وكانوا يعاكسونها فتنزع شبشبها مهددة وتشتمهم ببراعة منقطعة النظير. فيما بعد رحلت إلى أوروبا وراحت أغانيها الرائعة تملأ الأسماع بلا توقف. "بورتوفينو" قرية صيادين في ميناء جنوا الإيطالي، وقد خلدتها هذه الأغنية حتى صارت معلمًا سياحيًا مهمًا خاصة لقضاء شهر العسل عند الغربيين. سوف تلاحظ أن الأغنية تخلط بين ثلاث لغات هي الإنجليزية والإيطالية والفرنسية، لهذا ترجمت الإيطالية (بالاستعانة بصديق). لكن الكلمات لا تهم قدر ما يهم ذلك الصوت الدافئ القوي المفعم بالشجن، والذي يذكرك بشيء ما لا تعرف ما هو بالضبط. لا علاقة "لداليدا" بالفتاة في الكليب، لكن هذه أفضل النسخ الموجودة في موقع (يوتيوب).
يمكنك سماع الأغنية على الوصلة:

http://www.youtube.com/watch?v=JXOr3_TBk4Q

وجدت حبي في بورتوفينو
لأنني ما زلت أؤمن بالأحلام..
ولعبة القدر الغريبة..
لقد استلب قلبي في بورتوفينو

I found my love in Portofino
Perche nei sogni credo ancor
Lo strano gioco del destino
A Portofino m'ha preso il cuor

***

مع سحر الصباح العذب
حملك البحر لي..
بعينين نصف مغمضتين
في بورتوفينو
أستعيد صورتك..

Nel dolce incanto del mattino
Il mare ti ha portato a me
Socchiudo gli occhi
E a me vicino
A Portofino
Rivedo te

***

في ذاكرتي أسترجع ملاكًا لطالما انتظرته..
في ذاكرتي أسترجع الوجه الذي أحببته..
والشفتين اللتين طالما اشتقت لأن ألثمهما..

Ricordo un angolo di cielo
Dove ti stavo ad aspettar
Ricordo il volto tanto amato
E la tua bocca da baciar

***

لقد وجدت حبي في بورتوفينو..
تلك القبلات لن أنساها أبدًا..
لهذا لا أشعر الحزن أبدًا وأنا في طريقي إلى بورتوفينو..
لقد وجدت حبي..

I found my love in Portofino
Quei baci piu non scordero
Non e piu triste il mio cammino
A Portofino
I found my love

***

كان هناك في بورتوفينو
جرس قديم في برج
أصابه الملل من أن يدق كل صباح..
كي يوقظك عندما تصحو بورتوفينو من نومها..

Il y avait a Portofino
Un vieux clocher qui s'ennuyait
De ne sonner que les matines
Quand Portofino
Se reveillait

***

لكن بعد تلك الليلة السامية..
صاروا يسمعون الجرس يدق صباحًا
لكل المدن المجاورة لبورتوفينو..
من أجل حبنا..

Mais apres cette nuit divine
On l'entendit sonner un jour
Même jusqu'aux villes voisines
De Portofino
Pour notre amour

***

أرى العريس الذي يحملني
إلى الكوخ الخشبي الريفي الصغير..
يعبُر العتبة وأنا بين ذراعيه..

Je vois le marie qui m'emporte
Vers le petit chalet de bois
Dont il me fait franchir la porte
En me portant entre ses bras

***

وفي كل مرة في بورتوفينو
عندما يدق الجرس العجوز
يغني لزواجنا
من أجل السحاب
في بورتوفينو..

A chaque fois qu'a Portofino
Le vieux clocher sonne la-haut
Il chante notre mariage
Vers les nuages
A Portofino

***

وجدت حبي..
وجدت حبي..

I found my love
I found my love

high hopes
13-02-2009, 11:43 AM
بقى فقط أن ننشر التنويه الذي نشره د. أحمد في باب سؤال سخيف إجابة أسخف..


"في الحقيقة فكرة هذا الباب هي تكرار لفكرة قديمة كان يقدمها الكاتب الساخر الكبير "محمد عفيفي" باسم (بيني وبينك) في مجلة الكواكب قديمًا، وكان يوقعها باسم (واحد) وقد قدمها آخرون دون نجاح كبير؛ لأنه لا أحد يستطيع التفوق على "محمد عفيفي" ببساطة. الفكرة مجرد نوع من المرح البريء الخالي من الابتذال. وقد وصلني أكثر من 80 سؤالاً قصيرًا طريفًا في أسبوع، لكن كثرة ردود الفعل السلبية أثارت دهشتي.. فعلى قدر علمي لم تحتوِ الدعابات على شيء مشين.. مبدأ الدعابة للدعابة ليس مرفوضًا في حد ذاته على قدر علمي، بشرط خلو الدعابة من الابتذال أو الوقاحة. على كل حال أقدم هذه الحلقة الثالثة والأخيرة؛ لأنني كنت قد كتبتها بالفعل، وأعتذر بشدة لكل من فهموا الفكرة وأتعبوا أنفسهم وأرسلوا لي أسئلتهم؛ لأنني بالفعل غير قادر وغير راغب في استكمال هذا الباب، فلا أحد يحب أن يتلقى اللوم والسباب ما لم يكن مصابًا بماسوشية شديدة. شكرًا جزيلاً."


http://www.boswtol.com/affareet/nquestion_235_01.html


تحديث: شكراً يا إيهاب.. كنت سأقترح عليك وضع نص الموضوع فكما تعلم الروابط بعد فترة لا تعمل.. ولا يوجد أرشيف في بص وطل لكل الأعمال لهذا من الأفضل أن نضع نص المقال أو الموضوع حتي يصبح لدينا أرشيفاً دائماً خاص بنا لا يضيع مع الوقت.. شكراً لمجهودك..

محمد عبد الرحمن
17-02-2009, 04:19 PM
مقال اليوم بجريدة الدستور الثلاثاء 17 من شهر فبراير

الطاعنون وكرافت وأشاياء أخرى

«كرافت إيبنج».. سمعت هذا الاسم لأول مرة في مراهقتي في كتاب مترجم ترجمة رديئة جدًا، لمترجم وكاتب مصري غزير الإنتاج اقترن اسمه بالكتب المثيرة التي تتظاهر بأنها «علمية». كان مترجمنا العزيز يلجأ للكتب العلمية المثيرة للجدل مثل «تفسير الأحلام» أو «السايكوباثية الجنسية»، فيأخذ منها بالضبط ما يثير الغرائز ويتخلص من الباقي، ولهذا يمكن القول إن أول انطباع لي عن اسم «كرافت» كان باعتباره كاتبًا إباحيًا.

فيما بعد قابلت الاسم ثانية مرارًا «في كتب أنيس منصور علي سبيل المثال» وعرفت أنه عالم نفسي نمساوي محترم، درس الانحرافات الجنسية بجدية وصرامة، وهو من أضاف للعلم والأدب لفظة «ماسوشية» - أي التلذذ بالألم - وله الدراسة الأهم عن الانحراف الجنسي التي تجدها في مكتبة كل طبيب نفسي «السايكوباثية الجنسية»، والتي ترجمها عالم أمريكي هو «تشارلز تشادوك». وقد لاقي هذا الكتاب - بالطبع - رواجًا عظيمًا بين غير المتخصصين، حتي إن طبعته الثانية صدرت باللاتينية كي تقصره علي الأكاديميين. نفس ما قيل عن كتابات فرويد: «الرجل صنع قنابل شديدة الانفجار ليحفر بها أنفاقًا في النفس البشرية، لكن الناس سرقوها وصنعوا بها ألعابًا نارية ومفرقعات يتسلون بها» والرجل علي كل حال اسم شبيه باسم «كينزي» في الشهرة والتأثير في العقل الغربي المعاصر.

لهذا لم أندهش عندما سمعت عن سفاح المعادي حين بدأت سلسلة جرائمه، فالرجل يقوم بممارسة نشاط قديم جدًا كان يمارسه «الطاعنون Stabbers» أو «الواخزون» كما يسمونهم في الخارج. هنا رجل يهاجم امرأة من الخلف ليطعنها في مؤخرتها وسط الزحام ويفر. فقط ما أثار دهشتي هو أن كل هذه الأشياء التي كنا نسمع عنها وصلت إلي مدينتنا ثم شارعنا ثم أمام باب بيتنا.. مبروك.. صار عندنا قتلة تتابعيون وجرائم قتل طقسي وطاعنون.. ربما نسمع فيما بعد عن مباريات روليت روسي بين الشباب، أو داعية لدين زائف يجعل أتباعه يحرقون أنفسهم.. «عولمة بأه»..

يحكي كرافت في كتابه قصصًا رهيبة لا حصر لها.. مثلاً «طاعن بوتسن» الذي يعود لعام 1829، هو جندي كان يطعن الفتيات بسكين الخبز في أسفل بطونهن، ولم تكن تكتمل متعته إلا برؤية الدم.. بعدها يبلغ نشوة كاملة. هذه الرغبة بدأت لديه منذ سن العاشرة!.. لاحظ هذا، وكان يمارس هواية الصبا الشيطانية بكثرة مما جعله غير قابل للاستثارة إلا بشيء عنيف وفريد.. أي أن طاقته النفسية لم تستطع التعبير عن نفسها إلا بهذه الطريقة. إنه لم يكن محرومًا علي الإطلاق لكنه فقد الإثارة فيما هو طبيعي.

شهدت مدينة «لايبتزيش» كذلك حالة سفاح كان يطعن النساء في أذرعهن.. وفي مينتس عام 1890 كان هنالك من يطعن الفتيات في أرجلهن بأداة حادة، وكان في الرابعة عشرة من عمره عندما بدأ العمل!. اعترف فيما بعد أنه طعن خمسين فتاة!

كل هؤلاء يجمع بينهم صغر السن والإفراط في العادة السرية وفقدان القدرة الجنسية مبكرًَا بسببها.. إذن لا يمكن اتهام التدهور الأخلاقي للمجتمع أو المثيرات وغيرها؛ لأن هذه السن الصغيرة لم تجد الوقت الكافي لتتعذب بالحرمان لهذا الحد المفزع. الأمر يتعلق بعقدة نفسية لها أسباب وراثية واضحة.. هذا ما يقوله أيبنج كرافت.

منذ أعوام كان هناك شاب مصري لم يفز بلقب «سفاح» علي كل حال، لكنه كان يسكب «ماء النار» علي الفتيات اللاتي يلبسن البنطلون الضيق. ولا شك أن جريمته السادية هذه كانت تتخذ بعدًا دينيًا لا بأس به بالنسبة له فالفتيات نِلْن ما يستحققنه. بعد هذا ظهر عندنا في مصر سفاح المعادي الذي كان ينتقي الفتيات ذوات الثياب الضيقة ليطعنهن، وقد ذكرت الصحف أنه أدي إلي انتشار الحجاب بين الفتيات، وبيع زي فضفاض للنساء اسمه «زي الحماية»، كما أدي إلي انتشار 1200 عنصر أمني في شوارع المعادي، وتجنيد خمسين فتاة بثياب مثيرة باعتبارهن مرشدات.

صدفة، سقط طاعن المعادي؛ إذ شوهد يمارس عملاً مشينًا في مدخل بيت بشبرا فتم القبض عليه. وقد تبين أنه حلاق شاب من الشرابية يعيش مع والدته وشقيقه وشقيقته وأنه يعاني الانطواء منذ طفولته.

القضية تثير سؤالين لا مفر منهما لدي رجل الشارع:

1- هل هناك جرائم فعلاً؟.. بعض قوي المعارضة اعتبرت الموضوع فبركة حكومية لإلهاء الرأي العام عن ظروف الشعب المصري القاسية. هي نظرية لا بأس بها.. لكن ماذا لو كان هناك سفاح يطعن الفتيات فعلاً؟.. هل تمتنع الصحف عن النشر حتي لا تتهم بإلهاء الرأي العام؟

2- هل المتهم هو الفاعل فعلاً؟: لا شك أن علماء النفس سيجدون الكثير مما يقولونه عن هذا السفاح، ولكن سيبقي شك دائم فيما إذا كان هو الفاعل حقًا.. لماذا اعترف لرجال الشرطة بتاريخه الإجرامي الطويل، وكان يمكن أن يعترف فقط بممارسة العمل المشين الذي اعتقل بسببه؟

الحقيقة أن تاريخ الداخلية من انعدام الثقة، وسياسة «حتعترف وإلا حنجيب أمك وأختك يا روح أمك» والتعليق في المروحة، كل هذا جعل الناس غير مستعدة لتصديق أي شيء حتي لو كان الحقيقة.. لقد صرخت وزارة الداخلية: «الذئب.. الذئب» كثيرًا جدًا، فصار من الصعب أن يصدقها رجل الشارع عندما تتكلم عن ذئب حقيقي. في كل القضايا الأخيرة سواء كانت جثث الأطفال الملقاة فاقدة الأعضاء أو ابنة ليلي غفران أو سفاح المعادي أو أية جريمة؛ يفترض المواطن المصري العادي منذ اللحظة الأولي أن من تم اعتقاله ليس الفاعل.. حتي لو قبضت الداخلية علي مليون متهم فلابد أنهم أبرياء جميعًا، وكلنا نعرف نكتة المتخلف عقليًا التي قتلتها الصحف قتلاً.

ماذا يحدث في مصر بالضبط؟.. في كل محافظة هناك من يعرف شخصًا يعرف شخصًا آخر يعرف شابًا أو طفلاً أو مراهقًا تم اختطافه، ثم وجدوا جثته ملقاة في مخزن قديم وقد انتزعت منها الأحشاء.. عندما تبدي بعض الشك يسخرون منك لسذاجتك.. هنا في مصر تنكر الحكومة كل شيء ويصدق الناس كل شيء.. يمكن أن تكون القصة كلها إشاعة بلهاء وحالات فردية محدودة، ويمكن أن تكون ظاهرة تجتاح كل مكان ولابد من تفسير سريع لها.. في مراهقتي تكلم الجميع في طنطا عن العصابة التي اختطفت فتاة من دارها وهي تشاهد التليفزيون، وحدثت حالة عامة من الذعر ولم تعد الفتيات يخرجن للشوارع وكذا فعل آباؤهن لأنهم لابد أن يبقوا في البيت لمنع اقتحامه. في النهاية تبين أن مصدر القصة كلها مراهقة ظلت ساهرة أمام فيلم بوليسي مثير نومها مغناطيسيًا تقريبًا، فغادرت الدار وظلت تمشي بلا هدي عدة أيام.. ثم عادت وحكت هذه القصة المعقدة عن العصابة التي خطفتها وكادت تذبحها.

وماذا عن الأعضاء الناقصة؟.. سرقة الأعضاء لا تتم بهذه الطريقة الطفولية الساذجة بل لابد من مستشفي مجهز ولمسات جراحية واضحة.. هناك استثناءات موثقة جيدًا بصدد قتل الأطفال لاستدعاء الجان؛ وبالتالي هؤلاء الأطفال هم ضحايا أبرياء لمناخ الخرافة المخيف الذي نعيش فيه، لكن ماذا عن الحوادث التي لم نقرأ عنها حرفًا في الصحف حتي المعنية بالإثارة منها؟

أنتظر باهتمام حكم المحكمة في قضية طاعن المعادي، ورأي علماء النفس المحترمين وعلي رأسهم أستاذنا «محمد المهدي» الذي ما زال يمثل صوت العقل وسط ضوضاء الفزع والشك التي تصم الآذان.


د . أحمد خالد توفيق

http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=15362&Itemid=31

ايهاب احمد عمر
19-02-2009, 03:12 PM
بوس الواوا
سيناريو : د. أحمد خالد توفيق
رسوم : عبد الله أحمد



http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_01.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_02.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_03.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_04.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_05.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_06.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_07.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_08.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_09.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/236/comics_010.jpg

المصدر :
http://www.boswtol.com/affareet/ncomics_236_01.html

ايهاب احمد عمر
19-02-2009, 03:14 PM
التآكل .. الحلقة الثانية

قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز


http://www.boswtol.com/affareet/images/236/action_01.jpg
أنا هنا في تلك الشقة الضيقة التي وجدت بابها مواربًا.. لماذا لم أظل في بيتي؟.. لأن زوجتي وأولادي أصيبوا بالعدوى على الأرجح، ولا أضمن ألا يكون السبب هو أن هناك مصدرًا للعدوى في شقتي..

هذه الشقة في بناية مجاورة لبيتي.. لا توجد فيها أجهزة تكييف، والنوافذ مغلقة، كما أن الحمام لم يستعمل منذ دهور.. شقة معقمة جدًا خالية من البشر تمامًا منذ زمن.. يمكن أن تكون هذه نقطة بداية صحيحة.. هناك صراصير حية وأنا أعتقد أن الصراصير بدأت تهلك في الخارج نتيجة الوباء. هذه علامة صحية أخرى.. أذكر العصافير حبيسة الأقفاص التي يحملها الناس قرب مواقع التسرب النووي باعتبارها عدادات (جايجر) بيولوجية فائقة الحساسية.. لو انقلب العصفور ومات فأنت في خطر..

فلأُبقِ عيني على الصراصير.. فلألحظها جيدًا....

لديَّ مخزون من الطعام المحفوظ ولا أظن هذا خطرًا.. قمت بمغامرة نزلت فيها إلى سوبر ماركت في قمة الشارع وتحسست طريقي وسط الهياكل العظمية المتناثرة وأنا أكتم أنفي بمنديل، وحصلت على خزين من المعلبات مع زجاجات ماء معدني كثيرة.. أعتقد أنها قد عبئت قبل أن يبدأ الوباء... لا شك أن مياه الصنبور خطرة فعلاً..

الآن يمكني أن أحاول فهم سبب نجاتي..

تعلمت منذ زمن أن أبدأ يومي بملعقة من العسل الأبيض وابتلاع فصي ثوم.. هذه العادة قد تكون مسئولة عن نجاتي.. ربما كان الحل في العسل الأبيض أو الثوم؟.. لكن لا.. تصور هذا صعب؛ لأن هناك الكثيرين يمارسون ذات العادة..

أنا مصاب بزيادة في حموضة المعدة.. أذكر قصة ذلك الطبيب الذي تحدى "روبرت كوخ" عندما زعم الأخير أنه وجد البكتريا الواوية المسببة للكوليرا.. تحداه لدرجة أنه شرب مزرعة كاملة من البكتريا فلم يصب سوى بعسر هضم بسيط!.. هكذا وجد "كوخ" نفسه في موقف كريه فعلاً.. فيما بعد قال المفسرون إن الطبيب الذي شرب المزرعة كان يعاني من زيادة في حموضة المعدة وهذه قتلت بكتيريا الكوليرا على الفور.. ربما تحميني حموضتي من الموت؟.. لا أدري..
http://www.boswtol.com/affareet/images/236/action_02.jpg
هناك ألعاب مناعية لا يمكن فهمها.. لماذا يسعل مريض الدرن في وجه رجلين فيصاب الأول بالدرن وينجو الثاني؟.. لا أعرف..

على كل حال يمكنني أن أواظب على العسل الأبيض، فلا سبيل للحصول على الثوم الآن..

كم سأبقى هنا؟.. لا أعرف..

كنت أجلس في الظلام خالي الذهن كعادتي مؤخرًا.. أتعامل مع العالم بشيء من الغباء سببه عدم وجود منبهات حسية من أي نوع.. هنا شعرت بذلك الفم الدافئ يلعق قدمي.. صرخت ووثبت في الهواء مترًا، ثم أدركت أن هذا القادم قط صغير.. قط أضناه البحث عن طعام أو بشر.. من دون ناس يصعب أن يجد فضلات يأكل منها..

تعاملت معه بحذر وخوف في البداية؛ لأنني خشيت أن ينقل لي العدوى، ثم تذكرت أن المرض قاتل سريع الفتك.. على الأرجح كل من هو حي مأمون كذلك.. سوف يعيدني هذا القط العزيز إلى عالم الأحياء وسوف أكلمه طيلة اليوم..

هكذا تركته في الشقة وركضت ركضًا حتى ذلك السوبر ماركت والكمامة على أنفي.. من الصعب أن أجد لبنًا صالحًا بعد خمسين يومًا، لكن القطط لا تبالي بهذه الأمور .. هكذا جلبت له عدة أكياس من اللبن وعلبًا من اللحم المحفوظ..

عدت إلى البيت ركضًا لكنه لم يكن هناك.. لقد تركت الباب مواربًا ومن الواضح أنه فر. بحثت بدقة أكثر فوجدته على بعد ثلاثة أمتار من فتحة الباب.. كان ميتًا.. الفيروس قد قضى عليه فصار هيكلاً عظميًا...

وجدت مكنسة بالشقة فأخذتها ودفعته دفعًا حتى تدحرج من فوق الدرج. لقد صار خطرًا الآن وصار من الوارد أن يقضي عليَّ في أية لحظة..

كتب عليَّ أن أعود إلى الوحدة، لكن (نرمين) كانت قادمة.. ومع (نرمين) تغير كل شيء..

يتبع

* * *

المصدر :
http://www.boswtol.com/affareet/naction_236_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_236_01.html)

ريم البرارى المستحيلة
19-02-2009, 10:34 PM
فالس مع البشير: صبرا وشاتيلا بعيون إسرائيلية

د . أحمد خالد توفيق


http://www.boswtol.com/5gadd/images/236/sahsah_030.jpg


من الفرص النادرة أن تتاح لك مشاهدة فيلم إسرائيلي لتعرف كيف يفكر هؤلاء القوم، والأغرب أن يكون عن مذبحة (صبرا وشاتيلا) بالذات. قرأت عن فيلم (فالس مع البشير) من قَبل، فلم أوله اهتمامًا واعتبرته نوعًا من احتفال إسرائيل الدائم بذاتها، مع الحماس الغربي المعهود لكل ما هو إسرائيلي. لكن أتيحت لي مشاهدته مؤخرًا فأصابتني الدهشة من نضج الفكرة وجودة التنفيذ وجرعة الفن العالية، لدرجة أنني شعرت بالذنب؛ لأنني أعجبت لهذا الحد بفيلم صنعه أعداؤنا. وإن خفف من هذا الشعور إدراكي أنني أشاهد نسخة غير قانونية (بالعربي: مهبوشة) أي أنني لم أُسهم في تمويل صنَّاع الفيلم بمليم!
الفيلم الذي عرض عام 2008 تسجيلي، لكنه يحمل الكثير من التدخل الروائي الذي يرقى به لدرجة الشعر، وقد أخرجه المخرج (آري فولمان) بطريقة الرسوم المتحركة واستغرق العمل فيه أربع سنوات. التحريك خشن نوعًا لكنه فعال، وهي الطريقة القديمة: إن لم تستطع منافسة "ديزني" -وهذا مستحيل- فكن نفسك. من شاهدوا فيلم (الغواصة الصفراء) للبيتلز سوف يلاحظون تشابهًا شديدًا في الأسلوب. طريقة الرسم تذكرك بالأفلام التي تعتمد على تحويل صور أشخاص حقيقيين إلى رسوم، وهي الطريقة التي تدعى (روتوسكوب Rotoscope )، لكن صناع الفيلم لم يفعلوا ذلك بل ابتكروا طريقة تحريك خاصة بهم على الكمبيوتر.
عُرض الفيلم في مهرجان (كان الفرنسي) مرشحًا للسعفة الذهبية، ولم ينلها لكنه نال حشدًا من الجوائز في مهرجانات عدة وأرى أنه يستحقها، كما نال جائزة الكرة الذهبية كأول فيلم تسجيلي ينالها في التاريخ. كما رشح للأوسكار في قائمة التحريك لكنه لم ينل الجائزة.

http://www.boswtol.com/5gadd/images/236/sahsah_032.jpg

كل الفيلم يحمل لمسة لونية وصوتية قاتمة كابوسية تجثم على الأنفاس وتشعرك بالحزن والاختناق. يبدأ الفيلم بصديق للمخرج -يظهر بشخصيته المرسومة- كان جنديًا معه عام 1982 في لبنان، واليوم يأتيه ليشكو من كابوس غريب.. هناك ستة وعشرون كلبًا تطارده في شوارع المدينة عازمة على تمزيقه.. لماذا ستة وعشرون وليس ثلاثين مثلاً يا أخي؟.. يقول صديقه الجندي إن السبب هو أنه قتل فعلاً 26 كلبًا في الحرب.. كان عاجزًا عن قتل البشر لذا كلَّفوه بقتل كلاب القرى التي تنبح فتنبه الفلسطينيين بعوائها.
هنا يفطن (فولمان) إلى أن لديه كابوسه الخاص.. إنه عارٍ تمامًا مع مجموعة من الجنود الإسرائيليين العراة يسبحون في الظلام في البحر ويخرجون أمام ساحل بيروت بفنادقه الفاخرة.. الأدهى أنه لا يذكر حرفًا عن تلك الحرب ولا ما جرى في صبرا وشاتيلا.. لقد مُحي هذا الجزء من ذاكرته تمامًا، لذا يقرر أن يقوم برحلة للبحث عن ذاكرته الضائعة بين زملاء الحرب.
يقوم ببطء بجمع أجزاء الصورة الشنيعة من ذكريات أصدقائه، والبحث عن الخيط يستدعي السفر لهولندا للقاء صديق قديم صنع ثروة من بيع الفلافل هناك، أو لقاء طبيبة نفسية تحدثه عن فقدان الذاكرة المحدودة، وكيف أن كثيرًا من الجنود ينجون بأنفسهم من الجنون عن طريق تخيل أن ما يرونه لقطات فوتوغرافية غير حقيقية..
إنهم هناك.. مجموعة من الجنود المراهقين يدخلون أرضًا معادية وهم يغنون: ليفانون بوكرتوف (صباح الخير يا لبنان) في إشارة واضحة لحرب أمريكا في فيتنام، ثم يصيرون مذعورين لدرجة انفلات أعصاب كامل، حتى أنهم يعيشون داخل الدبابة ويطلقون الرصاص بغزارة في كل الاتجاهات طيلة الليل، ويسأله زميله وهو يطلق الرصاص:
ـ "على من نضرب؟"
فيرد:
ـ "لا أعرف.. أطلق الرصاص وكفى.."
ـ "أليس من الأفضل أن نصلي؟"
ـ "صل بسرعة ثم أطلق الرصاص!"

http://www.boswtol.com/5gadd/images/236/sahsah_031.jpg

يمطرون سيارة مرسيدس بطلقاتهم حتى تتحول لمصفاة، ثم يكتشفون أنه لم يكن فيها سوى أسرة كاملة. دبابة صديقه تنفجر وزملاؤه يموتون بينما يتوارى صديقه مذعورًا خلف صخرة.. ويراقب الفلسطينيين بينما أحدهم يتبوَّل فوق جثة إسرائيلي ملقاة على الرمال.. هذا أول فلسطيني يقدمه الفيلم لنا. ويفر ذلك الجندي؛ ليسبح ليلة كاملة في البحر المظلم الهائج إلى أن يبلغ زملاءه.
هناك مشهد للجنود يمشون في شارع في بيروت حيث يظفر بهم مجموعة من القناصة الفلسطينيين. واضح أن حرب لبنان الأولى لم تكن نزهة كما نعتقد.. وسط الطلقات المنهمرة يحمل أحد الإسرائيليين المترليوز أو الـ MAG ويطلق الرصاص في جنون وشبه انتشاء وهو يتلوى، بينما صور الرئيس اللبناني بشير الجميل تملأ الخلفية، ويدوي لحن (فالس) يوحي لك بأنه يرقص.. هذا هو مصدر عنوان الفيلم، وبالطبع هنا خيط واضح من الفيلم الرائع (الرقص مع الذئاب).
ضائعون.. مذعورون.. فاقدو الهدف.. هكذا يقدِّم الفيلم الجنود الإسرائيليين، أكثر ما يسعدهم قضاء ليلة في قصر لبناني فاخر تركه سكانه، وقائدهم يقضي الليل في مشاهدة فيلم بورنو فاضح على الفيديو وهو لا يصدر أمرًا سوى: "أسرع بتقديم الشريط.. أسرع بتقديم الشريط". ونعرف أن حبيبة المخرج تخلت عنه ليلة ذهابه للجبهة لذا ظل يتمنى أن يموت في الحرب؛ كي يسبب لها عقدة ذنب دائمة!

http://www.boswtol.com/5gadd/images/236/sahsah_028.jpg

يصل الفيلم للمأساة.. لقد تم اغتيال بشير الجميل، وهو بالنسبة لحزب الكتائب شخص أسطوري.. رمز.. يقول صديق المخرج: "لقد كانوا يحبونه لدرجة التقديس.. لا.. بل لدرجة الاشتهاء الجنسي!".. مات الجميل وقرر رجال الكتائب الانتقام من الفلسطينيين المتهم الأول باغتيال الرجل. هكذا يرينا الفيلم التواطؤ التام بين رجال الميليشيات المسلحين بقيادة السفاح (إيلي حبيقة)، وهم يدخلون المعسكر تحت حراسة إسرائيلية كاملة.. كل إسرائيلي يعرف تمامًا ما سيحدث، لكنهم يجلسون على الدبابات يراقبون ويطلقون طلقات مضيئة طيلة الليل؛ لتكشف كل ركن في المعسكر. فقط من حين لآخر يتصلون بشارون ليخبروه أن مذبحة نازية تدور أمامهم، فيكرر وهو يلتهِم طبقًا مليئًا بالبيض المقلي واللحم: "لقد أبلغتموني.. شكرًا".. ويضع السماعة.
يراقبون أسرة كاملة تقف ووجهها للجدار، بينما مسلحان يفرّغان الرصاص في أفرادها. يرون مسلحًا يقتاد عجوزًا إلى بيت ثم يسمعون طلقات ويخرج المسلح.. يسألونه عما يحدث فيشرح لهم بالإشارة أنه أفرغ رصاصتين في رأس العجوز؛ لأنه رفض أن يسجد أمامه. يراقبه الجنود في لا مبالاة مع لمسة اشمئزاز بسيطة. السيارات تنقل الأسر الفلسطينية للاستاد ثم تعود خالية.. لا يحتاج المرء لذكاء كبير كي يعرف ما جرى لحمولة هذه السيارات.. ويتذكر المخرج نفسه في سِن التاسعة عشرة وهو يعبئ القنابل المضيئة طول الليلة لينير للسفاحين أرض مذبحتهم..

http://www.boswtol.com/5gadd/images/236/sahsah_029.jpg

استمرت المذبحة حتى الصباح، وفي النهاية جاء قائد إسرائيلي ملول ليطلب من الكتائب الرحيل بمكبر الصوت.. هكذا ينتهي كل شيء.. كل هذا كان يمكن أن يتوقف بعبارة واحدة تقال في مكبر صوت! يقرر (فولمان) أن يدخل المعسكر ليرى الهول الذي صنعوه..
الجثث مكومة في كل مكان.. ارتفاعها يصل لكتفي الرجل الواقف.. جثث أطفال ونساء وشيوخ.. الرائحة لا توصف.. الذباب..
ثم نرى لقطات تسجيلية حقيقية التقطها الفرنسيون للنساء الصارخات المولولات يبحثن عن الزوج / الأخ / الابن / الأب.. وسط الجثث، مع العبارة الشهيرة: "وين العرب؟.. وين؟"
وتظلم الشاشة ثم تتصاعد التترات.. إنه ليس كابوسًا نصحو منه ونتنهد بل هو الحقيقة المرعبة. لقد عرف (فولمان) لماذا فقد الذاكرة طيلة تلك السنوات. إنه اعتراف كامل بالصوت والصورة يقدمه للعالم، لعله يتخلص من ذلك الكابوس الذي لم يفارقه طيلة عشرين عامًا. أنت شجاع وموهوب يا (فولمان) لكن هذا لن يعيد لأطفال صبرا وشاتيلا -ومعهم ثلاثة آلاف شهيد- حياتهم.. لهذا لن نغفر لقومك أبدًا.

المصدر
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_236_023.html (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_236_023.html)

ريم البرارى المستحيلة
19-02-2009, 10:52 PM
الكلمات

المصدر :
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_236_03.html (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_236_03.html)





في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......

http://www.boswtol.com/tafaneen/images/236/kalam_01.jpg
عام 1982 قدَّم المطرب الفرنسي تونسي المولد "ف. ر. ديفيد" هذه الأغنية الرقيقة ذات اللحن البسيط والصوت الرخيم. "ديفيد" مطرب روك معروف في العالم الفرانكفوني خاصة بنظارته السوداء التي لا ينزعها أبدًا وجيتاره المميز. اشتهرت هذه الأغنية جدًا وباعت أكثر من ثمانية ملايين اسطوانة، واشتهرت بين شباب الجامعات في مصر طيلة حقبة الثمانينيات. ولسبب يتعلق بطريقة الأداء ساد اعتقاد شائع لدينا أن من يغنيها فريق آخر اشتهر أيضًا في الثمانينيات اسمه "مودرن توكنج"، وحتى موقع (يوتيوب) وقع في ذات الخطأ. طبعًا ليست مشكلة عويصة لهذا الحد فما يعنينا هو حزمة المشاعر البليغة هذه حتى لو كان قائلها "شعبان عبد الرحيم" نفسه. أذكر أيام الكلية وكيف كنت أشعر بالذنب؛ لأنني لا أجيد شيئًا سوى الكلام، بينما مغني هذه الأغنية يجد صعوبة جمة فيه، لهذا قرر أن يلحن هذه الأغنية كي تعبر ببلاغة بدلاً منه‍. صحيح أنه استعمل الكلمات لكنه اقتصد فيها جدًا، وأعتقد أنه نجح بقوة فيما أراد..
اسمع الأغنية الرائعة وشاهدها على الوصلة التالية:
http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=yHeseOjdgZI)


الكلمات
لا تأتيني بسهولة
كيف أجد سبيلاً أقول به إنني أحبك؟
فالكلمات لا تأتي بسهولة

Words don't come easy to me
how can I find a way
to make you see I love you
words don't come easy

الكلمات
لا تأتيني بسهولة
وهذه هي الطريقة الوحيدة لي كي أقول إنني أحبك..
بينما الكلمات لا تأتي بسهولة

words don't come easy to me
this is the only way
for me to say I love you
words don't come easy

حسن..
أنا مجرد موسيقي
الألحان هي أعز أصدقائي..
لكن الكلمات تخذلني يا فتاة..
هأنذا أكشف لك عن سر فؤادي..
وآمل أن تصدقي أنه حقيقي..
لأن..
الكلمات
لا تأتيني بسهولة
كيف أجد سبيلاً أقول به إنني أحبك؟
فالكلمات لا تأتي بسهولة.

.well, I'm just a music man
melodies so far my best friend
but my words are coming out wrong, girl
I reveal, my heart to you and
hope that you believe it's true cause
words don't come easy to me
how can I find a way
to make you see I love you
words don't come easy

هذه مجرد أغنية بسيطة
كتبتها لك وحدي
لا توجد معانٍ خفية كما تعرفين
عندما أقول إنني أحبك يا حلوتي!
أرجوك أن تصدقي ذلك
لأن..
الكلمات
لا تأتيني بسهولة
كيف أجد سبيلاً أقول به إنني أحبك؟
فالكلمات لا تأتي بسهولة.

.this is just a simple song
that I've made for you on my own
there's no hidden meaning you know when I
when I say I love you honey
please believe I really do cause
words don't come easy to me
how can I find a way
to make you see I love you
words don't come easy

ليس الأمر سهلاً
الكلمات لا تأتي بسهولة..
الكلمات
لا تأتيني بسهولة
كيف أجد سبيلاً أقول به إنني أحبك؟
فالكلمات لا تأتي بسهولة.

.it isn't easy
words don't come easy
words don't come easy to me
how can I find a way
to make you see I love you
words don't come easy

الكلمات
لا تأتيني بسهولة
وهذه هي الطريقة الوحيدة لي كي أقول إنني أحبك..
بينما الكلمات لا تأتي بسهولة
الكلمات لا تأتي بسهولة..

words don't come easy to me
this is the only way
for me to say I love you
words don't come easy
words don't come easy

yassmen.hassan
24-02-2009, 10:23 AM
عودة لمقال لم يكتمل



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com




بشوش كريم كالعادة لا يبخل بوقته أو علمه على من يسأله.. لا شك في أنك عرفت أنني أتحدث عن دكتور (محمد المهدي) استشاري وأستاذ الطب النفسي والوجه الإعلامي الشهير.. هذه من اللحظات النادرة التي يجيد فيها الإعلام اختيار نجومه..
كتبت في المقال السابق عن سفاح المعادي والطاعنين وكرافت أيبنج، لكنني ظللت أشعر بأن المقال ناقص لم يكتمل بعد، وأنه بحاجة لرأي د. (محمد المهدي)، ولم أكن اعرف أنه كتب مقالاً مهمًا طويلاً عن سفاح المعادي وسيكولوجية السفاحين عامة، وقد وجدت إجابات كثيرة في ذلك المقال لكني برغم ذلك أجريت معه حوارًا .. ليس حوارًا صحفيًا بالضبط بقدر ما هو دردشة لتبديد بعض الهواجس التي احتشدت في نفسي .
كان أول تحفظ له هو: الله أعلم هل ذلك الفتى الذي قبضوا عليه هو سفاح المعادي فعلاً أم لا .. بصراحة لم أعد أثق بكلامهم كثيرًا . أسرة الفتى أصابتها الدهشة واستنكرت أن يكون ابنها مسئولاً عن هذه الأفعال.. د. (محمد) لا يجد في هذا دليل براءة في حد ذاته لأن دهشة المعارف وذهولهم شيء معتاد في هذه القصص .. دائمًا يندهش الناس عندما يكتشفون أن جارهم الخجول الوديع هو المسئول عن كذا وكذا .. وكما يقول في مقاله: "والغريب أن السفّاح بعد أن ينهى هذا الأمر يعود مرة أخرى شخصا عاديا ويمارس حياته بشكل طبيعى؛ فيذهب لعمله أو لدراسته ويقضى الوقت مع أصدقائه ويمارس هواياته وربما عباداته , إلى أن تعاوده النوبة مرة أخرى , وهذا ما يجعل التعرف على سفاح النساء أمرا صعبا".
سألته: قرأت عن بواب مصري كان يغتصب الأطفال في ثلاثينات القرن الماضي.. الثلاثينات التي يرددون أنها عصر البراءة والنقاء. كما أذكر في طفولتي أخبار القبض على سفاح أطفال لا يختلف كثيرًا عن (التوربيني).. هل تعتقد أننا نشهد ظاهرة، أم أن هذه النماذج كانت موجودة دائمًا .. فقط تحسنت التغطية الإعلامية جدًا ؟
قال: لا أعتقد أن هذه النماذج ظهرت فجأة .. الإنسان هو الإنسان والخلل النفسي هو الخلل النفسي .. حيثما وجد الاستعداد الوراثي والعلاقات المضطربة وجد هؤلاء. بالفعل أعتقد أن التغطية الإعلامية التي ازدادت كفاءة هي ما جعل هذه النماذج أكثر وضوحًا.
تذكرت ما قاله في ذلك المقال المهم: " السفاح ظاهرة عالمية تظهر فى أى مجتمع متقدمًا كان أو متأخرًا , وهو يثير الرعب لفترة من الزمن فى مجتمع بعينه إلى أن يتم القبض عليه , ونظرًا لفداحة جرائمهتجد قصص السفاحين يتناقلها الناس عبر العصور والثقافات".
سألته: هل تعتقد أن الضغوط الجنسية المتزايدة وتأخر سن الزواج هم السبب ؟.. يعني بصراحة هل يتحول الناس لسفاحين بسبب (هيفاء وهبي) ؟
قال: بالطبع لا .. الضغوط الجنسية على الشاب تؤدي لمحاولات أخرى للفرار .. قد يصير مزواجًا أو يرتبط بعلاقات غير شرعية .. لكنها بالتأكيد لن تدفعه إلى أن يحمل سكينًا ليمزق أجساد النساء .. لابد من تربة خصبة لهذا، وهي الأسرة مع استعداد وراثي لا بأس به .. إن الـهو أو الـ ID هو النموذج الأول للشهوات التي لم يهذبها الضمير، وفي الهو يمتزج الجنس والعنف معًا .. لكن الأسرة هي التي تحدد له اتجاه الغريزة مستقبلاً.
سألته: هل تعتقد أن كراهية النساء (الميزوجينية) هي سبب هذا العنف ؟
ـ نحن نتحدث عن تناقض شعوري شديد أو ما نطلق عليه Ambivalence .. فهو يشتهي المرأة جدًا ويمقتها جدًا لأنها تسبب له كل هذا الصراع.. هكذا يقرر أن يدمر بيده سبب الصراع الذي يسبب له كل هذا العذاب. مع القيام بفعل جنسي رمزي هو الطعن بسكين، وهذا يعوضه عن شعوره بالعجز عن الفعل الجنسي السوي. هناك كذلك مثال كازانوفا الذي كان قبيحًا منفرًا، هكذا قرر أن يصير ساحرًا للنساء بلسانه البارع وأن يقتحم عالمهن ليؤذيهن على سبيل الانتقام. لو نفذ الانتقام بشكل اجتماعي فهو زير نساء .. لو نفذه بشكل إجرامي فهو سفاح..
قلت له: كنت أنا من القلائل الذين اعتقدوا أن سفاح (بني مزار) هو الفتى الذي قبضوا عليه فعلاً. حكم المحكمة يقول إنني كنت مخطئًا بالطبع، لكني استندت على منطق بسيط هو أن من ارتكب هذه الجريمة البشعة لابد أن يكررها ثانية سواء كان القتل طقسيًا (لغرض السحر) أو ساديًا لمجرد شهوة سفك الدم. قلت إن توقف حوادث القتل بعد القبض على الفتى لدليل قاطع على أنه مرتكبها.
قال د. محمد: كان رأيي وقتها أنه لا يمكن أن يرتكب هذه الجرائم لأنه شخصية فصامية اختلط لديها كل شيء .. بالتالي هو عاجز تمامًا عن تنفيذ جريمة بهذه الدقة والكفاءة وكل هذا التخطيط ..
ـ إذن لماذا لم تتكرر الجرائم ؟
ـ لأنها في رأيي عمل جماعي قام به أشخاص عدة، ولم تتم بغرض نفسي إنما تمت لغرض محدد كالانتقام أو أسباب عنصرية .. وهذا الغرض قد تحقق وبالتالي لم تعد هناك حاجة للتكرار. لأسباب مشابهة أشك في أن يكون قاتل ابنة ليلى غفران وصديقتها هو القاتل فعلاً.. ربما زج به في القضية أو خدعه أحدهم ليتواجد في مسرح الجريمة، لكن الفتى لا يملك القدرة على تنفيذ جريمة كهذه ..
ـ نعود لسفاح المعادي الذي قبض عليه لأنه كان يقوم بعمل مشين في مدخل بناية .. لماذا اعترف بأنه طاعن الفتيات ؟.. هل تعتقد أنه أراد أن يُعاقب ؟
ـ لا أعتقد ذلك .. هو لا يملك الضمير الذي يجعله راغبًا في تلقي العقاب .. لكنك تعرف كيف ولماذا يعترف الناس عندما يقبض عليهم في مصر.
تذكرت هنا ما قاله في مقاله المنشور قبل القبض على الفتى: " وأكثر ما نخشاه أن تتم تسوية الأمر بالقبض على أحد المرضى النفسيين المتجولين فى شوارع القاهرة على أنه هو السفّاح الذى قام بكل هذه الجرائم وذلك ليهدأ الرأى العام لحين القبض على المجرم الحقيقى، أو تركه حرا طليقا يفاجئنا بما يثير الفزع من وقت لآخر". هي نبوءة .. فهل تحققت ؟ . يقول في ذلك المقال ساخرًا : " أشعر بالأمان كثيرا وأنا بين مرضاى النفسيين في حين أشعر بقلق شديد وأنا أدخل أية مصلحة حكومية خاصة تلك التى فى خدمة الشعب أو الوطن. ولهذا نحذر دائما من وضع المريض النفسى كبش فداء فى كل جريمة نعجز عن الكشف عن الفاعل فيها, لأن في هذا تضييعًا للحق والحقيقة واعتداء على حقوق المريض النفسى، واتخاذ موقف عنصرى ضده يجعل الناس تتوجس منه خيفة وتأخذ موقفا عدائيًا منه..".
سألته : إذن أنت لا ترى أننا نتجه لعصر من السفاحين الذين يملئون الشوارع ؟
ـ هذه الظواهر موجودة طيلة الوقت .. وكما قلت، فالضغوط الجنسية تؤدي لشخص مزواج أو كثير العلاقات الجنسية، لكنها لا تؤدي لسفاح..
وماذا عن كون المجتمع المصري وسطًا ممتازًا لنمو الشائعات ؟.. الحكومة تنكر كل شيء والناس تصدق كل شيء. يقول د. محمد : وضع العالمان جوردون ألبورت وبوستمان كتابا مهمًا بعنوان " علم نفس الشائعة " , فيه معادلة للشائعة مفادها أن :
قوة انتشار الشائعة وتأثيرها = أهمية الموضوع × درجة الغموض حوله × التركيبة النفسية لمتلقى الشائعة .
وبناءً على هذه المعادلة لكى نسيطر على أية شائعة علينا أن نجعل أحد عناصرها صفرًا, أي يصبح الموضوع غير ذي أهمية , أو تكون المعلومات المتوفرة حوله كافية لإزالة الغموض , أو تكون التركيبة النفسية قادرة على رؤية الحقيقة كما هى دون التأثر بعوامل انفعالية ذاتية .
شكرًا د. محمد .. أضعت الكثير من وقتك، لكني عرفت ما أريد معرفته.

أميرة الورود
26-02-2009, 08:08 PM
قرص مهدئ قبل المشاهدة
د. أحمد خالد توفيق

بص و طل
26\2\2009
http://www.boswtol.com/5gadd/images/237/sahsah_06.jpg
يمكنك أن تكره الولايات المتحدة لكن ليس بوسعك تجاهلها. تذكرت هذه الجملة التي قالها ناشر أمريكي كبير لمحمد حسنين هيكل وأنا سهران في تلك الليلة السوداء أنتظر أن يبدأ حفل الأوسكار، وسط زحام الإعلانات ومجموعة من الشباب التقت بهم القناة في مول مصري ما، يصرخون في الكاميرا: أووووه أوسكار!.. هكذا كل ثلاث دقائق كأن هذا أظرف شيء في العالم..

في الثانية صباحًا –ولما يبدأ شيء بعد- سألت نفسي بصراحة: ما جدوى هذا التعذيب؟.. لا أتوقع سوى نفس اللقطات والدموع المفتعلة والتظاهر بالتأثر والـ (ووه) والـ (واو).. وذات مجموعة الأوغاد النرجسيين التي أراها منذ كنت في الكلية. لكن المناسبة كانت أقوى مني.. أريد أن أعرف هل نال العبقري الراحل (هيث لدجر) جائزة الأوسكار عن أدائه المذهل في (الفارس الأسود)؟.. وماذا عن أبطال slumdog milionaire (العشوائيات مليونير)؟.. كم جائزة سوف يحصدها الفيلم الجميل الممل قليلاً (الحالة الغريبة لبنجامين باتونز)؟.. أقنعت نفسي أنني يجب أن أعرف...


برغم هذا، يعد الأوسكار درسًا محكمًا في الافتعال والتصنع وعدم التلقائية.. كل شيء مرسوم ومحدد مسبقًا، وقد راهنت مجلة (إمباير) البريطانية المفروسة مثلنا قراءها على تكرار هذه المشاهد في كل حفل أوسكار:
1. يُذكر اسم ممثل بريطاني فيصيح أحدهم في مرح: البريطانيون قادمون!
2. تثبت الكاميرا على وجه جاك نيكلسون وهو بالنظارة السوداء يضحك ضحكته المفتعلة التي تكشر عن أسنانه كلها.
3. يطيل أحد الفائزين كلمته فتبدأ الموسيقى لتخرسه.
4. ينتهز أحد الفائزين الفرصة ليلقي خطبة سياسية ما ليس الوقت وقتها.

أذكر أوسكار عام 1993 الذي قدم في يوم حزين لأمريكا؛ لأن التلفزيون العراقي عرض يومها صورًا لجثث قتلى أمريكيين وعرض لقاءات مع الأسرى. هنا ظهر على المسرح ذلك الممثل (أدريان برودي) الذي يحمل وجه حصان، وألقى بعينين دامعتين كلمة عن السلام، وطلب من (هؤلاء القوم) المتوحشين في العراق أن يكفوا عن العنف.. صفق الناس ولم يسأل أحد: من هاجم من؟.. ومن قطع نصف الكرة الأرضية ليحتل بلد من؟.. هل كان العراقيون سيأسرون جنودكم لو ظلوا في الولايات المتحدة؟. ريتشارد جير كذلك ألقى خطبة عصماء عن احتلال الصين للتبت وطرد الدلاي لاما.. السبب طبعًا هو أنه بوذي.


عندما فاز الممثل الإيطالي (بانيني) عن فيلم (الحياة جميلة)، تذكر أنه ممثل كوميدي ويجب أن يكون ظريفًا، لذا راح يتواثب كالقرد فوق المقاعد إلى أن بلغ المنصة فقبل صوفيا لورين وكلمها بالإيطالية. كل هذا جميل.. لكن مجلة إمباير تذكرت أنه فعل ذات الشيء حرفيًا وكرر ذات المشاهد من قبل في مهرجان كان. كل هذا الانفعال تمثيل تدرب عليه مرارًا.


أما عن الفوز فقد قالت مجلة فرنسية شهيرة إن جائزة أفضل ممثل مضمونة لو كنت تقوم بدور تاريخي أو دور مدمن مخدرات في صراع مع إدمانه، وجائزة أفضل ممثلة مضمونة لو كنت تقومين بدور عاهرة لها قلب من ذهب!. هناك قواعد عديدة.. مثلاً أوسكار المؤثرات الخاصة محجوز للملتحين.. جائزة أفضل فيلم مضمونة لكل من يصف عذاب طفل يهودي في معسكرات النازيين.

أما عن الضحكات فحدث بلا حرج.. ترى تلك الممثلة شاردة الذهن بوجهها القاسي الشرير (يطق الشرر من عينها كأنها الشيطان) وفجأة تشعر بحاستها بأن الكاميرا على وجهها، فتتسع ضحكتها كاشفة عن صفين من اللآلئ في ضحكة مفتعلة باهرة.. هذه هي أمريكا فعلاً..

أشعر كلما شاهدت احتفالات الأوسكار أنها نوع من فرض نمط الحياة الأمريكي على العالم. هكذا يمرح أسيادكم أيها البؤساء.. ها هو ذا عباس وحسين وسنتريسي يهللون فرحًا لأن (أنجلينا جولي) ظهرت.. ثم يتساءلون عن سبب عدم ظهورها مع براد بيت. يا ترى يا هل ترى؟.. هل بدأت بذور الشقاق بين الزوجين؟.. يبدو أن البنت جنيفر أنستون سرها باتع فعلاً..

هكذا تفرض أمريكا أولوياتها على العالم، وهي تعرف في فخر أن مواعيدها الشيطانية لا تناسب أيًا من شعوب الأرض لهذا جلس الكل في أوروبا وإفريقيا ساهرين. تذكرت كذلك زعماءهم عندما يزورون المنطقة العربية فيضبطون موعد الزيارة على أنسب وقت مشاهدة لدى المواطن الأمريكي، ولهذا مثلاً قد يزورنا مسئول أمريكي كبير في الثانية بعد منتصف الليل، كما أرغم الملك حسين رحمه الله على لقاء الرئيس الأمريكي عصرًا في الصحراء تحت القيظ؛ لأن الرئيس الأمريكي أراد أن يرى المواطن الأمريكي هذه المشاهد قبل ذهابه للعمل.

الحفل لم يبدأ بعد.. وكما يقول المترجمون عندنا: (ارتدى الرجال الفراء وكشفت النسوة عن نحورهن).. إنهم يقومون بعرض أزياء على البساط الأحمر.. ربنا ياخدهم جميعًا.. تعالوا نتكلم عن جائزة الأوسكار نفسها. الأمر سهل في وجود الإنترنت حيث كل شيء متاح. لكني سأرجع للكتاب الجميل (جوائز الأوسكار) لمحمود عبد الرحمن الزواوي (كتاب الهلال – 453) الذي كان يساوي ثقله ذهبًا في ذلك الوقت من عام 1988، حيث كان من المستحيل أن تجد كل هذه المعلومات في مكان واحد.
http://www.boswtol.com/5gadd/images/237/sahsah_08.jpg
جائزة الأوسكار ليست الأكثر دلالة على قيمة العمل الفني، لكنها الأشهر والأكثر إبهارًا. طبعًا الفوز بالأوسكار يترجم إلى ارتفاع فلكي في إيرادات الفيلم وأجور ممثليه. عندما فاز (طار فوق عش المجانين) بالجائزة عام 1975 وثبت إيراداته 50 مليون دولار مرة واحدة.. هناك 32 منظمة أمريكية تقدم جوائز للأعمال السينمائية لكن القليل منها جدًا ينقل على شاشات التلفزة. ولدت الفكرة عام 1927 مع تأسيس الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما – ومقرها بيفرلي هيلز بلوس أنجيليس - فأقيم أول حفل أوسكار عام 1929. لم يبدأ التلفزيون تغطية الحفل إلا عام 1953.

عندما ولدت فكرة تقديم جائزة للأعمال الفائزة، تم اقتراح 12 جائزة، وطلب من شركات الإنتاج تزويدها بقوائم عن أفلام العام. تتم عملية الاقتراع السري بطقوس شبه بيزنطية، ولا يشارك الجميع في التصويت إلا في قائمة أفضل فيلم، فيما عدا هذا يصوت كل في مجال تخصصه. مجلس الإدارة الذي يصوت عدده ستة وثلاثون عضوًا.

ثم ترسل الأصوات لمؤسسة محاسبة محايدة هي (برايس ووتر هاوس) التي تتولى العد. هناك اتهامات عديدة بالتلاعب في الأصوات، أغلبها وجه للويس ماير – بتاع شركة مترو جولدن ماير- مؤسس الأكاديمية. وهو السبب في عدم فوز جريتا جاربو بالجائزة أربع مرات، وهذا لصالح الممثلة نورما شيرر زوجة مدير الإنتاج في شركته.


أما عن التمثال نفسه فهو خليط من النحاس والقصدير ومطلي بالذهب. فارس يقف بسيفه فوق بكرة فيلم تمثل الفروع الخمسة للأكاديمية (تمثيل – كتابة – إخراج – إنتاج – تقنية). وهو من تصميم (سيدريك جونز) ونحته المثال (جورج ستانلي). شركة دودج تروفي تصنع 60 تمثالاً كل سنة ثمن التمثال الواحد 200 دولار، وبعد ما يوزع على الفائزين يجمع منهم ثانية لنقش الاسم على قاعدته.. أما عن اسم أوسكار نفسه فلم تضعه الأكاديمية، والرواية الأرجح هي أن أمينة مكتبة الأكاديمية صاحت عندما رأت التمثال أنه يذكرها بعمها أوسكار.. هكذا شاع هذا الاسم.


الكتاب ممتع وبه معلومات مثيرة مما يغريني بأن أعرضه عليك في مقال آخر، لكن حتى ذلك الحين اسمح لي بأن أتابع هذا الحفل الكريه المستفز، فأنا غير قادر على تركه!
http://www.boswtol.com/5gadd/images/237/sahsah_07.jpg
ملحوظة مهمة جدًا: كتبت السطور السابقة قبل ظهور (أنجلينا جولي) مع (براد بيت) فعلا.. واضح أنهما سعيدان كذلك.. الحمد لله.. كدت أموت قلقًا..!

أميرة الورود
26-02-2009, 08:16 PM
التآكل (3)قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز
http://www.boswtol.com/affareet/images/237/action_01.jpg

كانت لحظة مرعبة لنا معًا.. لقد رأيت ذلك الشبح المُلثَّم يقف في بئر السلم، ورأتني فصرخت.. شبح ملثم له صوت أنثوي؟.. هذا غريب...

للحظات سادت كوميديا الموقف المكان.. بين ذعر وصراخ وأنا أكرر أنني سليم وعليها ألاّ تقلق.. تدنو مني فأتراجع خوفًا؛ خشية أن تكون مصابة.. تصرخ مؤكدة أنها سليمة.. وهكذا..

في النهاية دخلتْ الشقة وراحت تلهث.. كانت في الثلاثين من عمرها، لها وجه جذاب وإن كان غيرَ جميل، ولها عينان ذكيتان حساستان..

كانت تقول:
ـ"حسبت أنني آخر الأحياء.. حمدًا لله!... لقد قضيت عشرين يومًا مذعورة كالفأر.. نسيت الكلام منذ انقطع الإرسال.. لا أعرف ما يحدث بالخارج.. خارج القاهرة.. هل تجيد قيادة السيارات؟.. لا؟.. أنا لا أجيد.. هناك ألف سيارة ملقاة في الشوارع لكن لا أنا ولا أنت نستطيع القيادة.. لا وسائل مواصلات.. علينا أن نبقى هنا.."

كانت تتكلم بلا توقف فدسست في يدها قطعة من البسكويت كي تأكل وتخرس قليلاً..

ملأت فمها بالبسكويت.. لم تكن جائعة طبعًا لأن الطعام في كل مكان، لكنها جائعة للصحبة البشرية.. الطعام الذي تأكله وأنت البشري الوحيد يكون طعمه كالسم.. رحت أحكي لها قصتي.. أحكي لها عن زوجتي.. عن القط.. عن أولادي... كل شيء ما عدا اسمي....

لما انتهت من الطعام سألتها عن عملها واسمها فقالت وهي تجلس على الأرض:
ـ"(نرمين محمود).. طبيبة مختصة بعلم الميكروبات.. أعمل في مركز بحوث (.....).. وأنت؟"

ـ"(أسامة الشرقاوي).. معلم.. إذن أنتِ تعرفين بعض الشيء عن هذا الفيروس اللعين.. هل جاء من الفضاء فعلاً؟"

قالت وهي تنهض:
ـ"لا أعرف إلا أعراضه.. مهمتنا أن نبقى أحياء.. هذا هو الشيء الرئيسي"

ثم وقفت في وسط الصالة الضيقة تنظر للأرض وقالت:
ـ"هو يفتك بالصراصير أيضًا.."

نهضت مسرعًا وقد أصابني الذعر.. نظرت لأجد خمسة صراصير مقلوبة على ظهورها جوار جدار وقد أشعلت عود ثقاب ودنوت منها، فوجدت أنها متآكلة فعلاً.. لا شك في هذا..
http://www.boswtol.com/affareet/images/237/action_02.jpg
قلت في رعب:
ـ"كانت حية.. كانت حية حتى وقت قريب جدًا.. إن هذا الكابوس يزحف بلا توقف.. لقد حسبت أنني سأنجو ما دامت الصراصير حية ترزق"

قالت وهي تدفن وجهها بين كفيها:
ـ"كانت هناك فئران في القبو الذي تواريت فيه، وكنت أشعر بذعر شديد.. لكن ظللت أتمنى أن تبقى حية حتى النهاية فلا أجد جثثها المتآكلة.. هذا ما حدث لحسن الحظ"

الموت الأحمر يدنو منا.. فقط لن نتوارى منه في قصر حجراته ملونة كما فعل أبطال (إدجار آلان بو).. نحن هنا في هذه الشقة المظلمة مذعورين خائفين..

كنت أفكر في قلق.. هناك وقائع كثيرة يكون فيها الشخص حاملاً للعدوى ولا يصاب بها.. هذا وارد جدًا.. لماذا هلكت الصراصير الآن فقط؟.. بعد ما دخلت هي الشقة؟... شيء جديد قد طرأ وهو ظهور (نرمين) هذه.. هل أنا في خطر؟

بعد قليل قالت لي دون أن ترفع وجهها:
ـ"هل خطر ببالك أن مهمة إعادة الحياة تقع على عاتقنا؟... رجل وامرأة.. يبدو أننا سنتزوج لا محالة!"

نظرت لها في دهشة.. هذا آخر شيء فكرت فيه.. لكن من قال إننا البشريان الوحيدان الناجيان؟.. قد نكون آخر بشريين في القاهرة لكن بالتأكيد يعج العالم بالبشر في الخارج.. لا شك أن هناك مئات المتوارين في أرجاء القاهرة مثلنا كذلك.. ما تفكر هي فيه أكثر درامية مما تتحمله الأمور..

قلت لها ضاحكًا:
ـ"لا أقصد أن أهينك.. لكن أعتقد أن الأمور ليست بهذا السوء بعد.."

ثم سألتها لأغير مجرى الكلام:
ـ"هل لديكِ نظرية تفسر بقاءَك سليمة حتى اللحظة؟"

ـ"عندما اشتد الوباء تعاطيت وزوجي جرعات من عقار الأمانتادين وحقن الإنترفيرون على سبيل الوقاية لا العلاج.. خطر لي أننا لن نخسر شيئًا.."

ـ"وهل نجح هذا الابتكار؟"

ـ"مات زوجي بالوباء بعد ساعات.. كان يهذي بلا توقف لأن الفيروس قد يسبب هلاوس وحالة من الجنون الوقتي قرب النهاية، بينما نجوت أنا.. لا أملك تفسيرًا أفضل من أن هذه التجربة الخرقاء أفلحت معي.. وماذا عنك؟"

لم أرد لأنني كنت أنظر إلى وجنتها.. هل أنا أهذي أم أن هناك رقعة عارية يبرز العظم منها؟

يتبع

أميرة الورود
26-02-2009, 09:00 PM
في العام 2525

د. أحمد خالد توفيق
في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......
http://www.boswtol.com/tafaneen/images/237/kalam_01.jpg
أغنية خيال علمي.. هذا تقريبًا أدق وصف لهذه الأغنية القديمة التي قدمها الثنائي الأمريكي (زيجر وإيفانز) عام 1969، وحققت نجاحًا هائلاً في هذا الوقت، حتى أنك كنت تسمعها طيلة اليوم عبر محطات المذياع في مصر، ولفترة طويلة كانت هي الموسيقى التصويرية لأي عمل درامي يتعلق بالمستقبليات.
الأغنية تتخيل حال الإنسان عام 2525، ثم تثب للأمام وثبات واسعة قدرها 1010 سنوات في كل مقطع جديد.. وترينا كيف أن الإنسان سيتقدم لكن نحو (نقيض اليوتوبيا) بالضبط، حيث يتحول إلى ما يشبه الآلة المبرمجة.. إن الأغنية تتحدث عما يتحدث عنه أي كاتب خيال علمي معاصر.. ذات لمسة التشاؤم والقلق على مصير هذا الكوكب الجميل الذي بددنا موارده بلا حذر. اللحن سريع ومرح لكنه كذلك يوحي بالرهبة والاغتراب، حتى تشعر بأنه سباق لاهث قدري بآلة زمن مجنونة نحو نهاية مجهولة مظلمة.. لا يمكن التراجع.. أنت تندفع نحو الثقب الأسود بلا توقف.. وقرب نهاية الأغنية تدرك أن هذه دورة حياة، وأن كل شيء سيبدأ من جديد على الأرجح..
الكليب الذي اخترته جيد جدًا من ناحية الصوت والأداء، لكنه قصير نوعًا بحيث ينتهي قبل أن تنتهي كلمات الأغنية.. يمكنك البحث عن كليب أفضل في ذات الصفحة..

تصرفت نوعًا في الترجمة؛ لأن بعض المقاطع لا تناسبنا، لكن فكرة (قدوم الرب) قوية في الوجدان الغربي وكانت مسيطرة جدًا في الستينيات..
اسمع الأغنية الرائعة وشاهدها على الوصلة التالية:
http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=TJU_UutAME4&feature=related)

http://www.youtube.com/watch?v=TJU_UutAME4&feature=related


في العام 2525
لو ظل الرجل حيًا
لو استطاعت المرأة أن تعيش..
فلربما عرفا الحقيقة..
In the year 2525
If man is still alive
If woman can survive they may find

في العام 3535
لن تحتاج إلى قول الحقيقة ولا قول الأكاذيب
كل ما تفكر فيه أو تفعله أو تقوله
هو في القرص الذي ابتلعته اليوم..
In the year 3535
Ain't gonna need to tell the truth, tell no lies
Everything you think do and say
Is in the pill you took today

في العام 4545
لن تحتاج إلى أسنانك ولن تحتاج إلى عينيك
فلن تجد شيئًا تمضغه
وما من أحد سوف ينظر لك..

In the year 4545
You ain't gonna need your teeth won't need your eyes
You won't find a thing to chew
Nobody's gonna look at you

في العام 5555
ذراعاك تتدليان مترهلتين إلى جانبيك
وقدماك ليس لديهما ما تعملان
هناك آلة تؤدي كل هذا لك..
In the year 5555
Your arms hangin' limp at your sides
Your legs got nothin' to do
Some machine's doing that for you

في العام 6565
لن تحتاجي إلى زوج ولن تحتاج إلى زوجة..
سوف تختار ابنك وكذلك تختار ابنتك
من قاع أنبوب اختبار..
In the year 6565
You won't need no husband, won't need no wife
You'll pick your son, pick your daughter too
From the bottom of a long glass tube

في العام 7510
ربما يكون هذا وقت نهاية العالم..
In the year 7510
If God's a comin' He oughta make it by then
Maybe He'll look around Himself and say
Guess it's time for the judgement day

في العام 8510
ربما يرضى الرب عما حققه الإنسان
أو يمحوه ويبدأ كل شيء من جديد..
In the year 8510
God is gonna shake His mighty head
He'll either say I'm pleased where man has been
Or tear it down and start again woh oh

في العام 9595
أتساءل عما إذا كان الإنسان سيكون موجودًا وقتها..
لقد أخذ كل ما استطاعت هذه الأرض العجوز أن تمنحه
ولم يرد لها شيئًا في المقابل..
In the year 9595
I'm kinda wonderin' if man is gonna be alive
He's takin everything this old earth can give
And he ain't put back nothin woh oh

الآن مرت عشرة آلاف سنة
وقد ذرف الإنسان بليون دمعة..
على ما لم يعرفه قط..
الآن انتهى سلطان الإنسان..
Now it's been ten thousand years
Man has cried a billion tears
For what he never knew
Now man's reign is through

لكن عبر الليل الخالد
بريق النجوم البعيد جدًا..
يبدو كأنه بالأمس..
But through eternal night
The twinkling of starlight
So very far away
Maybe it's only yesterday

في العام 2525
لو ظل الرجل حيًا
لو استطاعت المرأة أن تعيش..
فلربما عرفا الحقيقة..
In the year 2525
If man is still alive
If woman can survive, they may find......

أميرة الورود
05-03-2009, 08:48 PM
التآكل (3)

قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز


قلت لها بصوت مبحوح:
ـ"أنتِ.. لست منيعة تمامًا.."
ـ"عمَّ تتكلم بالضبط؟"

قلت وأنا أتراجع للخلف:
ـ"الوباء.. التآكل.. يبدو أن دورك قد حان!"

مدت يدها لتتحسس جبهتها، وهنا فوجِئتْ بأنها ترى سلاميات أصابعها العظمية.. شهقت ونهضت.. حقًا كان كل شيء يدور بسرعة جهنمية.. البخار الأخضر اللعين الناجم عن عمليات التحلل العضوية يتصاعد..


لكنها ظلت قادرة على الكلام.. ويبدو أن العلاج الذي جرّبته وزوجها لم يقدم لها أكثر من هذا.. قالت وهي تستند على الجدار:
ـ"لكن كيف؟.. لقد مررت بكل شيء.. هلك كثيرون أمامي ولم يحدث لي شيء.."

ثم لم تقدر على أن تقف على قدميها أكثر فسقطت على الأرض، ولكنها رفعت نحوي وجهها المُشوّه وقالت بصوت كالفحيح:
ـ"الآن فهمت.. فهمت.... الوباء هو أ.. أ... ....."

ثم نفدت الحياة من جسدها.. لم أجرؤ على النظر إلى ما صارت إليه... لقد رأيت هذا المشهد مرارً.. لا أتحمل أكثر.. لن أتحمل أكثر..

سقطتُ على الأرض والعرق يغمرني لكني كنت أتأرجح بين الوعي واللا وعي.. أرى بعين الخيال البقال العجوز يكلمني بعد صلاة الجمعة ويضحك.. أرى نفسي وسط المصلين.. أرى نفسي في مترو الأنفاق.. في الحافلة.. أرى نفسي جالسًا في مطعم.. أمزح مع زوجتي...

هناك من هلكوا بسرعة وهناك من تأخروا كثيرًا لأسباب غير مفهومة.. لكن النهاية واحدة..
أرى بعين الخيال نفسي راقدًا على ظهري في مكان مظلم من الصحراء... أنظر للسماء -حيث تنتثر النجوم- عاجزًا عن الحركة.. أرى كائنين غريبين قريبين بالبشر لكن لا وجه لهما يجثمان فوق صدري.. أداة غريبة تغرس إبرة في ذراعي.. أعرف أن الشيء يسري في دمي..أعرف من أفكارهما أنني لن أموت...لن أموت..
لكني سأكون الموت!
لماذا أنا في الصحراء؟.. لا أذكر.. لكن هذا كان منذ خمسين يومًا. أعرف يقينًا أنه كان منذ خمسين يومًا.. لن أموت.. لن أموت...

نهضت من غيبوبتي فجلست على أرض الشقة في الظلام.. أنظر إلى الهيكل العظمي الذي سقط بقربي.. لقد كان كابوسًا مفزعًا لكنه لم يكن كابوسًا بالضبط.. ربما هو ذكرى، نسيت كل شيء عنها وعادت... لا أعرف...
ـ"الآن فهمت.. فهمت.... الوباء هو أ.. أ... ....."
قالتها "نرمين" قبل أن تموت.. كانت قد اقتربت من الشفافية وعرفت كل شيء.. أرادت أن تقول: "الوباء هو أنت!"

لماذا هلك القط بمجرد أن داعبته قليلاً؟.. لماذا هلكت الفتاة؟... الصراصير تتحمل أكثر من سواها لذا عاشت معي طويلاً لكنها ماتت في النهاية... ولماذا لم أمرض أنا؟

حامل العدوى قد لا يصاب بها، ولهذا هو خطر داهم لأنه لا يبدو مريضًا ولا أحد يتجنبه. لقد ذهبت لكل مكان وتعاملت مع الجميع وأكلت في كل المطاعم.. لو أردت أن أنشر هذا الوباء الغريب فما كنت لأفعل أكثر من هذا..
هل هي تجربة ما؟.. هل نلعب دور فئران المختبر في تجربة كونية لا نفهمها؟.. هل هو سلاح بيولوجي ابتكره سكان عالم آخر وأرادوا معرفة تأثيره على سكان مدينة؟.. لا أدري.. لكني أعرف شيئًا واحدًا.. أنا السبب في كل ما حدث من فظائع..

أصعد في الدرج ثلاثة طوابق إلى سطح البناية وأقف لاهثًا هناك على حافة السور.. أنظر إلى الشارع البعيد من تحتي حيث تناثرت الهياكل العظمية بكامل ثيابها، وتبعثرت السيارات.. آخذ شهيقًا عميقًا..
هناك طريقة مؤكدة للقضاء على وباء التآكل وأنا أعرفها.. يجب إبادة مصدر العدوى بأية طريقة كانت.. النار تبدو حلاً أكثر منطقية لكني لا أجرؤ على أن أفعل ذلك...
وداعًا.. أرجو أن يتأخروا في العثور على جثتي فترة كافية لتجف وتفنى العدوى..
أغمضت عيني ووثبت..
لم تعد هناك أرض تحت قدمي...

هنا سمعت في ذاكرتي صوت "نرمين" يقول:
ـ"الفيروس يسبب هلاوس وحالة من الجنون الوقتي قرب النهاية!"
ماذا لو كانت نظرية الوباء الحي هذه هذيانًا؟.. ماذا لو كان كلامها صادقًا؟.. ربما تسرعت أكثر من اللـــ...................


تمت

أميرة الورود
05-03-2009, 08:52 PM
"سلام بومباي" بشكل آخر!
د : أحمد خالد توفيق
http://www.boswtol.com/5gadd/images/238/sahsah_025.jpg
لأسباب تتعلق بي أنا لم أستطع أن أحب فيلم (الحالة الغريبة لبنجامين باتونز) كما أحبه الجميع تقريبًا، لأنني شعرت بأنه مفرط الطول، وأنه صمم بالقلم والمسطرة كي يحصد جوائز الأوسكار.. مثلما يقرر الشاعر أن يكتب قصيدة رقيقة فيحشد كل كلمات (الربيع) و(الندى) و(الشفاف) و(عبير) في بيت واحد. ثمة شيء ما غير أصيل ولم أرتحْ له، بينما شعرت أن فيلم (مليونير العشوائيات Slumdog millionaire) يفوح برائحة الصدق والعرق والوحل وروائح أخرى لا داعي لذكرها. يبدو أن الأكاديمية التي تمنح جوائز الأوسكار اتفقت معي في الرأي فنال (مليونير العشوائيات) ثماني جوائز أرى أنه يستحقها فعلاً.

هل يمكن أن تصنع فيلمًا جميلاً عن القبح؟.. هذا ما راهن عليه (دان بويل) وهو ذات ما صنعه (محمد خان) عندنا في (أحلام هند وكاميليا). لقد رأيت من قبل فيلم دان بويل (مراقبة القطارات) الذي رأى أيرلندا كما لم يرها أحد من قبل، وقد قدم لنا قاع قاع ذلك المجتمع..
http://www.boswtol.com/5gadd/images/238/sahsah_024.jpg
من قاع قاع المجتمع الهندي يبدأ فيلم (مليونير العشوائيات) الذي كتب عن رواية للكاتب والدبلوماسي الهندي (فيكاس سواراب) وأعد له السيناريو السيناريست البريطاني (سيمون بوفوي). الفيلم يتحرك بطريقة شائقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.. والمستقبل لن يظل كذلك للأبد؛ لأن الحاضر سيسبقه.. لكن كل هذا اللعب الزمني مفهوم وسلس وخالٍ من استعراضات العضلات الفكرية كالتي رأيناها في فيلم (ساعات). هذا الاستعراض الذي تشعر بأن غرضه أن يشعر المشاهد بأنه -البعيد- غبي بطيء الفهم.

المحور الرئيس حتى قرب النهاية هو التحقيق الذي يجريه ضابط شرطة هندي مع الشاب (جمال) أي الممثل الهندي (ديف بيتل).. الشاب الفقير الذي يعرف الجميع أنه نشأ في العشوائيات والذي لا تسمح إمكانياته الثقافية ولا العقلية بالكثير. نرى الكثير من التعذيب على الطريقة المصرية.. الفتى يتلقى علقة ممتازة في قسم الشرطة تبلغ ذروتها بالصعق بالكهرباء.. ربما لهذا نشعر بألفة كلما رأينا أفلامًا هندية؛ فالدم واحد والفقر واحد والمشاكل واحدة، ومعاملة الشرطة واحدة..

نفهم من الحوار أن الفتى يتم استجوابه؛ لأن الشرطة متأكدة من أنه يغش بطريقة ما في برنامج (من سيربح المليون؟) الهندي. الفتى يجيب إجابات صحيحة بطريقة مذهلة، ويتقدم نحو حاجز عشرة ملايين روبية ويتجاوزه نحو العشرين مليونًا، لهذا صار رجال الشرطة على يقين من أنه يغش.. هناك من يرسل له إشارات وسط الجمهور أو هو زرع جهاز اتصال في جسده..

ما يدعم شكوك ضابط الشرطة هو أن الفتى يجهل أشياء بديهية فعلاً يعرفها أي طفل في الخامسة، مثل الكلمات المكتوبة على العلم الهندي أو الصورة الموجودة على العملة الهندية.. هنا يسأل الفتى الضابط عن سعر نوع من الحلوى الهندية الرخيصة، فلا يعرف.. يسأله من سرق دراجة الصبي فلان؟.. لا يرد الضابط فيجيب الفتى في سخرية: كل طفل في (دارافي) يعرف الإجابة!

هنا ينطلق الفيلم من فرضية مثيرة، هي أن حياة الفتى العاصفة ومرمطته في أزقة (مومباي) لقنتاه الإجابات الصحيحة.. لقد كانت الأزقة هي مدرسته الحقيقية.. ولهذا استطاع أن يصمد لكل الأسئلة. طبعًا الفرضية غير معقولة؛ لأنه لا أحد يملك حظًا كهذا الحظ الذي يجعله يجيب عن كل الأسئلة، لكنك تقبل هذا من منطلق قاعدة (التعطيل الإرادي لعدم التصديق) التي اخترعها الخواجة كولريدج، أو قاعدة (دعني أنخدع - دعني أخدعك) التي اخترعها العبد لله..

يحكي الفتى قصة حياته للضابط ويتداخل هذا مع مشاهد من برنامج (من سيربح المليون) نفسه.. نسمع الأسئلة وسخرية مقدم البرنامج المغرور وتظرّفه، خاصة عندما عرف أن الفتى (شاي والا) -(ولد شاي)- مهمته تقديم الشاي للعاملين في شركة اتصالات كبرى.

ثم نرى رد فعل الفتى الذي يستحضر من خبرات الماضي تجربة كانت لها علاقة بالإجابة.. مثلاً السؤال عن الصورة التي يرسم بها الهندوس الرب (رام).. ماذا يمسك به في يده اليمنى؟.. هنا يتذكر الفتى طفولته وهو يلعب في النهر المتسخ بينما أمه تغسل.. ثم يهجم على الحي مجموعة من الهندوس البلطجية ليفتكوا بالمسلمين.. تتلقى أم الفتى ضربة قاتلة على رأسها وتسقط في الماء، بينما يفر (جمال) وأخوه.. هنا يجدان أمامهما واحدًا من الهندوس صبغ نفسه بالأزرق ليبدو مثل إلههم (رام).. مشهد لا يُمحى من ذاكرته أبدًا.. طبعًا في يد (رام) اليمنى قوس وسهم..

الإجابة الصحيحة هي: قوس وسهم.. وهكذا تتوالى الإجابات مع مقدم البرنامج الخبيث المراوغ (أنيل كابور) الذي يتلاعب بأعصاب الفتى ليخسر.. مثلاً الفتى يذكر أفلام الممثل (أميتاب باتشان) كلها، والسبب أنه كان مجنونًا به في طفولته.. إن هذه المنطقة العشوائية قرب المطار ترى هبوط طائرة (أميتاب) من ثم يعم الجنون بين الفقراء ويهرعون ليروه.. ولع الصبي يؤدي به لمغامرة مؤسفة هي أن يغوص بالكامل في حفرة من الفضلات البشرية ويخرج مكسوًا بها ليطلب توقيع (أميتاب) على صورة له.. من الواضح أن الغوص في الفضلات البشرية تيمة مفضلة عند (دان بويل)؛ لأنه يصور في فيلم (مراقبة القطارات) رجلاً يغوص في مرحاض مليء ليبحث عن أقراص مخدرة، ويتحول الأمر لحلم فانتازي من السباحة وسط الفضلات!!

هكذا تتوالى الأسئلة التي يحلها الفتى بمعجزة ما، وبخبرات طفولته فقط.. مع الأسئلة نرى بانوراما كاملة لحياته وصراعاته وقصة حبه الأليمة مع فتاة شوارع مثله اسمها (لاتيكا)، كان مصيرها محددًا بالطبع.. كل الأطفال يتسولون.. يكبر الفتيان فيصيرون لصوصًا وبلطجية، وتكبر الفتيات فيصرن عاهرات.
نكتشف هذا كله بينما ثلاثة خيوط لا تتوقف عن النمو وتتداخل وتتعقد مع بعضها:



1- خيط التحقيق في قسم الشرطة ومحاولة إقناع الضابط.
-2- خيط حياة الفتى وعلاقته بأخيه والبحث عن حبيبته التي غاصت في أمواج المدينة
3- خيط البرنامج نفسه مع مقدمه الخبيث الذي يحاول إقناع الفتى أنه في صفه، وهو يخدعه،
وفي النهاية يشكوه للشرطة بتهمة الغش في البرنامج ومن هنا نعرف لماذا بدأ الخيط الأول.

تتصاعد الأحداث، فلا داعي لسرد كل شيء.. هناك كذلك خطأ في السيناريو لن نتوقف عنده طويلاً (عندما قال في التحقيق إنه لم يرَ أخاه قط بعد الفراق في الفندق). فقط ينتهي الفيلم بمشهد استعراضي ضخم على محطة القطار، هو نوع من التحية للسينما الهندية التجارية أو (بوليوود) كما يسمونها.. لكن ما أبعد الفارق بين هذا البطل التعس النحيل وفتاته السمراء الواهنة، وبين أبطال بوليوود المفعمين صحة ورجولة وجمالاً.. من المستحيل أن يظفر هذان الشابان بالبطولة في فيلم هندي تجاري.

هذه هي الهند الحقيقية.. الهند التي لا نعرفها نحن.. الهند كما لم تصورها الكاميرا من قبل. بلد مليء بالفقر والجريمة والبؤس لكنه برغم ذلك ساحر. يمكنك في لحظات كثيرة أن تتنهد ارتياحًا؛ لأننا لا نعيش في هذا الفقر الصادم الموجع. على فكرة لم أعرف من قبل أن عشرين مليون روبية تقترب من نصف مليون دولار.

بالطبع أثار الفيلم الكثير من الاحتجاج في الهند؛ لأنه يظهرها بطريقة فاضحة غير سياحية بالمرة، واحتج الهندوس على إظهارهم كوحوش.. هناك جبل من القضايا مرفوعة عليه، لكن هذا كل شيء.. من المستحيل أن نتصور أن يقدم هذا الفيلم في مصر أصلاً سواء قدمه مخرج مصري أو بريطاني. بالمنطق الرقابي عندنا ليس هذا الفيلم سوى حبل طوله ساعتين لنشر الغسيل المتسخ.

من ناحية أخرى لا أعرف لماذا لم يتذكر أحد تشابه هذا الفيلم الشديد مع (سلام بومباي)، وهو فيلم جميل آخر قدمته عام 1988 المخرجة الهندية المشاغبة (ميرا ناير) التي يسبب كل فيلم لها عاصفة من الجدل.. في ذاك الفيلم أطفال شوارع في (مومباي) وقصة حب بين طفل شارع وفتاة لا تلبث أن تتحول إلى غانية خصوصية لأحد الأثرياء. لا أعرف لماذا نسيه الجميع..
http://www.boswtol.com/5gadd/images/238/sahsah_023.jpg
(مليونير العشوائيات) فيلم ممتع ولاهث الإيقاع، فلا تشعر لحظة أنك جلست متسمرًا أمام الشاشة ساعتين. كل هذا مجدول بالأغاني الرائعة لـ (أ. ر. رحمن) الذي استحق بحق جائزتي أوسكار عن الموسيقى التصويرية وأفضل أغنية. تصوير فائق الجمال يتعامل مع القبح والقذارة بعذوبة شديدة لا تعرف كيف، ويعتمد كثيرًا جدًا على الكاميرا المحمولة باليد.

من الطريف أن بويل يعترف بأنه رأى الكثير من أفلام بوليوود إياها ليتعلم طريقتها في التعامل، وقد أخذ السيناريست الكثير من خيوط أشرار بوليوود لينسج بها شخصيات الأشرار في فيلمه، كما أخذ خيوطًا مهمة من فيلم هندي بوليسي اسمه (ديوار).. حتى طريقة بوليوود في التعبير عن مرور السنين اقتبسها، حيث يثب الشقيقان من القطار فإذا هما لحظة السقوط قد تقدما سبع سنوات في العمر.

باختصار: لو ابتلعت منطق أن خبرات الفتى في طفولته تكفي للإجابة عن كل أسئلة البرنامج، فأنت لن تجد مشكلة في هذا الفيلم ولسوف يروق لك بشدة.
بص وطل

خمسة جد (http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_238_014.html)

أميرة الورود
05-03-2009, 08:52 PM
دورة تدريبية

سيناريو: د.أحمد خالد توفيق
رسوم: عبدالله أحمد



http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_01.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_02.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_03.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_04.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_05.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_06.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_07.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_08.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_09.jpg

http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_010.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_011.jpg
http://www.boswtol.com/affareet/images/238/comics_012.jpg

أميرة الورود
05-03-2009, 09:02 PM
فندق كاليفورنيا

د. أحمد خالد توفيق
في كل مرة سوف أقدم لك ترجمة وكلمات أغنية أجنبية من أيام شبابي (أي عندما كانت الديناصورات تجوب المستنقعات المغطاة بالسراخس). أغنية دفنت وغطاها الصدأ فالتراب، لكن يكفي أن تحملها بين أناملك لتدرك أي بريق وسحر فيها.. سمه ما شئت.. سمه نوعًا من ثرثرة العجائز على غرار (الغنا ده كان أيامنا إحنا).. أو سمها رغبة في أن تشاركني هذه النشوات القديمة.. المهم أني أضمن لك الاستمتاع......
http://www.boswtol.com/tafaneen/images/238/kalam_01.jpg
ليست كل الأغاني الغربية ذات معنى عميق ثقافي، فأحيانًا ما يكتب الفنان لحنًا جميلاً ثم يضع له أية كلمات تتمشى معه، حتى لو لم يكن لها معنى ما. دعك من بعض الرؤى التي تسببها العقاقير المخدرة المختلفة وتجعله يقول أي كلام مسجوع. لهذا مثلاً يجهد المستمعون أنفسهم لفهم المقصود بأغنية (في لهيب الليل) لفيل كولنز أو (يوم في الحياة) للبيتلز أو (تعالَ معًا) لنفس الفرقة.. ويستنبطون مئات النظريات العميقة، بينما يعترف الفنان بنفسه أن الأغنية لا معنى لها على الإطلاق.
هذا الكلام ينطبق على أغنية اليوم لفريق (النسور Eagles) التي لم تمت ولم تُنسَ يومًا واحدًا منذ خرجت للوجود عام 1977، ولا شك في أنك تعرفها جيدًا بكلماتها ولحنها وصوت مغنيها الساحر.
هناك جو غامض خلاب يخيم على الأغنية فلا تعرف عما يتحدثون حقًا.. هذا الغموض أراه عنصر جاذبية في حد ذاته، لكن الكثيرين حاولوا تفسير المقصود والمختفي وراء الكلمات. هكذا خرجت نظريات عديدة منها أن فندق كاليفورنيا هو مكان لممارسة عبادة الشيطان، أو مقر لأكلة لحوم البشر، أو هو مستشفى نفسي سيطر عليه المرضى.. يعزز هذا المقطع الأخير من الأغنية: (يمكنك أن تترك غرفتك في أي وقت تريد لكن ليس بوسعك الرحيل أبدًا!). كما أن مقطع (لم يستطيعوا قتل الوحش) يشير في رأيهم إلى الساحر الشرير الشهير (ألستر كراولي) الذي كانوا يسمونه (الوحش).. بعبارة أخرى هي أغنية رعب!.
الحقيقة أبسط من هذا بكثير، وهي أن فندق كاليفورنيا مجاز يعبر عن حياة الخواء والفساد المخيمة على مجتمع الفنانين في كاليفورنيا.
كنت أحسب لفظة Colitas تتعلق بطعام مكسيكي ما، ثم تبين أنها تعني نوعًا من الماريجوانا المكسيكية. كذلك يصف الفتاة بأن عقلها Tiffany twisted ومعناها أن عقلها قد التاث بسبب حبها للمجوهرات الفاخرة التي تعرض في محل تيفاني. كذلك الفتاة مصابة بـ Mercedes bends أي أنها مصابة بعقدة المرسيدس.. هنا لعب ذكي على لفظتي Benz و bends.
الأغنية تنتمي لإيقاع الروك.. وفي بدايتها لعب ممتع جدًا على الجيتار...
اسمع الأغنية الرائعة وشاهدها على الوصلة التالية:
http://www.youtube.com/watch?v=KoHl6JC-GYs&feature=related


http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=KoHl6JC-GYs&feature=related)
في طريق صحراوي مظلم..
تتخلل ريح باردة شعري..
ورائحة (كوليتاس) دافئة
تتعالى في الهواء..
On a dark desert highway, cool wind in my hair
Warm smell of colitas, rising up through the air

على البعد أمامي
رأيت ضوءًا يومض..
كان رأسي ثقيلاً ونظري كليلاً
وكان يجب أن أتوقف لقضاء الليلة..
Up ahead in the distance, I saw shimmering light
My head grew heavy and my sight grew dim
I had to stop for the night

هناك وقفتْ على المدخل..
سمعتُ صوت جرس الخدمة..
وكنت أقول لنفسي:
هذا المكان قد يكون جنة وقد يكون جحيمًا..

There she stood in the doorway;
I heard the mission bell
And I was thinking to myself,
'This could be Heaven or this could be Hell

عندئذ أضاءت لي شمعة
وأرتني الطريق..
كانت هناك أصوات عبر الردهة..
أعتقد أنني سمعتهم يقولون........
Then she lit up a candle and she showed me the way
There were voices down the corridor,
I thought I heard them say

مرحبًا بك في فندق كاليفورنيا
يا له من مكان جميل!
يا له من وجه جميل..
الكثير من الغرف الشاغرة في فندق كاليفورنيا
في أي وقت من العام
ستجده هنا..
Welcome to the Hotel California
Such a lovely place (Such a lovely place)
Such a lovely face
Plenty of room at the Hotel California
Any time of year (Any time of year)
You can find it here

عقلها متعلق بالمجوهرات الثمينة..
ولديها عقدة السيارات المرسيدس..
لديها الكثير من الأولاد شديدي الوسامة
تقول إنهم أصدقاؤها..
يا لرقصهم في فناء المكان.. وعرق الصيف العذب..
البعض يرقص ليتذكر
والبعض يرقص لينسى..

Her mind is Tiffany-twisted, she got the Mercedes bends
She got a lot of pretty, pretty boys she calls friends
How they dance in the courtyard, sweet summer sweat.
Some dance to remember, some dance to forget


طلبت كبير السقاة وقلت:
"أرجوك.. هات لي نبيذي المفضل"
قال: "لم نقدم هذا النوع من الخمور منذ عام 1969"
وما زالت أصواتهم تنادي من بعيد..
تصحو في منتصف الليل لتسمعهم يقولون... So I called up the Captain,
'Please bring me my wine'
He said, 'We haven't had that spirit here since nineteen sixty nine'
And still those voices are calling from far away,
Wake you up in the middle of the night
Just to hear them say...


مرحبًا بك في فندق كاليفورنيا
يا له من مكان جميل!
يا له من وجه جميل..
ينعمون بالمرح في فندق كاليفورنيا
يا لها من مفاجأة لطيفة!
هاتوا أعذاركم معكم.. Welcome to the Hotel California
Such a lovely place (Such a lovely place)
Such a lovely face
They livin' it up at the Hotel California
What a nice surprise (what a nice surprise)
Bring your alibis


مرايا في السقف..
والشمبانيا الوردية بالثلج..
وقد قالت لي: "كلنا سجناء لغرائزنا هنا"
وفي غرف السيد احتشدوا من أجل الوليمة..
مزقوا الفريسة بسكاكينهم المصنوعة من الفولاذ..
لكنهم لم يستطيعوا قتل الوحش..
Mirrors on the ceiling,
The pink champagne on ice
And she said 'We are all just prisoners here, of our own device'
And in the master's chambers,
They gathered for the feast
They stab it with their steely knives,
But they just can't kill the beast


آخر شيء أذكره هو أنني كنت أركض نحو الباب..
كان عليَّ أن أجد ممرًا يقودني من حيث جئت..
قال لي الحارس الليلي: "استرخِ..
نحن معدُّون لاستقبال الضيوف..
يمكنك أن تترك غرفتك في أي وقت تريد
لكن ليس بوسعك الرحيل أبدًا!" Last thing I remember, I was
Running for the door
I had to find the passage back
To the place I was before
'Relax,' said the night man,
'We are programmed to receive.
You can check-out any time you like,
But you can never leave



بص وطل
كلام في الفن (http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_238_02.html)

yassmen.hassan
10-03-2009, 12:08 PM
أمريكا تحرك الخيوط .. ولكن ؟



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com



مواضيع كثيرة جدًا تستحق الكتابة عنها هذا الأسبوع.. كثيرة لدرجة أن الأمر يشبه أن تحمل كيسًا مليئًا بالبيض، فيهشم بعضه بعضًا .. في النهاية تجد أنك لا تحمل بيضًا بل كيسًا يحوي سائلاً لا شكل له. هل تكتب عن موضوع البشير وبدء موسم اعتقال الرؤساء العرب ؟.. أم تكتب عن الإضرابات التي تملأ مصر اليوم ؟ أم تكتب عن تضخم شريحة معينة من المجتمع لا تكف عن استعراض نفوذها وقدرتها على مخالفة القانون ؟.. أم تكتب عن السلوك الجماعي المرعب الذي يظهر كلما احتشد الشباب في مكان ما، وهو ما بلغ ذروته مع حفل (أكون) المطرب السنغالي العالمي في الأوبرا، الذي تحرشوا به شخصيًا ؟
أعتقد أن أكثر المواضيع سخونة هو (البشير)، ومنذ البداية يجب أن أقول إنني لا أحمل غرامًا ملتهبًا تجاه الرجل. لماذا ؟.. تعال نرتب الأسباب معًا:
السبب 1: كنت أهيم حبًا وافتتانًا بشخصية (سوار الذهب) الذي أراه أعظم رجل عرفته الأمة العربية خلال ثلاثين عامًا، وهو الرجل الذي قام بانقلاب عسكري كي ينتزع السودان ويضعه في يد أهله .. تأكد من أنهم سيعرفون كيف يدبرون أمورهم ثم انصرف .. لا يريد حكمًا ولا ثروة ولا نفوذًا .. كأنه شخصية أسطورية لا تقابلها إلا في الأدب الشعبي .. لكن كل ما قام به (سوار الدهب) تلاشى مع قدوم (البشير) عام 1989، بانقلاب عسكري أطاح بحكومة الأحزاب الديمقراطية، ليقول في حوار صحفي مبكر جدًا: "أنا خُلقت كي أحكم .. إما أن أحكم أو أموت !". استفزت هذه المقولة أحد كتاب جريدة (الأهالي) المرموقين، فقال ساخرًا: "هذا صحيح .. البقاء في الحكم هو الضمان الوحيد له كي لا يحاكم ويُعدم ..".
السبب 2: كان للبشير دور مهم في تسليم المناضل الفنزويلي (كارلوس) الذي لجأ لبلاده.. (كارلوس) هو جيفارا مصغر بالنسبة لجيلي .. رجل قاتل تحت راية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،وأثار رعب إسرائيل وأمريكا في كل بقاع الأرض، وهو الذي أشرك معه الجيش الأحمر الياباني وبادر ماينهوف وإيتا .. أي أنه جند كل ثوار العالم لخدمة القضية الفلسطينية. قصة حياة كارلوس أسطورية وجديرة بالسينما .. في النهاية لجأ إلى السودان تحت حماية البشير .. البشير الذي سلمه للمخابرات الفرنسية في أغسطس عام 1994 ليقضي باقي حياته في السجن. على فكرة كان كارلوس مسلمًا وليس شيوعيًا إذا خطر للبعض أنه يستحق ما حدث له !
السبب 3: لم يكف البشير لحظة عن استعمال ورقة الدين وعلاقته بحسن الترابي متى أراد ذلك .. يضع الترابي على العين والرأس ويدعو معه لتطبيق الشريعة، ثم ينسى الأمر برمته ويزج بالترابي في السجن. هكذا ظل يرفض مطالب الجنوب في استعلاء ثم اضطر لتوقيع اتفاق سلام معه عام 1996.. وقابل (جون جارانج) عام 2002 ليوقع اتفاق (مشاكوس)، وبهذا اكتفى بتطبيق الشريعة الإسلامية في الشمال دون الجنوب. بالمناسبة .. هل أنت مطمئن تمامًا لحادث الطائرة الذي أودى بحياة (جارانج) ؟
السبب 4: وماذا عن محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا ؟.. ألم تتجه أصابع الاتهام نحو السودان بقوة وقتها ؟. الترابي أكد في أكثر من حديث أن التخطيط كان سودانيًا أشرف عليه ثلاثة من رؤساء الأمن. وقال الترابي إن هؤلاء أبعدوا ثم أعادهم البشير لمواقع عالية في السلطة، وقال مرات أخرى إن معظم من يعرفون الحقيقة أعدموا أو قتلوا.. الخلاصة أن هناك الكثير من الغبار حول الموضوع .
السبب 5: لا يجب أن نرفض التقارير الغربية لمجرد أنها غربية .. إن التقارير صادرة عن جهات مستقلة فعلاً ومحترمة ومن بينها (هيومان رايتس ووتش)، وهذه الجهات تؤكد أن البشير ساند حركة (الجنجاويد) من أجل الإبادة العرقية لشعب (دارفور).. اغتصاب جماعي .. حرق قرى.. إعدام بالجملة .. والغرض تغيير ديموجرافية إقليم دارفور الثري . الجنجاويد لفظة تعني ركاب الخيول الذين يقاتلون بالبنادق الآلية .. يعني هم مجموعة من قطاع الطرق يشنون هجمات وحشية عنيفة على السود من قبائل الفور والمساليت والزغاوة، لكنهم نعموا بتواطؤ تام من الجيش السوداني. وفي كل لحظة كان البشير يرفض نشر قوات حفظ سلام في المنطقة .. الحوادث موثقة جيدًا ويمكنك قراءتها بالتفصيل - لو كانت أعصابك تتحمل ذلك - في موقع (هيومان رايتس ووتش) .. نفس السيناريو يتكرر في كل مرة ويصل الجنجاويد مع رجال الجيش وبمركباته أحيانًا، وهم يلبسون نفس الثياب تقريبًا، وتتم المذابح وحرق البيوت ويتم الاغتصاب، بينما تحلق المروحيات تراقب المشهد .
يرى أصحاب نظرية المؤامرة وتواطؤ المحكمة الدولية أن السودان يؤكد مصرع 35 ألف قتيل في دارفور اعترف بهم أوكامبو كذلك، بينما يتحدث الإعلام الغربي عن 300 ألف قتيل .. هذا التضارب ينسف القصة من جذورها في رأيهم.. وهل رقم 35 ألفًا رقم هين يجب تجاهله ؟. هؤلاء من شعبك يا أخي وليسوا من الصهاينة ..
رأيت البشير وسط المظاهرات الشعبية المؤيدة والهتافات الرافضة لطلب اعتقاله، وهو يلوح بالعصا كعادته بتلك الطريقة الأبوية القبلية كأنه عمدة يتفقد أنفار العزبة، وسألت نفسي: هذه المظاهرات قام رجاله بتنظيمها .. فكم سيبقى من هؤلاء لو وقعت الواقعة وقبض عليه فعلاً ؟. أذكر صدام حسين – لو كان هو فعلاً - وهو يمشي في حي المنصورية قبل سقوط بغداد بيومين، وكيف راح العراقيون يهتفون له ويلثمون يديه، ثم راح نفس العراقيين ينهالون بالأحذية على تمثاله بعد ذلك بيومين .. كل هذا كلام في كلام فلا يبقى إلا الحاكم الذي أحبه شعبه فعلاً. إن البشير غير مبال وثابت الجنان كما نراه، لكنه بالتأكيد يموت ذعرًا وتوترًا ولا يثق بأحد ممن حوله.. تطارده رؤى الطائرات الأمريكية التي تحيط بطائرته الرئاسية لتأمرها بالتوجه إلى هذه القاعدة الأمريكية أو تلك.
نعم .. نحن نعرف أن الولايات المتحدة هنالك خلف الكواليس تفرك يديها في شغف ونهم بانتظار الظفر بهذه الثمرة الناضجة المكتنزة بالنفط واليورانيوم ومياه النيل، لدرجة أنها أعلنت أن أفريقيا منطقة مصالح أمريكية وكونت قيادة لها بالجيش الأمريكي اسمها (أفريكيوم). بنفس الطريقة فركت كفيها وسال لعابها وهي ترى (صدام حسين) يعبر الحدود إلى الكويت بمدرعاته. نعرف يقينًا أن أصابعها في كل شيء، لكن من أعطاها الفرصة أولاً ؟. كيف كانت الولايات المتحدة ستتدخل لو لم يغزُ صدام الكويت ولو لم يتورط البشير في مذابح دارفور ؟..
نعم .. لم يتكلم أحد عن إسرائيل وراوغ أوكامبو كل من طالب بمعاملة مماثلة لسفاحي غزة. العالم يتعامل بمكيالين، لكن لو كان هناك قاتل في شارعك وقاتل في الشارع المجاور لا تقدر على القبض عليه، فهل يعني هذا أن عليك ترك قاتل شارعك وشأنه طلبًا للعدالة ؟.. لا أتمنى أبدًا أن يقبض على البشير أو أراه يُحاكم لأن في هذا إهانة لا شك فيها لي كعربي، لكني أرى أنه يستحق قرار الإيقاف فعلاً. سوف يفكر أي حاكم عربي طويلاً قبل أن يلعب هذه الألعاب الخطرة التي تحرق أنامله.
إن السودان مهدد ومستهدف، وخطر التقسيم ماثل للعيان ككابوس في الأفق، لكن من سمح بهذا أولاً ؟.. من صنع هذه الثغرات لينفذ منها أعداؤنا ؟.. هذا ما فعله صدام حسين في العراق حرفيًا ويفعله البشير اليوم .. هؤلاء قوم مسخرون لتحقيق مصالح أمريكا وتضييع ما في يدنا من كنوز وثروات. ولا أعتقد أن البشير يبالي كثيرًا بتفكك السودان أو تقسيمه إذا كان هذا سيعطيه يومًا آخر في الحكم. علينا أن نعرف هذه الحقيقة إلى أن نفرز من يبحث عن مصالحنا بذات النهم والجشع الذي تفتش به الولايات المتحدة عن مصالحها في المنطقة.

ايهاب احمد عمر
12-03-2009, 06:01 PM
حدث في الخامس من مايو
الحلقة الاولي

لماذا أفعل ذلك؟
أنت تسأل أسئلة غريبة اليوم.. من الأوفق أن تسأل: لماذا لا أفعل ذلك؟

لقد قرأت الكثير من كتابات الفوضويين، وآمَنتُ أن التدمير أروع بمراحل من أيَّة متعة يحظى بها المرء في حياته.. لحظة انفجار قنبلة أو انطلاق رصاصة هي الاكتمال بعينه.. هذه أشياء لن تفهمها..

يلذ لي أن أرى وجوه رجال الشرطة عندما يأتون للتحقيق.. منذ فترة صارت عندهم صورة محددة لأسباب هذه العمليات، ولن يخرج تفكيرهم عن هذا النطاق.. لن يفهموا أبدًا أن هناك مَن قرأ كتابات الفوضويين وآمن بمبادئهم.. دعك من أنه يكره المكان فعلاً..
الخوف؟
أعترف بهذا..
وأنا أرتدي ثيابي صباح اليوم شعرت بجفاف في حلقي.. ألفُّ الحزام حول جسدي العاري وأتأكَّد من أن السلكين بارزان.. العبوة التي قضيت أيامًا أُركِّبها بالاستعانة بتعليمات الإنترنت.. لماذا يتركون هذه المواقع تعمل إذا كانوا يريدون الأمان حقًا؟.. لا أصدق أن الحكومة الأمريكية عاجزة عن منعها أو إغلاقها..
http://www.boswtol.com/affareet/images/239/action_01.jpg
شعور غريب أن يلتف الحزام حولك.. نوع من القلق.. التردد.. يمكنك في أية لحظة أن تتراجع، لكني اتخذت قراري منذ زمن ولن يغيره شيء..

البنوك..!.. أنا أكره عمل البنوك.. أكره وجوه العملاء وأكره زملائي وأكره مكتبي.. الجشع في أعتى صوره.. تأمّل القلق والتوتر في وجه هذا العميل أو ذاك وهو يعد ماله.. جميل جدًا أن يدوي انفجار مروِّع هنا وتتناثر الجثث مع الدماء.. صحيح أن رأسي سيكون بينها لكن من قال إنني أهتم برأسي؟

لقد فقدت الحب ولم أعد أبالي بيوم آخر في الحياة.. المزيد من الحياة في المستنقع لا تعني سوى المزيد من العطن..

اليوم يبدو مناسبًا.. أحب أن أفجِّر نفسي يوم الخامس من مايو.. هذه عادة لم أستطع التخلي عنها قط.. إن الخامس من مايو يوم لطيف..

في مثل هذا اليوم -حسب مواقع الإنترنت التي تهتم بهذه الأمور- توفي المناضل الإيرلندي "بوبي ساندز" عام 1981 بعد إضرابه شهرين عن الطعام في السجن.. عام 1961 تُرسِل أمريكا أول رائد فضاء لها بعدما سبقها السوفييت.. الزعيم الهندي "الثور الجالس" يفر إلى كندا عام 1877.. عام 1821 يموت "بونابرت" في منفاه بسانت هيلانة.. عام 1494 يصل "كريستوفر كولمبس" لجامايكا.. وعام 1260 يصير "قوبلاي خان" إمبراطور المغول..

وأموت أنا!
****
كان "جمال" قلقًا وهو يسرع إلى مكتبه في المصرف.. لقد تأخر فعلاً اليوم، ومدير القسم ليس مولعًا بالتسامح.. أستاذ "محمود" ليس من الطراز اللطيف الذي يتجاهل التأخير.. إنه من طراز الموظفين المتحذلقين الذين يشعرون بأنهم خبرة إدارية عُظمى.. يتأنّق ويتحدث بألاطة شديدة، وقد علق النظارة بسلسلة فضية لتتدلى على صدره، ويقف طيلة الوقت ليعرض كرشه الممتاز البارز من صدرية البذلة على الموظفين..

http://www.boswtol.com/affareet/images/239/action_02.jpg

"جمال" لم يكن نموذجًا رائعًا كذلك، فهو شاب حديث التخرج من الطراز الذي لا يقدر على ترك السهر مع رفاقه.. يقولون إن سهراته ليست بريئة جدًا، لكن لا يجرؤ أحد على إعلان ذلك.. غير أن أستاذ "محمود" يمكنه أن يوبِّخَه في أي وقت يريد..

ـ"أستاذ جمال.. أنت متأخر نصف ساعة.."

في حرج قال "جمال" وهو يسرع بنزع سترته والجلوس بالقميص وربطة العنق خلف شاشة الكمبيوتر:
ـ"المواصلات يا سيدي.. أنا آسف.."

من تحت أسنانها غمغمت "ليلى" دون أن تنظر لأحدهما:
ـ"والإنترنت طبعًا.. معنا عبقري هنا.."

نظر لها "جمال" في غيظ وابتلع تعليقاته الحادة...

يتبع...

المصدر :
http://www.boswtol.com/affareet/naction_239_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_239_01.html)

high hopes
14-03-2009, 01:52 PM
نشوات قديمة



(التـــعاطف)


http://www.boswtol.com/tafaneen/images/239/kalam_013.jpg


العام 1969..
مصر تلملم جراحها وتخوض حرب الاستنزاف الباسلة، والشباب ثائر في العالم كله؛ لأنه يشعر أن الكبار أوغاد منافقون متحجرون.. حرب فيتنام مشتعلة وقد بدأت تكلِّف أمريكا أرواحًا ومالاً أكثر من اللازم، وبدأ الناس في أمريكا يتساءلون: لماذا يقوم البيض الذين سرقوا أرض الحُمر بإرسال السود ليقتلوا الصُفر في الجانب الآخر من العالم؟! الشباب الأمريكي يهجر بيته؛ ليلبس القمصان المشجرة ويمشي حافيًا ويدخن عقار الهلوسة ويعيش في الشوارع.. قضية مانسون زعيم الهيبيز الذي قَتَلَ ممثلة هوليوودية حسناء.. البيتلز عادوا من التبت وقد اعتنقوا البوذية.. الميلاد الصاخب للسبعينيات. كل شيء مشجر وزاهي الألوان أو ما يطلقون عليه (سايكدليك). في هذه الفترة بدأ وعيي يتفتَّح وبدأت أقرأ المجلات بعينين متسعتين لطفل في السابعة لا يفهم معظم ما يطالعه لكنه لا ينساه. وفي هذا الوقت ولدت أغنية (التعاطف) لفريق (الطائر النادر )، وهو فريق روك بريطاني..

هذه الأغنية كانت منشورًا سياسيًا في حد ذاتها، وسرعان ما اتخذها الشباب الثائر شعارًا لهم.. كان يصعب أن ترى أي فيلم عن الجوع والمجاعات أو حرب فيتنام من دون أن تسمعها في الخلفية.. بضربات الأرغن الكهربي القوية الرتيبة القاسية، وصوت المغني الرخيم الذي يتبدل بسرعة البرق حتى أنك تعتقد أن هذا صوت رجلين ثم تكتشف أنه صوت رجل واحد.. لاحظ مقطع (الآن يمقت نصف العالم النصف الآخر..). سوف تلاحظ كذلك في هذا الكليب موضة (الفتى الشبيه بالفتاة) التي كانت سائدة في ذلك العصر.. ومن الغريب أن هذه الموضة تسرَّبت عندنا في ذلك الوقت، ولكن كان الشباب يبدون كذلك وهم يغنون: "الطشت قال لي". فنحن كالعادة نأخذ أسوأ ما في الغرب ولا نأخذ فكره وثقافته وعلمه وفنونه.

(التعاطف) شعار لحقبة زمنية كاملة، وفي كتابه الساخر الجميل (الأغاني للأرجباني) تكلَّم عمنا الكبير (أحمد رجب) عن هذه الأغنية، وتساءل ساخرًا عن تفاهة اهتمامات المواطن الأوروبي وضيق أفقه حينما يكتب أغنية عن الجوع والحروب، بينما المطربون المصريون العباقرة يقولون كلامًا عميقًا فعلاً مثل أغنية (عبد المطلب):

زغرطوا يا بنات واسقوا الشربات
دي ليلتنا فراخ على ملوخية
الحلوة اللي كنت عايزها
آدي إنت خلاص بقيت جوزها
وجابولك من ضمن جهازها
رز ومكرونة وطبلية
أنا خايف يطلع أنجالك
يا عريسنا ريحتهم تقلية

من الأعمق والأروع؟.. اسمع الأغنية الغربية وقرر بنفسك..




http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=j2x8oA5h5Jo&feature=related)
Now when you climb, into your bed tonight.
And when you lock and bolt the door

الآن عندما تدخُل
فراشك الدافئ هذه الليلة..
وعندما تغلق
وتشد مزلاج الباب

Just think of those, out in the cold and dark,
`cause there's not enough love to go `round

فقط فكِر في هؤلاء
الذين بالخارج في البرد والظلام..
لأنه لا يوجد حب كافٍ
كي يغمر العالم..

And sympathy is what we need my friend,
and sympathy is what we need.
And sympathy is what we need my friend,
`cause there's not enough love to go `round,
no there's not enough love to go `round

والتعاطف هو ما نحتاج له يا صديقي.
التعاطف هو ما نريد..
التعاطف هو ما نريده يا صديقي..
لأنه لا يوجد حب كافٍ
كي يغمر العالم..
لا.. ليس هناك حب كافٍ
كي يغمر العالم..

Now half the world, hates the other half.
And half the world, has all the food

الآن يمقت نصف العالم النصف الآخر..
ونصف العالم يملك كل الغذاء..

And half the world, lies down and cries :We starve,
`cause there's not enough love to go `round

ونصف العالم يرقد على الأرض ويصرخ:
نحن نتضور جوعًا..
لأنه لا يوجد حب كافٍ
كي يغمر العالم..

And sympathy is what we need my friend,
and sympathy is what we need.
And sympathy is what we need my friend,
`cause there's not enough love to go `round,
no there's not enough love to go `round

والتعاطف هو ما نحتاج له يا صديقي.
التعاطف هو ما نريد..
التعاطف هو ما نريده يا صديقي..
لأنه لا يوجد حب كافٍ
كي يغمر العالم..
لا.. ليس هناك حب كافٍ
كي يغمر العالم..


http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_239_06.html

yassmen.hassan
17-03-2009, 03:38 PM
ثلاثة خطابات



بقلم د. أحمد خالد توفيق


aktowfik@hotmail.com




هذه مجموعة من الخطابات كتبتها ولم أرسلها لأصحابها مباشرة، وإنما فضلت أن أنشرها هنا، ربما لأنها قد تهم طرفًا ثالثًا، وربما لأنني لا أضمن أن يقرءوها أصلاً ..

الخطاب الأول:
إلى صديقي الشيخ عبد الهادي القصبي:

عرفته في مدرسة (سعيد العريان) الإعدادية بطنطا شخصية شديدة التهذيب والحياء والحساسية .. ابن ناس حقيقي تربى جيدًا؛ حتى أن مراهقته كانت خالية من سخف وغرور الصبية المعتادين في هذه السن برغم أنه كان يحمل صفة ابن المحافظ وقتها، لكن هذا لم يكن يُذكر على الإطلاق، ولم يؤثر في تعامله مع المعلمين أو زملائه قط .. حتى المدرسة – برغم تميزها - كانت مدرسة مجانية عادية بينما كانت هناك مدارس خاصة في طنطا. فقط كنا نتذكر علاقته بالمحافظة عندما يأتي ذلك (الفراش) بدراجته ليقله خلفه عائدًا إلى بيته في أول شارع الشيتي .. (كان واحدًا منا) على رأي الخواجة (جوزيف كونراد) في روايته (لورد جيم). وفيما بعد قابلته أيام الكلية فوجدته لم يتغير قط .. كان يطالبني بشيء واحد بإلحاح شديد هو مجموعتي الشعرية، لأنه يعشق الشعر فعلاً.. كان يكرر طلبه بإصرار حتى إنني تعمدت أن أتهرب، فبعد كل هذه الحماسة لن يحب أشعاري أبدًا مهما كانت لأن سقف توقعاته ارتفع جدًا ..
ترى هل تغير (عبد الهادي) ؟... لقد ابتعدت كثيرًا عنه، لكن خبراتي المتواضعة تقول لي إن هذا الطراز من الناس لا يتغير، حتى بهذا الشارب الذي استجد على صورته والعباءة على كتفيه ..
كبر عبد الهادي ودخل معترك السياسة وترشح لمجلس الشورى فنجح، وبعد هذا رحنا نرى صورته كل يوم في صفحات الجرائد مع أخبار المعركة الكبرى على منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية, وهي معركة عجيبة جدًا .. كل هذا القتال الدنيوي المستعر من أجل الزهد والتخفف من الدنيا !.. لم أر من قبل الرغبة في التقرب من الله تصل إلى المحاكم وتتدخل مباحث أمن الدولة لترشيح الأكثر زهدًا، وتعقد جلسات المصالحة في فندق خمسة نجوم. هذه الحرب التي طالت هزت صورة التصوف المصري في نظري كثيرًا .. الأمر مادي دنيوي أكثر من اللازم ومزعج فعلاً. وبرغم بعدي التام عن الموضوع فأنا متأكد من وجود عناصر من المستفيدين تضغط على طرفي النزاع من الجهتين لأن الكعكة كبيرة جدًا ودسمة، دعك من حسابات حكومية معقدة .. المشكلة هي أنني أعرف فعلاً أن (عبد الهادي) شبعان ونظيف ولا يريد من المنصب سوى الخدمة العامة أو ربما النفوذ، ومتأكد تمامًا من أنه لا يحمل مطامع مادية، لكني لا أضمن تمامًا أن كل من حوله لا يريدون قطعًا كبيرة من الكعكة. رجاء يا أخي العزيز أن تترك هذه المعارك أو إذا أصررت على خوضها أن تكون حذرًا ممن حولك..

الخطاب الثاني :
إلى أي مسئول كبير في المرور:
مهمة المرور الرئيسة هي أن يمنع حوادث المرور ويحفظ سلامة الناس، لكننا بدأنا نلاحظ أن مهمة المرور تتحول ببطء وثقة إلى الجباية، حتى صار المرور إدارة مهمة من إدارات مصلحة الضرائب كما يبدو .. والمشكلة أن المرء يرى مخالفات يشيب لهولها الولدان وينجو أصحابها من أية مساءلة. عندما ترى سيارة تمشي في الاتجاه المخالف محدثة ارتباكًا في الشارع كله، وزجاجها فيميه، و صاحبها يطل من النافذة في تحد واحتقار .. يمكنك بسهولة أن تعرف أن هذا مراد بيه أو أسامة بيه أو إبراهيم بيه، وأن عسكري المرور لن يفعل له أي شيء .. كل هذا مفهوم ومن حقائق الحياة اليوم ولسوف نقبله، لأن العين لا تعلو الحاجب إلا وأنت معلق من قدميك في القسم، لكن المشكلة أن هناك الكثيرين ممن ليسوا (مراد بيه) ويخالفون القانون ولا يحدث لهم أي شيء .. فلتر الطريق السريع في منتصف الليل وكيف تنطلق السيارات بسرعة 120 كيلومترًا دون أن نرى فلاش الرادار مرة واحدة .. فلتر سائقي الميكرباص الذين (عملوا دماغ) من زمان وليست معهم رخص .. فلتر مسابقات الشباب بعد منتصف الليل و(الدريفتات) المجنونة في شوارع مأهولة بالسكان .. فلتر الذي يتكلم في المحمول ويمشي بسرعة السلحفاة الكسيحة ووراءه صف من السيارات المزمجرة. كل هؤلاء لا يُحاسبون، بينما تحتشد اللجان في ساعات الذروة وفي كل متر من المدينة لاصطياد السيارات التي تضع دعامة زائدة أو تلوثت أرقامها ببقعة وحل أو نسى صاحبها الحزام .. الويل لهم. هنا تدرك أن الغرض الحقيقي لشرطة المرور هو جلب المال للداخلية وليس حماية المواطن، وإلا لكانت هناك رقابة أفضل ليلاً حيث الكوارث كلها. ذات مرة وقفت جوار شرطي يحمل جهاز (ووكي توكي) مفتوحًا، فسمعت أصوات المحاورة بين شرطي ثان ورئيسه: جبت كام رخصة يا عباس ؟.. لسه يا باشا .. لأ .. انت بتهرج ومش عارف شغلك مع انك قديم معانا .. طبعًا لابد أن هذا الشرطي راح يقتنص أية سيارة تمر أمامه باستثناء من يبدو أنهم (مراد بيه)..
صديقي الطبيب قبضوا عليه لأنه نسى أن يجدد الرخصة بعد انتهاء موعدها بأسبوع .. كل هذا جميل وقانوني، لكنهم يريدون تقييده بالكلابش وقضاء الليلة عندهم حتى يعرض على النيابة. تم هذا كله فعلاً ما عدا موضوع الكلابش لأنه قال للضابط وهو ينظر في عينيه: أعتقد أنكم لم تضبطوني متلبسًا وأنا أتسلق الماسورة!. يتم هذا بينما على بعد أمتار يستعرض الشباب مهارتهم في (التفحيط) ويهددون حياة الناس داخل بيوتهم، ويوقفون سياراتهم في عرض الطريق وقد فتحوا أربعة الأبواب ليتبادلوا الكلام ويعاكسوا الفتيات، فلا يضايقهم أحد .. اضطراب أولويات مخيف فعلاً...

الخطاب الثالث:
إلى الأديب الكبير يوسف القعيد:
أنت من المعاني الأدبية الكبيرة بالنسبة لجيلي، ولعلك لا تذكر ذلك اللقاء التلفزيوني الذي التقينا فيه على إحدى الفضائيات، عندما سألك موظف الكمبيوتر قبل التصوير عن اللقب الذي يضعه تحت اسمك فقلت أنا له: "اكتبوا: الباشا الكبير أوي !" وأكدت له إنني لا أمزح، حتى إنك خشيت أن يكتبوا هذا فعلاً وأنت تمقت كل ما يذكرك بالبشوات. أنت رجل شريف والمرء يتضايق فعلاً عندما يختلف الشرفاء أو تشعر بأن علاقتهم ببعض ليست على ما يرام. هذا يشعرني بأنني أقف على أرضية تهتز .. نفس الحيرة التي تبدو في عيني الطفل وهو يرى مشاجرة عنيفة بين أمه وأبيه. لهذا بصراحة شعرت بضيق وأنا أقرأ (أشهد أني عشت) عندما تكلمت عن الأستاذين (عبد الله السناوي) و(محمود سعد) لأنك وهذين من رجالنا .. من الواقفين أمام المدفع لا خلفه. لكن الصفحة تحولت إلى منصة إطلاق صواريخ؛ فالسناوي قد استنسخ منك فكرة تقسيم المقال إلى 8 فقرات وكتب الفقرات بلا عناوين واستعمل الأرقام الهندية لا العربية وهذا خطأ. ثم هناك جدل حول مذكرات الرئيس حسني مبارك وهل هي شهادة أم مذكرات .. لا أعرف أين المشكلة في الواقع. (محمود سعد) حسب المقال تحول إلى سلطة خامسة أو سادسة لا أدري، والأشجار يتم تشجيرها على طريق الكورنيش لأنه تكلم في برنامجه عن ضيقه من حالة الأشجار قرب بيته. ضابط يشكو لك من إرهاب محمود سعد الذي يسيطر على مصر كلها. من المستحيل الخروج من بوابة التلفزيون رقم 15 مساء السبت والأربعاء بسبب زحام الذين جاءوا ليروا الفرعون العظيم. رقم هاتفه المحمول كأنه صنع خصيصًا من أجله، وحتى يوسف القعيد لا يستطيع الاتصال به إلا بوساطة من الصحفية اللامعة نجلاء بدير. أما الأديب السوداني العظيم (الطيب صالح) فلم يفلت من الصواريخ.. لقد غير مواقفه 180 درجة وأشاد بالبشير بعد ما دب الاختلاف بينه والترابي. هكذا الصفحة كلها .. صواريخ تنطلق في كل اتجاه وتصيب أهدافها بالتأكيد، ومن ضمن ما أصابته اطمئناني إلى أن جبهة الشرفاء متماسكة.

أميرة الورود
20-03-2009, 01:38 AM
عن طب المناطق الحارة (1)
د. أحمد خالد توفيق




http://www.boswtol.com/panorama/images/240/3elm_07.jpg
عامة لا يكتب الأطباء المصريون عبارة (طبيب مناطق حارة) على عياداتهم، لأنهم سيتلقون السؤال الدائم: "ما الذي تعالجه بالضبط؟" من ممرضيهم والسباكين والنجارين.. لن يتلقوا هذا السؤال من مرضاهم الذين لن يأتوا أصلاً لأنهم لن يفهموا معنى العبارة.. هناك تعبير آخر هو (الأمراض المتوطنة) وهو أكثر غموضًا، دعك من أنه يستجلب للذهن مستشفى الأمراض المتوطنة الخاصة بوزارة الصحة التي هي – غالبًا - عبارة عن بناية متهدمة من طابق واحد بها طبيب تعس يعالج ديدان الأنكلستوما بأقراص الببرازين.. أي أنه (كاتب ببرازين)، والفارق بين الطبيب البارع ومتوسط البراعة هنا هو سرعة الكتابة..


كانت تجربتي الأولى مع هذا الفرع من الطب وأنا طالب (عام 1984 غالبًا) .. لم أكن أعرف عنه إلا ما يعرفه أي واحد آخر، ثم حضرت حلقة دراسية كان المحاضر فيها أستاذًا من الإسكندرية هو د. (حلمي أباظة) ..


كانت ملامح وجهه ذاتها تذكرك بوجوه العلماء الذين تراهم في مقدمة الكتب الطبية الغربية، فلو كان في بريطانيا لحمل لقب (سير).. وكانت حالة الدرس مراهقًا تعسًا يعاني الإسهال المزمن منذ سبعة أعوام.. رأيت د. (حلمي) يفند الاحتمالات ويناقشها بطريقة عقلانية منطقية أثارت دهشتي وانبهاري، ووصل للتشخيص الصحيح كما أثبتت الأبحاث فيما بعد..


كنت حتى هذه اللحظة لا أرى إلا التعليم التقليدي على غرار: هذه حالة طحال متضخم بسبب البلهارسيا.. الجميع يعرف هذا لكن تعالوا نتظاهر بأننا لا نعرف.. سنقول كذا وكذا..


كان هذا يبدو لي تلاعبًا بالمنطق: سوف نبحث عن المضاعفات التي سببها تضخم الطحال.. صحيح أننا جميعًا نعرف أنه متضخم لكننا لا نعرف ذلك بعد.. فقر الدم ناجم عن تضخم الطحال أو نزف الجهاز الهضمي.. لا يمكن أن يكون ناجمًا عن سبب آخر لأننا نعرف أن هذه حالة تضخم طحال، لكننا متفقون على أننا لا نعرف..


لكن مع الدكتور (حلمي) رأيت للمرة الأولى كيف يفكر الطبيب في حالة ملغزة لا يعرف عنها إلا ما نعرفه نحن.. لقد كان أول نموذج أقابله لطبيب المناطق الحارة مبهرًا اختاره لي القدر بعناية.. وفيما بعد عرفت أن الدكتور (حلمي أباظة) هو أحد أقطاب هذا العلم في مصر، ولفترة لا بأس بها كان مشرفًا علميًا على قسمنا الوليد في طنطا، بل إنه أشرف على رسالة الدكتوراة الخاصة بي..

انبهرت بطب المناطق الحارة وصممت على أن أدرسه وأن أكون من هؤلاء.. صحيح أن الدكتور (حلمي) كان وما زال ظاهرة متفردة لم أر منها إلا نماذج قليلة، وصحيح أنني لم أصر من (هؤلاء) لكني على الأقل عرفت أنه علم محترم شديد الأهمية..

فيما بعد عرفت أن طب المناطق الحارة هو الطب الذي يتعامل مع الأمراض التي تسود المناطق الاستوائية وتحت الاستوائية.. يوشك هذا العلم أن يكون بريطاني المولد أملته حاجة أطباء الإمبراطورية إلى فهم تلك الألغاز التي قابلتهم في المستعمرات في القرن التاسع عشر.. ألغاز مثل الملاريا وداء النوم والطاعون والتيفوس والحمى الصفراء ومرض الفيل والكارثة المسماة بلهارسيا..


إن المناطق الحارة تمتاز بحرها ورطوبتها وقلة الرعاية الصحية فيها.. لهذا تعد مملكة الأمراض المعدية والطفيليات وأمراض سوء التغذية وأمراض الحرارة.. هناك أمراض قد يتخرج الطبيب العادي وهو لا يعرف أنها موجودة في العالم.. مثلاً مرض الـ Yaws الشبيه بالزهري.. ما الفارق بين الـ Kuru والـ koro ؟.. ما أعراض التسمم بنبات الكاسافا؟.. ما هو مرض شاجا Chaga ؟.. ما الفارق بين لدغة ثعبان البحر وثعبان المرجان؟.. كيف تميز لدغة العنكبوت السام عندما تراها؟


قد تبدو هذه أمراضًا خيالية جدًا بعيدة جدًا.. لكن يجب أن نتذكر أن الطيران جعل العالم صغيرًا جدًا.. ها هو ذا فيروس (ماربورج) الإفريقي المخيف يجتاح مقاطعة في ألمانيا جاءها مع قردين، وهاهو ذا فيروس إيبولا يهدد الولايات المتحدة مع مسافر يقيء دمًا، وفي مصر يعرف أطباء المناطق الحارة أن الليشمانيا ظهرت مرارًا.. والعائدون من دول الشام أو أية دولة تملك ثروة رعوية يحملون معهم داء الحويصلات المائية...


عندئذ يتذكر الزملاء في الأقسام الأخرى مكان قسمنا ويأتون لنا.. عندي حالة متصلبة العنق في عنبر الجراحة.. هل هذا التهاب سحائي؟.. ماذا يجب أن أفعله بعد كل الرذاذ الذي نثره المريض في وجهي وهو يسعل؟.. الإبرة اخترقت إصبعي فهل أتعاطى شيئًا لمنع التهاب الكبد الفيروسي؟... إنزيمات الكبد عالية فكيف أعرف السبب؟.. أنا مسافر إلى نيجيريا في مهمة علمية فكيف أقي نفسي من الملاريا؟

بعض الأسئلة يكون صعبًا يجعلك مضطرًا للرجوع لكتبك، لكنك على الأقل تعرف جيدًا أين تجد المعلومة...

وماذا عن الإيدز؟.. أهم عنوان في كتب طب المناطق الحارة.. المرض الذي اكتشفوا حالاته أولاً في سان فرانسسكو بين أوساط الشباب المنحل، وقيل إنه ولد في إفريقيا، لكنه اجتاح العالم بعدها.. واليوم عرف أثرياء العالم كيف يقاومونه ويتقونه، لكنه مشكلة المشاكل في إفريقيا البائسة الفقيرة.. لسوف يظل هذا الداء مشكلة طب المناطق الحارة لعقود قادمة..

بالنسبة لمصر يوشك طب المناطق الحارة أن يتلخص في مرضي البلهارسيا والتهاب الكبد الفيروسي.. ليس الدرن خارج نطاق عملنا.. ليست الحميات كلها.. وهذا هو ما يكتبه طبيب المناطق الحارة على عيادته غالبًا (مختص أمراض الكبد والحميات)...

فيما بعد استقلت الأقطار التي كانت تقع تحت سيطرة (جون بول)، لكنها لم تستغن عن طب المناطق الحارة، واليوم تقوم منظمة الصحة العالمية بالدور الذي كان المستعمرون يقومون به في الماضي..

لاحظ الأطباء حديثًا أن طب المناطق الحارة لا يرتبط بحرارة الجو، فكل بلد له مشاكله الصحية الخاصة لهذا فكروا في استخدام اسم جديد هو (الطب الجغرافي).. ترى هل يمكنك أن تزور عيادة طبيب يعلن أنه مختص في (الطب الجغرافي)؟..

أحببت هذا العلم كثيرًا وانبهرت به، ولا شك أن من قرءوا سلسلة سافاري يدركون جيدًا هذه النقطة. أردت أن أنقل لك هذا الحب فقررت أن أعرض عليك كتابًا ممتعًا ينقل لك الصورة بشكل أفضل.. هل أعرض عليك كتاب (صائدو الميكروبات)؟.. أم أعرض عليك كتاب (طب المناطق الحارة) الذي كتبه (جوردون كوك) والذي أهدى لي صديقي الطبيب الشاب نسخة رقمية منه؟... أعتقد أنني أفضل الكتاب الأخير.. لن أترجم الكتاب لكني سألخصه لك في عرض سريع على عدة مقالات، ولكني كنت في أمس الحاجة أولاً إلى هذا المقال الذي يشرح سبب اهتمامي به..
فإلى الحلقة القادمة إن شاء الله ..
المصدر : بص وطل>> بانوراما>> بالطو ابيض (http://www.boswtol.com/panorama/npanorama_240_03.html)

أميرة الورود
20-03-2009, 01:44 AM
حدث في الخامس من مايو (2)

قلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز

راح (شريف) يداعب مفاتيح الكمبيوتر قليلاً، ثم تأمَّل أحد دفاتر بطاقات الائتمان.. راح يعبث في الدرج حتى أخرج علبة أقراص البنادول.. ابتلع ثلاثة أقراص مرة واحدة ببقايا كوب الماء، ثم طلب قدحًا من القهوة..
لاحظت (فاتن) المتدربة الشابة الجالسة جواره ذلك، فقالت في قلق:
ـ"ثالث مرة تشرب فيها القهوة والوقت لم يتجاوز العاشرة صباحًا"
هذا صحيح.. والأسوأ هو أنه لا يعرف أن سبب الصداع ارتفاع في ضغط الدم، وأنه بالقهوة يحفر قبره ببطء.. الصداع الناجم عن ارتفاع الضغط لا يعالج بالقهوة..

لكنه لا يبالي حقًا.. فعلاً لا يبالي بشيء, ثمة شيء في الطريقة التي يشرب بها القهوة يُذكِّر (مجدي) بسكير في حانة يشرب كأسه العاشرة..

كانت (فاتن) معجبة بـ (شريف) جدًا... لكنه لا يبالي.. لم يعد شيء في العالم قادرًا على تحريك عواطفه منذ.. منذ ماذا؟.. لا أحد يعرف بالضبط.. لكن الأمر يوحي بقصة حب فاشلة لن تُمحَى أبدًا..

(مجدي) المحاسب الآخر يحب (فاتن) منذ جاءت للمصرف منذ ثلاثة أشهر.. العملية معقدة جدًا كما ترى.. أ يحب ب وج يحب أ.. هذه العلاقات الشهيرة حينما تجمع مجموعة من الشباب المليء بالحيوية في مكان عمل واحد..
****
كنت أراقب زملائي في العمل.. غافلين هانئين... أمسك بدفتر الائتمان وأقلب صفحاته في شرود..

من المُسلِّي أن تعرف أنك تمسك في يدك بمفتاح حياتهم وموتهم.. هم لا يعرفون ذلك.. تذكرت عندما كنت أقف في الحمام أراقب ذلك الصرصور الصغير يزحف على البلاط (القيشاني).. لم يكن السيراميك معروفًا وقتها. الأمر كله في يدي.. سوف يهوي الشبشب عليه فتنتهي حياته أو لا أفعل فينعم بها.. في 90% من الحالات كنت أهوي بالشبشب وكثيرًا ما كانت الأقدار تتحداني فينجو الصرصور بشكل ما..
لكن الآن لن ينجو أي من هذه الصراصير..
رجال الشرطة سوف يعرفون الحقيقة.. سوف يبحثون بين الجثث ويستدعون خبير المفرقعات ولسوف يعرفون من الذي فجر نفسه.. سوف يهرعون لداري ويفتشون كل شيء.. سامحيني يا أمي.. لن يضايقوك كثيرًا على كل حال..

سوف يفتشون جهاز الكمبيوتر ولسوف يجدون ملفًا كاملاً عن المفرقعات.. ولسوف تخرج الصحف كلها تتساءل عن سبب انتشار العنف بين الشباب، وسوف يتكلم أكثر من خبير نفسي وخبير علم جريمة..

الحقيقة أنني أقدم للمحررين هدية عظيمة، فلسوف يكتبون ويكتبون ويسودون الصفحات لمدة شهر كامل. لو أنصفوا لدفعوا لأمي مكافأة..

لكنهم لن يفهموا السبب أبدًا.. أنا نفسي لو طلب مني أن أكتب مقالاً أشرح فيه القصة لما وجدت كلمات.. هذا هو الموقف العبثي الحق كما تكلم عنه (ألبير كامو) في (الغريب).. كانت لدى بطل القصة فرصة ممتازة ليقتل الأعرابي أو يتركه.. كان الحر خانقًا والذباب كثيرًا والعرق يحرق عينيه، لذا قتل الأعرابي.. فيما بعد قال لرجال الشرطة إنه قتل الأعرابي لأن الحر كان شديدًا..
لم يفهموا.. كلهم لا يفهمون..
عندما أفكر في هذه الأمور أشعر بالدم يتصاعد لرأسي.. إنه الصداع.. الصداع اللعين.. يجب أن أقضي عليه بأية طريقة.. يجب...

يتبع...
المصدر بص وطل >>عفاريت>> اكشن (http://www.boswtol.com/affareet%5Cnaction_240_01.html#)

أميرة الورود
20-03-2009, 02:12 AM
الفالس الأخير

د. أحمد خالد توفيق


http://www.boswtol.com/tafaneen/images/240/kalam_019.jpg
من أجمل الأصوات التي سيطرت على حقبتي الستينيات والسبعينيات صوت المطرب البريطاني الهندي (إنجلبرت هامبردنك).. وقد كان يُدعى (أرنولد دورسي) حتى قرر أن يتخذ لحياته الفنية اسم موسيقار ألماني شهير اسمه (إنجلبيرت همبردينك). وكان أول نجاح له مع أغنية (أطلقي سراحي) التي اشتهرت في الستينيات. ثم توالت أغانيه الشهيرة (رجل بلا حب).. (أيها الحب هذه أغنيتي).. (خذي قلبي).. (كما كانت الأمور) .. (الفالس الأخير). ولفترة طويلة كان الصراع على القمة سجالاً بينه. و(توم جونز) المطرب البريطاني الذي اشتهر بأغنية (دليلة). الأخير تميز بضخامة الجثة كفتوات موقف عبود والصوت الجهوري وبعض الوقاحة وعلاقات نسائية لا حصر لها، بينما كان (إنجلبيرت) أقرب إلى الرومانسية والتهذيب، لهذا ظفر برضاء الآباء والأمهات.
الآن تخيل نفسك جالسًا وحيدًا في حفل.. الليل قد طال والفرقة توشك على عزف آخر أغنية لها، وهنا تقع عيناك على زهرة حائط.. فتاة رقيقة وحيدة مثلك تجلس في ركن بعيد في الظلام.. تنهض وتدعوها للرقص على إيقاع الفالس الجميل الخاص بالأغنية.. وهنا تكتشف أن كليكما وجد حب حياته، وأنكما شخصان وحيدان خلقا لبعضهما..
رقصة الفالس الأخيرة تعني لكما الحياة.. كل هذا تسمعه بصوت (إنجلبيرت) الرخيم الرنان ذي الصدى المميز..
رقيق.. أليس كذلك؟.. لمسات بسيطة كهذه تجعل الحياة محتملة.. وهذا هو موضوع أغنية اليوم التي تراها وتسمعها في الموقع التالي:

http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=-hF9ngGYqbc&feature=related)


http://www.youtube.com/watch?v=-hF9ngGYqbc&feature=related


تساءلت عما إذا كان عليَّ أن أرحل أم أبقى..
فقد بقيت أغنية واحدة تعزفها الفرقة..
عندئذ رأيتك بركن عيني
فتاة صغيرة.. وحيدة.. خجولاً جدًا..

,I wondered should I go or should I stay
.the band had only one more song to play
,And then I saw you out the corner of my eye
.a little girl, alone and so shy




لقد رقصت الفالس الأخير معك..
شخصان وحيدان معًا..
لقد وقعت في حبك..
كان يجب أن يدوم الفالس الأخير للأبد..

,I had the last waltz with you
.two lonely people together
,I fell in love with you
.the last waltz should last forever




لكن حبنا الذي عشناه كان يمضي بقوة..
ومررنا بلحظات طيبة ولحظات سيئة..
ثم مات لهب الحب في عينيك..
وتحطم قلبي لنصفين عندما قلت لي: الوداع..


,But the love we had was going strong
.through the good and bad we get along
,And then the flame of love died in your eye
,my heart was broke in two when you said goodbye




لقد رقصت الفالس الأخير معك..
انتهى كل شيء الآن.. ولم يعد ثمة كلام يقال..
فقط دموعي.. وعزف الأوركسترا..
لقد رقصت الفالس الأخير معك..


...I had the last waltz with you
,It's all over now, nothing left to say
.just my tears and the orchestra playing
,La la la la la la la la la
. la la la la la la la la la
... I had the last waltz with you
.La la la la la la la la la

المصدر:
http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_240_03.html

Dr.Ahmed
20-03-2009, 02:35 AM
شكرًا يا أميرة الوردود ..

تصحيح بسيط فقط أجريه هنا وفي الموقع : (شاردًا) ليست كذلك ولكنها (في شرود) ..!!

نحن لا نعرف هل صاحب الخواطر ذكر أم أنثى !

أميرة الورود
20-03-2009, 03:47 AM
ياللهول د. أحمد بنفسه يشكرني
لا شكر على واجب سيدي
لقد قمت بتعديلها و اسفة على التأخير

ايهاب احمد عمر
26-03-2009, 05:12 PM
حدث في الخامس من مايو - الحلقة الثالثة

بقلم: د. أحمد خالد توفيق
رسوم: فواز






مجدي يقلب صفحات دفتر الائتمان وهو يختلس النظر لـ (فاتن).. لقد بدأ يمسك برأسه.. يبدو أن الصداع موضة هذا اليوم..

نهضت (ليلى) معلنة بصوت هامس أنها سوف تذهب للحمام.. لم تكن تفعل هذا عادة.. لم يرد أحد لأنهم كانوا مشغولين مع هجمة من العملاء..

هذا الرجل البدين يصرخ بكبرياء و(ألاطة) مهددًا بأن يسبب مشاكل للجميع.. ابن خالة زوج عمته مذيع كبير ولسوف يفضحكم في برنامجه.. عيب كده..
http://www.boswtol.com/affareet/images/241/action_01.jpg

يظهر أستاذ (محمود) الخبير الإداري وحلال المشاكل من مكان ما وهو يمسك نظارته في يده (يحب هذه الطريقة لأنها توحي بالانهماك) ويسأل العميل عن المشكلة فيرد بصوت يزلزل المصرف:
ـ"ليست معي هويتي.. معي رخصة القيادة، وهذا الأستاذ.. الأستاذ المتعلم يقول إنني لن أستطيع السحب.. صبرًا.. سترون.. لو أن كلمة من هذا الكلام بلغت ابن خالة زوج عمتي فلن يبقى واحدٌ منكم في مكتبه"

من الغريب أن هذا الطراز من الجعجعة ينجح كثيرًا، وقد اقتاد الأستاذ (محمود) عميله إلى مكتبه ليسوي المشكلة.. لكن الرجل لم ينس أن يصرخ في (جمال):
ـ"أقسم بالله أن من علّمك قد ظلمك!"

لم يستطع (جمال) الرد لأن المدير أشار له من طرف خفي أن يخرس، لكن لو ترك الأمر له لوثب وأنشب مخالبه في عنق هذا الخنزير المتغطرس.. (جمال) من الطراز العصبي الذي توشك روحه على الخروج من أنفه دعك من أنه لم ينم بعد..
*****
أنا في الحمام..
لا أحب الحمامات العامة وأشعر بالبارانويا في هذه الأماكن، لكن لابد من لحظات أتأكد فيها أن كل شيء على ما يرام.. أدخل دورة المياه وأرفع ثيابي لأتأكد من أن القنبلة في مكانها.. طرفا السلك بارزان ينتظران أن ألمسهما حيث يخرجان من تلك الفتحة في جيبي.. كنت أخشى أن يحدث الأمر صدفة، لذا قمت بعزل احد الطرفين..

صوت الصراخ يتعالى من الخارج.. العملاء يعتقدون أننا عبيد أغبياء وأن عليهم أن يصرخوا أولاً قبل طلب أي شيء.. والمشكلة هي أن عليك أن تصمت لأن العميل دائمًا على حق، مدير المصرف بالمرصاد لكل من يعلو صوته بيننا..
http://www.boswtol.com/affareet/images/241/action_02.jpg

هل مظهري طبيعي؟.. هل تبدو أية أسلاك؟
لحسن الحظ أن لدي كرشًا لا بأس به.. لا يكفي لوصفي بالقبح لكنه يخفي هذه الكارثة المعلقة على صدري..
جميل.. جميل..

أنظر لساعتي..
في الثانية عشرة ظهر يوم 5 مايو سوف ينتهي كل شيء.. تنتهي قصة حياتي وعلى الأرجح قصص حياة عدد لا بأس به من الشباب في هذا القسم. نحن نعمل بالطريقة القديمة وليس بطريقة الـ Cubicles الغربية حيث تكون هناك حواجز بين كل مكتب وآخر.. كلنا في مكان واحد ضيق وهذا.. وهذا.. سوف.. يجعل... الضرر....
الصداع من جديد..
كم أحسد (شريف).. برغم معاناته فإن الصداع الذي يصيبه يزول بأقراص (البانادول) أما أنا فصداعي لا يزول.. والأدهى أن طبيعة وضعي تحتم أن أضحك وأبتسم..

الصراخ يتعالى في الخارج.. لابد من أن أخرج لأتولى أمر هذا الرجل الذي يحسبنا خدمًا عنده..

الحادية عشرة والنصف.. الموعد يقترب.. ليت بوسعي أن أطلب منهم أن يستغفروا ربهم.. لكن هذا سيقضي على المفاجأة.. هل سيكونون في عداد الشهداء؟.. أرجو ذلك.. لو كان هذا صحيحًا فإنني أقدم لهم خدمة عظمى!


يتبع...
المصدر
http://www.boswtol.com/affareet/naction_241_01.html (http://www.boswtol.com/affareet/naction_241_01.html)

ايهاب احمد عمر
26-03-2009, 06:06 PM
عن طب المناطق الحارة .. الحلقة الثانية

د. أحمد خالد توفيق

لاحظ كاتب الخيال العلمي (مايكل كرايتون) ملاحظة مهمة هي أن علم الأحياء متأخر جدًا عن باقي العلوم، وبينما كان الإنسان يعرف الكثير من أسرار الكيمياء والفيزياء فإنه كان يجهل الكثير عن جسده وعن طريقة انتقال الأمراض.. إلخ..
اليوم أنت تعرف أشياء كثيرة جدًا كان كثيرون من الأطباء الأوائل يقبلون التضحية بذراعهم كي يعرفوها. فكرة أن تنقل ذبابة المرض أو أن تلدغك بعوضة فتحقن الملاريا في دمك.. هذه أشياء تبدو لنا بديهية، لكنها كانت ألغازًا مطبقة في القرن الثامن عشر، وكان على الطب أن ينتظر كثيرًا جدًا حتى يصل (باتريك مانسون) وآخرون.
حتى لفظة (حمى) كان لها مدلول آخر لدى الأطباء يختلف عن مدلول اليوم الذي يعني (أي ارتفاع في درجة الحرارة). وما زال بوسعك اليوم أن تجد أن قليلي التعليم يعتقدون أن الحمى هي التيفود فقط.
كان من الطبيعي أن يتأخر طب المناطق الحارة كثيرًا جدًا في الميلاد. من ضمن شتى فروع العلم يمكننا القول إن هذا (علم استعماري) أملته ظروف الإمبراطورية، وقد أفاد المستعمر أولاً لكنه أفاد أهالي البلاد بشكل غير مباشر، وفي النهاية ترحل المدافع ويموت الجنرالات لكن العلم يبقى خالدًا.
كانت بريطانيا قد أرسلت أبناءها ليحتلوا العالم وينتشروا في رقعة واسعة تمتد عبر أحراش إفريقيا وجبال الهند وجزر الكاريبي.. هكذا شعر الجميع بأن هناك مشكلة ما.. الأمراض التي تصيب الجنود غريبة جدًا.. أمراض تجعلهم ينامون للأبد، وأمراض تجعل بطونهم تنتفخ، وأمراض تجعلهم يقيئون دمًا، أو يدخلون في غيبوبة مبهمة، أو يصابون بالعمى..
بعض الأمراض كان معروفًا في أوطانهم طبعًا (مثل التيفوس والدرن والسعار) لكن بصورة أقل من هذه الصورة المفزعة التي يرونها في المستعمرات. بعض الأمراض حملها المستعمر هدية لأهل البلاد التي يجهلون عنها كل شيء مثل الزهري، ومقابله حصلوا على مرض يشبهه جدًا اسمه (الياوز yaws).

لهذا وجدت بريطانيا الفيكتورية أن عليها أن ترسل أطباءها لفهم ما يحدث، ولهذا سوف نكتشف في طب المناطق الحارة شخصية غريبة محورية هي شخصية الطبيب العسكري.. الطبيب العسكري الذي يعمل مع البحرية موجود بقوة هنا، منذ نشأ هذا العلم وحتى عرفت مصر وحدة النمرو (وحدة الأبحاث الطبية للبحرية الأمريكية) بمن فيها من أطباء لا يحملون لقب طبيب ولكن لقب (كابتن).
منذ بداية الكتاب يعتذر مؤلفه لأنه لن يذكر أية امرأة لسبب بسيط هو أنه لا توجد امرأة لعبت دورًا في طب المناطق الحارة، كما أنه لن يذكر اسمًا غير بريطاني إلا فيما ندر لسبب بسيط آخر هو أن طب المناطق الحارة علم بريطاني المنشأ، والسبب معروف طبعًا.



http://www.boswtol.com/panorama/images/241/3elm_01.jpg
هناك نماذج في كتب الطب القديمة لوصف الأمراض التي اصطلح على أنها أمراض مناطق حارة.. مثلاً هناك دودة Dracunculus medinensis التي تخترق أنسجة الساق ويظهر طرف ذيلها عند الكاحل. تجدها في كتابات (ابن سينا) باسم (وريد المدينة). ويصف طبيب عربي طريقة العلاج قائلاً: "يربط المريض طرف الوريد أو العصب (لم يكونوا متأكدين من كونها دودة أم وريدًا) على قطعة من الخشب، ثم يلف قطعة الخشب شيئًا فشيئًا حتى يخرج الدودة كلها. يحتاج العلاج لعدة أيام قبل لأن يشفى المريض من الألم"، وهو لا يختلف كثيرًا عن علاج اليوم.
وقد نصح أحد الأساقفة في بيروت الناس بألا يشربوا إلا الخمر ويبتعدوا عن شرب الماء الملوث كي يتفادوا هذه الدودة!.. أما إذا أصررت على شرب الماء فلتصفّه أولاً بقطعة قماش.
وصف الأقدمون كذلك استعمال ثمرة الجوز المقيء لعلاج الدوسنتاريا (الزحار) وكانت النتائج لا بأس بها.. لهذا قام البريطانيون بتكرار التجربة بنجاح، ومن هذه الثمرة استخلصوا مادة (الإيميتين) التي كانت أول علاج للدوسنتاريا الأميبية.
وكما قلنا من قبل كان الاعتقاد هو أن الحمى ليست عرضًا بل هي مرض واحد ناجم عن الهواء الملوث. حتى إن أحد التقارير الطبية يؤكد: "المرض الذي يجتاح الهند حاليا ليس كوليرا بل هو حمى!". احتاج الأمر لفترة طويلة جدًا حتى يقتنع الأطباء بأن الحمى ليست مرضًا في حد ذاتها، بل هي "طريقة الطبيعة في إبداء ضيقها!".
إن القرن السابع عشر هو القرن الذي أدرك فيه الأطباء أن القذارة تنقل المرض، حتى قبل أن يسمعوا عن البكتريا والفيروس. وقد لاحظ أطباء كثيرون أن الدوسنتاريا والكوليرا تأتي من الفضلات البشرية التي تلوث الطعام، وكان الجنود يعرفون أن القمل وقلة النظافة يسببان التيفوس.
في كتابات الرحالة البريطاني الكبير (ليفنجستون) تجد أنه يربط ما بين المستنقعات والملاريا (كان اسمها هو الميازما في ذلك الوقت)، لكنه لا يتوقف عند هذه الفكرة كثيرًا، كما لاحظ معظم أطباء الجيش أن المستنقعات خطرة، لكنهم ظلوا يعتقدون أن المرض ينجم عن العفن والنباتات المتحللة. واسم (الملاريا) ذاته معناه (الهواء الفاسد). برغم هذا ظلوا حائرين: لماذا توجد ملاريا بلا مستنقعات، وتوجد مستنقعات بلا ملاريا؟. ولمدة قرنين اعتقد الجميع أن الملاريا تنتقل بالهواء أو الماء الفاسدين.
إن قصة استخدام لحاء الشجرة (البيروفي) في علاج الملاريا ترجع لعام 1630 .. نحن نعرف اليوم أن هذا اللحاء يحتوي مادة الكينين التي تعالج الملاريا، والقصة الشهيرة على كل حال تتحدث عن زوجة حاكم (بيرو) الليدي (سينكون) التي أصيبت بالملاريا، فعرض أحد السحرة الهنود علاجها عن طريق نقيع يسقيه لها من لحاء إحدى الأشجار.. بعد أيام شفيت تمامًا فأصرت على أن تأخذ معها هذا اللحاء إلى أوروبا، وأطلق الأطباء على الشجرة اسم (سينكونا) وهي الشجرة التي ما زالوا يستخرجون الكينين منها. البعض يرى أن هذه القصة خيالية تمامًا ويميلون للاعتقاد بأن المبشرين الإسبان هم من نقل هذا اللحاء لأوروبا ولذا أطلق على المسحوق اسم (مسحوق الجزويت). أي أن علاج المرض بدأ قبل أن يعرف سببه. وحتى الحرب العالمية الثانية لم يكن للمرض علاج سوى الكينين إلى أن احتل اليابانيون جزر إندونيسيا التي كان العالم يحصل منها على هذا العقار المهم، لذا بدأت الحاجة لتصنيع علاج جديد للملاريا.. ومن هنا ولد (المبياكرين).

كان طب المناطق الحارة يشهد أعوامه الأولى، لكن كان عليه أن ينتظر قدوم أهم أعلامه وأول من كتب مرجعًا كاملاً عنه: الطبيب البريطاني (باتريك مانسون).....

يتبع...

http://www.boswtol.com/panorama/npanorama_241_07.html (http://www.boswtol.com/panorama/npanorama_241_07.html)

high hopes
28-03-2009, 12:48 PM
نشوات قديمة


ولـــدي

http://www.boswtol.com/tafaneen/images/241/kalam_01.jpg


تعرف الممثل العالمي (ريتشارد هاريس) طبعًا، هو الذي لعب دور (دمبلدور) في أفلام (هاري بوتر) الأولى قبل أن يموت عام 2003. (هاريس) كذلك كان مطربًا لا بأس به.. وقد قدَّم لنا هذه الأغنية الحزينة عام 1971. راقت الأغنية للملك (ألفيس بريسلي) فغناها مرة أخرى عام 1974، وحققت نجاحًا ساحقًا، وبالنسبة لمعظم الناس لا يعرفون الأغنية إلا بصوت ملك الروك الجهوري الرنان.
الأغنية يغنيها أب لابنه الصغير النائم الذي لا يفهم ما يدور حوله بالضبط.. إن علاقة أبيه بأمه لم تعد على ما يرام.. لكنه سوف يتحمل من أجل الصغير، وهو مسرور؛ لأن ابنه مازال بريئًا لا يعرف بعد كمْ أن الحياة غير عادلة! من الغريب أن نسخة (هاريس) أجمل بكثير من نسخة (بريسلي)؛ لأن صوت (هاريس) المنهك الواهن وصدقه يفوقان بكثير حرفية (ألفيس بريسلي) وقوة حنجرته واستعراضه لأحباله الصوتية. هذا رأيي الشخصي على كل حال، وأغنية "ألفيس" موجودة في الصفحة ذاتها إذا أردت سماعها. لقد كانت أغنية هاريس سهمًا من الصدق موجَّهًا للقلب فأصابه على الفور. من الغريب كذلك أن "ألفيس" له أغنية مماثلة موجَّهة لزوجته يتحدث فيها عن ابنتهما التي (ستفهم يومًا ما عندما تكبر لماذا لا يعيش أبواها معًا؟!).. يبدو أن "ألفيس" متخصص في الأغاني التي تتحدث عن مصير الأطفال في البيوت المتفسخة!
سمعنا هذه الأغنية للمرة الأولى في أواخر السبعينيات في برنامج (اخترنا لك) الذي كانت تقدِّمه (نجوى إبراهيم)، ومنذ ذلك الحين ظلت في أسماع المهتمين بالغناء الغربي من جيلي..
سوف تحب هذه الأغنية كثيرًا وتجدها صادقة فعلاً، وإن كانت تترك جرحًا غائرًا في النفس.. ويمكنك رؤيتها وسماعها على الوصلة التالية:




http://www.boswtol.com/tafaneen/images/watch.jpg (http://www.youtube.com/watch?v=AQkBOBIXalo)

You're sleeping son, I know
But, really, this can't wait
I wanted to explain
Before it GETS too late

أعرف أنك نائم الآن يا بني
لكن حقًا هذا الموضوع لا يحتمل الانتظار..
أردت أن أشرح لك
قبل فوات الأوان.

For your mother and me
Love has finally died
This is no happy home
But God knows how I've tried

بالنسبة لأمك ولي
قد مات الحب أخيرًا..
هذا ليس بيتًا سعيدًا..
لكن الله يعرف كم حاولت منع ذلك..

Because you're all I have, my boy
You are my life, my pride, my joy
And if I stay, I stay because of you, my boy

لأنك كل ما أملكه يا ولدي..
أنت حياتي.. كبريائي.. بهجتي..
ولو بقيتُ فأنا باقٍ من أجلك أنت
يا ولدي..

I know it's hard to understand
Why did we ever start?
We're more like strangers now
Each acting out a part

أعرف
أنه من الصعب أن نفهم
لماذا بدأنا أصلاً؟
نحن غريبان الآن
يمثل كل منهما دورًا..

I have laughed, I have cried
I have lost every game
Taken all I can take
But I'll stay here just the same

لقد ضحكت.. لقد بكيت..
لقد خسرت كل لعبة..
وتحملت فوق طاقتي..
لكنني سأظل هنا مهما حدث..

Because you're all I have, my boy
You are my life, my pride, my joy
And if I stay, I stay because of you, my boy

لأنك كل ما أملكه يا ولدي..
أنت حياتي.. كبريائي.. بهجتي..
ولو بقيت فأنا باقٍ من أجلك أنت
يا ولدي..

Sleep on, you haven't heard a word
Perhaps it's just as well
Why spoil your little dreams
Why put you through the hell

واصل نومك.. فأنت لم تسمع شيئًا..
ربما كان هذا أفضل..
لماذا أُفسِدُ أحلامك الصغيرة؟
ولماذا أضعك في الجحيم؟

Life is no fairytale
As one day you will know
But now you're just a child
I'll stay here and watch you grow

الحياة ليست قصة خيالية جميلة
كما ستعرف يومًا ما
لكنك الآن مجرد طفل..
سأبقى هنا وأراقبك وأنت تنمو..

Because you're all I have, my boy
You are my life, my pride, my joy
And if I stay, I stay because of you, my boy

لأنك كل ما أملكه يا ولدي..
أنت حياتي.. كبريائي.. بهجتي..
ولو بقيت فأنا باقٍ من أجلك أنت
يا ولدي..



http://www.boswtol.com/tafaneen/nkalamxfan_241_02.html

yassmen.hassan
31-03-2009, 12:15 PM
فرح عديلة ؟ .. هِدّ ..هِدّ بلا نيلة


بقلم د. أحمد خالد توفيق


يقول أحد قوانين (مورفي) الساخرة الشهيرة: "كل شيء جيد لابد أن يجد من يوقفه يومًا ما". تذكرت هذا القانون عندما عرفت أن خطة تجديد التلفزيون المصري تضع ضمن أولوياتها العظمى وقف برنامج (نادي السينما) الذي تقدمه المذيعة الراقية (درية شرف الدين)، والذي اتضح أنه سبب تخلف الإعلام المصري وتدهوره.
نادي السينما !.. حدثني أنا عن نادي السينما .. !.. لا يمكن أن أتكلم عنه من دون أن أستدعي تراثا هائلاً من الذكريات: رائحة البخور في البيت قبل صلاة الجمعة .. العودة من الصلاة لتسمع اللحن المميز الشبيه بالأجراس لبرنامج (عالم الحيوان)، وصوت مقدمه الرخيم الذي يخلق عالمًا كاملاً: "إنه ذكر وعل الاستبس يفرض سيطرته على مملكته". هذا البرنامج سيتم وقفه على سبيل التطوير أيضًا على فكرة. من مكان ما يدوي صوت الكحلاوي الحراق الذي يذيبك من الداخل بعبق التدين المصري السمح: "حب الرسول يا با دوبني دوب" و"أنا جسمي عليل ودواه النبي".. صوت له رائحة البخور والقهوة المحوجة. تشعر بقشعريرة وفخر لأنك مصري .. على فكرة أصدقاء مسيحيون كثيرون كانوا ومازالوا يعشقون صوت هذا الرجل. ثم يأتي اللحن المميز لبرنامج الشعراوي، ثم الصوت الدافئ (العِشَري) لكابتن محمد لطيف الذي كان أبي يطلق عليه (أم كلثوم الكرة). هذه هي تفاصيل عالمك وربما خلاياك ذاتها. ثم يأتي يوم السبت الذي كنت تنتظره طيلة الأسبوع .. في مجلة (الإذاعة والتلفزيون) مقال مهم عن فيلم الليلة بقلم د. درية .. في المساء يأتي البرنامج بموسيقاه المميزة منذ كانت لحن (التانجو الأخير في باريس ) لباربيري ثم صارت اللحن الذي يحفظه هذا الجيل. الحلقة من إعداد خبير سينما مثل( يوسف شريف رزق الله) ويستضيف ناقدًا في حجم (سامي السلاموني) أو (أحمد الحضري) أو (أحمد رأفت بهجت).. الخ. دعك من مقدمته المثقفة الرزينة التي تمثل حزب (بنات العائلات الطيبة) وتشعر كل مشاهد أنها أخته أو ابنة جارته أو زميلته المحترمة في العمل. ودعك من ثقافتها السينمائية الواسعة ولغتها العربية الممتازة، وغيرتها الشديدة على البرنامج لدرجة ضيقها الذي لا تخفيه عندما يهاجم ضيف الحلقة الفيلم. امتزجت هي بالأفلام الجيدة التي تقدمها لدرجة أنهم صاروا شيئًا واحدًا، وأعتقد أنني كنت المراهق الوحيد في الصف الثاني الإعدادي الذي يعلق لها عشر صور في غرفته. ترى الفيلم فتتشربه وينفذ إلى خلاياك أكثر ألف مرة من مئات الأفلام الغربية المتناثرة على الفضائيات اليوم.. الفضائيات التي لا تهمد ولا تعلق بذاكرتك أبدًا. كل هذه الأعوام وبرنامج (نادي السينما) مستمر ويحبه الجميع .. لم تحدث مشاكل سوى تلك الفترة التي تركه فيها (يوسف شريف رزق الله) ليصنع برنامج (أوسكار) على القناة الثانية، فتقع عملية انتقاء الأفلام على عاتق (محمد قناوي) المخرج .. بعض الأفلام لم يكن ذا قيمة ما، وبعضها يندرج تحت ما يسميه الغربيون بأفلام (مرض الأسبوع) حيث يصاب فلان بسرطان الحواجب ويصمم على أن يقاوم باقي الفيلم .. الخ. لكن عرفنا أن هناك حربًا شعواء على البرنامج، وأن صانعيه يقاتلون فعلاً للحصول على الأفلام الجيدة .. هناك عصابة ما تطارد (درية شرف الدين) في كل مكان وفي كل زمان، وحتى عندما صارت مديرة الرقابة استقالت لمشكلة لم نفهم تفاصيلها. اليوم يتم القضاء على هذا البرنامج الجميل وهو بكامل لياقته والكل يحبه، طبقًا لسياسة (هل ما زالت هناك نافذة يدخل منها النور ؟.. يا نهار اسود !.. ) أو سياسة (فرح عديلة ؟ .. هِدّ .. هِدّ بلا نيلة).. وهكذا يسرقون في كل يوم جزءًا جميلاً من عالمنا، والنتيجة معروفة .. الفضائيات ليست غبية وسوف تلتقط على الفور هذه الجوهرة التي تخلص منها التلفزيون المصري. تقول د. درية إنها فشلت في مقابلة أنس الفقي الوزير الذي قالوا إن البرنامج توقف بناء على تعليماته، وتضيف بطريقتها المهذبة المعتادة لجريدة البديل: "المنافسة أصبحت أصعب ونحن لا نملك ورقة للعب سوي المواد الثقافية والفنية القيمة التي يمكن أن تستمر بفعل الحراك الثقافي الموجود في مصر دون غيرها من الدول، وعدد المثقفين المصريين الذي يحيط بنا في مختلف المجالات، أما البرامج السياسية وبرامج المنوعات وحتى برامج الأطفال فقد أخفقنا فيها بقوة، وخرجنا من ساحة التنافس بعد سيطرة الفضائيات التي تتحرك أسرع وبميزانيات أضخم".
تقول كذلك إن برنامجها تم إلغاؤه مع برامج أخرى مثل كنوز مسرحية وعالم الحيوان وحدث فى مثل هذا اليوم وحكاية مكان .. هذه سياسة متعمدة إذن وليست سياسة هذا الموظف الغبي أو ذاك. وماذا سيقدم التلفزيون بدلاً من برنامجها ؟.. أعتقد أنهم سيقدمون عملاً ثقافيًا مذهلاً يشيب لهوله الولدان وتبكي النساء ويصفعن خدودهن انبهارًا .. هكذا يكون التطوير فعلاً..
هذا المقال ليس بكاء على الأطلال .. إنه بلاغ عن سرقة بالإكراه لجزء مهم جدًا من عالمنا. الحقونا قبل أن يسرقوا منا الكحلاوي أيضًا.

الخليج البريطاني:

أرسل لي صديقي الصحفي الشاب المفعم حماسة ونارًا (إيهاب عمر) خبرًا عن تحقيق كتابه (الخليج البريطاني) نجاحًا ساحقًا في معرض الكتاب بالرياض. (إيهاب) – الذي كتب عنه عمنا (أحمد فؤاد نجم) مقالاً كاملاً ذات مرة – عاشق صحافة، وهذا يعود لأسباب جينية قوية تجري في دمه ولن أذكرها لأنه يتضايق من ذلك، وقد قرأت كتابه وراق لي جدًا برغم جفاف الأسلوب نوعًا .. الكتاب يحوي معلومات لا أعرف عُشرها، ومن الصعب أن تصدق ان هذا الشاب حديث السن بذل هذا الجهد في عمل شبه أكاديمي. وقد اعتمد على 106 وثائق ليقدم للقارئ بانوراما كاملة عن نشأة إمارات وممالك الخليج، وهي بانوراما محزنة أحيانًا مضحكة أحيانًا، ولا تُصدق أحيانًا حتى إنني تمنيت أن يقوم بتصفية ثانية لبعض القصص لأنني ارى فيها بعض التجني. هذا الكتاب بالذات يُعرض وينجح في معرض الرياض للكتاب..! .. هو فيه ايه يا جدعان ؟.. الحمل الفصيح يدخل عرين الأسد ليبدي رأيه فيه بصراحة، والأسد يصفق ويشكره. حتى الولايات المتحدة لم تتحمل أمثال إيرفنج و ميرشايمر ووالت وأذاقتهم الويل. لكن على الفور وفي اليوم ذاته عرفت أن الأمر كله كان غلطة .. قامت إدارة المعرض بمصادرة الكتاب ومعه كل كتب الدار الناشرة مع إغلاق جناحها .. ثم تم التحقيق مع ايمن شوقي ( مندوب الدار بالمملكة ) لمدة أربع ساعات من قبل مسئولي وزارة الاعلام، مع اقالة وكيل الوزارة لانه المسئول عن المعرض. والسؤال هنا هو: لماذا سمحتم لهم بعرض الكتاب في المعرض ؟.. من السهل منذ اللحظة الأولى أن تقولوا إن هذا الكتاب لا يناسبنا وممنوع عرضه. لكن ما حدث فعلاً هو أن أحدًا لم يقرأ الكتب قبل عرضها. بالطبع نرفض مبدأ مصادرة الكتب، لكن إذا صار حقيقة لا مفر منها فنحن نرفض مبدأ السماح بالكتاب ثم معاقبة ناشريه، فهم لم يقوموا بتهريبه للمملكة. أيمن شوقي الروائي المصري ومندوب دار النشر يواجه القضاء السعودي وحده ولم يوكل له أحد محاميًا، بينما يمطر الشاب (إيهاب عمر) كل الجهات السعودية بخطابات الاعتذار التي يلقي فيها بالمسئولية الكاملة على نفسه والمراجع التي استعملها.
فإذا تركنا السعودية وجئنا إلى مصر، لوجدنا أنني لم أعرف أخبار صديقي الشاب (مجدي الشافعي) منذ فترة .. (مجدي) صاحب القصة المصورة (مترو) التي نشرت جريدة الدستور بعض صفحاتها. تبين لي أن أخبار مجدي (زي الطين) لأنه سيحاكم في قضية آداب بسبب عبارات مخلة في قصته التي صودرت مئات النسخ منها. أنا لم أقرأ القصة كاملة لكن الصفحات التي نشرت في الدستور كانت خالية من أية قلة أدب، فهل عنق مجدي مهدد لأنه قليل الأدب أم لأنه تكلم بصراحة أكثر من اللازم ؟.. سوف نعرف الحكم الصادر عليه ونفهم أكثر.

محمد عبد الرحمن
03-04-2009, 01:16 AM
خواطر فيش بوكية

فنان في قطار:
قالت لي متحمسة متلاحقة الأنفاس إنها قابلته.. كان هناك معها في ذات عربة القطار، وقد رسمها وأهداها الكراس الذي كان يخط فيه رسومه طيلة الرحلة..
عمن تتكلمين؟ عن الفنان (مصطفى حسين) طبعًا.. كان في القطار العائد من دمنهور منهمكًا في رسم وجوه الناس الجالسين وبينهم وجهها، وقد لاحظت هي أسلوب رسمه فسألته عما إذا كان هو الفنان (مصطفى حسين)، فهزّ رأسه أن نعم.. هكذا التفتت عربة القطار كلها حوله..
لم يكن معظم الناس يعرفون شكل (مصطفى حسين) في تلك الفترة، فلم يكن يظهر في لقاءات تليفزيونية أبدًا، لكن كل الناس كانوا يعرفون عن ظهر قلب شخصياته الخالدة: عبد الروتين وقاسم السماوي وكمبورة وسواهم...
قلت للآنسة المتحمسة إنني لم أرَ قط فنانًا يجلس في مكان مزدحم ليستعرض فنه علانية ما لم يكن من متسوّلي الشانزليزيه في باريس. عملية الخلق الفني شخصية حميمة جدًا ويتعامل معها الفنان كعورة.. بيرم التونسي العظيم كان يتكلم كلامًا مُملاً عن الطبخ والتوابل عندما يجلس مع الناس، وأحمد رجب وصلاح جاهين كانا أقرب إلى الاكتئاب والصمت، وقد فشلت أية محاولة لإقناع الأخير برسم كاريكاتور على الهواء في أي برنامج تلفيزيوني.. ثم إنني لا أتصور شخصًا في براعة وموهبة مصطفى حسين يستعرض عضلاته لإبهار ركاب القطار.. على كل حال دعينا نرَ هذه الرسوم..
كما توقعت كانت رسومًا ساذجة جدًا.. رسومًا يرسمها كل شاب يحاول بلا براعة تقليد مصطفى حسين في شخصياته الشهيرة.. لكن معظم الناس عاجزة تمامًا عن تمييز الرسم الجيد من السيئ.. ولهذا يعلقون تلك اللوحات القبيحة في صالونات ديارهم، تمثل بطة تسبح في بركة أو طفل يبكي.. إنه رسم إذن هو فن..
كانت هناك في الكراس محاولات بلهاء جدًا لرسم وجهها، مع تعليق يقول: "ليتني قابلتها منذ فترة.. خسارة..". الأخ جالس يحب كذلك ويكتب خواطره علنًا بدلاً من أن تظل خواطره.. إنها الصورة البلهاء القديمة في الأفلام العربي للشاعر الحالم الجالس على المقهى يكتب (كلام جامد جدًا). هناك كذلك أبيات شعر يزعم أنه كتبها فورًا عندما رآها.. طبعًا هي أبيات لنزار قباني لكن صاحبتنا لا تعرف..
قلت لها إنني لا أعتقد البتة أنها قابلت مصطفى حسين في القطار، وأنه أعجِب بها ورسمها وكتب فيها شعرًا.. هذا مريض نفسي مولع بالشهرة لا أكثر وقد خدع ركاب القطار كلهم، ولم يترك فتاة إلا ورسم لها لوحة قبيحة جدًا أهداها لها..
كانت متعصبة وسخرت مني، وقالت إنني كالعادة لا أفقه شيئًا. بعد أعوام كان جهاز التليفزيون مفتوحًا وثمة لقاء مع فنان الكاريكاتور العظيم (مصطفى حسين)، فظهر على الشاشة بوجهه المميز الشهير.. عندها رأت وجهه للمرة الأولى.. يمكنك أن تتخيل الحيرة والشعور بالغباء اللذين غمرا وجهها.. نظرت لها محاولاً ألا أظهر التشفي وسألتها:
ـ"هل هو رجل القطار؟"
اتسعت عيناها في غيظ وهمست بصوت كالفحيح:
ـ"لا.. لكن.. هناك خطأ ما.. لقد كان هو.. أنا متأكدة من ذلك.."
والنتيجة هي أنها تكرهني بجنون حتى اليوم.. أنت تعرف السبب طبعًا.. لقد أرادت أن يكون هذا كله حقيقيًا، بينما أنا أذكرها بأنها سهلة الخداع ساذجة كطفل..
تقمُّص وتقمُّص:
تذكرت هذه القصة عندما أخبرتني إحدى الصديقات أنني أرد على القراء في موقع فيس بوك ردودًا لطيفة مجاملة. راق لي الأمر وسررت لهذا المديح.. أحب من يقول لي إنني لطيف مجامل، لكن هناك مشكلة واحدة هي أنني لا أتعامل مع فيس بوك أبدًا!.
طبعًا لا أنوي أن أقارن نفسي بمصطفى حسين؛ لأنني لا أملك موهبته وشهرته وروعته، لهذا يبدو التشبيه متطرفًا أقرب إلى الغرور والوقاحة، لكن التقمص بالتقمص يذكر..
هناك من يتقمص شخصيتي على فيس بوك ويرد باسمي.. طبعًا هذا شيء لطيف ويفيدني كثيرًا، لكن هذه هي المرحلة الأولى التي لا أضمن ألا تتحول إلى مرحلة ثانية.. فالأخ المتحمس لن يكتفي بدور السكرتيرة الأمينة للأبد. منذ أعوام تسللت إحداهن إلى صندوق بريدي الإلكتروني، وراحت تتسلى بمراسلة القراء باسمي.. ثم بدأت لعبة إرسال رسائل عاطفية للقارئات وتحديد مواعيد للقاء، وأحيانًا تعطي مواعيد لثلاث فتيات في مكان واحد فيلتقين ويكتشفن الخدعة.. عرفت هذا من خطابات السباب التي انهالت على رأسي من (ضحاياي)..
هذا الأخ الذي يرد باسمي في فيس بوك سوف ينتقل لهذه المرحلة حتمًا..
لغز الفيس بوك:
منذ أن رأيت موقع الفيس بوك للمرة الأولى عرفت أن زماني قد انتهى وأنني صرت شيخًا فانيًا.. لم أفهم شيئًا على الإطلاق وبرغم أنني قرأت عن الواقع الافتراضي و(الحياة الثانية) من قبل، فإن الأمر بدا لي محيرًا وغامضًا.. هذا مجتمع كامل على الفضاء السايبري، مطلوب منك أن تتبادل رسائل، وتخمن ما يقرأ فلان من كُتُب وما تلبسه فلانة الآن، وفي أي شيء تتفق أنت وفلان، وأن تعرف أن فلانة غيرت صورة البروفيل الخاصة بها.. بوسعك أن تهدي هدية لفلان وأن تلكز Poke فلانًا.. تخمن ما الذي تفكر فيه وتكتب على الجدار.. وكل هذا يتم مع نحو خمسين شخصًا.. الأجمل أن الموقع يزداد تعقيدًا كما يبدو؛ لأني وجدت مجموعة تطالب بالعودة للشكل القديم السهل.. يخيل لي أن الفيس بوك مفيد فقط في تنظيم الإضرابات وتسهيل اعتقالك، لكن فيما عدا هذا هو وسيلة عبقرية لالتهام الوقت.
وجدت بانتظاري هناك نحو 350 دعوة من أصدقاء محترمين.. كما وجدت مثلهم في مجتمع آخر اسمه Hi-5 ومثلهم في مجتمع اسمه Zorpia.. المشكلة هي أنني لا أستطيع التحرك في هذا الموقع الشيطاني، وأضل طريقي فيه كطفل في مجمع التحرير. وكم من مرة اضطررت أن أغلق الجهاز نفسه لأخرج.. والنتيجة التي توصلت لها هي أنني لن أتعامل مع فيس بوك أبدًا إلا لو أخذت إجازة بدون راتب لمدة ستة أشهر أتفرغ فيها لِلَكْز الناس. هناك أربعة أو خمسة استثناءات أولها بالطبع فنان الكاريكاتور (شريف عرفة) برغم أننا لم نتبادل رسالة واحدة عبر فيس بوك، أما عن الأصدقاء الآخرين فأنا أجد رسالة في بريدي تخبرني بأنهم أرسلوا لي.. أفتحها فأجد نفسي بالضبط أمام رسالتهم ومربع الرد المخصص لها..
لماذا أحكي هذه القصة الطويلة المملة؟.. لأقول وأؤكد أنني لا أتعامل مع فيس بوك ولا أعرف كيف، والمرة الوحيدة التي نشرت ردًا فيه كان ذلك بمساعدة صديقي الأديب الشاب الظريف (ياسر حماية).
أية كلمات لي على الفيس بوك ليست لي في الواقع ما لم تكن مقتبسة من كتابات سابقة. لنتفق على هذا.. أما إذا شعرتَ بحيرة وشك فعليك أن تسأل (أحمد خالد) الودود هذا عن اسم القصة التي ستصدر بعد ثلاثة أعداد من سلسلة سافاري.. ما العدد بعد القادم من روايات عالمية للجيب؟.. متى يلتقي رفعت إسماعيل بالكاهن الأخير مرة أخرى؟ ما اسم القط الذي تربيه مريم ابنته؟..
فقط أرجو ألا أكون قد تأخرت كثيرًا ويكون هذا الأخ الودود قد بدأ في إرسال أشعار مسروقة من نزار قباني للقارئات أو بدأ يرسم وجوههن..

المصدر بص وطل
http://www.boswtol.com/5gadd/nsahsah_242_06.html

vipdoaah
03-04-2009, 08:21 PM
عن طب المناطق الحارة (3)


د.أحمد خالد توفيق

هل ما زلت معنا؟.. جميل.. هذا يعني أنك صبور وسوف تتحملني حتى النهاية..
كنا في عصر بدأ يعرف الكثير عن انتقال الأمراض وإن ظلت الصورة العامة غامضة جدًا.. روبرت كوخ الألماني وباستير الفرنسي يسددان الضربات لكل مسلمات العلم السابقة.


http://www.boswtol.com/panorama/images/242/3elm_01.jpg
مانسون


الحرب العظمى بين البلدين دارت في المختبرات وليس في ساحة القتال. سوف ندرك لو درسنا حياتي الرجلين أن كوخ كان عالمًا صارمًا قاسيً